في جبهة الساحل الغربي بتعز -حيث تشكل هناك لأكثر من عام مركز ثقل الحرب للعدو- رمى العدو بأغلب قواته لإحداث ثغرة من الساحل باتجاه قلب مدينة تعز استناداً إلى الجيب العدواني الداخلي للمرتزقة فيها، ومن جهة أخرى التمكن من السيطرة على نقاط حاكمة مفصلية تمكنه من النفاذ إلى الحديدة بعد سلخ تعز من نطاق السيطرة الوطنية. وقد صارت لها نقاط جديدة مؤخرة في الخوخة ويختل، إذ يستنزف العدو التكتيكات والخيارات والبدائل كما ستنزف مرتزقته بلا حساب.

كل تلك الهجمات الجنونية والانتحارية التي تابعناها، تكسرت أمام صمود الأشاوس أبناء الجيش واللجان الشعبية، مع التركز الدفاعي لقواتنا الوطنية في مرتفعات الهاملي وموزع المطلة على معسكر خالد ونقاط التماس المحيطة والنقاط الحاكمة الدفاعية والاستراتيجية على طول الشريط الساحلي مروراً بالحديدة وحتى ميدي.

لقد صاحبت تكتيكات الالتفاف والقناصة والمشاة الصاروخية نتائج وخيمة على العدو لم يستطع الفكاك، و أغرقت المدرعات الأمريكية الأفخم في العالم في هزائم لا تتوقف.

وكانت النتيجة أن هذه الانتكاسات المتوالية للعدو ألقت بظلالها على بقية الجبهات، وصار العدو عاجزاً عن معاودة شن الهجمات الكبيرة كما كان في السابق.. مما أفسح المجال أمام قواتنا هنا للتحول إلى حالة الهجوم الدائم على شكل الضربات الخاطفة الموجعة على خلفياته وخطوط إمداده في السواحل، حيث تشكل هذه المناطق نقاط لخواصر ضعيفة ومواضع لاستنزافه، والمتوقع أن تتكثف ضربات الجيش واللجان لقطع هذه الخطوط بشكل دائم وهو ما العدو في الساحل في حالة تطويق واستنزاف دائم.

ما الذي يحققه العدو؟

إن من الواضح تراجع العدو حتى لو لم يعترف بذلك.. الشواهد العملية تدلل على الأمر وكفى، وهي وردت في إعلامهم حتى.

كيف وصلت صواريخنا إلى الرياض وأبو ظبي؟ كيف استطعنا إسقاط طائرات إف15 وتورنيدو وإم كيو التجسسية وتايفون التي تعادل بقدراتها الإف 22 الأمريكية؟!

أين منظومة الباتريوت 1 و2 و3؟

وأخيراً، أين هو ولد الشيخ؟

ما يمكن إدراكه ببساطة، أن قواتنا اليمنية في حالة تصاعد نوعي شامل، على مستوى التكنيك والتنظيم والقدرات والتعبئة. وبالمقابل يتراجع العدو. ليس هذا لحظياً، إنه خط متصاعد منذ انطلقت الثورة وشرع العدوان في مواجهتها وذبح اليمنيين بلا توقف.

فالحرب العدوانية الكونية إذا  لم تنجز عدا التطور النوعي في القدرات اليمنية لا تدمير ما كان يملكه من سلاح كما ادعى، وامتلاك وسائل وإمكانيات الردع وصنع التحولات العميقة في المنطقة، لاسيما في مربع العدو المتفكك توازياً مع الانتصارات اليمنية.

ورضوخ الأمم المتحدة وتحالف العدوان لتغيير ولد الشيخ، ليس يعني مبدئية هذه الأطراف أو جديتها في الحل، بل تنازلاً من العدو –وإن كان شكلياً- يعبر عن حاجة لهم لإعادتنا لطاولة المفاوضات ولو حتى لكسب المزيد من الوقت. وحين قدم نائب المبعوث قبل أسابيع قليلة إلى اليمن، كان التعامل معه بواقع مختلف من قبل السياسي الأعلى والرئيس الصماد، حيث كان اللقاء شديداً وقوياً، ويؤكد الهزالة التي عليه العدو والقوة التي عليها الثورة.

من جانبٍ آخر، فالمعارك الجارية الآن في طور الباحة والشريجة والحويمي، تعبر عن مدى التقدم والاختراق اليمني للعدو في عمقه الاستراتيجي من لحج. وهو يسحب ثقل العدو من السواحل باتجاه معركة حدد مكانها اليمنيون وتوقيتها، وكذلك الأمر في الضالع في جبل العود ومريس، حيث يعظم المقاتل اليمني هناك تمركزه  وتواجده وسد الثغرات واستغلال نقاط الضعف للعدو التي تركت بفعل الخيانة من الداخل لطرف صالح.

إن هذه المعارك الجارية ليست بمجرد مناوشات وحسب، أو تكتيكات لرفع ضغط على جبهة، بل هي تتموضع الآن كمحدد لمسار معركة الساحل الاستراتيجية.

في الحد الشمالي

تستمر هناك عمليات استنزاف متواصلة شرسة لاسيما لمنظومة الباتريوت المكلفة، والتي دفعت السعودية مؤخراً 500 مليون دولار لصيانتها وشراء قطع غيار لها. وذلك يجري –بكل سخرية- باستخدام صواريخ قصيرة المدى محلية الصنع ذات الكلفة التي لا يمكن أن تقارن بتكلفة صاروخ واحد من الباتريوت الأسطوري.

إن السلاح بالنسبة للعدو هو أهم ما يرى فيه تفوقه، لكن السلاح النوعي بأنواعه الذي يملكه، صار مدعاة للسخرية من العالم، فأحدث الأساطيل الحربية الجوية فشلت عن عرقلة حركة المقاتل اليمني.

ومنظومة الباتريوت الاستراتيجية تفشل عن حماية العمق السعودي، لتنكشف بذلك السعودية تماماً أمام الضربات الصاروخية اليمنية الموجعة.

ويبدو جلياً، أن السعودية تعاني الكثير من استمرار الاستنزاف لها. وفعلياً فالاستنزاف الفعلي لها لم يبدأ بعد، فمنابع النفط وشركات التكرير ومحطات الطاقة والمياه والموانئ ووو، لم تدخل فعلاً تحت طائل الاستهداف اليمني، وما يكابده الآن ليس أكثر من وخزات دبوس فقط.

وكانت معركة السلالم الأخيرة لأبطالنا في موقع الضبعة، رسالة قاسية للعدو لم يتحمل وقعها، خاصة وأن فيديو الإعلام الحربي عن العملية لقي تداولاً واسعاً على مستوى عالمي، وحقق ذلك ضربة معنوية جبارة للعدو وحواضنه، وعبأت قواته بشعور اللا جدوى والهزيمة.

إذن، العدو لا يعرف إلى أن يذهب، بينما نحن نعرف تماماً. وهو يعيش توهاناً وهستيرياً مروعة، فحين تدخل حرب بقوام كالذي دخل به تحالف العدوان على اليمن، ثم لا تصير حبالها بيدك بل بيد خصمك الذي لم يكن يملك شيء بالأمس، فهذا مصير مزري تقع به القوى، والأشد من ذلك أن تفقد أيضاً المقدرة على التراجع أو التقدم ، أو إعلان الهزيمة، وهذا يضاعف الخسائر والأكلاف طويلة المدى وليس القصيرة والمتوسطة وحسب، وتداعياتها بالتأكيد وخيمة جداً.

التوازنات الاستراتيجية التحررية الراهنة

خلاصة الحال، يؤدي للنتائج الاستراتيجية الآتية التي يصعب تغييرها وتصب بصالح تقدم قواتنا الوطنية في جميع الجبهات:

  1. من مراقبة مسار المعارك خلال الفترة الماضية إلى الآن، نصل لاستنتاج مفاده أن العدو نتيجة لهزائمه في مئات المعارك والزحوف وخسائر تقدر بأكثر من 120 ألف قتيل وجريح وآلاف المدرعات والآليات...، قد استنزف مخزونه الاستراتيجي الاحتياطي من حيث القوة البشرية والتجنيد وأصبح الآن عاجزاً عن حشد عدد كافٍ من الاحتياطات -كما كان في السابق- للهجوم في أي محور وجبهة.
  2. معنى ذلك، أن ميزان القوى يختل تدريجياً لصالح قواتنا في جميع المعارك البرية، حيث صرنا أسياد المعارك البرية بلا منافس في مسارح المنطقة برمتها.
  3. سقوط نظرية العدو الاستراتيجية في إدارة الحرب بفشل رهاناته على اعتقادات –أوهام- خاطئة بأنه يمكن هزيمة القوات اليمنية المدافعة عبر خنقه اللوجستي من خلال التأزيم التمويني على المستوى الشعبي وإضعاف الاحتضان الجماهيري للجبهات، وقطع المرتبات والاستيلاء على مصادر الدخل والبنك والحصار الشامل، أيضاً فشل الرهان على الاستنزاف التمويني العسكري واللوجستي للمخزون الحربي واحتياطاته حيث صارت استراتيجية العدو –موضوعياً- تهدف إلى الاستنزاف للقوات كهدف بذاته لدفعها في النهاية للقبول بمساومة ، وهو هنا قد تخلى عن هدف الدحر.
  4. إن أقصى ما صار يضعه العدو من أهداف استراتيجية (على المستوى الحربي) هو إقناع قواتنا بالتسوية التقاسمية تكرس حدود واقعية لما وصل إليه كل طرف.

التحولات الاستراتيجية على الصعيد الوطني اليمني

رغم كل التحديات فقد فاجأت قيادة الثورة والتحرر بما أظهرته من حزم وإمكانيات وقدرات وما حققته من إنجازات على كل المستويات خاصة التقنية والحربية، فقد حدث الآتي:

  1. نسف نظرية الاستنزاف اللوجستي بالنسبة لقواتنا اليمنية حيث أن انتصاراتنا الدائمة قد مكنتنا من الاستيلاء الدائم على مخازن العدو وأمنت شبكات طرق واختراقات جديدة حتى لمجالات وشبكات العدو نفسه على المستوى العملياتي والسوقي والتعبوي والمخابراتي، وصار مستحيلاً الرهان على الاستنزاف لأنه رهان ميت بكون جيشنا وقواتنا في حالة تقدم وتوسع وسبقت حركته بكثير للأمام.
  2. المزيد من التحام الشعب (بكافة فئاته وعموده الفقري البنية القبيلة) والجيش، بل وحدث أن تكون جيش شعبي ثوري جديدة بعقيدة وطنية ثورية جديدة ومهارات قتالية حديثة ومبتكرة تضاهي أقوى المحاربين في العالم وذلك باعتراف كبير العسكريين والخبراء في العالم منهم رئيس أركان الجيش الروسي.
  3. توسع قاعدة الثورة الشعبية وانعكاساتها على ميدان المعركة وتنظيم القوات، علاوةً لتجذرها بشكل عمق وتوسع قاعدة مهامها ووعيها.

تطوير وانتاج البنية الاستراتيجية الحربية للوطن وجيشه المحارب

لقد تمثلت هذه الاتجاهات الاستراتيجية بالآتي:

أولاً: مواصلة تطوير الصناعات العسكرية خاصة الصناعات الصاروخية والقوات الجوية والدفاع الجوي، وتخليق بنية حربية جديدة، لتصير المنطقة المعادية في الخليج والسواحل والقواعد البحرية تحت رحمة الصواريخ اليمنية الاستراتيجية، كما أنتج هذا انقلاب المعادلة في الصراع البحري، إذ أصبحت قواتنا البحرية وصواريخها تغطي البحر الأحمر حتى شمال قواعد العدو السعودي والقواعد المعادية الموجودة في البحر والجزر وخليج عدن وسقطرى... والحال ذاته مع حرب الجو ودخول منظومة دفاع جوي كاملة ضد الطيران المعادي وأثبتت فاعليتها وهي في طورها الأول، وبالتأكيد سنشهد النقلات في هذا المسار كما هو الحال مع القوة الصاروخية اليمنية.

ثانياً: هذا المتغير كسر إمكانيات شن هجوم بحري مباغت على الموانئ اليمنية والسيطرة على السواحل، إذ نشرت قواتنا قواعد ونقاط إطلاق للصواريخ البحرية في امتداد الساحل ومرتفعاته من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، مما يجعل أحلام الهجوم على الحديدة أو اختراق تعز أضغاث أحلام لن يجني من ورائها غير المزيد من القتل والمقابر.

ثالثاً: التحول في مسرح الحرب الجوي البري:

  • تمكن قواتنا من تطوير أسلحة الهجوم الجوي ممثلة بصناعة أنواع من الطائرات بدون طيار حيث أصبحت تخترق عمق الأجواء المعادية لساعات دون أن تُكشف.
  • تطوير الطيران من مراقب استطلاعي إلى قاذف هجومي.
  • تحقيق مفاجئة استراتيجية تمثلت بتطوير وصناعة أسلحة الدفاع الجوي كالصواريخ المضادة للطيران بمستوياتها المتقدمة، وتمضي حالياً نحو تكسيرها وإخراجها من حسابات الحرب وهو ما يوجه أخطر ضربة إلى عمق استراتيجية العدو بإصابة نقطة تفوقه الحاسمة بالشلل وهو ما يفتح الباب أمام تغير استراتيجي شامل في مسار الحرب برمتها، ويثمر الوعود بالنصر.

لم يتبقى لدى العدو غير خيارات انتحارية تعجل من نهايته، وبالتأكيد سيتجه للمزيد من تشبيك المسار العسكري له مع المسار التخريبي والخياني في الداخل والحرب الاقتصادية والتجويع..

ولكن الكارثة الحقيقية فعلاً، إن كان العدو يعتقد أن هذه التحولات الهائلة في البنية اليمنية بكافة مستوياتها ومجالاتها، بالإمكان التراجع عنها بأي حال ووقف سيرورتها.! إذ قد يعتقد أن ذلك تكتيك لا استراتيجيا ومشروع. كما أنه ومع تسليمه بعدم إمكانية ذلك، فهو في أزمة مؤرقة، بين أن يعترف بالواقع اليمني الجديد ويسلم به، وبين الاستمرار بالحرب التي يعرف أنه يخسر فيها أكثر وأكثر كلما استمر فيها