أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عزمها على الانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة وقصيرة المدى المبرمة عام 1987مع الاتحاد السوفيتي السابق (روسيا حالياً)، والتي كانت تنص على تدمير الصواريخ التي يبلغ مداها المتوسط بين 1000 و5500 كيلومتر والقصير بن 500 و1000كيلومتر، وأن لأحد الطرفين الحق في الانسحاب منها إذا أبدى حججاً مقنعة.

كان ترامب قد أعلن في نهاية أكتوبر 2018م أنه سينسحب من المعاهدة مشيراً إلى تطوير صواريخ صينية كجزء من "سبب" الانسحاب من معاهدة الأسلحة النووية. وقال: "إذا كانت روسيا تفعل ذلك وإذا فعلت الصين ذلك ونحن ملتزمون بالاتفاق، فهذا أمر غير مقبول"، في إشارة إلى تطوير الصواريخ. واليوم طلبت واشنطن من موسكو تدمير صواريخ9M729  لمخالفتها روح المعاهدة بينما تصر موسكو على أنها لا تخرق المعاهدة.

فما هو الدافع الحقيقي وراء هذا الانسحاب رغم أنه كان مفيداً للولايات المتحدة أكثر منه للاتحاد السوفييتي حينها؟

نتيجة بحث الصور عن انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى

بلغت الولايات المتحدة ذروة قوتها مطلع القرن الحالي (الواحد والعشرين) ومثّل غزو العراق النقطة الحرجة التي وصلت إليها تلك القوة حيث قامت بغزو بلد مستقل وإثارة الفوضى غير المسبوقة فيه بذريعة كاذبة ومفضوحة ودون أن تواجه باعتراض في ظل قطبية أحادية وسيطرة أمريكية سماها الأمريكيون "القرن الأمريكي الخالص".

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانهياره اقتصادياً تحملت روسيا إرثاً ثقيلاً من التبعات الأمنية والاقتصادية وغرقت في مشاكل اقتصادية جعلتها تتخلف عن الغرب المتقدم بوتيرة عالية أمام الدب الروسي النائم في سبات لم يدم عهده طويلاً.

تولى بوتين قيادة روسيا وانتشلها من مستنقع المشكلات إلى مصاف الدول المنافسة للغرب محاولاً أن يستعيد مقعده في قيادة النظام العالمي الجديد تحت يافطة نظام متعدد الأقطاب إلى جوار الصين وأمريكا.

بعد انتهاء ولاية بوش الابن - الذي خاض حروباً مدمرة في العراق وأفغانستان - كانت صورة واشنطن قد تلطخت بفضائح أبو غريب وباغرام من الانتهاكات التي قامت بها الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان والحريات تلك الشعارات التي طالما تغنت بها واشنطن أمام حكام موسكو وبكين.

لاحظت الدولة العميقة في الولايات المتحدة أن صورتها المتعلقة بحقوق الانسان والحريات والديمقراطية قد أصبحت بحاجة إلى ترميم، وأنها بحاجة لأخذ قسط من الراحة من الحروب المباشرة؛ فجيء بأوباما من السود ليقولوا للعالم إن أمريكا أمة ديمقراطية لا ترى حرجاً أن يتولى رجل أسود بيتاً أبيضاً، ليقوم الرجل بعدها بالدفع بمفردات: الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات إلى ثنايا خطاباته وتصريحاته من جديد متعهدا ً بسحب قواته من العراق وأفغانستان وإغلاق أبواب معتقل غوانتنامو الرهيب وكل ذلك لم يتم.

ذهب أوباما إلى المنطقة العربية والاسلامية بعد نتائج دراسة أّعدت في الولايات المتحدة بعنوان "لماذا يكرهوننا" محاولاً أن يحقن العرب والمسلمين المستائين من غزو العراق وأفغانستان بحقنة تهيئهم لاستقبال جولات جديدة من الفوضى.

رغم أن أوباما لم يخض حروباً مباشرة إلا أنه وفي عهده قتل أكبر عدد من العرب والمسلمين في أحداث 2011 وما بعدها، في عملية إحياء لمشروع أمريكي بالفوضى الخلاقة الذي أحبط في 2006 بانتصار المقاومة في لبنان - الحلقة الأضعف حينها - ليتم استنساخه وتعميمه في المنطقة العربية ويستقر في سوريا التي طالما شكلت صداعاً مزمناً للعدو الصهيوني.

بعد سنوات من الحرب الكونية على سوريا تدخل الدب الروسي بعد أن أفاق من سباته الشتوي ليجعل من سوريا منطلقاً لرسم وتشكيل النظام العالمي الجديد قائلاً للأمريكي إن زمن "الأحادية" قد ولى!!!

مُني المشروع الأمريكي الصهيوني بهزائم عدة في المنطقة العربية وخاصة في العراق وسوريا واليمن وبرز محور المقاومة كلاعب منافس في المسرح الدولي والإقليمي، وبدا أن واشنطن تبتعد عن تلك النقطة الحرجة التي وصلت إليها بعد غزو العراق في منحنى يتنازل باطراد.

بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة من اكتساب الأعداء وتوجس الحلفاء ولم يستثن ترامب حتى شركاءه في حلف الناتو الذين ابتزهم بصورة لم يتقبلها الأوربيون لا سياسياً ولا اقتصادياً.

عمد الأوربيون إلى إرسال رسائل للرئيس الشعبوي وإدارته المتغيرة أن أوربا يمكن لها أن تستقل بقرارها دون البيت الأبيض وأنها مستعدة لبناء جيش يضمن لها أمنها بعيداً عن ابتزاز إدارة ترامب.

قدم الرئيس الأمريكي ترامب أدلة إضافية على قدرة واشنطن على التخلي عن حلفائها وأدواتها بقليل من الاكتراث فقرر ترامب الانسحاب من سوريا ليترك الفراغ ليملأ "الآخرون" حسب تعبيره.

لكن هذا القرار لم يرق للمؤسسات الأمريكية كالبنتاغون والسي أي أيه التي رأت أن مثل الانسحاب سيملأه الروس ليدفعوا بالرخ خطوات نحو "قلعة النظام العالمي الأحادي".

بعد ذلك خاض الأمريكي مفاوضات مع حركة طالبان التي يصفها بالإرهابية والتي كانت ذريعته لاحتلال أفغانستان، نتج عن هذه المفاوضات انسحاب واشنطن من أفغانستان مقابل شروط دعائية وهي أن تضمن الحركة عدم وجود القاعدة وداعش في أفغانستان، يسعى الأمريكي من هذا الاتفاق إلى المغادرة بعد ضمان السيطرة غير المباشرة عبر الحركة التي ربما سيمكنها من زمام السلطة لتكون حربة في خاصرة روسيا وإيران والدول المارقة عن الطاعة الأمريكية.

أتى القرار بالانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة والقصيرة المدى ليقول للروسي أنه لا مكان لك في المرحلة القادمة وأنه لا يجب أن تحصل على أية امتيازات عسكرية، وعلى الجانب الشرقي للأطلسي ليقول للأوربيين أن انسحابنا من المعاهدة سيمكن الروس من تهديدكم بصواريخه التي يطورها لتضرب أي نقطة في دائرة أحد قطريها بولندا والبرتغال ولآخر النرويج واليونان.

كما أنها محاولة أمريكية لإقحام روسيا في سباق تسلح جديد ينهك قواها الاقتصادية كما أنهك الاتحاد السوفييتي السابق وأدى إلى انهياره.

لا تدل هذه المؤشرات على قوة صامدة لواشنطن أمام عدد كبير من المشاكل القديمة والجديدة بقدر ما تدل على تهاوي هذه القوة التي يحاول ترامب ضخ الدماء الجديدة فيها بمئات المليارات التي توعد بها بجلبها من الخليج سواء سميت حليباً أو صفقات أسلحة أو استثمارات عربية في بلاد الفرص.

تأتي الأزمة الفنزويلية لتكرس الانقسام الدولي الذي بدأ بالتشكل في سوريا وتعزز اليوم في فنزويلا، فبين اليمين المتطرف وإدارته المتعجرفة وبين الاعتراضات الروسية والصينية للتدخل الأمريكي يبقى مصير فنزويلا مرهوناً بالصراع الدولي على البلد؛ فواشنطن تريد النفط والثروات، وروسيا والصين ترى في الأمر هيمنة أبعد من الاقتصاد لا يمكن القبول بها حالياً.

فهل تنجح واشنطن في إسقاط أحد أضلاع المثلث اللاتيني العصي (كويا – نيكاراغوا -فنزويلا)؟

أم أن مجموعة ليما ومن ورائهم الروس والصينيون سيقفون حاجز صد أمام عجرفة ترامب وبولتون؟

ربما ستكون القضية الفنزويلية اختباراً جديداً لعزيمة روسيا ساحة صراع دولي جديد ضمن محاولات تشكيل النظام العالمي الجديد الذي لا نتوقع  أن يبقى أحادياً.