عقد مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية اليمني ضمن برنامجه "منتدى مقاربات" يوم الاثنين 14 مايو 2018 ندوة بعنوان: (الاتفاق النووي الإيراني: طبيعته وملابسات الموقف الأمريكي.. وأثر الانسحاب من الشرق الأوسط)، والذي قدم فيها الأستاذ عبد الوهاب الشرفي ورقته الرئيسة التي تناولت الظروف الدولية والإقليمية التي ساهمت في إنضاج الاتفاق والعوائق التي صاحبت الماراثون الطويل الذي انتهى بإنجاز ما سمي بخطة العمل المشترك،

كما تناولت الورقة الدوافع الرئيسة لترامب إلى الانسحاب من الاتفاق الدولي الذي اعتبر مبنياً على غير الثقة، وأثر هذا الانسحاب على الأطراف المشاركة فيه إضافة إلى مدى تأثيره على السلم والأمن الدوليين.

هل سيؤدي انسحاب ترامب إلى اندلاع حرب في المنطقة أو ربما حرب عالمية؟ أجابت الورقة عن هذا التساؤل الذي استدعى نقاشاً واسعاً من المشاركين بين الترجيح والاستبعاد. 

الملف اليمني أيضاً والعدوان القائم عليه منذ أكثر من ثلاث سنوات كان حاضراً في الورقة التي ناقشت مدى تأثر الملف اليمني بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي.

 حضر الندوة الدكتور عبد الملك عيسى والدكتور سامي السياغي والدكتور سامي عطا الأكاديميين بجامعة صنعاء. والأستاذ عبد الجبار الحاج والأستاذ شرف حميد، والأستاذ بلال الحكيم والأستاذ عباس السيد والدكتور عادل الحوشبي، والمحامي محمد الحاتمي من المركز القانوني للحقوق والحريات، والأستاذ محمد المنصور المدير التنفيذي للمركز والأستاذ أنس القاضي والأستاذ عبد العزيز أبوطالب رئيس دائرة المعلومات والنشر بالمركز،

وفيما يلي أهم ما جاء في الندوة:

تمهيد

أصبح الحديث عن الاتفاق النووي الإيراني هو الحديث الحاضر في وسائل الإعلام وفي مراكز الرأي العام والمراكز المتخصصة ولدى الأوساط السياسية الرسمية كذلك، وهو وضع من الاهتمام الطبيعي بمصير الاتفاق النووي بالنظر لما تعنيه خطوة مثل إلغاء الاتفاق أو تهديد وجوده بأي صورة من الصور، وما جعل هذا الاهتمام عالياً بشدة هو حالة الهشاشة التي يمر بها الأمن الدولي والذي يراوح في حالة تشبه الحالة الأمنية العالمية التي سبقت الحرب العالمية الثانية ما يجعل مصير العالم وليس منطقة الشرق الأوسط وحسب على المحك ومعرضة لتهديد جدي انطلاقاً من ملف الاتفاق النووي الإيراني .

تم عقد الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (1+5) تتويجاً لماراثون طويل من المفاوضات الشاقة والصعبة التي تناولت أدق التفاصيل، والذي اكتسب أهميته من الخصوصية المتعلقة بموضوعه الحساس (ملف نووي) والظروف التي أحاطت بكل من المفاوضات إلى التوقيع.

كان للظروف الدولية والإقليمية التي سبقت ورافقت التوقيع على الاتفاق دوراً مهماً في المساعدة على انضاجه واخراجه بالشكل المتفق عليه، فقد كانت الإدارة الأمريكية في عهد أوباما تولي الشرق الأوسط أهمية أقل من الشرق الأسيوي الذي رأت فيه عقيدة أوباما المجال الأهم استراتيجياً، ومصدر التهديدات لأمنها القومي حسب رؤيتها، من جهة أخرى كان أهم معارض للاتفاق هو الكيان الصهيوني الذي أقنعته إدارة أوباما بأن هذا الاتفاق هو "أفضل الممكن" والذي يؤجل انتاج القنبلة 15 سنة قادمة.

إضافة إلى السعودية التي ترى في البرنامج – العسكري أو السلمي - أنه  لا يمكّن إيران من صنع قنبلة وحسب؛ بل أنها ترى في ذلك مؤشراً على نهضة صناعية واقتصادية؛ بما يوفره البرنامج من الطاقة الرخيصة التي ترفع من وتيرة التنمية في البلد الذي تعتبره السعودية منافساً سياسياً ودينياً في نفس الوقت، فنجاح طهران في الحصول على التنمية والصعود يعني للرياض إمكانية السيطرة الثقافية لإيران على دول المنطقة وبالتالي تقديم ثقافتها وتوجهاتها المقاومة للصهيونية والاستكبار العالمي كنموذج يحتذى به في المنطقة وهو ما لا تطيقه تل أبيب ولا تسمح به واشنطن.

كان للاتفاق في نظر البعض أوجه مقايضة تسترضي السعودية ألتي أوحت إليها إدارة أوباما بأنها ماضية في التوقيع رغم مخاوفها من المميزات التي قد تجنيها إيران من وراء ذلك؛ وعليه كان الضوء  الأخضر للنظام السعودي بأن بإمكانه أن يضرب "أذرع إيران" في المنطقة وهو ما حصل في العدوان على اليمن بدعوى قطع اليد الإيرانية في المنطقة عبر تدمير اليمن وقتل شعبه من أجل القضاء على "النفوذ الإيراني" الذي لم يستطع النظام السعودي أن يقدم دليلاً واحداً على أي تواجد لهذا النفوذ في اليمن الذي يخضع لحصار بري وبجري وجوي من قبل التحالف السعودي.

ظلت مسألة التوصل إلى صفقة نووية مع إيران مسألة تواجه نوعين من العوائق؛ أولها هو الجوانب الفنية الضامنة؛ فتصميم اتفاق في ظل انعدام ثقة ومتعلق بالطاقة النووية هو أمر غاية في الصعوبة ويتطلب الخوض في أدق التفاصيل، ويفرض حسابات دقيقة ذات صلة بمختلف أوضاع إيران الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية وغيرها، والنوع الثاني كان متعلقاً بالإرادة السياسية؛ فمن ناحية إيران كانت تنظر للقضية من منظور توازن القوة مع الكيان الصهيوني، وللتوازن هنا مفهوم خاص لا يتمثل في سعي إيراني لامتلاك سلاح نووي - بمقابل اعتقاد إيران بامتلاك الكيان الصهيوني للقنبلة النووية - على الأقل في الموقف الرسمي المعلن وعلى أعلى مستوى رسمي، وفي صورة ملزمة بفتوى حرمة استخدام القنبلة النووية من المرشد الإيراني الأعلى، وإنما يتمثل في حاجتها لبرنامج يكون مؤهلاً لامتلاك القنبلة النووية في أي لحظة تقرر إيران ذلك.

أما من جانب الأطراف الأخرى -الولايات المتحدة على وجه الخصوص- فقد كان الأمر يتعلق بحالة العداء والصراع المبدئي بينهما، وبأمن الكيان الصهيوني، وبالحاجة الأمريكية لتوظيف كل فرصة متاحة للصراع، والبرامج النووية بشكل عام هي باب عريض للصراع، والبرنامج النووي الإيراني بالذات كان مطلوباً للولايات المتحدة والكيان الصهيوني لفرض المزيد من العقوبات على إيران، ومزيد من التحريض ضدها، وتسجيل المواقف السياسية وحتى فرصة البناء بالتهم وصولاً لحرب كما حدث للعراق من قبل كمثلٍ .وعليه يرى البعض أن سعي إدارة ترامب لإلغاء الاتفاق أو الانسحاب منه مقصوداً لذاته لإعادة إيران إلى مربع الاستهداف بحجة البرنامج النووي وربطها بتهمة امتلاك السلاح النووي الذي يهدد أمن المنطقة واستقرارها.

 كان هدف ترامب من ذلك أن يظهر إيران بصورة الدولة المارقة التي تعارض القوانين الدولية ولكن يبدو أن إيران ومن خلال دبلوماسيتها المعهودة جعلت من أمريكا دولة مارقة وناكثة للعهود والمواثيق، وهذا ما قد يجعل كوريا الشمالية تعيد النظر ألف مرة في أي خطوة باتجاه الثقة في الإدارة الأمريكية أو إدراة ترامب الحالية على الأقل.

تأمل إيران أن تضع الدول الأوربية في مواجهة مع الولايات المتحدة من خلال تمسكها بالاتفاق النووي الذي أتاح للشركات الأوربية الاستثمار في السوق الإيرانية التي حالت دونها العقوبات الأمريكية والأوربية. وهو ما بدت ملامحه في مطالبة طهران للشركاء الأوربيين بتقديم ضمانات اقتصادية وقانونية للحفاظ على الاتفاق.

منذ ترشحه تعهد ترامب بتمزيق الاتفاق الذي وصفه بأسوأ اتفاق أبرمته أمريكا، وبالنظر إلى تقييم إدراة ترامب إلى مفهوم أمن إسرائيل ضمن الأمن القومي الأمريكي فنجد أنه يقع ضمن دائرة الأمن القومي الأمريكي كجزء منه وليس أمناً للحليف الأول كما كان في عهد أوباما الذي شهد التصويت ضد إسرائيل في مجلس الأمن الذي مثل صفعة لتل أبيب تعهد ترامب بتعويضها في حال فوزه بالانتخابات.

 معركة ترامب الداخلية والخارجية:

خاض ترامب معارك دبلوماسية داخلية وخارجية للترويج لنقض هذا الاتفاق ومن الحجج التي ساقها أنه يمكن إيران من موارد تساعدها في تنفيذ سياساتها التي تزعزع الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط -حسب مفهومه-، وأنه لا يحمل أي ضمانة فيما يتعلق بما "بعد انتهاء فترة سريانه"، وكذلك لا يتعرض لجوانب برامج الصواريخ الباليستية التي تقلق إسرائيل والسعودية على حد سواء.

وبعد إعلانه عن انسحاب بلاده من الاتفاق النووي ووجه ترامب بمعارضة داخلية وخارجية واسعة، فداخلياً ارتكزت المعارضة على أنه لا يتوفر للولايات المتحدة بديل أفضل للرقابة على برنامج إيران النووي، وكان قرار الانسحاب من الاتفاق هو أحد الأسباب التي تسببت في إقالة ترامب لعدد من رجالات إدارته من بينهم وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي واستبدالهم بشخصيات من "الصقور" القابلين بخوض مغامرات ترامب.

  وخارجياً عارض قرار الانسحاب حلفاؤه الأوربيون إضافة إلى الصين وروسيا مروراً بالمنظمة الدولية والوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت في بيانات وتصريحات سابقة التزام إيران بالاتقاق النووي وعدم تسجيل أي خرق من جهتها.

كما ترى الدول الأوربية أن حصول ترامب على مئات المليارات من السعودية ودول الخليج قد جعلها غير معنية بمصير الاتفاق الذي تنظر إليه تلك الدول كأحد أهم مصالحها في المنطقة، لذلك سارعت في الاعتراض على الموقف الأمريكي وإعلان تمسكها بالاتفاق والعمل على حماية شركاتها من أي عقوبات أمريكية قادمة.

ما الذي يريده ترامب من الانسحاب من الاتفاق النووي

ثمة إجماع على فاعلية وكفاءة الاتفاق في مراقبة أنشطة إيران النووية، وأنه الضمانة الوحيدة المتوفرة للجميع بعدم تطوير إيراني لسلاح نووي. وعليه فما الذي يريده ترامب إذن من وراء الانسحاب؟

يرى ترامب أن الاتفاق النووي مع إيران يمكنها من موارد تساعدها في استمرار تطوير أسلحتها الباليستية، وتهدر على الولايات المتحدة فرصة إضافية لمزيد من التضييق على إيران بفرض عقوبات على المؤسسات الرسمية الإيرانية على خلفية "تهم" التطوير النووي العسكري، كما أنه يغلق عليه باب الاتهام والتحريض على إيران بانتهاكها للقانون وسعيها لامتلاك سلاح نووي، وهذه الأمور بالطبع لا يمكن الإقدام عليها في ظل بقاء الاتفاق النووي، فكان لابد من إزاحته من العلاقة مع إيران ليفتح باب الاتهام والتشكيك في غياب ما يمكّن العالم من الحكم على صحة الاتهامات والتشكيكات الأمريكية من عدم صحتها وهو الاتفاق النووي.

أثر الانسحاب في منطقة الشرق الأوسط

تبعاً للوضع الملتهب في اليمن والمنطقة وأثر النتيجة التي ترتسم في سوريا وتحول الحرب بين الكيان الصهيوني وإيران إلى حرب مباشرة؛ يكون الغاء الاتفاق النووي بداية "مارثون قصير" للحرب في المنطقة، وبين الرأي المرجح للحرب في المنطقة والرأي المستبعد لها -لأسباب موضوعية- يكون الاجماع على أن الانسحاب سيكون له آثاراً تتمثل في التصعيد في الملفات المفتوحة ومنها الملف اليمني،

ويمكن الإشارة إلى الآثار التالية إجمالاً:

سيكون للانسحاب الأمريكي أثره المباشر على منطقة الشرق الأوسط كونه ينقل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة إلى مستوى أعلى من الصراع ووتيرة أرفع من الحرب الباردة فيما بينها، وعلى المدى القصير سيأخذ شكل الصراع تبني مفاهيم أكثر تطرفاً للأمن القومي لكل الدول المعنية. وستتأثر كل الجوانب ذات العلاقة بحماية الأمن القومي لكل الأطراف بما يزيد من حالة اللاإستقرار في المنطقة وستشهد زيادة في التصعيد وفي السجالات ومن ذلك:

* زيادة المواجهة الباردة في الملفات المفتوحة.

* السعي لفتح بؤر صراع بارد جديدة.

* زيادة في دور المكونات المحلية في مختلف الملفات.

* انزياح أكبر للقوة العسكرية والتموضع في منطقة الشرق الأوسط.

* رفع مستوى الفرز في المنطقة تبعاً للعلاقة مع إيران.

* ارتفاع حدة السجال الإعلامي والاقتصادي والأمني.

* سباق تسلح بين اللاعبين الإقليميين.

 الأثر على الداخل الإيراني

سيكون الأثر على الداخل الإيراني بعد الانسحاب الأمريكي مركزاً لأنه سيأخذ بعدين؛ الأول هو انعكاسات الانسحاب الأمريكي، والآخر هو محاولة استخدام الداخل الإيراني كأحد وسائل الصراع، وستكون الكثير من الجوانب في الداخل الإيراني تحت ضغط أرفع، ومنها:

* نقاط الزعزعة الديمغرافية (بحث ملفات الداخل الإيراني).

* الحرمان من الفرص التنموية،

* رفع مستوى الحصار والعقوبات الأمريكية على إيران.

* ارتفاع مستوى التخوفات لدى المجتمع الإيراني من أثر العقوبات الأمريكية واحتمالات اندلاع حرب .

* زيادة توجيه الانفاق الإيراني في الجانب العسكري ما قد يؤثر على الجوانب التنموية والخدمية.

* ارتفاع مستوى التهديدات الأمنية عبر الحدود واستخدام أعلى للإرهاب .

مع ملاحظة أن انسحاب ترامب شكل دفعة للتيار المحافظ في إيران الذي استغل الحدث للتأكيد على صوابية موقفه المتشدد من الشيطان الأكبر.

الأثر على الملف اليمني

سيكون الملف اليمن أحد أهم الملفات التي ستتأثر من هذا الانسحاب خاصة فيما يتعلق بالقوة الصاروخية اليمنية التي تربط واشنطن ودول العدوان بينها وبين إيران، وتفترض وجود خبراء وتكنولوجيا إيرانية لهذ البرنامج اليمني. ومن جهة أخرى تتبنى واشنطن فكرة أن جماعة أنصار الله في طريقها لتصبح حالة مشابهة لجزب الله اللبناني في منطقة حساسة للغاية؛ وبالتالي تفترض وجود تهديدات لأمنها القومي وأمن كيانها الصهيوني انطلاقاً من الأراضي اليمنية.

بناء على ذلك ستسعى واشنطن إلى إبقاء ملف الحرب على اليمن مفتوحاً وتدعم استمرار هذه الحرب المدمرة. كما ستعمل على إعاقة أي محاولة للتوصل للحل السلمي أو تسوية سياسية.

على صعيد آخر قد يتسبب ارتفاع حدة الصراع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة في السماح بمحاولة تحقيق إنجازات عسكرية على الأرض بالنسبة للتحالف السعودي للقضاء على فرص الندية بين أطراف الصراع اليمنية في الملف اليمني وخصوصاً فيما يتعلق بالسيطرة الكاملة على باب المندب والسواحل اليمنية ضمن متطلبات الأمن للقوات المنزاحة للمنطقة والمتموضعة حولها .

وفي حال افتراض اندلاع حرب بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة فإن الملف اليمني لن يكون بمعزل عن آثارها وتداعياتها،  فالملاحظ أن التصعيد الحاصل في الساحل الغربي وما يجري في جزيرة سقطرى ليس عفوياً أو مجرد نزاع بين قوى داخلية أو تنافس بين قوى الاحتلال السعودي والإماراتي، بل هو مقدمة لتأمين المنطقة بشكل لا يهدد أو يؤثر على تحركات السفن الحربية الأمريكية ، فعسكرياً واستراتيجياً لا يمكن حسم مثل هذه الحرب ما لم يتم حسم معركة الساحل لصالح قوى العدوان الأمريكي السعودي.

هل ستندلع الحرب بين إيران والحلف الأمريكي

بالنظر إلى الأهمية الكبرى التي تشكلها إيران في المنطقة كونها تطل على أهم منطقتين استراتيجيتين، الأولى الخليج العربي والثانية وسط آسيا وكلاهما منطقة نفوذ دولي ومخازن ثروات؛ فإن إيران تمثل دولة متحكمة في المنطقة وذات أهمية استراتيجية؛ كما أنها ذات قدرات عسكرية متنامية وحكومة نجحت في تقديم نفسها للمجتمع الدولي كنظام ملتزم بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية. وعليه فإن الإقدام على شن حرب على خلفية البرنامج النووي سيكون عسيراً على أمريكا شرعنته نظراً لصعوبة إقناع المجتمع الدولي بخرق طهران للاتفاق خاصة مع خطوتها الذكية التي تمثلت في تمسكها بالاتفاقية والتي ستسحب البساط من تحت أقدام واشنطن، كما أن الظروف التي أدت إلى غزو العراق ليست مشابهة للظروف الحالية بالنسبة لإيران، فالعراق كان في وقتها محاطاً بالأعداء والخصومات بينما إيران تتمتع اليوم بأعلى قدر من العلاقات الطيبة والمتنامية مع جيرانه كالعراق وتركيا وسوريا والجوار الأسيوي. ومن جهة أخرى تمتلك إيران القوة العسكرية الذاتية التي تجعل من العسير تجاهل حجمها وفاعليتها لاسيما بعد حادثة التراشق بالصواريخ بين سوريا والكيان الصهيوني وتسجيل نقاط لصالح المحور السوري بإسقاط أكثر من 70% من الصواريخ الإسرائيلية ومسارعة نتنياهو إلى موسكو للإعلان عن عدم الرغبة في التصعيد.

لكن هل ستفرض على إيران معادلة جديدة وهي البقاء في الاتفاق مقابل ضمانات بعدم حصول ضربة عسكرية؟

تبدو طهران واثقة من فشل خطوة الانسحاب الفردي لواشنطن من الاتفاق، وتعتبر أن ما يحدث هو من قبيل الحرب النفسية التي تسعى لإخضاع القرار الإيراني إلى تقديم الحد الأقصى من التنازلات التي تأمل واشنطن في تحقيقها دون اللجوء إلى القوة العسكرية، وعليه يعتقد البعض أن إيران لن تقبل بهذه المعادلة، ولكن يمكن أن تفاوض في بعض التنازلات خاصة إذا لاحظت تحايلاً من الجانب الأوربي أو مماطلة في تقديم الضمانات التي تكفل مصالحها من الاتفاق.

لا شك في سعي الإدارات الأمريكية المتتابعة في محاولات إخضاع إيران أو تغيير سياستها المعادية للكيان الصهيوني والداعمة لحركات المقاومة في المنطقة، وربما كانت أحداث 2009 بعد الانتخابات التي فاز فيها أحمدي نجاد للمرة الثانية إحدى تلك المحاولات الفاشلة، بعدها عمدت واشنطن إلى ضرب طهران في اقتصادها عبر المزيد من العقوبات القاسية والتي تشل اقتصادها وتضيق دائرة دعمها لمحور المقاومة في المنطقة.

وهنا سيكون التركيز الأمريكي الأكثر صرامة في فرض حزم من العقوبات الاقتصادية على إيران ولن تعدم واشنطن الأعذار لتبرير مثل هذ العقوبات المتعارضة مع القوانين الدولية وشهادات المنظمات الدولية والمهنية بالتزام إيران بروح الاتفاق النووي.