أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بداية انسحاب القوات الأمريكية من سوريا مبرراً  ذلك بنجاح الهدف الذي تواجدت من أجله وهو هزيمة داعش، وقد هزمناها فعلاً كما يقول ترامب.

تنوعت ردود الأفعال حول القرار الذي يصفه البعض بالمفاجئ والغير منطقي والمتسرع؛ أعضاء في الخارجية الأمريكية والكونجرس ووزارة الدفاع ليست موافقة على هذا القرار وأقله على الانسحاب بسرعة من سوريا، حسابات كثيرة ومبررات أكثر أوردها أولئك الرافضون للقرار.

دولياً أعلن وزير الدفاع البريطاني اختلافه الشديد مع زجهة نظر ترامب حول هزيمة داعش، بينما رفض الفرنسيون الفكرة ولا زالوا يعولون على قدرة الكةنجرس ووزارة الدفاع في إقناع ترامب العدول عن هذا القرار.

الإسرائيلي بدروه يظهر انزعاجه من القرار ويرى فيه نصراً لإيران وروسيا وتركيا، ولكن نتنياهو يؤكد أنه وفي ظل الانسحاب ستزيد إسرائيل من نشاطها في سوريا لمواجهة إيران حد زعمه.

في الطرف الآخر يتريث الروسي المعروف ببروده يصف القرار بالصحيح وينبه إلى أنه لا يرى آثاراً ملموسة لانسحاب حقيقي مذكراً بادعاءات أمريكية سابقة بالانسحاب من أفغانستان ولكنها لا تزال هناك.

هل كان القرار فعلاً مفاجئاً؟

 بناء على ملاحظة بعض الإرهاصات يمكن القول إن القرار لم يكن مفاجئاً، وأن سوريا ذاهبة إلى "مرحلة جديدة" يفسرها كل طرف وفق رأيه ويتمنى بوتين أن يفهمها من الأمريكي نفسه.

فقبل أيام زار الرئيس السوداني سوريا والتقى بالرئيس بشار الأسد وسرى بعدها الحديث عن تحرك بعض الدول العربية لرفع تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية.

الأردن وبعد فتح المعبر الحدودي وعودة الحركة التجارية بين البلدين في كريقه نحو عودة العلاقات لما قبل 2011م كما يرى مراقبون.

التركي أعلن عزمه شن عملية عسكرية شرق الفرات مؤكداً حصوله على إشارات إيجابية من الرئيس ترامب! واليوم يصرح مسؤول كبير لوكالة سبوتنيك الروسية عن أن ما جرى كان باتفاق وتواصل بين الرئيسين، المسؤول التركي أكد أن الانسحاب سيكون قبيل شن العملية شرق الفرات، فهل تركيا أحد "الآخرون" الذين قال عنهم ترامب أنه سيترك الفراغ ليملأه "الآخرون".

بالعودة إلى التصريحات الأمريكية السابقة نلاحظ أنها كانت تشير وتؤكد على بقاء القوات الأمريكية في سوريا بحجة القضاء على تنظيم داعش الإرهابي، إلى أن أضاف بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي شرطاً جديداً وهو رحيل القوات الإيرانية من الأراضي السورية!

في منتصف مارس 2018 أعلن ترامب نية بلاده الانسحاب من الأراضي السورية معللاً ذلك بـ "أن بلاده أنفقت في منطقة الشرق الأوسط أكثر من سبعة تريليونات دولار ولم تحصل على شيء في المقابل". وربما كان هذا التفسير من باب وفائه ببرامجه الانتخابية القائمة على العزلة ومبدأ "أمريكا أولاً".

يمكن القبول بهذا التفسير من التاجر الأمريكي ولكن ومع وجود الممول الخليجي لهذه العمليات ينبغي التريث في ذلك، فبالعودة إلى المثال الأقرب والأشبه نجد أن انسحاب واشنطن من العراق لم يكن لأسباب مادية أو قانونية أو حتى إنسانية بل أن قوات الأمريكي هزمت بقوة في العراق.

الروسي والأمريكي كلاهما متواجد على الأرض وربما أن الطرفين قد توصلا إلى تفاهماً معيناً يقضي بضرورة رحيل القوات غير شرعية التواجد في سوريا، بمعنى رحيل القوات الأمريكية وترك الفراغ ليملأه "الآخرون" حسب قول ترامب والذي يمكن تفسيره بالروسي والإيراني والتركي، أو السعودي الإماراتي الصهيوني، أو حتى الجماعات الإرهابية المسلحة لتحقيق الفوضى ومنع سوريا من التمتع بانتصارها على خصومها واستعادتها أراضيها واستقرارها.

الصدمة المباشرة ستكون لقوات سوريا الديمقراطية: التي وصفت الانسحاب الأميركي المفاجئ من شرقي سوريا بالـ "طعنة في الظهر" وهذا ليس جديداً على الأمريكي في تاريخ علاقاته وتحالفاته.

الاحتمالات الواردة في حيثيات هذا الانسحاب:

  1. تنفيذ ترامب لوعوده الانتخابية بالتعاون مع روسيا حيال سوريا.
  2. تخوف أمريكي من وقوع قواته هناك فريسة سهلة للجيش العربي السوري والحشد الشعبي العراقي في حال دخل في مغامرة عسكرية جديدة.
  3. اتفاق روسي أمريكي بالانسحاب وترك سوريا للروس مقابل ملفات أخرى في المنطقة (ومنها اليمن) أو في الجوار الروسي.
  4. هروب من الضغط الداخلي على ترامب من مشاكله الكثيرة أهمها علاقته بالروس والتدخل الروسي في الانتخابات ودفاعه عن بن سلمان.

ما يمكن التأكيد عليه أن المشروع الأمريكي فشل فشلاً ذريعاً في سوريا مع توجه واشنطن نحو المزيد من العزلة والانكفاء، وأن سوريا تنتصر على صعيد المعركة العسكرية وعلى صعيد المعركة السياسية.

لا نثق كثيراً بإعلان واشنطن انسحابها من سوريا كما لم يتم انسحابها من العراق أو أفغانستان رغم الإعلانات المتكررة، فإعلان واشنطن عن انسحاب عسكري قد ينبئ بعملية عسكرية وشيكة أو توريط تركيا في صراع طويل على طريق تنفيذ مخططات برنارد لويس.