عقد مركز الدراسات السياسية الاستراتيجية اليمني عصر اليوم الأربعاء (14 نوفمبر 2018م)  لقاءه ضمن برنامجه "منتدى مقاربات" والذي كان بعنوان: "واقع انتاج الحبوب في اليمن التحديات والحلول" قدم ورقته فيها الدكتور عبد الواحد سيف من الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي، وبرئاسة الأستاذ محمد المنصور المدير التنفيذي للمركز حضر اللقاء المهندس ماجد المتوكل نائب وزير الزراعة والدكتور عبد الملك عيسى عميد كلية الآداب والأستاذ عادل حجر عضو المكتب الاقتصادي والأستاذ عبد الرحمن محمد زبارة  رئيس مؤسسة "قنوان" والمهندس عادل أحمد مطهر المدير التنفيذي للمؤسسة، والباحث والكاتب والأستاذ بلال الحكيم، والإعلامي الأستاذ عبد الحميد الغرباني والأستاذ عبد الله الصنعاني والدكتور سامي عطا الأكاديمي بجامعة صنعاء والأستاذ المناضل ياسين ناشر والأستاذ إدريس الشرجبي الباحث في الجهاز المركزي للمحاسبة والإحصاء إضافة إلى طاقم المركز.

فيما يلي أبرز ما ورد فيها:

 "من يملك غذاءه يملك قراره"

لم تكن اليمن يوماً بحاجة إلى تكييف مناخها أو تعديل مورثات محاصيلها أو استقدام بذور لمحاصيل قيمة التغذية وعالية الجودة لتؤسس لمشروع زراعي وطني يلبي حاجة السكان من الغذاء،

لم يفكر اليمنيون أن يدخلوا التقنيات على محاصيلهم لتكتسب صفات تقاوم السرطان أو تحتوي على ألياف أكثر ومعادن أنفع لأنها فعلا ً كذلك.

كانت الهبة الإلهية لليمن منذ الأزل ومنذ أن حجز اليمني القديم مياهه في السد، وزرع الجنتين ومدد قنوات الري في مزارعه فلم يستورد طعامه ولم يأبه لحروب عالمية جاعت بسببها شعوب وانهارت لأجلها أنظمة.

وكان يُنتظر كنتيجة طبيعية للتطور في استخراج المياه وارتفاع عدد السكان وارتفاع أسعار الغذاء أن تتجه الأنظمة السابقة إلى توسيع الجغرافيا الزراعية وتوفير الخدمات الزراعية لـ 54% من الأيادي العاملة اليمنية وتأمين وظائف وأعمال لـ 73.5% من السكان مرتبطين بالقطاع الزراعي،

لم تعمل الحكومات المتتالية على ردم الفجوة بين الانتاج والطلب المتزايد على الحبوب وبالذات القمح (715 ألف طن في عام 2008 - 100 ألف عام 2015) ليتم تغطيته عن طريق الاستيراد وبوتيرة عالية.

فكل ما كان يحتاجه اليمن في تنمية زراعته وتأمين قوته وتحقيق سيادته هو القرار السياسي والتوجه الصادق نحو تفعيل المقومات الموجودة أصلاً لنصل إلى حالة الاكتفاء والتصدير الذي سيعود بالفوائد الجانبية على الاقتصاد سواء في تخفيف حدة البطالة أو توفير العملة الصعبة وتأمين غذاء صحي ذي قيمة غذائية وغير مسبب للأمراض.

 وقد نشطت منظمة قنوان وهي منظمة تهتم بالزراعة وتحت توجيهات من قيادة السياسية للبلاد في العمل على مشروع انتاج الدقيق المركب وهو خليط من القمح المستورد والذرة المحلية بهدف رفع قيمة القمح الغذائية والتي تقل عن 12 حسب معيار الجودة  - ما يقل عن 12  يصلح فقط أعلاف حيوانات – ولخفض كمية القمح المستورد وشراء المنتج المحلي وهو الذرة (يمكن الاستغناء عن 30% من الحبوب المستوردة بما يعادل 500 مليون $ سنوياً) كما سيوفر وظائف في هذا القطاع تخفف من البطالة المنتشرة.

من المعلوم أن ما من دولة ناهضة في مجال الزراعة والاكتفاء إلا وكان للتدخل الحكومي دوره الفاعل في توجيه وتنظيم الزراعة وتوفير الإمكانات الفنية والمادية وتسويق المنتجات وحمايتها، إضافة إلى الجمعيات والتعاونيات الزراعية والتثقيف المجتمعي بأهمية تأمين الغذاء الصحي والوافر.

كانت اليمن ولا تزال بلداً زراعياً يعمل حوالي ثلاثة أرباع سكانها في الزراعة وتشكل الأراضي الزراعية حوالي 1.6 مليون هكتار، منها 51% أراضٍ مطرية، 31% أراضي مروية من الآبار، 10% أراضٍ مروية من الفيضانات، 6% أراضٍ مروية من السدود، 2% أراضٍ مروية من الينابيع، كما تتمتع اليمن بتنوع مناخي حيث تتباين في الخصائص المناخية الناتجة عن تفاوت معدلات الأمطار ودرجات الحرارة والرطوبة واختلاف الظروف الطبوغرافية ما نتج عنه تباين في الأقاليم البيئية الزراعية من حيث طبيعة وتنوع الانتاج النباتي،

كانت المساحة المحصولية في اليمن تمثل 1.487 مليون هكتاراً في عام 2007 ثم تناقصت إلى 1.172 مليون هكتار في 2015 مسجلة نمواً سالباً في إجمالي المساحة المحصولية بمتأثرة بالتهاطل المطري المتقلب دائماً والجفاف المتكرر وتغير درجة الحرارة.

الأسباب التي أدت إلى تدهور القطاع الزراعي

يعتقد اليمنيون على نقاط واسع أن غياب الإرادة السياسية الصادقة نحو انتاج الغذاء وتأمين الاكتفاء هو السبب الأول والفاعل في تدهور القطاع الزراعي وإنتاج الحبوب مقابل النمو في انتاج الفواكه أو المحاصيل النقدية، لم يحصل القطاع الزراعي على الاهتمام الذي حظيت به قطاعات لا تغني من جوع كالرياضة والشباب وغيرها من القطاعات التي لا تقارن بالزراعة أهمية ولا تضاهيها الزراعة في عشر مخصصاتها من الأموال المستثمرة لصالح الزراعة.

لم تعدم الحكومات السابقة الحجة والعذر في التنصل من مسؤوليتها أمام المواطن فكمية الأمطار الهاطلة والتغيرات المناخية، أو ارتفاع أسعار الوقود، أو عزوف منتجي القمح والذرة عن زراعتها بسبب تدني الجدوى من إنتاجها وغياب قوانين تحمي المنتج المحلي أو الأسعار التشجيعية التي تعتمدها حتى أكبر الدول تقدماً كانت كافية لذلك.

إضافة إلى قائمة من الأسباب التي لن يُجهَد المسؤول في توفيرها؛ يبقى دائماً السبب الرئيس هو غياب القرار السياسي وهو ما يفسر اتفاق الحكومات السابقة مع منظمات أجنبية على عدم الزراعة وتبديد الجهود والإمكانات التي سخرت لهذا القطاع وشاعت عبارة مؤسفة وهي:

 "وزارة الزراعة لا تزرع".

أتى العدوان السعودي الأمريكي على بلدنا ليقوض بنيته التحتية ويخنق اقتصاده ضمن حربه اللاأخلاقية على الشعب اليمني ليدفعه نحو الركوع خوفاً من الجوع، وكانت الزراعة أحد أهدافه والمزارع المرابط في جبهة الإنتاج هدفاً لغاراته ليجبره على النزوح وترك الأرض والتحول إلى عبء غير منتج ونازح غير مستقر.

واستهدف العدوان الاقتصاد الذي انعكس على القطاع الزراعي بصورة أدت إلى انخفاض الأراضي المروية تحت القمح والذرة الرفيعة بسبب تبعاته لتزيد تكلفة إنتاج القمح من 145،000 إلى 344،000 ريال / هكتار في عام 2017، بنسبة 137.4 ٪ أعلى عما كانت عليه قبل العدوان.

وتحقق للعدوان ما أراده من الإفقار والتجويع فقد انخفض متوسط ​​دخل الفرد من الزراعة بنسبة 48٪ - من 762 إلى 399 $ في السنة – ما يمثل 1.1 دولار في اليوم وهو مؤشر خطير للغاية عن الوضع المعيشي المتردي للأسر الريفية التي تتفشى فيها المجاعة بشكل أوسع.

كما تسببت سياسة استهداف القطاع الزراعي في انخفاض متوسط ​​مساهمة الزراعة في الدخل إلى 70٪ عاماً في الوقت الحاضر. وزادت نسبة مشاركة المرأة في الأعمال الزراعية إلى 75٪ بسبب زيادة تكلفة العمالة الذكورية.

وأدت الضربات الجوية لطائرات ومدافع العدوان على المناطق الزراعية المتاخمة لحدود السعودية إلى نزوح المواطنين الذين يعملون أصلاً في الزراعة إلى المدن وترك الأراضي الزراعية وتشكيل عبء اقتصادي وانساني على الدولة في المدن التي نزحوا إليها.

يتوفر لليمن كل المقومات اللازمة للنهوض بمشروع زراعي وطني متكامل من أراضٍ واسعة تتوزع على جغرافية متنوعة المناخات، منها الأراضي المطرية والأخرى المروية، كما تتوفر لليمن الخبرات والدراسات الفنية اللازمة لذلك المشروع، ولم يكن ثمة عائق أمام النهوض أخطر من غياب القرار السياسي الذي نتلمسه اليوم بقوة ونتلمس التفاعل المجتمعي معه في الميدان والنتائج المبشرة.

تأتي المياه في قائمة المشاكل التي تواجه أي مشروع زراعي وفي الوقت الراهن وفي ظل العدوان والحصار المفروض على اليمن نجد أن حل مشكلة المياه يعد انجازاً مهماً وعاملاً من عوامل النهوض بالزراعة وتأمين الحد المقبول من الغذاء المحلي،

لا تمثل الأراضي أو التربة أو المناخ أو البذور مشكلات تحول دون النهوض الزراعة في اليمن بقد رما نحتاج إلى تأمين المياه الكافية والمحافظة على الوارد المائية من الاستخراج والاستخدام العشوائي، وقد طرحت فكرة تحويل الماء إلى سلعة تتحكم به الدولة باعتبارها مورداً وطنياً للجميع والناس فيه شركاء وذلك يساعد في تقليل هدر الماء لنبات القات الذي يستهلك نسبة عالية هي في الأساس مخصصة للزراعة.

كما أن الدور التكاملي بين وزارة الزراعة والجهات الأخرى كالجمعيات والتعاونيات والقطاع الخاص والاعلام والمبادرات المجتمعية مهم لنشر ثقافة الزراعة باعتبارها أمن قومي غذائي يحل عن البلاد قيود التبعية ويمنحها الأمن الغذائي والسيادة في القرار.

 الحلول المقترحة لزيادة انتاج الحبوب:

 في ضوء ما سبق، تقترح التوجهات الآتية:

  • يجب أن تلتزم الحكومة بالاستثمار في المحاصيل الاستراتيجية التي لها تأثير كبير على الأمن الغذائي وإدخال نظم الري الحديث في الري في الأراضي المنبسطة مثل القيعان والأودية حيثما يتوفر مصادر للري.
  •  لابد من تأسيس مجاميع تختص بإنتاج البذور (جمعيات، اتحادات وغيرها) وتخصيص رأسمال لهذه المجاميع التعاونية وعلى أساس أن يُسهم المزارعون فيه.
  •  يجب على الحكومة أن تكيف السياسة للقضاء على أي تحيز ضد تسويق منتجات الحبوب المحلية، ودعم المزارعين الفقراء لتحسين نظم الإنتاج الخاصة بهم للاستفادة من مزاياها النسبية (بروتين عالي الجودة، وذوق جيد) للتنافس مع السلع المستوردة.
  • توفير الدعم اللوجستي والمالي من قبل السلطات والمؤسسات المعنية في التنمية الزراعية. وينبغي إيلاء اهتمام خاص للجامعات ومراكز البحوث من أجل تعزيز دورها في التنمية الزراعية في المناطق التي تعتمد على الأمطار لتطوير أصناف المحاصيل التي تتحمل الجفاف.
  •  اليمن غنية جداً بالتنوع المحصولي، لذلك هناك حاجة شديدة إلى دراسات تتعلق بالتوصيف المورفولوجي ودراسة الجودة للمحاصيل الرئيسية ومنها القمح والذرة الرفيعة.
  • اعتماد بدائل آمنة للمبيدات الحشرية التي تسبب السرطانات بشكل كبير بين أوساط المواطنين.
  •  تطوير تقنية طحن الذرة الرفيعة والدخن والقمح لإنتاج الدقيق المركب وتحسين الجودة التغذوية لمنتج الذرة والقمح.
  •  تطوير آلية درس الحبوب البدائية التي تهدر ما بين 30 إلى 40 % من الحبوب أثناء العملية.
  •   زيادة إنتاجية محاصيل القمح والذرة الرفيعة من خلال التحسين الوراثي والممارسات الزراعية بما في ذلك الاستخدام السليم للبذور والأسمدة.