لم يكن مفاجئاً ما يحدث في المنطقة العربية حالياً وإن جاء هذه المرة مختلفاً قليلاً عما عهدناه سابقاً؛ حيث أن الأزمة هي بين قطر والسعودية والإمارات ومصر وكلها دول دائرة في الفلك الأمريكي، كما لن يكون مفاجئاً في الأخير أن نكتشف ان إسرائيل هي وراء كل هذه الخلافات بين الدول العربية، والمستفيد الأكبر أيضاً.

فمن المعلوم أن إسرائيل تعتمد سياسة الابتزاز ولي الذراع سواءً بحق الدول أو الشخصيات لتنفيذ ما يراد القيام به منهم،

لن يكون الرئيس المنتخب ترامب استثناءً من الرؤساء السابقين الذين يتم الدفع بهم بعد أي اخفاق أو فضيحة للتخلص من أزمته بالتوجه نحو الخارج وافتعال الأزمات الخارجية للتغطية على الأزمات الداخلية، بل يمكن القول إن ترامب محاط بالأزمات والفضائح منذ اللحظة الأولى لولايته سواءً ما يتعلق بعلاقة الروس بحملته الانتخابية أو اخفاق إدارته المتكرر والمتمثل في مسلسل الإقالات والاستقالات، وقد جرت العادة في العرف الأمريكي أن تتوجه الإدارة التي تتعرض لفضيحة أو اخفاقٍ ما إلى تصدير أزمتها إلى الخارج،

بدأ الرئيس الجديد ترامب بأول عملياته الخارجة في منطقة "يكلا" التابعة لمحافظة البيضاء في اليمن بعد أيام من ولايته الأولى ليخرج بتصريحات تؤكد نجاح العملية وأنها حصلت على كنز من المعلومات، تسرب منها اتهامات لقطر بتمويل القاعدة والحركات الإرهابية، ليتجه بعدها إلى ضرب الشعيرات في مطلع أبريل الماضي كنوع من الهروب إلى الأمام،

جاءت زيارة ترامب إلى الرياض وفاءً بتعهداته الانتخابية بامتصاص الأموال الخليجية مقابل حمايته لهم ولأنظمتهم، وليسجل لنفسه قصب السبق في الحصول على أكبر صفقة بيع سلاح في التاريخ للسعودية بمبلغ 110 مليار دولار لتصل إلى حوالي نصف ترليون دولار على مدى العشر سنوات المقبلة،

في أثناء ذلك المهرجان "الترامبي" في الرياض كانت إجراءات التحقيق جارية على قدم وساق بشأن علاقته بالروس واتهامات بإفشائه أسرار تضر بالأمن القومي الأمريكي لوزير خارجية روسيا سيرجي لافروف.

هنا كان التصدير مختلفاً فقد عمدت الأيدي الخفية إلى فتح ملفٍ خلط الأوراق في المنطقة بشدة، وصوب أسهم الإعلام بعيداً عن ترامب وصهره كاشنير إلى الإمارة الخليجية... قطر؟

لم يكن تحليلاً القول بأن فصول الأزمة تم الإعداد لها أثناء زيارة ترامب للرياض، فقد لوحظ يومها اتهام ترامب للأمير تميم بدعم بلاده للإرهاب فرد عليه الأمير مطالباً إياه بالدليل فأشار الرئيس الأمريكي بيده إلى الزعماء الحاضرين!!!

بعد اندلاع الأزمة غرد ترامب بما يؤكد ذلك بقوله إن جميع الدلائل تشير إلى دعم قطر للإرهاب، كما أردف بتغريدة أخرى تكشف دوره في هذه الأزمة بقوله من الجيد أن ترى أثار اجتماعك بخمسين زعيماً في محاربة ممولي الإرهاب، مؤكداً أن عزل قطر سيكون البداية للقضاء على الإرهاب،

من جهة أخرى طالبت السعودية والإمارات الرئيس الأمريكي بممارسة الضغط على قطر للوفاء بالتزاماتها بمحاربة الإرهاب والانتظام في سلك السياسة المعلنة تجاه إيران، والإخوان وملفات أخرى.

لكن ما أن غادر الرئيس ترامب الرياض حتى أعلنت وسائل إعلام سعودية وإماراتية عن سفر وزير خارجية قطر إلى العراق ليلتقي بقاسم سليماني مباشرة، وهو أمر لم تنفه قطر حتى الساعة، وكان قاصمة الظهر بالنسبة للسعودية والإمارات هو الاتصال الهاتفي من أمير قطر مهنئاً الرئيس الإيراني بقدوم شهر رمضان المبارك. ما جعل الدولتان على يقين لا شك معه بخروج قطر عن الاجماع الخليجي والسياسة المتبعة في المنطقة.

الأزمة لم تكن وليدة المهرجان الترامبي بل إن جذورها التاريخية تعود إلى لحظة ولادة قطر نفسها في القرن الماضي حين حاولت السعودية والإمارات احتوائها؛ بينما ادعت السعودية أنها جزء من إقليم الأحساء التابع لها،

لم يشفع لعلاقات قطر والسعودية أنهما يتبعان نفس المذهب الوهابي، أو أنهما عضوان في مجلس تعاون خليجي، نشبت خلافات حدودية ونفطية بين البلدين توجت بحرب الخفوس الخاطفة عام 92، كما أن تلك العلاقات لم تمنع السعودية والإمارات من التدخل في الشؤون الخارجية لقطر سواء في انقلاب او انقلاب مضاد، وحسب سايمون هندرسون المتخصص في الشأن الخليجي والكاتب في معهد واشنطن ومجلة فورين بوليسي الناطقة باسم المحافظين الجدد فإن السعودية والإمارات شاركتا في محاولة اغتيال الأمير حمد واثنين من أشقائه،

المخاوف القطرية من الجارتين الخليجيتين دفعها إلى اتباع سياسة تضمن لها السلامة والبقاء، والحفاظ على ثرواتها التي لفتت أنظار الرياض وأبو ظبي على الدوام،

قامت الإمارة الخليجية ببناء جهاز إعلامي قوي، وعمدت إلى توثيق علاقاتها الإقليمية وإن ظهرت بشكل متناقض (علاقات دافئة وقوية مع إيران وأخرى مع تركيا، وتطبيع متصاعد مع الكيان الصهيوني) كما توجهت الدوحة إلى القوى الدولية الكبرى كالولايات المتحدة وبريطانيا، واعتم]ت أيضاً عل ىشركات العلاقات العامة لتحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي،

على صعيد آخر تبنت قطر دعم وتمويل حركات لها تأثيرها الواسع في الشارع العربي والإسلامي (حركة الإخوان المسلمين).

كان الهدف من توثيق علاقاتها مع الجار الإيراني هو خلق توازن يسمح لها بمواجهة المخاوف من جارتيها السعودية والإمارات، لتقوم قطر بتوقيع اتفاقية أمنية مع الجار الإيراني مطلع أكتوبر 2015.

علاقتها بالإخوان المسلمين إضافة إلى المخاوف السابقة جعلها تتجه أيضاً بقوة إلى "تركيا أردوغان" المصنفة على التيار الإخواني، تلك العلاقات وصلت حد التوقيع على اتفاقية دفاعية مشترك ضمن 16  اتفاقية وقعها أردوغان في الدوحة عام 2015 كما استضافت قطر قاعدة تركية لتأمين نفسها من المخاطر المحتملة،  وعلى غير عادة أثبت التركي وفاءه فقد تم التصويت في البرلمان التركي (7 يونيو الجاري)  على السماح بنشر قوات تركية في القاعدة التابعة لها في قطر.

بالنسبة للعدو الصهيوني فإن انتهاج قطر لخطوات التطبيع المتصاعدة ناتج عن الضغوط الأمريكية التي لا قبل للدوحة بمقاومتها، مع توجه عام خليجي منفتح تجاه إسرائيل.

قطر والربيع العربي

مع اندلاع أحداث الربيع العربي لعبت قطر دور العراب في هذه الأحداث الدامية، كما كان ذراعها الإعلامي القوي (الجزيرة) يلعب دوراً خطيراً في تأجيج المشاعر وتثوير الشارع العربي لإسقاط الأنظمة المستهدفة من تونس إلى اليمن.

كانت القناة القطرية قد حصلت على وسام المقاومة والعروبة بعد تغطيتها المميزة للعدوان الصهيوني على لبنان 2006، ما منحها ثقة لدى الشارع العربي تعززت بتسويق أنباء عن عزم بريطانيا وأمريكا قصف مقر الجزيرة لتحصل القناة على تعاطف سيكون له أثره ودوره في مرحلة قادمة.

لكن ولأمرٍ ما تستضيف الدوحة رئيس الكيان الصهيوني الهالك شيمون بيريز ويتجول داخل استديوهات قناة الجزيرة مصافحاً العاملين فيها رجالاً ونساءً لتدخل بعدها القناة في مرحلة الاستعداد لما هو قادم.

النظام الرسمي القطري كان منغمساً من رأسه حتى أخمص قدميه في دعم وتمويل وتسليح القاعدة وداعش والحركات الإرهابية المسلحة في كل من سوريا وليبيا واليمن خلال وبعد اندلاع أحداث الربيع العربي، ذلك الدعم والتمويل لم يكن بعيداً عن سمع وبصر بل ومباركة واشنطن والعواصم الغربية، ولكن ذلك الصمت كان مؤجلاً لوقته وإملاءً للدوحة للتورط أكثر.

ليس صحيحاً أن الدوحة كانت الداعم الوحيد للقاعدة وداعش؛ بل إن السعودية والإمارات أيضاً لهما دور قد يفوق الدور القطري في هذا المجال، فلماذا تتهم الدوحة فقط بذلك؟

إن المرور السريع على علاقة الدوحة بالجار الإيراني الذي لا يروق للسعودية، وكذلك الإمارات بالتبعية جعلها في مرمى "الاستهداف بالأولوية"، ونركز على مصطلح الاستهداف بالأولوية لأنه قد بدأ ملاحظة الاتهام للسعودية بنفس التهمة في وسائل الاعلام الأمريكي مؤخراً.

الأزمة في إطارها الطبيعي

لوضع الصورة في إطارها الذي يزيدها وضوحاً يجدر بنا التعريج على تصريحات ألقاها الأدميرال الأمريكي المتقاعد جيمس سترافيديس، نشرتها مراكز الأبحاث الأمريكية عقب مغادرة ترامب للرياض أكد فيها بلا مواربة أن الهدف من إنشاء ما يسمى بالناتو العربي إنما هو لمواجهة إيران وليس اليمن كما يتردد بسهولة، ومضى في وضوح الرؤيا العسكرية بقوله إن المنطقة “مقبلة على حدث ينتظر العالم الاسلامي شبيه بالصراع الديني الذي اجتاح اوروبا داخل المذاهب المسيحية، تزهق فيه أرواح بأعداد ضخمة.” في إشارة إلى حرب الثلاثين عاماً (1618 – 1648) التي خاضتها الدول الأوربية بعناوين طائفية راح ضحيتها أعداد هائلة من الناس، وانتهت بعقد معاهدة وستفاليا التي تغيرت بموجبها الحدود الجغرافية و نشأت الدولة القومية الأوربية، وقد بشر بها لمنطقتنا العربية قبله ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرهما من منظري السياسة الخارجية الأمريكية.

كما يجدر الإشارة إلى تصريحات أدلى بها هنري كسينجر وزير الخارجية الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية لصحيفة ديلي سكيب عام 2011 قائلاً إن المنطقة العربية ستشهد الحرب العالمية الثالثة والتي ستنطلق شرارتها باستهداف إيران وستسقط فيها أعداد هائلة من العرب وأن طبولها قد قرعت منذ مطلع 2011 ومن لا يسمعها فلا بد أنه أصم.

"حرب على العراق منذ مطلع الثمانينيات، ولبنان، وليبيا في 2011، والحرب الجارية الآن في العراق، وسوريا، واليمن، وعملية تغيير النظام في مصر، يجب أن تُفهم في علاقتها "بالخطة الصهيونية للشرق الأوسط".

هذا ما قاله الموقع الإلكتروني لمركز دراسات العولمة الأميركي (غلوبال ريسيرش) الذي أعاد نشر وثيقة للصحفي الاستراتيجي الإسرائيلي أوديد ينون، تلك الوثيقة التي باتت تعرف بخطة أوديد ينون تركّز على إضعاف الدول العربية وتقسيمها لاحقاً كجزء من المشروع التوسعي الصهيوني، وعلى الاستيطان بالضفة الغربية وطرد الفلسطينيين من فلسطين وضم الضفة وقطاع غزة لإسرائيل. وإعادة سيناء لإسرائيل نظراً "لثرائها في النفط والغاز والمعادن الأخرى"

وأضاف إن "إسرائيل الكبرى" ستضم أجزاء من لبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر والسعودية، وستنشئ عددا من "الدول الوكيلة" لضمان تفوقها في المنطقة،

ولن يكون من قبيل الصدفة أن يتحدث فريدريك أنسيل الخبير الجيواستراتيجي أن قرار مقاطعة قطر الحالي يعد بمثابة خطوة جديدة نحو بلقنة أو تفكيك العالم العربي في تطابق واضح مع عبارة لوثيقة أوديد ينون عن أن الحرب على العراق أولى فصول ما أسماه "بلقنة" الشرق الأوسط والعالم العربي".

مروراً بالمستشرق الصهيوني برنارد لويس صاحب الخرائط التقسيمية للدول العربية القائمة على اشعال النعرات الإثنية والعرقية والدينية  المتواجدة في دول العالم العربي الإسلامي والتي قدمها في مشروع للكونجرس الأمريكي وتمت الموافقة عليه عام 1983 ويقول:

" إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مـُفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم .. وإذا تـُركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات .. ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم …” ويضيف: ”ولذلك فإنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية .. ولا داعي لمـراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود أفعالهم…. ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك: (إما أن نضعهم تحت سيادتنا أو ندعهم ليدمروا حضارتنا).. ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المـُعلنة “هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية "

لمزيد من التوضيح لا مانع من الاطلاع على مقال للضابط الأمريكي رالف بيترز بعنوان حدود الدم والذي نشره على مجلة القوات المسلحة الأمريكية، والذي يتحدث عن ضرورة تقسيم دول المنطقة بما فيها العراق وسوريا وتركيا والسعودية وإقامة دول جديدة خلفاً للدول التي أقامتها اتفاقية سايكس بيكو القرن الماضي، ويلاحظ أن الكاتب ركز على السعودية وضرورة تقسيمها وأن تحالفها مع واشنطن لن يفيدها حينئذ مقترحاً منح الشيعة العرب دولة تتمتع بثرواتها النفطية الهائلة.(الملاحظ أن صورة الخريطة للسعودية المقسمة تلغي دول الخليج كلها في دولة الأحساء الشيعية حسب مخططب برنارد لويس)

إذاً يمكن الآن ضم أجزاء الصورة المتفرقة لتتضح لنا الصورة الكاملة لما يجري في المنطقة، فقطر وعلاقتها مع إيران لابد أن تكون بداية التفجير المرتقب، وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال: هل من الممكن توقع حرب أو اجتياح سعودي إماراتي لقطر؟

للأسف يمكن الإجابة بنعم، فكل الدلائل تشير إلى حدوث ذلك الخيار العسكري وكما أشرنا سابقاً إلى أن الصهيونية العالمية تعتمد سياسة الابتزاز للدول التي يتم توريطها في ورطات قاتلة، لا يستبعد أن تمر السعودية والإمارات من جهة وقطر من جهة أخرى بنفس سيناريو العراق والكويت، فيتم تحريض السعودية والإمارات إما على تغيير النظام في قطر عن طريق انقلاب، أو التدخل العسكري بعاصفة أخرى حازمة لدولة عربية أخرى بحجة وقف التمدد الإيراني!! والحجة الأمريكية الظاهرة للسعودية ستكون المكافئة لها مقابل جهودها والأموال التي دفعتها الرياض لواشنطن ما أدى إلى جفاف خزينتها، فتكون قطر هي الجائزة مثلما كانت الكويت الجائزة لصدام مقابل جهوده في حرب إيران، عندها تحضر الولايات المتحدة لتقوم بمهمة التحرير والامتصاص والسيطرة على نفط وغاز تلك الإمارة الصغيرة،

تصريح مسؤول أمريكي يوم الأربعاء 7 يونيو أن واشنطن رصدت تحركات عسكرية في الدوحة مع تحذير قطري للسعودية والإمارات ومصر من الاقتراب من مياهها الإقليمية، إضافة إلى مسارعة أردوغان بإرسال قوات إلى الدوحة، مع تصريحات الخارجية البحرينية أن كل الخيارات مفتوحة للتعامل مع قطر كلها تشير إلى التدخل العسكري بقوة.

 من جهتها قطر وعلى لسان وزير خارجيتها وفي أول تصريح ساخن لها قالت إنها مستعدة للدفاع عن قرارها وسيادتها في اتخاذ القرار واتباع السياسة الخارجية التي تراها مناسبة لها وأن ستقاوم إلى النهاية.

 هذه القوة في التصريحات التي خرجت بها الدوحة تقف وراءها وعود وإجراءات إيرانية بتزويدها بالغذاء والماء وفتح 3 موانئ إيرانية لقطر، كذلك اعلان الأخيرة عن استقبال قوات تركية لحماية أمن واستقرار المنطقة حسب التصريحات الرسمية القطرية.

هل سنشهد فعلاً الحرب العالمية الثالثة؟

من الحكمة ألا يتم تجاهل الأحداث البسيطة فالحرب العالمية الأولى بدأت باغتيال ولي عهد امبراطورية النمسا والمجر لتنخرط الدول الأوربية في حرب عالمية مدمرة. كما أن الأزمة دخلت مرحلة التدويل بإرسال القوات التركية والمساعدات الإيرانية، أما من جهة الغرب فقد دعا البيت الأبيض إلى حل الأزمة وأبدى استعداده لاستضافة مفاوضات بشأن ذلك. فرنسا التي كانت على موعد مع استثمارات قطرية وصفقات أسلحة مغرية باتت محرجة من الاتهام بتمويل قطر للإرهاب لذلك سارعت الخارجية الفرنسية إلى مطالبة الدوحة بالشفافية وضرورة إجابة الأخيرة على أسئلة جيرانها. أما وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل فقد حمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المسؤولية عن اندلاع الأزمة الدبلوماسية الخليجية؛ محذراً مما وصفه بـ"ترامبنة" المنطقة، وفي تصريح لاحق اعتبرت الخارحية الأمانية أن ما يجري بحق قطرغير مقبول.

العدو الصهيوني

كل ما سبق ذكره من مخططات أوديد ينون وخرائط برنارد لويس وحدود الدم وتصريحات هنري كسينجر تسعى لإقامة ما يسمى إسرائيل الكبرى والتي تشمل كل فلسطين وكل لبنان وكل الأردن وأجزاء واسعة من سوريا والعراق وشمال السعودية،

لكن إسرائيل الكبرى هذه اعتبرها السيد حسن نصر الله ساقطة بحكم الواقع بعد اندحار العدو الصهيوني من جنوب لبنان عام2000 وخروجه من غزة وبنائه الجدار حوله، فهو يعتبر إسرائيل في حالة انكماش وليس توسعاَ كما تنص عليه وثيقة أوديد ينون،

ولكن العدو الصهيوني قام بتغيير المصطلح إلى إسرائيل العظمى والتي تعني دولة مهيمنة قوية مسيطرة في أوساط دويلات ممزقة ضعيفة وهشة ومتقاتلة كل منها يسعى إلى اثبات شرعيته لدى الكيان الصهيوني.

ولكن لماذا تم العدول عن فكرة إسرائيل الكبرى؟

 إن افتراض قيام إسرائيل بضم تلك الأراضي الشاسعة والأعداد الكبيرة من السكان لن يجعلها قادرة على السيطرة على تلك الأراضي والسكان؛ بل هي عاجزة عن تحمل انتفاضة فلسطينية أخرى، هنا عمدت الصهيونية إلى استخدام أسلوب "الإفناء الذاتي" للخصم حيث تم الدفع بوكلاء واشنطن وتل أبيب وهي الحركات الإرهابية (القاعدة وداعش) لتدمير البلدان المستهدفة بالفوضى وما يسمى إدارة التوحش، لقتل أكبر عدد من سكانها وتهجير الملايين منهم إلى خارج المنطقة العربية، كما أن الفوضى والحروب الطائفية ستنتج دولاً مفككة ضعيفة ومتناحرة ما يمنح الكيان الصهيوني فرصة السيطرة والهيمنة وهي ما تعرف حينها بدولة إسرائيل العظمى.

ولن يكون غريباً أن نتابع تصريحات العدو الصهيوني هذه الأيام والتي تتحدث عن اقتراب إسرائيل أكثر من أي وقت مضى من تطبيع شامل مع الدول السنية في المنطقة العربية، وقد لاحظنا مزايدة كل من وسائل الإعلام التابعة للطرفين في اتهام الطرف الآخر بالاندفاع نحو العدو الصهيوني، والحقيقة أن الكل مندفع وكما قال الشاعر أحمد مطر : "ولكن الجماعة سيصلون جماعة".

 تلك الصلاة الجماعية ( التطبيع الجماعي مع إسرائيل) سيكون نتيجة طبيعية لسياسة الابتزاز للدول الضعيفة المتنازعة حيث ستبدأ كل دولة في البحث عن الحليف في المنطقة وبالطبع لن يكون الإيراني واردأً فقد تم شيطنته على مدى عقود من الزمن، ولن يكون أمام الدول المتنازعة سوى اللجوء إلى العدو الصهيوني، وهي لن تكون أقوى موقفاً من تركيا التي دفعتها عزلتها بعد إسقاط الطائرة الروسية نحو المسارعة إلى التطبيع الكامل مع إسرائيل والتنازل عن ضحايا مرمرة وحصار غزة والهتافات الأردوغانية الصاخبة تجاه إسرائيل.

القطيعة الأولى

في مارس 2014 قررت السعودية والإمارات والبحرين سحب سفرائهم من قطر، على خلفية اختلاف في وجهات النظر إبان أحداث إقليمية أبرزها الانقلاب العسكري في مصر.

 حينها تم تلافي الأزمة بالطريقة العربية البدوية (تبويس اللحى) و أجبر الملك عبد الله الأمير تميم على توقيع اتفاق مكتوب يتعهد فيه بتنفيذ كل ما هو مطلوب منه أثناء الوساطة الكويتية في أزمة سحب السفراء عام 2014، ومن بين هذه المطالب:

  • إبعاد قادة الإخوان المسلمين من قطر،
  • وقف الدعم المالي والإعلامي للحركة،
  • اغلاق معاهد بحث أمريكية "تجسسية" في الدوحة،
  • التمهيد للمصالحة مع النظام المصري الذي وضع كل ثقل المملكة خلف حكمه.

الشروط السعودية لحل الأزمة الحالية

البرلماني والإعلامي المصري مصطفي بكري يكشف في تغريدات له عن الشروط السعودية للحل:

1- قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران فوراً.

2- طرد جميع اعضاء حركة حماس وتجميد حساباتهم وحظر التعامل معهم.

‏3- ايقاف بث قناة الجزيرة فوراً.

‏4 - الإعلان الرسمي بالاعتذار لجميع الحكومات الخليجية عما بدر من إساءات من قناة الجزيرة.

‏5 - تعهد الدوحة بعدم ممارسة حكومتها لأي دور سياسي ينافي ويتعارض مع سياسات دول الخليج المتوحدة.

‏6 - ان تلتزم الدوحة بميثاق العهد الذي وقع عام 2012 بعهد الملك عبد الله.

7 - رد العناصر الاخوانية.

- 8التوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية المصرية والعربية والخليجية.

9- وقف دعم المنظمات الإرهابية بكافة السبل.

وقال بكري إن هذه مطالب نقلتها الكويت مع المرونة في موضوع قناة الجزيرة بأن يتم تغيير سياساتها بدل ايقافها. وفي موضوع إيران: الابتعاد عنها لصالح مجلس التعاون الخليجي.

وكان مصطفي بكري قد كشف النقاب عن اجتماع لدول مجلس التعاون الخليجي يعقد الأربعاء 7 يونيو بمشاركة قطرية للحصول على ردود لهذه الشروط. وهو ما لم يتم، ما يعني انسداد الأفق أمام أي حل.

مصير الأزمة

السيد عبد الملك  بدرالدين الحوثي أوضح “أن القطري اليوم بين خيارين إما أن يذعن ويخضع بالكامل للزعامة السعودية وبإذلال وخنوع مطلق أو أن يتماسك ويستفيد من طبيعة التناقضات القائمة في المنطقة فيحافظ على توجهاته وعلى قرارته وعلى إرادته ضمن أي خيارات يرى لنفسه أن يتحرك فيها”.

وذكر أنه ستتضح مآلات هذه الأحداث في الأيام أو الأسابيع القادمة، أي أنه ليس امام قطر إلا أحد خيارين: الاستسلام أو الاستسلام، وإذا صحت الأخبار التي تقول إن الأمير السابق حمد بن خليفة هو الذي يقود غرفة عمليات إدارة الأزمة، فإن خيار الاستسلام قد يكون غير وارد، وهناك من سمعه يقول أثناء "حرب الخفوس" (1992) أنه كان يريد القتال حتى آخر لحظة ويتطلع إلى الموت واقفاً وبشته (عباءته) على كتفيه.

 أمام السعودية والإمارات احتمالات ممكنة منها الهجوم العسكري واجتياح قطر، وهذا الخيار له تداعياته الخطيرة خاصة وأن الأزمة باتت رهينة التدويل، أو اللجوء إلى تغيير النظام عبر تدبير ودعم انقلاب خاصة وأن مؤشرات كثيرة ظهرت على السطح على لسان وسائل الإعلام السعودية والإماراتية عن انقلاب سادس وشيك في قطر.

وبالعودة بالذاكرة قليلاً إلى الوراء يوم عزاء الملك عبد الله بن عبد العزيز لوحظ حضور القطري والتركي وغياب المصري والإماراتي فيما نظر إليه حينها أن الملك القادم سلمان محسوب على الإخوان وأنه بخلاف الملك الراحل عبد الله الذي صنفهم حركة إرهابية،  ولكن الأمور تغيرت جذرياً فالعلاقات السعودية – الإماراتية، والسعودية – المصرية أقوى حالياً على حساب العلاقات مع قطر التي تجمعها مع السعودية الوهابية كمذهب والإخوان كحركة.

 ولكن مجريات الأحداث وتغير المصالح تفرض نفسها على السياسة والمبادئ المعلنة والغير  معلنة في العلاقات بين الدول.

آثار وتداعيات الأزمة

 بعيداً عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة نلحظ أن أهم الآثار المترتبة على هذه الأزمة ستنعكس في الميادين التي تخوض فيها الأطراف معاركها بالوكالة، في سوريا مثلاً بدأت الآثار تظهر في استهداف النصرة لفصائل موالية للطرف الآخر.  كما يتوقع أن تسير الأمور بشكل مشابه في الجبهات اليمنية، فمنذ توشكا صافر سبتمبر 2015  والذي سقط على إثره أكثر من 52 قتيلاً إماراتياً والاتهامات تصوب باتجاه حزب الإصلاح الموالي لقطر، بالمثل المجزرة القريبة للقوات السودانية الغازية في ميدي الشهر الماضي و التي ادعى فيها السودان تعرضه للخيانة من قبل أطراف معينة في إشارة إلى حزب الإصلاح الإخواني.

بالنسبة للوضع العربي ستزيد هذه الأزمة من عمق التصدع والشروخ فيما تبقى من توافق عربي، الجانب الإماراتي السعودي أبدى امتعاضه من التكتل الذي التف حول الإمارة القطرية فقد انتقد أنور قرقاش استقواء قطر بدولتين غير عربيتين واستعانتها بمعونة عسكرية من إحداهما. في إشارة إلى المساندة الإيرانية والتركية للدوحة. معتبراً أنها دخلت فصلاً مأساوياً. 

على صعيد القضية الفلسطينية يبدو انها من أكبر الخاسرين حيث سيتم الضغط على أعضاء حركة حماس لمغادرة الأراضي القطرية وهي النهاية التي توقعها السيد حسن نصرالله لحماس يوم أن رغبت في مغادرة دمشق ضمن لعبة إقليمية ودولية لتدمير سوريا وسحب ورقة القضية الفلسطينية من يدها لتزايد بها قطر التي ساهمت بشكل فعال في تدمير ذلك البلد المقاوم عندها خاطب السيد حسن قادة حماس (خالد مشعل) بقوله "أنصحكم بعدم مغادرة سوريا لأنكم لن تجدوا بلدا ً يؤويكم مثل سوريا"!

وفعلاً بعدما تم الاستفادة من حماس في دفعها للتدخل في سوريا ومصر لتكسب المزيد من الأعداء وعندما يأتي يوم التخلص منها لا تجد لها في العرب نصيراً وهذا من أهم المكاسب بالنسبة لإسرائيل.

الوضع سيكون صعباً على قادة حماس، أين سيتوجهون بعد قطر؟

 إلى السعودية ومحورها المتسارع في التطبيع! محال.

أم إلى محور المقاومة كسوريا وإيران؟ من المحال أيضاً قبول سوريا بهذه الحركة الناكرة للجميل، وإن كان المحور المتبقي المتمثل في إيران وحزب الله لم يقطع بعد علاقته مع الحركة،

يبقى أمامها أن تتوجه إلى تركيا، ولكن هذا التوجه إن تم سيكون له ثمنه الباهظ على حساب القضية الفلسطينية وثوابت الحركة التي نادت بها على الدوام.

بوجهٍ عام هذه الأزمة ستدفع بالحركة إلى المزيد من التنازلات بناء على السياسة الإسرائيلية الابتزاز ولي الذراع وقد شهدنا تمزيق نتنياهو لوثيقة حماس قبل أزمة قطر فما بالكم بما بعدها.