لم يعد خافياً بأن المحافظات اليمنية الجنوبية هي المجال الحيوي، للأطماع الاستعمارية الجديدة، لسِمات معينة متعلقة بالطبيعة الجيوبوليتيكية للصراع العالمي حول الطاقة والممرات الدولية. هذه الخصائص الموضوعية التي تتميز بها المحافظات الجنوبية، اتسقت مع طبيعة الصراع الاستعماري الجديد، لتتوافق مشاريع المستعمرين والتوسعيين مع الواقع الاجتماعي في المحافظات الجنوبية، مع الظرف الذاتي الذي جرى تدميره اقتصادياً وروحياً -منذ حرب صيف 94- فأصبح الجنوب خاصرة البلد، وأكثر عرضة للوقوع في الهيمنة العسكرية فالسياسية لقوى العدوان، التي فرضت عليه الوصاية الكاملة، لتسقط بذلك شعارات التحالف وذرائع "الشرعية"، وتظهر على حقيقتها.

الاستقطابات المحلية والدولية في الجنوب

 تتنازع الجنوب في الواقع الراهن، توجهات وقوى عديدة محلية ودولية، واستقطاعات حادة، مع عجز القوى الغربية الأمريكية والبريطانية، من التوفيق بين المشاريع الخاصة، لأدواتهما الإقليمية (الإمارات والسعودية). وتجد هذه المشاريع في واقع المظلومية الجنوبية ما يعطيها أساساً اجتماعيا للحضور وحشد كثير من الجماهير حولها، رغم ابتعاد هذه المشاريع كُل البعد عن الحاجات الموضوعية للجماهير الجنوبية التي -أي الحاجات- تعد مُحركها الفعلي للنضال، وهي العدالة الاجتماعية والندية والشراكة السياسية والحكم المحلي.

وتؤثر أشكال الصراعات التاريخية المتخلفة بين "الطغمة" و"الزمرة"، على موقف القوى الجنوبية اليوم من السعودية والإمارات، وفي انحياز هذه الدول للبقايا التي تمثل هذه الأطراف التاريخية.

يستغل المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً فشل حكومة "الشرعية" من أجل التصعيد، وهوَ ما يُفسر إحجام الإمارات عن دعم السلطة في عدن وإمدادها بالخدمات الضرورية لأبناء هذه المحافظة وغيرها من المحافظات الجنوبية، حتى لا ينخفض لديه منسوب السخط. وهذا ما أكد عليه «الزبيدي» في كلمته بمناسبة ثورة الـ14 أكتوبر، في سعيه إلى تمثيل "شعب الجنوب".

فيما رد عليه «ابن دغر» ممثل حكومة هادي الذي احتفل بعرض عسكري في ذات المناسبة بين جدران الكلية العسكرية، محذراً من "إسقاط الجمهورية" بالقوة كما حدث في صنعاء. وقد تعرض موكب بن دغر بعد خروجه من الفعالية لإطلاق نار.

مشاريع التقسيم بين الاستعماريين القديم الجديد

إن ما يظهر إلى سطح الواقع الجنوبي، هو مشروع التقسيم والتجزئة للجنوب، الذي يعود إلى حقبة الاستعمار البريطاني، والمتعلق بتقسيم اليمن الأم ككل. في ثلاثينيات القرن الماضي، هاجمت القوات الانجليزية المتفوقة بالطيران، محافظة البيضاء اليمنية، وكذلك ميدي في محافظة حجه، من أجل ضمهما إلى المناطق الجنوبية والحديدة وتعز، وتقسيم اليمن الشمالي إلى دولتين على أساس مذهبي، وكانت الطائرات الانجليزية تسقط المناشير الطائفية التي تطالب أبناء المناطق "الشافعية" بالابتعاد عن المناطق "الزيدية" وعدم مساعدتهم، وهذه الحقائق مثبتة في أكثر من مؤلف عن التاريخ اليمني الحديث.

فيما الجنوب كان مُقسماً لأكثر من 20 إمارة وسلطنة ومشيخة، لكل دويلة منها هويةٌ سياسية وقوات عسكرية وعلم وحدود مرسومة، ويُراد اليوم إعادة فرض مثل هذه التقسيمات الاستعمارية التي فشلت في السابق. ولم يكن مصادفة أن تقسيم الستة الأقاليم قد اعتمد تقسيم الجنوب إلى إقليمين، وفق التقسيم الاستعماري للجنوب اليمني إلى محميات شرقية ومحميات غربية، وفي كل محمية سلطنات، كما اعتمد التقسيم اليوم في كل إقليم ولايات!.

وفي المقارنة بين مشاريع التقسيم لليمن الأم، نجد أن وحدة الأراضي الجنوبية سهل تمزيقها إذ لم يدم على وحدتها نصف قرن، فيما المحافظات الشمالية ظلت كياناً مركزياً واحداً منذ تفكك عرى المركزية اليمنية، في عهد الاستعمار العثماني الثاني، وقبل الغزو العماني حكمت اليمن الأم عدد من الدول الإسلامية، من عاصمة مركزية في الجنوب أو الشمال أو الوسط، كانت تحكم كل الإقليم اليمني التاريخي وتصل في معظم الأحيان إلى مكة والحجاز.

 قوات النخبة الحضرمية، وقوات النخبة الشبوانية، والأحزمة الأمنية المناطقية السلفية، هي أشكال عسكرية تشبه ما كان عليه الجنوب قبل ثورة أكتوبر، من واقع الانعزالية والانغلاقية عسكرياً وسياسياً، وكل سلطنة وإمارة ومشيخة تمتلك جيشها، وتهتم بحدودها. وهي السياسة التي دعمتها القوى الاستعمارية الانجليزية عززتها، مستغلة هم السلاطين والمشايخ والاقطاعيين كلاً بأملاكه الخاصة وحدود هيمنته، وتقوم الإمارات اليوم بذات الدور. فيما تحاول السعودية دمج هذه القوات المناطقية، من أجل ضرب مشروع الإمارات، وإذابتها داخل القوات العسكرية التي يسيطر عليها «علي محسن الأحمر»، والذي يُعامل في السعودية بتقدير أكثر مما يعامل الرئيس هادي.

واقع الحراك الشعبي الجنوبي

عجز الحراك الجنوبي، عن بناء الأداة الحزبية والشكل التنظيمي الواحد المعبر عنه، على عكس مثيله أنصار الله في شمال الشمال التي استطاع أن يبني الجهاز والقيادة الواحدة. وهذا الاختلال في الشكل التنظيمي للحراك الجنوبي، يؤثر على مضمونة، إذ يظل مشتتاً وعرضةً للتأثيرات السياسية الداخلية والخارجية، والهبوب بشكل ساذج مع أمزجة الجماهير، دون الاعتماد على أنظمة برامجية محددة أو أيديلوجية سياسية واضحة، فالجماهير الجنوبية تلتف حول مسألة العودة لما قبل اتفاق الوحدة، دون الاتفاق على الشكل: حكم ذاتي أو انفصل تام، هل العودة لليمن الديمقراطية أم لدولة أخرى، أو عن كيفية الوصول لهذا المطلب سلمياً أو عسكرياً، وغيرها من الخطط والبرامج التي يُفترض أن تستهدي بها الجماهير الجنوبية. ويعد المجلس الانتقالي الجنوبي، أكثر الكيانات الحراكية طموحاً للم أشتات فصائل الحراك، منذ انطلاق الحراك السلمي الجنوبي في العام 2007م واتفاق التصالح والتسامح الجنوبي.

مستقبل الوحدة اليمنية وروابط القوى الوطنية  

 حين كانت الضالع تُقصف في العام 2013م من لواء «ضبعان» كانت تخرج المظاهرات المنددة في تعز، وحين كانت نيران الثورة الأكتوبرية مشتعلة في عدن، كانت مؤتمرات الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل، تعقد في تعز وإب، ويتدرب الثوار في المناطق الشمالية.

 إن عُرى الروابط اليمنية الجنوبية الشمالية ضرورية لانتصار أي تحرك في الجنوب المحاصر بالبحر، الذي يجد بالضرورة في الشمال اليمني عمقه الاستراتيجي، وليس فقط مشروع مواجهة المستعمرين؛ فالجنوب بحاجة إلى إسناد شمالي؛ بل حتى مشروع الانفصال، بحاجة لدعم شمالي لكي ينجح، وهذا ما لم تستوعبه قوى الحراك الجنوبي، وخطابها الذي أعلن الحرب بالهوية على كل ما هوَ شمالي ولم يقتصر على معارضة سلطة 7/7 السلطة التي اضطهدت وحاربت الجنوب والشمال معاً.

ضرورة موضوعية موجودة خارج أدمغة الزعماء السياسيين الجنوبيين، وأمزجتهم، هي تلك الروابط الجنوبية الشمالية، المنعكسة عن موضوعية وجود الصِلات الاقتصادية الاجتماعية بين الشمال والجنوب، التي تنمو باضطراد وهي الأساس الذي ستنعكس عنه بالضرورة صلات سياسية وحدوية، فإلى جانب الرساميل اليمنية الموزعة بين الشمال الجنوب، ما زال الشماليون يشكلون الكتلة الأكبر من الطبقة العاملة في الجنوب بمختلف تعبيراتها وأقسامها، ولا يُمكن أن يُصبح الانفصال واقعاً بمجرد قرار سياسي، بالصدام مع هذه المصالح والروابط المتجذرة والتركيبة النفسية الموحدة، التي هي اليوم أعمق مما كانت عليه في العام 1955م، إلا أن  يفرض مشروع التمزيق بالقوة وخارجاً عن إرادة الشعب اليمني الواحد، وحتى في هذه الحالة فلن يُكتب له الاستمرار، فوحدة السوق اليمنية الداخلية هي نتاج تراكم وتطور تاريخي طويل، وهي الضامن لبقاء هذه الوحدة، إذ يعجز الخليج أن يكون بديلاً للجنوب اليمني عن الشمال اليمني، ويكون الخيار الأفضل والأنسب للجنوبيين، حتى إذا كانت نوايا الخليجيين أخوية، فكيف وهي توسعية وعدوانية واستغلالية.

بعد حرب 94 تمت عملية فصل وقطع تاريخي بين فصائل الحركة الوطنية في الشمال والجنوب، أفصي الحزب الاشتراكي. وتم طمس الهوية الوطنية للجنوب وتجربته الكفاحية المجسدة في دولته التي تولت عنها هويته السياسية الحديثة بعد الاغتراب الاستعماري والسلاطيني، وتغييب أعلام ورموز ثورة 14 أكتوبر، وتاريخها، فنشأ جيل مسحوق وفاقد للهوية الوطنية اليمنية، وأصبح من السهل استقطابه للجماعات المتطرفة، أو إلى هويات زائفة ولاوطنية، والالحاق بالمشاريع الخليجية.

 عادت الصلات الوطنية اليمنية، إبان الحروب على صعدة وقمع الحراك الجنوبي كمشاعر تضامن متبادلة، كما التقت هذه الصلات الوطنية في العام 2011م حين خرجت الجماهير اليمنية ضد سلطة 7/7 حينها خرج الجنوبيين بأعلام الوحدة اليمنية وأنزلوا أعلام اليمن الديمقراطية السابقة.

في مؤتمر الحوار الوطني، التقت الصلات الوطنية مجدداً بتعبيرات سياسية ناضجة، في توافقات رؤى الحراك الجنوبي والحزب الاشتراكي وأنصار الله، حول القضية الجنوبية وقضية صعدة. وقضية بناء الدولة.

 واليوم بعد تكشف حقيقة العدوان، هناك إمكانية لاستعادة الصلات والروابط مع القوى الوطنية في الجنوب، والالتقاء على حلول وطنية للقضايا الخاصة والقضية اليمنية في عموميتها. وما يتطلبه إعادة الصلات مع الحركة الوطنية في الجنوب، تطمين الجنوبيين، حول أهم القضايا وهي وحدة أراضي الجنوب ورفض مشروع تقسيم الجنوب لإقليمين، الاعتراف بطابع الوحدة الندية بين دولتين كاملتي السيادة، وبطابع الشراكة الوطنية والندية، لا الضم والإلحاق ومفهوم "رجوع الفرع إلى الأصل". ورفض عودة هيمنة قوى حرب 94 إلى الجنوب.. هذه القوى الوطنية الجنوبية وإن كانت مرتبكة إلا أنها موجودة موضوعياً منعكسة عن وجود المجتمع وعن وجود مصالح شعبية ووطنية تستشعرها أقسام متقدمة من الجماهير الهائمة بالشعارات والخطابات الشعبوية، والصوت الوطني في الجنوب لهذه القوى الوطنية خافت تحت هول القمع والهيمنة الاحتلالية الأجنبية، وما تنقله وسائل الإعلام عن واقع الجنوب لا يعكس حقيقته الوطنية.