عقد "منتدى مقاربات" بمركز الدراسات الاستراتيجية والاستشارية اليمني لقاءه عصر الخميس/ 12-10-2017م، والتي كانت بعنوان "ثورة 14 أكتوبر الصمود المستمر أمام التحديات المتجددة "والتي حضرها كل من الأستاذ أحمد الحبيشي"عضو الهيئة الاعلامية والاستشارية للمجلس السياسي الأعلى كمتحدث رئيسي، ومشاركة كل من الأستاذ عبدالسلام جابر رئيس مجلس إدارة مؤسسة الجمهورية للصحافة والطباعة والنشر رئيس التحرير،  والدكتور فوزي الصغير رئيس جامعة صنعاء والدكتور فهمي الأغبري عميد كلية الآداب والشيخ عبود أبو لحوم ممثل أنصار الله في مؤتمر الحوار والأستاذ طاهر السقاف نائب الدائرة الجنوبية  والعميد ركن محمد جبران بن شنظور مدير مباحث الأموال العامة،  والعميد ركن طيار عبد الله حسن الجفري  قيادي في الحراك السلمي الوطني والأستاذ عبد الخالق النقيب الكاتب المحلل السياسي والأستاذ محمد شرف الدين، إضافة إلى رئيس مركز الدراسات عبد الملك العجري  رئيس الندوة والأخ يحيى شرف الدين المدير التنفيذي للمركز والأخ أنس القاضي الباحث بالمركز ورئيس دائرة المعلومات والنشر بالمركز عبد العزيز أبوطالب وقد ألقى الأستاذ أحمد الحبيشي ورقته المعنونة بـ " الذكرى الرابعة والخمسون لانطلاق ثورة14 أكتوبر المجيدة " أعقبها نقاش ومداخلات أثرت الموضوع وفيما يلي ملخص لأهم ما ورد في هذه الندوة:

لمحة تاريخية عن ثورة 14 أكتوبر

انطلقت الشرارة الأولى للثورة في 14 أكتوبر 1963 لتستمر مراحل النضال والكفاح المسلح لأبناء الجنوب من أجل الحرية والاستقلال من الاستعمار البريطاني البغيض الذي جثم على صدور أبناء الجنوب لمدة 128 عاماً من الاحتلال والسيطرة ومحاولات محو وطمس الهوية العربية واليمنية.

 وقد ساهمت حركات التحرر الوطنية في مقاومة المستعمر عبر الكفاح المسلح مستنفرة كل القوى الفاعلة في البلد والمنظمات المدنية وشارك فيه أبناء الطبقات العاملة والكادحة ولم يتخلف عنها حتى الاتحادات الطلابية والنسائية وخاضت مع المستعمر البريطاني جولات من الصراع والعمليات التي أجبرته أخيراً على الانسحاب من اليمن ومنحه الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م بعد جلاء آخر جندي بريطاني من أرض الجنوب اليمني.

 لم تكن مغادرة المستعمر لهذه الجغرافية المهمة استراتيجياً بالأمر الهين ولم يرحل منها رحيل من لا يمني نفسه بالعودة إليها؛ بل عمل على خلق مناخات تهيئ لعودته إلى المنطقة لاحقاً وفي ظروف مختلفة ليحضر بشكل جديد من أشكال الاستعمار.

 فقد عمل المحتل البريطاني على إيجاد الصراعات بين أبناء الجنوب وتفكيك القوى الوطنية المقاومة لوضع أسس تضمن اندلاع الصراعات المستمرة والاقتتال فيما بينهم، وهو ما تحقق من الصراعات بين الجبهة القومية للتحرير وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل اللتين خاضتا معارك طاحنة قبيل إعلان الاستقلال (كان أشدها ما بين 1- 6 نوفمبر 1967 والتي حسمت لصالح الجبهة القومية، على حساب جبهة التحرير التي كانت مؤلفة من القوى التقليدية التي مثلت ركائز محلية للاستعمار).

تركت تلك الأحداث ندوباً في جسد الدولة المستقلة عملت القوى الاستعمارية على توسيعها لاحقاً بأيدي الأنظمة الرجعية التي واصلت عملية إذكاء الصراعات بين الأشقاء في الجنوب لتتكرر الصراعات الدامية (كان أشدها دموية أحداث 86 بين ما كان يسمى بالطغمة والزمرة).

شعر أبناء اليمن في الشمال والجنوب بضرورة وأهمية توحيد اليمن فكانت الوحدة في عام 1990، وقد قوبلت الوحدة حينها بالترحيب والمباركة الإقليمية والدولية ولكن ما لبثت أيادي التدخل أن عبثت بهذه الوحدة مجدداً لتتفجر حرب 94 والتي خلفت هوة عميقة بين أبناء الجنوب والشمال.

تبع تلك الحرب تداعيات وممارسات خطيرة تمثلت في النهب والسلب والإقصاء لشريك الوحدة حينها (الحزب الاشتراكي) وهيمنة عسكرية وسياسية وثقافية من قبل شركاء الحرب في الشمال (المؤتمر والإصلاح وهادي)،

بعد حرب 94 كان الجنوب يعيش فراغاً روحياً فقام الاخوان بنشر فكرهم كبديل للاشتراكية وهو ما خلق جيلاً مشوهاً ينازع نفسه بين الحاجة إلى التعويض الروحي وحاجته إلى اليسار والعلمانية المنفتحة. وأصبح الفكر الإخواني هو السائد مع الحرب التي شنتها سلطة صنعاء على كل التراث الثقافي الاشتراكي والعلماني وحتى الوطني المتعلق بتاريخ واقع الجنوب إبان الاستعمار والصراع مع المستعمر البريطاني ومحطاته ورموزه النضالية.

 يعتقد الكثير من أبناء الجنوب أن تلك الأسباب السالفة، هيأت الشارع الجنوبي ليكون فريسة سهلة وحاضناً للاحتلال الجديد الذي يمارسه العدوان السعودي منذ فجر 26 مارس 2015. وكأن ما تعرضوا له من سحق اجتماعي وهضم سياسي من أبناء الوطن اليمني، الذين رفعوا ِشعار "الوحدة أو الموت" لم يُبق لديهم كرامة ليدافعوا عنها من الإماراتي والسعودي وغيرهم.

أهمية الجنوب اليمني

عادة ما تتركز الأطماع الأجنبية على المناطق الحيوية والساحلية فكان الجنوب على الدوام محط أنظار تلك الدول ما جعله خاصرة ضعيفة لليمن ،ويحتل باب المندب أهمية استراتيجية كطريق للتجارة لا تتغير مهما تطورت التكنولوجيا الحديثة فهي تتطور على أساس بحري كسفن عملاقة وبواخر للتجارة، وازدادت أهمية الجنوب اليمني خاصة بعد اكتشاف النفط والغاز في الجنوب بكميات يسيل لها لعاب الدول الطامعة التي تخوض صراعاتها الاقتصادية على أراض الدول المستهدفة، تعتمد القوى الأجنبية دوماً على سياسة التفرقة وبث الكراهية بين أبناء البلد الواحد ثم تحضر تلك القوى كمخلص ومنقذ لأحد الأطراف ضد الآخر ليقبل بوجود الأجنبي على حساب أخيه ومواطنه.

محاولات تقسيم اليمن

تعرض اليمن منذ الاحتلال البريطاني إلى محاولات تقسيم حقيقية فقد احتلت بريطانيا البيضاء وتوجهت إلى رداع - متجاوزة ذمار- لتأسيس دولة شافعية وأخرى زيدية على أسس طائفية كما كان هجومها على ميدي والحديدة لضمهما إلى تعز   يصب في خدمة نفس الهدف؛ لكن ذلك فشل إثر توقيع الإمام يحيى اتفاقية تجميد النزاع على الأراضي مدة 40 (في الشمال نجران وعسير وجيزان، في الجنوب الأراضي المحتلة) وهو ما يعني عدم تنازله عن تلك الأراضي.

المحاولة الأخرى كانت أثناء حرب 94 التي حاولت فيها دول إقليمية إعادة الأوضاع إلى ما قبل 90 لكن وحدة 7/7 أفشلت ذلك وإن كان لها تداعيات سلبية عميقة وخطيرة كان بالإمكان تجاوزها لحفظ الوحدة الحقيقية بعيداً عن مبدأ "عودة الفرع إلى الأصل".

قبيل اختتام مؤتمر الحوار طرح مشروع الأقاليم الذي فهم على أنه مقدمة لتقسيم اليمن وبذرة للصراعات التي لا تنتهي، وكانت مقاومة أنصار الله لهذا المشروع عصاة في العجلة، جعلت قوى العدوان تحضر ليوم 26 مارس 2015م.

أصبحت المحافظات الجنوبية ساحة للاحتلال يعمل على تقسيمها لا جغرافياً وحسب كما يصطنعه حالياً من إقامة أحزمة أمنية في مناطق محددة ومن فئات معينة، أو معسكرات في مناطق معينة؛ بل عمل على انقسام القوى والأحزاب والفصائل التي تتبعه وتقاتل معه ما جعل أبناء الجنوب يتذكرون إرهاصات الماضي الأليم.

يتذكر أبناء الجنوب محاولات الاحتلال البريطاني سلخ حضرموت وضمها إلى السعودية واليوم يشاهدون الخطوات الرامية إلى تحقيق هذا الهدف مجدداً؛ فالاحتلال السعودي الإماراتي اليوم يكرس الانقسامات بين أبناء المحافظات الجنوبية، أفرزت صراعات بين أبناء المحافظات (يافع والضالع) في مخطط تمزيقي لتهيئة الجنوب للدخول في صراعات دموية تقف كل دولة من العدوان خلف جهة كما هو الحاصل في ليبيا، عندها ستخرج الأمور عن السيطرة وهو ما سيساعد على بقاء الاحتلال بسبب رغبة كل فصيل في الدعم الإقليمي وعدم التخلي عنه في معركته ضد خصمه. يذكر أن التركيبة السياسية للجنوب اليوم تتوزع بين أكثر من 70 مكوناً وفضيلاً. وقد انعكس ذلك على المطالب المعلنة لأبناء الجنوب فتارة تقرير المصير وتارة الانفصال والعودة إلى ما قبل 90 ، بينما يرفع البعض شعار الفيدرالية ضمن إقليمين وغيرها م المطالب المختلفة  التي تعكس مدى الاختلاف في التوجهات والرؤى السياسية للقوى الموجودة على أرض الجنوب.

في نفس السياق يجرى حالياً تسليح أطراف معينة بشكل مكثف في سيناريو سيحول المنطقة إلى ساحة حرب جديدة، كما تعمل السعودية والإمارات على توسيع الهوة وتشتيت القوى لتكون قادرتين على التحكم بخيوط اللعبة.

واقع الجنوب اليوم

 بمناسبة الذكرى الرابعة الخمسين لثورة 15 أكتوبر ينظر إليها أبناء الجنوب اليوم  مناسبة بلا أهداف فلم تعد تحظ بالاهتمام اللائق بها وبشهدائها وتضحياتهم؛ بل أصبحت المناسبة فرصة للأطراف المتنازعة لادعاء الوطنية في ظل احتلال!!، وانقسام وساحات عروض متباينة بعيداً عن أهداف ثورة 14 أكتوبر التي قامت  من أجل طرد المحتل البريطاني، ولم تحضر مصالح الشعب في هذه الذكرى لأنه وببساطة لا تستطيع القوة السياسية المتصدرة للمشهد السياسي في الجنوب أن توفر أيا ًمن هذه الخدمات أو لا يسمح لها في أحسن الأحوال، فلم يجد أبناء الجنوب الأمن والاستقرار ولا المرتبات أو الخدمات التي وعدوا بها من قبل العدوان الذي خدعهم بدعوى محاربة "الحوثي وصالح والمد المجوسي الإيراني", كما يعود ذلك أيضاً لطبيعة الاحتلال الذي يسعى لإيجاد حالة من الفقر والعوز تجعل الشباب عرضة للتجنيد والقتال في صفوف الاحتلال وتنفيذ أجندته العدوانية، كما تستفيد الإمارات من الوقع الاقتصادي والخدماتي المدمر، لتأليب الشارع الجنوبي على حكومة الشرعية، ولأجل الاصطفاف مع المجلس الانتقالي الجنوبي الموالي لها.

 أصبحت القضية الجنوبية قضية تتجاذبها الأطراف الإقليمية والدولية ولم تعد قضية داخلية بحتة تبحث عن حلول وطنية عادلة، فعندما طالب السيد عبد الملك بحل عادل للقضية الجنوبية أدركت قوى العدوان أن اليمن سيسقط من بين أيديها، لذا عملت قوى العدوان – الإمارات على وجه الخصوص- على محاربة وشيطنة أنصار الله وشنت حملاتها الإعلامية والدعائية التحريضية لتحول دون تحقيق أي حلول للقضية الجنوبية. فالمستعمر عادة لا يقبل بالنظام الحر الرافض للوصاية.

لقد سعت الإمارات ولا تزال إلى تجنيد الشباب مستغلة أزمة الهوية والحالة الاقتصادية للدفع بهم إلى معارك ضد إخوانهم في الشمال في حالة تتناقض مع أهدافهم عن عدم العودة للوحدة أو التفاوض مع الشمال، في المقابل تم نشر القاعدة وداعش لخلق حالة من الفوضى يصعب السيطرة بعدها على الأوضاع ليتسنى لها السيطرة على الموانئ والجزر اليمنية والثروات النفطية والغازية.

 في سبيل ذلك أنشأ الاحتلال سجوناً سرية كفيلة بقمع وإسكات أي صوت وطني يعترض على ممارساته العدوانية وعبثه في الجنوب.

شعر أبناء الجنوب بالنوايا الحقيقية للعدوان وتعالت أصواتهم الرافضة لتلك الممارسات فقام العدوان بهدم منازل الوطنيين في الخارج، بينما يسيطر الخوف على أحرار في الداخل من الاغتيالات من قبل القاعدة وهادي، وهو ما حدث لكثير من الشخصيات الجنوبية الذين قامت القاعدة بتصفيتهم.

من جهة أخرى يؤكد بعض القياديين في الحراك السلمي الجنوبي (التيار الوطني) أن عملية التواصل مع كثير من أبناء الجنوب في السلك المدني والعسكري قائمة وأنهم يشعرون بالإحباط واليأس من الأوضاع السائدة مؤكدين أن نصف الحراك الجنوبي من الوطنيين في سجون الاحتلال.

 بعد سقوط الأقنعة المزيفة للعدوان بدأت المشاعر الوطنية تتنامي وأصبح ملموساً بعض التحولات المهمة في الرأي العام الجنوبي الذي وصل سابقاٌ إلى حالات من الاحتقان والكراهية الشديدة تجاه كل ما هو شمالي منعت تلك الكراهية أي وجه من أوجه التقارب، ولكن هذه التحولات في المشهد السياسي الجنوبي قد تسمح اليوم بمد جسور التواصل بين الجنوب والشمال لرص الصفوف وتحشيد الطاقات لمواجهة العدوان.

سجال التقارب والتنافر بين الشمال والجنوب

لا تزال الصلات الاقتصادية الاجتماعية بين الشمال والجنوب قائمة وتنمو باطراد وهي الأساس الذي ستنعكس عنه بالضرورة صلات سياسية وحدوية. ولا يُمكن أن يُصبح الانفصال واقعاً بمجرد قرار سياسي، إلا إذا فُرض كتمزيق خارجاً عن إرادة الشعب اليمني في الجنوب والشمال. 

بعد حرب 94 تمت عملية فصل وقطع تاريخي بين فصائل الحركة الوطنية في الشمال والجنوب، وتم طمس الهوية الوطنية للجنوب، فنشأ جيلٌ مسحوق وفاقد للهوية الوطنية، أصبح سهل الاستقطاب من قبل الجماعات السلفية والإخوانية، والاستقطابات الدولية.

 عادت هذه الصلات الوطنية إبان الحروب على صعدة وقمع الحراك الجنوبي كمشاعر تضامن متبادلة، كما التقت هذه الصلات الوطنية في العام 2011 حين خرجت الجماهير اليمنية ضد سلطة 7/7 حينها خرج الجنوبيين بأعلام الوحدة اليمنية وأنزلوا أعلام اليمن الديمقراطية السابقة.

في مؤتمر الحوار الوطني، التقت الصلات الوطنية في توافقات سياسية بين الحراك الجنوبي وأنصار الله والحزب الاشتراكي حول جذور القضية الجنوبية وقضية صعدة، وحول مبادئ حلها، رغم ما مارسه الرئيس المستقيل هادي من استهداف لمكون الحراك المشارك في مؤتمر الحوار وتفريخه وشرائه ولاءات داخلة.

 اليوم وبعد تكشف حقيقة العدوان، هناك إمكانية لاستعادة الصلات والروابط مع القوى الوطنية في الجنوب، والالتقاء على حلول وطنية للقضايا الخاصة والقضية اليمنية في عمومها.

يتطلب إعادة الصلات مع الحركة الوطنية في الجنوب، تطمين الجنوبيين، حول أهم القضايا التي تهمهم بشكل خاص في الجنوب مقابل دعمهم للقضايا التي تهم القوى الوطنية في الشمال، ومن المجموع تكون القضية الوطنية اليمنية هي العليا، وما يهم القوى الوطنية في الجنوب هي: وحدة أراضي الجنوب، ورفض مشروع تقسيم الجنوب الإقليمين، الاعتراف بطابع الوحدة الندية المتخلقة من اتحاد دولتين كاملتي السيادة، وبطابع الشراكة الوطنية والندية، لا مبدأ الضم والإلحاق و"عودة الفرع إلى الأصل". ورفض عودة هيمنة قوى حرب 94 إلى الجنوب.

وفي المطالب الحقوقية، يطالب الجنوبيون، بإعادة ما تم نهبه وخصخصته من منشآت اقتصادية، ومن رتب وامتيازات وظيفية، بالإضافة إلى الاتفاق حول برنامج وسياسة اقتصادية تضمن فرص عمل للشباب في الجنوب، ولاستثمار جزء من عائدات الثروات القومية اليمنية في تطوير حياتهم الاجتماعية.

الحلول والمعالجات

 في ظل الواقع المتشظي الذي يعيشه أبناء عجزت قوى الحراك الجنوبي في لم قواها في مكون واحد، - يعتبر المجلس الانتقالي أكثر شكل تنظيمي يجمعها – وبالتالي عجزت عن إيجاد أية حلول لما يعانيه أبناء الجنوب، فمن جهة الكراهية الشديدة التي عمل العدوان على زرعها وتغذيتها لا زالت موجودة، ومن جهة أخرى بدأت تتنامى مشاعر الغضب من الاختلال وممارساته القمعية والعدوانية.

يكاد يجمع الوطنيون من أبناء الجنوب الأحرار على أنه يتحتم على الشمال وخاصة مكون أنصار الله الذي له موقف مبدئي من قضيتهم وليس له أي مصالح مادية أو سياسية من حرب 94 والذي أثبت وطنيته ورفضه للوصاية الأجنبية والدفاع عن السيادة الوطنية لليمن، وأن يقوم - وإلى جانبه الفئات الوطنية من القوى السياسية الأخرى كالمؤتمر والاشتراكي وغيرهما- بالتواصل مع العناصر الوطنية في مأرب وتعز والجوف والجنوب؛ فلا زالت هناك كثير من أبناء الجنوب يتمسكون بالوحدة، وهنا يجب التواصل معهم والتنسيق لعقد لقاءات وحلقات ونقاش، والتحضير لعقد لقاء موسع يضم ولو بعض المكونات الرافضة للعدوان والتواصل مع من هم في الخارج .

إن العمل على استعادة الثقة بين الطرفين الوطنيين المستهدفين في الجنوب والشمال وتعزيز هذه القفة لدى أبناء الجنوب يساعد على استقطاب العناصر الكفاحية الوطنية من ابناء الجنوب، والعمل معها لإيجاد الحلول المشتركة وتوحيد الجهود لمقارعة العدوان وطرد الاحتلال.

ثمة اجماع على أنه وفي ظل الاحتلال السعودي الإماراتي للجنوب وحالة الانقسام والتشظي بين مكوناته فإن الحل الرئيسي او بدايته لن يكون من داخل الجنوب بل من خارجه، فأي حركة في الجنوب بحاجة إلى حاضنة في الشمال تمنحها الثقة والمساعدة على العمل والتحرك.

وعند مناقشة أي حلول للأوضاع لابد من النظر إليها من منظور وطني واحد لا نظرة جزئية مختزلة في الجنوب أو مأرب أو تعز، كما ينبغي الأخذ في الحسبان الأوضاع الاقتصادية للجنوب عند طرح أي حلول لأن تلك الظروف الاقتصادية أحد عوامل هيمنة واستغلال الاحتلال لأبناء الجنوب.

وبجانب الاستفادة من القوى السياسية الوطنية التي تحمل رؤى متقاربة من حل القضية الوطنية بعموميتها على أساس السيادة الوطنية ورفض التمزيق، يمكن بالإضافة لذلك الاستفادة من القبائل اليمنية المتداخلة بين الشمال والجنوب على طول الحدود الشطرية القديمة وحل الثارات فيما بينها إن وجدت، وتكريس الجهود من أجل تآخيها ووحدتها، حيث ما زالت القبلية اليمنية قادرة على لعب دور وحدوي، فهي كمكونات اجتماعية متخففة من الالتزامات السياسية للمكونات والأحزاب، وقادرة على حفظ التواصلات بين شمال الوطن وجنوبه ولو تم ترسيم حدود شطرية، والمناطق الحدودية بين الشمال والجنوب كانت تاريخياً ضمن الحركة الوطنية وتناضل من أجل الوحدة اليمنية، وتدعم نضال وتحرك الجبهة الوطنية الديمقراطية فرع الحزب الاشتراكي اليمني في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. 

كما يُمكن الاستفادة من رجال الأعمال، وخاصة القوى البرجوازية الوطنية صاحبة الاستثمارات الصناعية والزراعية، التي تهمها مسألة وحدة اليمن، الذي يعني لها وحدة السوق ووحدة القوى العاملة فالعلمية الانتاجية والتسويقية للمنتج المحلي تحتاج للوحدة الجغرافية الاجتماعية السياسية المتنوعة بالموارد والقوى العاملة والمناخات المختلفة، أما البرجوازية الكمبرادورية التي تعمل بالاستيراد فلا تهمها وحدة السوق، بل من مصلحتها تقسميه كأسواق استهلاكية واحتكاره.

يمكن لهذه البرجوازية الوطنية التي تملك استثمارات انتاجية في مناطق الشمال والجنوب أن تدعم توجهات حماية الوحدة الوطنية اليمنية، ولهم كرجال أعمال تأثير على الحالة السياسية في الشمال والجنوب، فيصبح من الضرورة حشد موقف لأكبر عدد من رجال الأعمال الوطنيين من أبناء الجنوب والشمال، في دعم هذه الروابط الوطنية وترسيخها، وهنا تتداخل المصلحة الوطنية والشعبية العامة مع مصالحهم المالية كرجال أعمال. 

ويصبح من الأهمية مراقبة مستمرة للواقع الجنوبي، ورصد أي قوى معارضة للواقع الحالي وللهيمنة الأجنبية، خاصة من القوى التي تأخذ طابعاً وطنياً، ولا تنتمي إلى بقايا السلطنات، مثل الاتحادات النقابية، أو الروابط الأدبية والثقافية وغيرها، من قوى المجتمع المدني.

بالإضافة إلى أن الحزب الاشتراكي اليمني، يمتلك حضوراً في الضالع ولحج، ومُحافِظاها من قياداته، فإذا حدث أي تقدم في موقف الاشتراكي بناءاً على بيانه الخاص بثورة أكتوبر الذي يستنكر الوصاية الأجنبية، إذا حدثت تطورات في موقف الاشتراكي، فإن ذلك سيكون تطوراً مهماً للواقع الجنوبي،

فمعالجة القضية الجنوبية ليست الغاية، بل هي الوسيلة، للوصول إلى الوطن اليمني الموحد، الذي يستفيد من موارده الطبيعية والبشرية، لصناعة مستقبل حر متقدم للإنسان اليمني، ولتأخذ اليمن دورها في المنطقة والعالم في الوقوف مع الشعوب المضطهدة والمُستضعفة، على المستوى القومي العربي، والاسلامي، والإنساني الأممي.