لقد تولدت فكرة (الانصاف الاجتماعي والرعاية الاجتماعية للإنسان ومكافحه البؤس ورفع الظلم) في خضم الصراع الثوري للطبقات العاملة من أجل الحريات والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وليس بمعزل عن هذا السياق التاريخي الاجتماعي. وقدمت الإنسانية المقهورة على طريق الحرية - التضحيات الهائلة -وصفوف لا حصر لها من الشهداء حول العالم. لانتزاع الحقوق -

وتعود البواكير الأولى للمفهوم الاجتماعي العمالي في أوروبا إلى حركة النهضة التنويرية والعقلية وإلى الثورات الشعبية الناهضة أواخر القرن الثامن عشر في أوروبا وبالمقدمة فرنسا؛ حيث كانت باريس مركز (الأنوار) لفلاسفة الحركات الإنسانية والعقلية حينها، والذين تميزوا بنقد المجتمع هناك بصورته الاستبدادية الاقطاعية والفردية و أوتوقراطية الحكم المطلق الاستبدادي والذي تبلورت صورته وفي أعلى مستوياته في النموذج الفرنسي: دولة الاستبداد المطلق في عهود حكم آل البوربون وملوكهم -(لويس الثالث عشر ولويس الرابع عشر حتى السادس عشر).التي وصل الاستبداد والظلم إلى أعلى مظاهره ومراحلهوكان في فرنسا تباع عرائض رسمية عليها - أوامر حبس وسجن وتوقيف - جاهزة لكل نافذ مقتدر - ممن يدفع ثمنها المطلوب لبلاط الملك وموظفيه وحاشيته، كما سعرت أثمان أرفع المناصب الحكومية الوزارية والوظيفية وعضوية البرلمانات والمجالس بحيث ينتقل المناصب من يد إلى يد بين ليلة وضحاها بحسب حالة البائع والشاري وقدرته، وعلى هامشها عملت ونمت قوى منحلة راحت تخضع لنزواتها ورغباتها وأهدافها الضيقة والخاصة مقدرات الدول وثرواتها العامة وطاقاتها واقتصاداتها في ظل مجاعات وحروب لا تتوقف تنعكس على آلامه سياطاً جديدة من الضرائب والمكوس والاستقطاعات والمدفوعات المفروضة على الشعب، وهكذا اكتظت سجون فرنسا بآلاف الأبرياء من الفقراء وضحايا عسف النظام وفساده، وصار الباستيل الرهيب المكان الأنسب لكي ينسى الأحرار والمظلومون قضاياهم ومظلومياتهم من جور معاناتهم.

كانت موسكو وبطرسبرج وبرلين لا تختلف عما في فرنسا إلا في الدرجة والكمية أو الوتيرة لكنها لا تختلف من حيث الجوهر، لقد نشأت أفكار الحركة الإصلاحية الإنسانية (الاجتماعية) عبر الاهتمام بحالة الإنسان المضطهد المقهور ممثلاً آنذاك بطبقة العمال والفلاحين والشغيلة الأجراء بشكل عام، أو ما كان يسمى بالطبقة العامية مقابل الطبقات الأرستقراطية (الأقليات) من النبلاء والأثرياء. والعقاريين والمرابين.

 كان التنوير الإنساني وحركته قد تنامت خلال العقود الأخيرة من النهضة وكان في مقدمة الاهتمام الانساني جيل من المفكرين والفلاسفة وأتباعهم وتلاميذهم من الأدباء والحقوقيين والمصلحيين والمناضلين من مختلف المشارب والاتجاهات.

وفي روسيا القيصرية تولى فلاسفة وأدباء ومثقفون روس من أبناء الشعب الروسي وصالحون من الطبقات العليا الرافضون لنظام القهر العام على الشعب وإلى القرن الثامن عشر والتاسع عشر  سيطر على المجتمع الروسي أنظمة القهر الاستعبادي القنانية القاسية التي لم تر الفلاح والعامي إلا عبداً يباع ويشترى كسلعة هامة ويظل مقيداً إلى سيده طوال عمره وله أن يقتله أو يبيعه إلى غيره من طبقة السادة النبلاء إن أراد ولا يتمكن العبد أن يغادر مكانه.

 ويكشف الأدب الفرنسي الذي عاصر الإنسان في تلك الحقبة وعكس واقعه وأحلامه، وموقفه من واقع البؤس والاستغلال واللامساواة في مواجهة حالة الترف الهائلة التي كانت تغرق فيه طبقة أنانية تتكون من أقلية صغيرة من الناس المترفين القساة المتكبرين تحتكر الملكية والثروة لوسائل الانتاج ويحرم منها الشعب وبرزت ثلة مستنيرة من الأدباء والمفكرين الذين أضاءوا معاناة الإنسان وأحلامه وتطلعاته وتعاطفوا معها ونقدوا الواقع القاسي الاستبدادي الفاسد وفضحوا المظالم التي كانت سائدة آنذاك في أروبا (فرنسا) حين كان النبلاء والأسياد المتحكمين يمتهنون كرامة الناس بشتى الوسائل والأساليب وكان يمكن إدخال أي إنسان إلى السجن والبقاء فيه لسنوات طويلة دون محاكمات، بل وتغييبه والحكم عليه بالشقاء والحرمان والفقر والفاقة وانتزاع أملاكه ومصادرتها، وإلقائه على قارعة الطريق مشرداً، وكانت معاناة الأطفال تشكل منارة عالية تفضح سوء المجتمع الاقطاعي الاستبدادي القاسي في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها من البلاد حيث التشرد والجوع والتعرض للاستغلال النفسي والجسدي والبشري والجنسي والمعنوي- أقدار ملازمه للأطفال بشكل خاص وللنساء وللناس بشكل عام حيث كان البوس يعني  العيش في الشوارع وفي الأكواخ القذرة والطرقات وضواحي المدن والقرى، وصوّر تلك المعاناة والأوضاع كبار الكتاب والمتنورون بآلاف الصفحات التي فاضت بالأحزان والعواطف الجياشة والشكوى المريرة لفتت إليها الرأي العام الانساني من البلاد المتحضرة وبين الأمم التي ضجت من الفقر والبؤس وتداعت إلى الإصلاح وتغيير المجتمع والقضاء على أسباب البوس واللامساواة، وإن كان ذلك قد أخذ وقتاً طويلاً إلا أن تلك الكتابات النيرة كانت هي التي أشارت إلى المأساة وصورتها ونشرتها على نطاق واسع ومستمر ، تبنتها الكثير من الصحف السيارة في تلك الفترة الساخنة من التطور وفي تاريخ أوربا والعالم، كما تبنتها كتابات العديد من الفلاسفة والمصلحيين والخطباء الذين نادوا إلى ضرورة إصلاح علاقات المجتمع الاقطاعي تلك التي تقهر الانسان وتستعبده ولا ترى فيه إلا  أنه ثور محراث أو حصان يجر الأحمال، ويحقق السعادة والهناء لأبناء الطبقات المترفة ونسائها وساداتها الذين من حقهم وحدهم أن ينعموا بخيرات الأرض وثرواتها.

كان فيكتور هوجو في رواية البؤساء، و تشارلز ديكنز: أبرزها رواية بين مدينتين -وديفيد كوبر فيلد) وتعكس الروايتان معاناة الأطفال والحرمان والبؤس الرهيب في معامل الرأسمالية ومزارع الإقطاع. كما تعكس رواية بين مدينتين - الاستبداد الذي عانته البلاد في ظل الاقطاع، فقد كان الإنسان محكوماً عليه أن يحيا البؤس والحاجة طوال حياته تحيط به القسوة والاحتقار والتعالي من قبل أسياد الأرض والمال المحتكرين للسلاح ووسائل القوة والسيطرة فقد كان الإنسان الفقير الشغيل مجرداً من الحق في امتلاك وسائل القوة والسلاح وكان كل تجاوز لذلك القانون والمبدأ يستحق العقاب فوراً من قبل ممثلي الأمير والسلطان والسيد الاقطاعي مالك الاقطاع أو المقاطعة والقرية والمنطقة وحيث أن كل المساحات قد قسمت بين الملوك والسلاطين الفاتحين لقد وقعت أوروبا بشكل عام تحت هيمنة الاستبداد العبودي والاقطاعي طوال ألفي عام مضت وكان ذلك أضحى ممكناً حين تمكنت فئة صغيرة من السكان هم الأمراء والقادة المؤتمنون على الأموال العامة من أموال المعابد والمنشآت العامة وأموال الوقف في العهود القبلية المشاعية القديمة قبل ظهور الاحتكارات المالية الخاصة التي تكدست في أيدي قلة من الجبابرة والأقوياء المتنفذين صاروا مع الزمن قادرين على فرض إرادتهم على غالبية مستضعفة من العاملين المستضعفين، وهي ظاهرة صاحبت التاريخ الأوروبي اليوناني الروماني بشكل بارز.

ومن المهم الإشارة إلى أن الحركة اليسارية الإنسانية قد نشأت كردة فعل على الإحباط الناتج عن عدم اهتمام الثورة الفرنسية الكبرى 1789م بأوضاع وحياة الشعب المسحوق الذي قام بها، والسبب سيطرة اليمين الرأسمالي الكبير على الحكومة المتمخضة عن الثورة في طورها الأول الأمر الذي استدعى انفجار ثوري جديد للطبقات البائسة الباريسية بقيادة (دانتون وروبسبير) وإعلان الجمهورية في انتفاضة 1792م ونشوء بداية وعي مستقل لهذه الطبقات منفصل عن البرجوازيات الصغيرة عرف حينها بالاشتراكية الطوباوية.

وفعلياً، فقد ظهرت الحقوق العمالية بشكل عملي واضح في الثورة البلشفية الروسية في 1917م وتكون أول حكومة عمالية شعبية بزعامة لينين والبلاشفة المعتمدين في أولى قراراتهم ما سمي (قانون الحقوق الإنسانية للعمال والشعب الشغيل).

وقد تحدد لأول مرة حق العمال في أجور عادلة عن عملهم بعد إلغاء السيطرة الخاصة على الربح والريع الاجتماعي وإعادة توزيعه على المجتمع الشغيل بصورة رعايات اجتماعية وخدمات (إعادة انتاج حيوي) وكان منها الحق في الأجرة الثابتة من قبل الدولة والآخر هو حق جميع العاملين بتأمين معاش التقاعد ومجانية الرعاية الصحية والتعليم والسكن.

وإزاء ذلك انطلقت حركة عالية ثائرة في الدول الرأسمالية الكبرى بمساواة حقوقها بالمثل لما أقر في الدول الاشتراكية، وأنتج ذلك ثورات وانتفاضات عمالية شملت أوروبا كلها، وكانت بمثابة امتداد لأحداث شيكاغو في نهاية القرن التاسع عشر وأحداث كومونة باريس وغيرها.

كل هذا التراكم لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط الفاشية والنازية وظهور المعسكر الاشتراكي والتحرر العالمي متحالفة بفرض نظام يقوم على الحقوق العمالية والشعبية في (الأمم المتحدة) التي تبنت قضايا (حقوق الإنسان) واضطرار البرجوازية الأوروبية أمام ضغط الحركات العمالية إلى تقديم تنازلات واعتماد حقوق الديمقراطية الاجتماعية خوفاً من سيطرة الثورات الاشتراكية على الحكم في تلك البلدان، ولذلك تحولت إلى التوسع في الاستعمار للشعوب الأخرى الضعيفة وتوسيع الأسواق الخارجية لتعويض الأرباح المتخلي عنها من قبل الرأسمالية في أوروبا لإخماد شعلة الكفاح العمالي في بلدانهم.

لا تزال قضايا (التأمينات) وحقوق العمال والشغيلة عموماً العادلة على غير المستوى المطلوب برغم التضحيات التي قدمتها الحركات العمالية، لاسيما في بلدان ما يسمى (العالم الثالث).

في اليمن، كان ظهور هذه الحقوق العمالية مع قيام ثورة 14 أكتوبر 63م ودخلت في مسار طويل من التطور والتغير من حينها حتى الآن، وهذا المسار هو في حال تصاعد وانكسار. ومنذ التسعينيات خصوصاً تراجعت هذه الحقوق التي انتزعها الشغيلة اليمنيون بنضالات طويلة لصالح توسع الرساميل الطفيلية و(الكمبرادورية) وتوغل سيطرتها على السلطة والدولة والثروة، وحتى الآن لا تشمل (التأمينات) والحقوق الاجتماعية -المتواضعة- أكثر من 30% من القوة العاملة اليمنية، حيث الأغلبية تعيش بطالة جنونية بالتزامن مع إفقار اجتماعي واسع عم معظم أبناء الشعب اليمني.

والصراع الذي يخوضه شعبنا اليمني الآن من أجل الاستقلال والتحرر والانعتاق، ليس وحسب من نير الهيمنة والسيطرة والتبعية الأجنبية، بل ومن ظروف القهر والبؤس التي صنعتها مباشرة أو عبر أياديها الوكيلة..

ولا شك، أن التأمينات والحقوق الاجتماعية بمستواها الراهن، هي خطوة أولى يجب استمرار البناء عليها ويجب أن توضع لها برامج وسياسات حقيقية لتوسيعها وتطويرها ومراكمتها وحمايتها لاسيما من قبل الدولة وأجهزتها التي يفترض أن تمثل غالبية الشعب المقهور الثائر.