لا يبدو أن ثمة تحالف متين مبني على النقاشات المستفيضة والقناعات الراسخة، حول المهام الاستراتيجية والتطلعات المستقبلية بين الأحزاب السياسية التي تدعم ما يُسمى بـ"الشرعية" من أجل الوصول إلى هدف بعيد هو الانتصار على "الانقلاب" وكيفية الوصول إليه وأي معيار هو الجوهري، وأي وسيلة هي الأساسية وهل لها ضوابط أخلاقية ووطنية تنسجم مع المستقبل الذي يرسمونه ومع قناعاتهم الحزبية ومعتقداتهم "النضالية"!

افترضت الأحزاب السياسية التي اتخذت موقفاً سلبياً من ثورة 21 سبتمبر واعتبرتها انقلاباً افترضت دخولها في شكل تحالف "جبهاوي ديمقراطي"، من أجل اسقاط "الانقلاب العسكري الميليشاوي" واستعادة "شرعية الحكم التوافقي"، وتبنيها توجهاً معتدلاً من قضايا الهيمنة الخارجية (الأمريكية الخليجية)، ومنظوراً جديداً للسيادة الوطنية يُفرط فيها؛ فاعتبرت العدوان السعودي (عاصفة الحزم) تدخلاً عسكرياً مشروعاً، مرده "استفزازات الانقلابيين"، كما تعترف أن التدخل العسكري غدا ضمن قضايا الصراع الاقليمية بين "المملكة العربية السعودية الوهابية" و"الجمهورية الإسلامية الفارسية الشيعية"، ولكن في ذات الوقت يقولون: (لا بأس بهذا التدخل العسكري، فهو ضد انقلاب عدونا المشترك، ويُمكن أن نقنع المملكة أن يكون تدخلها يخدم أولوياتنا اليمنية، لا صراعها الإقليمي. وأن يكون ديمقراطياً!!! لا مثيراً للطائفية، ونقنع الإمارات ألا تطمح للسيطرة على موانئنا بل إعانتنا على خصومنا، فنحن لن نجد فرصة كهذهِ تقوي ضعفنا أمام الانقلابيين).

 بتلك الطريقة تفكر هذه الأحزاب السياسية في انتهازية العاجز عن إحداث فعل في الداخل قوامه الإرادة الشعبية التامة. فمن بعد تنازلهم عن ثورة الـ 11 من فبراير 2011م وخذلان الجماهير الشعبية بما سُمي بالمبادرة الخليجية، لم يخطر ببالهم أن الجماهير يُمكن أن تثور مجدداً، فحدث أن اندلعت ثورة في الـ 21 سبتمبر 2014م وقلبت عليهم الموازين والآمال المُعلقة على "الانتقال الديمقراطي عبر المجتمع الدولي والدعم الخليجي" المزعوم الذي تعهد لهم بذلك. والتناقض في الأمر أن ذات الأحزاب المؤيدة لهادي في العام 2011م هي نفسها التي منعت الشباب الثوريين والجماهير من عسكرة الثورة ضد السلطة التي كان على رأسها حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، رغم أن الانقسام بين السلطة القديمة والثورة كان واضحاً، فيما اليوم يؤيدون العسكرة ويسمونها مقاومة، ويؤيدون الحرب التي تقع في شقها الداخلي بين جماهير ثورة 11 فبراير وقوى التغيير التي انقسمت!

ما أثبته الواقع، أن هذا الشكل الجبهاوي الديمقراطي المناصر للشرعية منعدمٌ من أساسه، وأن ما تلتقي حوله هذه الأحزاب هي توجهات سياسية من منظورها الحزبي تتشابه لدى الجميع في شكلها وتختلف من حيث دوافعها ومضامينها لدى كل حزب، أي دون أن يكون هذا التشابه مرده توافق هذه الأحزاب تجاه القضية الوطنية، وأن تكون مواقفهم انعكاساً عن التزامهم بهذه القضية.

فعلى سبيل المثال تتجلى هذه الإشكالية في موقف "الاشتراكي" و"الإصلاح" من السيادة الوطنية فالاشتراكي يتجاهل السيادة الوطنية التي خرقتها عاصفة العدوان وتخترقها يومياً عبر الحصار والغارات، ويدين الوصاية الأجنبية لدول التحالف خاصة في الجنوب، و"الإصلاح" الذي لا يعترف بالسيادة عموماً وكان المؤيد العلني الوحيد لعاصفة الحزم، يصف الوجود الإماراتي في المحافظات الجنوبية بالاحتلال، لأن الإمارات تقف ضدهم، كذلك فحراك "المجلس الانتقالي الجنوبي" يعترف بالشرعية ويحاربها في آن، وحراك "باعوم" يعترف بالقضية الجنوبية وحق تقرير المصير، ويرى أن ما يقوم به "الانتقالي" انتهازية وأن الإمارات تنتهك السيادة الوطنية!

هادي يحاول لملمة الشتات السياسي ومصالحة المقصيين!

 مؤخراً عقد الرئيس المستقيل «هادي» اجتماعاً معَ قيادات الأحزاب السياسية الموالية في العاصمة السعودية الرياض لتجميع الشتات السياسي الذي يؤيد شرعيته ويختلف في تفسيرها، رغم أن هادي تصرف بدكتاتورية وأقصى هذه الأحزاب من ممارسة السلطة والمشاركة في صناعة قرارات ما يسمى الشرعية، باستثناء الإصلاح الذي انتزع دوراً كبيراً ميدانياً وسياسياً ومالياً.  

 لم يكن هناك جديد في مضمون ما تحدثت به الأحزاب في هذا الاجتماع، يختلف عما كانوا يرددونه منفردين، حول "إنها الانقلاب واستعادة الدولة"، والالتزام بالمرجعيات الثلاث (قرارات مجلس الأمن - المبادرة الخليجية - مؤتمر الحوار)، أما اللافت للنظر، فهن نقطتان وردتا في البيان الصادر عن هذا الاجتماع لا تخدمان ثبات التحالف بين الأحزاب السياسية وبين دول التحالف؛ بل تعكسان التشققات في هذا التحالف (العام) نظرياً:

النقطة الأولى موجهة ضد الإمارات وأحزمتها الأمنية المناطقية التي شكلتها في الجنوب وتسعى بشكل حثيث لتشكيلها في تعز، وضد الحراك الجنوبي في "المجلس الانتقالي، وتنص هذه النقطة على، رفض الأحزاب أي تشكيلات عسكرية أو امنية خارج إطار المؤسسات الشرعية، وأي أعمال تقوض أو تعيق جهود الحكومة" . ومن هذه الأعمال إسقاط حكومتهم، وهو التوجه الذي يسعى له المجلس الانتقالي الجنوبي وأذاعه الجمعة الماضية.

أما النقطة الثانية فسياسية متعلقة بعملية السلام، وتشير هذه النقطة لوجود نوع من الضغوط على حكومة الرياض كوجود محتمل لبوادر حراكات سياسية دولية من أجل حل الأزمة في اليمن خارج إطار وساطة ولد الشيخ. إذ أدان البيان أي محاولات من هذا النوع، مديناً اجتماعات الرباعية (السعودية – الإمارات - أمريكا - بريطانيا) سابقاً التي ناقشت الحل في اليمن كشأن دولي دون إشراك أي من هذه الأحزاب أو إشراك هادي ودون الاهتمام بمستقبلهم. كما أدانت هذه الفقرة من البيان، مبادرة كيري السابقة محذرة من أي توجه نحو إحيائها، واعتبرت مبادرة كيري تلك "مخالفة للمرجعيات وداعمة لأمد الانقلاب وتواطؤ معه"، وأكدت دعمها لمسيرة ولد الشيخ، هذا البيان كان من ضمن الموقعين عليه الحزب الاشتراكي اليمني، الذي رحب بمبادرة كيري في حينها!

الاشتراكي والناصري لا شرعية لهادي وبن دغر!

 لا يبدو بأن هذا الاجتماع كان ناجحاً، ويظهر من البيان الذي تم نشره من قبل المواقع الموالية لهادي، أنه يمثل موقف هادي والسعودية وحكومة بن دغر فحسب، فبعد يومين من هذا الاجتماع، خرج «عبد الله نعمان» الأمين العام للتنظيم الوحدوي الناصري لينسفه في حوار مع قناة يمن شباب مظهراً مواقفا جديدةً لأول مرة، فهو يعترف بأن الحرب في المنطقة غرضها تقسيم وتفتيت الوطن العربي، ويُنكر صفة الشرعية عن حكومة بن دغر ويعتبرها سلطة أمر واقع غير دستورية، ولم تأتِ حسب التسوية الخليجية، فيما الشرعية هي لحكومة «بحاح» حسب كلامه، كما يعتبر الحسم العسكري مستحيلاً، وطول أمد الحرب يخدم "الانقلابيين"، والتحالف وحكومة بن دغر فشلوا في إدارة المناطق التي يسيطرون عليها، ولا بد من الوصول لتسوية سياسية، وتسليم سلاح مختلف الأطراف، و"الحوثيين" شركاء في بناء الوطن.

وإذا كان الناصري قد سحب الشرعية من تحت بن دغر، فإن الاشتراكي سبقه في هذه الخطوة حيث سحب الشرعية وبساطها من تحت هادي، فقد اعتبر نائب الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، في لقاء مع "روسيا اليوم" قبل يومين من الاجتماع أن شرعية "الرئيس هادي"، ليست شرعية مجسدة في ذاته، وليست خارجة عن التوافق الوطني للأحزاب السياسية، وأن شرعيته هي في التوافق كما أن مهامه كرئيس جمهورية في هذه المرحلة الانتقالية ليست كاملة، بل مجتزأة وأسندت جزءاً منها إلى شراكة الأحزاب السياسية اليمني وتوافقها، وفق الأليات التي جاءت بهادي إلى السلطة وهي المبادرة الخليجية ومؤتمر الحوار الوطني متهماً هادي بعدم إشراك هذه الأحزاب، ومطالباً باستعادة العملية السياسية!

الاعتراف بان شرعية هادي توافقية نسف جذري لهذه الشرعية، ولا ينسفها فقط بأن الأحزاب الموالية لهادي مختلفة حول شرعيته وتراه دكتاتورياً لم يُشركها، بل ينسفها أيضاً وجود أحزاب مشاركة في مؤتمر الحوار تنكر هذه الشرعية تماماً عنه، وهي أنصار الله والمؤتمر الشعبي العام، مما يعني بأنهُ ما من توافق وطني حول هذه الشرعية.

 وإذ جئنا إلى الأمر الواقع باعتبار أن السُلطة بالقوة مانحة للشرعية الواقعية، فلا توجد سلطة قانونية لحكومة بن دغر في مناطق سيطرة الجماعات المسلحة التي ترفع شعار الولاء لها، وهذا ما اعترف به الناصري في مقابلته، وما ذكره الاشتراكي في بيان ثورة 14 أكتوبر، وهو ما يؤكده الواقع، إذ أن الواقع لا يعطي هادي أي شرعية كشرعية، ففي ما تسمى بالمناطق المحررة السلطة تديرها جماعات مسلحة إرهابية، فيما الواقع يُعطي حكومة صنعاء وتحالفها شرعية أمر واقع حيث تحكم سلطة مركزية واحدة بمؤسسات الدولة اليمنية، لا كإمارات داعشية.

 الحِراكات الجنوبية و"الشرعية" والاحتلال!

 انخرط الحراك الجنوبي مع حكومة هادي وقوات التحالف في أعمال موحدة ضد سلطة صنعاء وتحت دعوة الشرعية التي تدعمها كل من الإمارات والسعودية، لكن هذا الأمر لم يدم طويلاً كان أقصر من حبل الكذب! فسرعان ما عاد الحراك محافظاً بعلاقته مع الإمارات للمطالبة بالانفصال، ومهاجماً لحكومة بن دغر، من أجل هدفه في استعادة الدولة، ولكن ليس الدولة التي حاربت مع العاصفة دفاعاً عن وهم شرعيتها وضحى بأبناء الجنوب في سبيلها، بل الدولة السابقة للوحدة اليمنية، منتحلاً لها هوية غير موجودة، وهو في هذه الأسابيع الأخيرة يكثف من نشاطه العسكري والسياسي والجماهيري منادياً بإسقاط حكومة بن دغر.

دخل المجلس الانتقالي الجنوبي ومن خلفه، الإمارات العربية في حالة سباق مع زملائهم في عاصفة الحزم السعودية وهادي وعلي محسن في السيطرة على المحافظات الجنوبية، واستطاع هذا المجلس الجنوبي أن يؤمّن كثيراً منها تحت سيطرته، وأحبط محاولة السعودية في محافظة شبوة وأبين، وما زالت تحاول السعودية السيطرة على محافظة المهرة، لاستقطاع جزء من أراضيها كما فعلت في أراضي حضرموت الحدودية. تمدد الحراك الجنوبي خارج عدن، ولكن السعودية وأدواتها مازالت تنتقم منه في عدن بالعمليات الارهابية التي تستهدف القوات الأمنية والأحزمة الأمنية من فترة لأخرى.

ولا يعاني المجلس الانتقالي من المعارضة السعودية وحكومة هادي وعلي محسن وقد دخل معهم بمعركة عسكرية، إذ يواجه معارضة سياسية من مجلس الحراك الثوري الجنوبي المنادي بالاستقلال والعودة إلى ما قبل الوحدة، الذي يقوده الزعيم الحراكي «حسن باعوم»، الذي يتهم المجلس الانتقالي بالانتهازية، ويهاجم الوجود الإماراتي اعتباره وجوداً احتلالياً.

 ومؤخراً فجر باعوم قنبلة سياسية حين تحدث في كلمة موجهة لاجتماع فصيله الحراكي في عدن، كاشفاً بأن دول التحالف طلبت منه المشاركة معها في عاصفة الحزم مقابل دعم مالي ولوجيستي إنما دون ضمانات حقيقية لحل القضية الجنوبية، هو لم يفجر هذه القنبلة السياسية في وجه دول التحالف، بل أيضاً في وجه القياديات الحراكية، الذين رفضوا جماعياً حينها القبول بهذه الصفقة، ثم ذهبوا فُرادى يقبلونها مع الإمارات والسعودية، فيما ثبت هوَ على موقفه ليصبح في أقصى اليسار الجنوبي.

ما حيلة الأحزاب غير السياسة!

تشتت هذه القوى التي دخلت في إطار "الشرعية من القوى السياسية اليمنية"، وكذلك بين السعودية والإمارات في ظل ما يسمى بتحالف دعم الشرعية، هذا الوضع لا يُشير إلى وجود شرعية حقيقة تنتمي للمستقبل وقادرة على أن تجمع الكل حولها وحول (قضيتها)، وقادرة على إنتاج حلول للقضايا اليمنية الموجودة فعلياَ والتي تمثل التربة الاجتماعية للحرب والانقسامات السياسية والأطماع الأجنبية. مما سيدفع الأحزاب السياسية المؤيدة "للشرعية" أن

تقبل في نهاية المطاف بالتنازل عن مطلب "استعادة الدولة للحكومة الشرعية" والدخول في اتفاقية سياسية لانتقال إلى وضع سياسي جديد، وتختلف نسبة التوجه هذا وجديته من حزب لآخر، فأكثرهم غنائماً أكثرهم تصلباً، وأقلهم مصالحاً أكثرهم اندفاعاً للسلام، وأيضاً حين يدخلون لن يكونوا حينها موحدين في مواقفهم من مختلف القضايا التي لم يتفقوا حولها وهم مجازاً في خندق واحد يقاتلون، فكيف سيتفقون في ظل السلام!

 ولن يكتب التاريخ اليمني، عن جريمة الانقلاب وعن انتصار الشرعية، بل عن العدوان وعن مواقف خيانية!