عقد مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية اليمني صباح اليوم الاثنين 16 أبريل 2018م ندوة خاصة بمناسبة الذكرى السنوية للشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي تحت عنوان "الشهيد القائد الحضور المتجدد"، تضمنت الندوة ثلاث أوراق عمل متنوعة ألقت الضوء على بعض الجوانب الفكرية في مشروع الشهيد القائد، إضافة إلى ورقة نقدية للأخ بلال الحكيم لكتاب الأستاذ فاضل الشرقي "قراءة في المشروع القرآني للشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي"، وتعقيب من الأستاذ المؤلف الذي كان حاضراً إشهار الكتاب وتوزيعه.

ورقة الأستاذ حمود الأهنومي تناولت العلاقة بين الشهيد القائد والتاريخ قراءة وتفسيراً وتوظيفاً تحت عنوان "الشهيد القائد والتاريخ"، أما الدكتور عبد الملك عيسى فقد تناول البعد الاجتماعي في مشروع الشهيد القائد وطريقته المتميزة في قراءة النص القرآني.

القضية الفلسطينية التي كانت ولا تزال حاضرة وحية في ضمير كل عربي ومسلم شغلت حيزاً واسعاً في فكر الشهيد القائد باعتبارها القضية المركزية للأمة وأن وجود الكيان الصهيوني منذر بهلاك الجسد العربي والإسلامي؛ فهو في نظره غدة سرطانية يجب أن تستأصل من هذا الجسد؛  تحت عنوان "فلسطين في خطاب الشهيد حسين بدر الدين الحوثي" تناول الموضوع الأستاذ محمد ناجي أحمد بكثير من التفصيل والإشارات إلى مقتطفات كثيرة من محاضرات الشهيد القائد التي شكلت مشروعه القرآني، والتي دلت على اهتمامه بالقضية الفلسطينية التي يسعى بعض حكام العرب اليوم إلى تصفيتها والتخلص منها لصالح الكيان الصهيوني الغاصب.

 حضر الندوة عدد من الشخصيات الرسمية الحكومية والثقافية والعملية وكذلك عدد من ممثلي الأحزاب والأكاديميين والمهتمين، وجانب كبير من الحضور النسائي المتميز.

 في ورقته الشهيد القائد والتاريخ استطلع الأستاذ حمود الأهنومي اهتمام الشهيد بالتاريخ وكيفية قراءته له القائمة على التوظيف الرائع للتاريخ في استنهاض الأمة واعتماد ماضيه مادة تحفيزية لاستنهاض الخلف. الكاتب أشار إلى استناد الشهيد القائد على القرآن كمصدر لقراءة التاريخ الذي يجب أن يثمر العبرة والفائدة، وعن التفسير الذي اعتمده الشهيد القائد في قراءته للتاريخ فقد لزم التفسير الإسلامي البعيد عن المادية التي اعتمدها الكثير في تفسيرهم للتاريخ والذي يعتمد على البعد الغيبي في تناوله للأحداث. ومع ذلك فقد تضمنت محاضرات الشهيد نقداً للتاريخ والسير التي تصور الأحداث بشكل مفرغ من الفائدة وتركز على سردية هامشية لا تصنع في ذهن القارئ عظة وعبرة أو تعمد إلى تشويه الوقائع والأحداث. مؤكداً في نهاية الورقة صعوبة الطريق التي يسلكها الباحث في مجال قراءة التاريخ، وأن نتائج بحثه لن تكون مطلقة وقطعية، بل ستظل نسبية حيث يقول: "التاريخ ليس سهلاً، لا تستطيع أن تقول إن ما قدم هو الصحيح".

الباحث الدكتور عبد الملك عيسى تناول البعد الاجتماعي في المشروع الي قدمه الشهيد القائد حيث أكد الكاتب أن كتابات الشهيد القائد قد جعلت من الكلمة سلاحاً وعنصراً مكوناً للثورة، ما جعل خطاباته تكتسب مدلولاً ثورياً، يرى الكاتب أن فكر الشهيد القائد يختلف عن التيارات التي حاولت أن تصوغ فكراً إسلامياً بالاعتماد على مناهج فكرية غير إسلامية؛ وتبرّر الواقع باسم التوفيق بين الإسلام والمعاصرة، بل هو فكر يرفض كل تأويل أو تفسير يختلف مع مقاصد الإسلام.

يشير الكاتب إلى أن الفكر الاجتماعي عند الشهيد القائد لم تتم صياغته كفكر خارج عن بنية القرآن الكريم، فلا وجود عنده لفصل أو تمييز بين القرآن والواقع (عين على القرآن وعين على الواقع). بل ينطلق من القرآن مرتبطاً بالواقع تفسيراً وتوجيهاً؛ وهذا هو الفرق الأساسي بين الفكر الإسلامي والفكر المحدث، ذلك أن هذا الأخير قد طرح إشكالية التغيير والتجديد كمصطلحات يتم تحليلها وفق المنهج الوضعي الذي لجأ إليه المحدثون كمنهج بديل عن الفكر الإسلامي بكل مكوناته، في حين أن الشهيد يطرح القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من موقع الاستجابة الإسلامية لمستجدات العصر وتحديات الواقع، وهذا في المحصلة لا يعني أن منهجية الشهيد هي منهجية أحادية الجانب تنطلق من النص دون أي اعتبار للواقع بل على العكس تماماً؛ فالفكر الاجتماعي لديه -من حيث هو فكر قرآني- يعطي للواقع كل ثقله شريطة أن لا تخرج عن ثوابت القرآن الكريم، وهنا تتجلى ثورية الفكر الاجتماعي المعتمد على هذا المنهج حيث أن استجابة المفاهيم الاجتماعية والسياسية لحركة الواقع تكون دائماً من موقع تأثير الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة في حركة الواقع لا إضفاء المشروعية عليها وتبريرها.

وهكذا يمضي الكاتب مؤكداً أن الفكر الاجتماعي الإ سلامي الذي صاغه الشهيد القائد هو فكر تحويل لا فكر تبرير. فكل محاولة للتقدم والخروج من التخلف ليست في جوهرها ـ انطلاقاً من هذا المنهج- إلا الرجوع إلى النص الذي هو حصراً القرآن الكريم، أي إعادة الانتماء للحضارة الإسلامية في مسارها السابق على الانحراف.

يعتقد الكاتب أن الفكر الإسلامي الذي لم يصل إلى مستوى صياغة المفاهيم من منظور قرآني هو فكر عاجز عن انتاج فكر اجتماعي ـ سياسي يحرر الأمة ويحدث نهضة الشعوب الإسلامية فهذا الفكر عقيم ونظرته نظرة تجزيئية تتناقض مع صياغة المفاهيم وتنسيقها؛ فصياغة المفاهيم هي الشرط الضروري لصياغة المشروع الحضاري الإسلامي.

عن رؤية الشهيد القائد للمفسر للنص القرآني يرى أن المفسر التجزيئي يمارس على الأغلب دوراً سلبياً في التفسير. فهو يبدأ أولاً بتناول النص القرآني المحدد مثلاً أو مقطعاً قرآنياً دون أي افتراضات أو أطروحات مسبقة ويحاول أن يحدد المدلول القرآني على ضوء ما يسعفه به اللفظ؛ خلافاً لذلك المفسر التوحيدي والموضوعي الذي يربط ما بين مختلف الآيات التي نزلت في موضوع محدد يلتمس منه الهدي والرؤية الواضحة بما يرسم صورة أكثر اكتمالاً وأشد وضوحاً.

ما أسماه الكاتب قيمومة القرآن -والتي تعني ارتباط القرآن بالواقع والعكس انطلاقاً وانتهاءً - هو ما يميز فكر الشهيد القائد فهو لا يرى التفسير الذي ينطلق من القرآن ليعود إليه ويجعله منعزلاً عن الواقع والتأثير والفائدة التي يحتاجها الفرد والمجتمع.

الكاتب محمد أحمد ناجي تناول في ورقة موسعة القضية الفلسطينية في خطاب الشهيد القائد مستحضراً العديد من الشواهد والاقتباسات من محاضرات الشهيد القائد التي لم تخل في معظمها من الإشارة والربط بين القضية الفلسطينية والوقائع والأحداث التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية.

 الكاتب استعرض حال الأمة العربية المتشظية التي تشابه كثيرا حالها إبان الحقب الانهزامية السابقة التي رافقها تفكك متعمد من قبل الأعداء فيما لاحظ الكاتب أن فترات انتصاراتها كانت مقترنة دوماً بالتوحد والائتلاف.

يؤكد الكاتب أن تحرير فلسطين في فكر الشهيد المؤسس يمثل محور النهوض والصحوة، والوعي بطبيعة العدو وأدواته وأساليبه. فقد بيّن في دروسه وملازمه أن الحكام العرب بشكل عام، والسعودية وبقية مشيخات الخليج بشكل خاص هم صنائع الأمريكان والمشروع الصهيوني، أو بحسب وصف قائد حركة أنصار الله السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي "عبيد الأمريكان".

يشير الكاتب ناجي أن ربط الشهيد في شعار حركة أنصار الله المجمل بـ " الموت لأمريكا - الموت لإسرائيل" لم يكن إلاَّ تجسيداً لوعيه بأن إسرائيل هي ذروة الامبريالية الغربية، بقيادة أمريكا، مستشهداً بقول الشهيد القائد: "إذا انتصرنا على أمريكا، وأمَتْنَا هيمنتها وجبروتها في قلوبنا وعقولنا فإن ذلك مدخلنا إلى الانتصار في حربنا المسلحة معها". هذه (الإماتة) لأمريكا التي تعني تعزيز الشعور بما سماه مالك بن نبِّي بـ"الإرادة الحضارية" التي إن فقدها المجتمع "نراه وكأنما تجمدت وسائله مهما كان كمُّها، وكأنما تعطل إمكانه مهما كان حجمه المادي.

وعليه يرى الكاتب أن شعار "الموت لأمريكا - الموت لإسرائيل" يهدف إلى استعادة إرادة الأمة، وينفخ فيها روح "التعصب" لقيمها، لتنهض من سباتها وعبوديتها وتقاوم مشاريع التفتت والتفريق والهيمنة الأمريكية الصهيونية.

ويستدرك الكاتب "ولأن العدو يدرك أهمية معركة الوعي فلقد وظف الأموال الباهظة والإعلاميين والمثقفين وما سماهم المفكر علي الوردي بـ "وعاظ السلاطين"، وسماهم المؤرخ "الجبرتي" بـ "مشايخ الوقت" من أجل تزييف الوعي والمفاهيم، واستعباد الأمة".

وفي هذا الصدد استند الكاتب إلى كتاب الأستاذ فاضل شرقي الذي ذكر فيه بأن الشهيد القائد كانت متنبهاً لمعركة الوعي منذ أن حذر مبكراً من خطورة المشاريع الأمريكية الغربية والصهيونية في المنطقة بعد أحداث سبتمبر 2001 باسم محاربة القاعدة.

وضمن تركيزه على معركة الوعي، والتنبه لخطورة المفاهيم المظللة أشار الكاتب التي اهتمام الشهيد القائد بها وتنبيهه عليها، والتي سار على ضوئها قائد حركة أنصار الله السيد عبد الملك بدر الدين، في ضرورة الجاهزية لمواجهة ما سماه بـ " الحرب الناعمة" بذات الكفاءة التي نواجه بها "الحرب الصلبة".

عن الحل الأمثل للقضية الفلسطينية يرى الشهيد القائد أن الاعتماد على الأنظمة لن يجدي نفعاً بل الاعتماد على الشعوب مستدلاَ بقوله: " الشعوب هي التي تتضرر، الشعوب هي التي تلحقها الذلة والإهانة، الشعوب هي الضحية، وما لم تتجه الشعوب نفسها إلى أن تهتم بقضيتها، وتتعرف على أعدائها، وتعرف الحل والمخرج من مشكلتها ومصيبتها فلا تتوقع أي شيء آخر من زعمائها أو من غيرهم".

كما انتقد الشهيد القائد استغفال العدو الصهيوني للفلسطينيين والعرب بما يسمى مباحثات السلام ومعاهداته التي لم تفض إلى شيء سوى التنازل المستمر من جهة الفلسطينيين مقابل التعنت والنكث من قبل الصهاينة.

أشار الكاتب إلى تركيز الشهيد القائد على أهمية يوم القدس العالمي لتكون فلسطين حاضرة في الذهنية العامة للأمة ويكون ذلك اليوم يوماً للمظاهرات والتعبئة العامة للمسلمين ضد الصهيونية العالمية والكيان الإسرائيلي. ومن جهة أخرى إلى رؤيته للمكر والتلبيس الذي يمارسه اليهود الصهاينة والتزييف للثقافة والفكر والاعلام، وإلى جانب تلبيسهم الحق بالباطل يودون ويرغبون حرف الأمة عن طريقها في التحرر والنهوض، مستدلاً بقوله تعالى: "ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً".

وفي لفتة مهمة نبه الكاتب إلى نظرة الشهيد القائد إلى صحيفة المدينة التي يعتمد عليها الانهزاميون في التبرير لعقد المصالحات مع الكيان الصهيوني وأنها لم تكن معاهدة ولا ينبغي الاستناد إليها للتطبيع مع العدو بل أن اليهود في المدينة كانوا موالي للأوس والخزرج مضيفاً: "والقياس على ذلك يصبح مغالطة وتزييفا للوعي؛ لكن وعاظ السلاطين حرفوا الفهم وأساؤوا التأويل كي يعطوا شرعية دينية لاتفاقية كامب ديفيد، وصلح السادات مع إسرائيل!".

واستنتج الكاتب محمد ناجي أن الشهيد حسين بدر الدين الحوثي قدم من غزوة خيبر فهماً عصرياً لمعرفة الصراع مع الكيان الصهيوني، مفاده: أن النصر على إسرائيل شرطه محبة الله ورسوله والمؤمنين. وأن الغلبة على الصهيونية و"الغرب الكافر" شرطها الإيمان والانتماء لله ورسوله والمؤمنين، والاعتصام والتوحد؛ منبهاً إلى أمر مهم وهو أن هذا الأمر بالاعتصام جاء بعد آية تتحدث عن بني إسرائيل. عن الخطر العنصري الذي يهدد وجودنا وأمننا.

وقد لاحظ الكاتب اهتمام الشهيد القائد بالمصطلحات والمفاهيم ورؤية تجاهها، وأن المعركة بالنسبة له هي معركة إيمان وكفر، لهذا يستخدم مصطلح "الغرب الكافر" ويستخدم مصطلح "الجهاد" بدلاً عن مصطلح النضال والمقاومة.

اختتم الكاتب محمد ناجي أحمد ورقته بالإشارة إلى كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي التي تحدث فيها عن أن تحرك المشروع القرآني الذي قاده الشهيد السيد حسين كان حاملاً لهم الأمة بأكملها، بأفق يدحض الطائفية والمذهبية والمناطقية، أفق بحجم الأمة وسعة طموحها وتعدد قدراتها وإمكانياتها، لتكون أمة شهود ووجود حضاري لا أمة تمزقها الأهواء والهويات القاتلة.

وعليه فقد اختار العدو أن يواجه المشروع القرآني بالحرب طيلة 14عاماً لكن المشروع القرآني ازداد قوة وسعة لأنه يلبي ضرورة وجودية لهذه الأمة