في جميع الحروب لا يطمح القائد المحنك إلى الحصول على الطاولات بأكثر مما تطوله قواته في الساحات، أما القائد قليل التجربة والخبرة فيتصورأنه يمكنه بالمناورات تعويض ما خسره على الأرض وما عجز عن أخذه في الميادين.

وعندما تكون هناك قوة تسود في الميدان وتتقدم وتسيطر وتتغلب على خصومها فما الذي يجبرها على وقف المعركة مادامت تبلي فيها بلاء حسناً؟

ولماذا تطلب الهدنة وقد أوشكت على سحق الخصم وإخضاعه وقد أضحى النصر على بعد خطوات؟

فلم يشهد تاريخ الحروب في العالم كله قوة كانت قادرة على غلبة عدوها وقت الحرب والمعركة وتوقفت عن مواصلة التقدم عندما تذكرت صلاة القربى والنسب أو الرحمة أو العفو، فإذا كان العدو قادراً على سحق قواتنا على أبواب الحديدة والساحل فلماذا توقف وقيد أياديه وأسلحته وطيرانه وأساطيله وأعلن الهدنة؟

- العدوان لم يتوقف إلى الآن عن مواصلة إطلاق النار والصواريخ التي جاوزت المليونين صاروخ وأكثر حسب إعلامه وقادته!!

فالحرب هي الحرب وبعد أن تشتعل فلا تخضع إلا لقانون الحرب والقوة والغلبة وتلبس السياسة البزات المموهة والكاكي، وتتعطر برائحة البارود والقائد الذي يدير المعركة هو نفسه الذي يدير المفاوضات ويحرك المناورات، خدمة لأغراض الحرب والمعركة فلا مناورات سياسية منفصلة عن أهداف الحرب.

والمفاوضات تخدم أهداف الحرب لتومن لها شروطاً أفضل لإضعاف الخصم وشق صفوفه واحتواء أضراره وهجماته، وكلما تورط الغازي وفشل في هجماته وأشرف على الهلاك سارع العدوان إلى إطلاق دعوات المشاورات وفصل القوات المشتبكة لإنقاذ موقفه.

وضع العدو عشية السويد

عشيه السويد مطلع نوفمبر الماضي كان العدو على أبواب الحديدة والساحل الغربي يعاني من الحصار الاستراتيجي والميداني منذ أشهر طويلة فقد تورط في التوغل إلى كمائن مميتة على الجبهة الواقعة بين ك 16 والمطار وشارع الخمسين ومنطقة 22 مايو وتعرض للتطويق من عدة جهات وبات مهدداً بالتدمير الشامل.

 بعد أن أُنهكت قواته وقدراته واستنزفته وبات عاجزاً عن الاستمرار في التقدم أو التراجع ويتوقع في أية لحظة هجوم الجيش اليمني المضاد الكبير في ظل عجز تام عن صده ورده بعد أن تعرض لتقطيعات عديدة في خطوط إمداده البرية الرئيسية منعت عنه وصول الإمدادات إلى الخطوط الأمامية المتقدمة وهذا هو العامل الأساسي والسبب المباشر في رفعه "مصاحف الهدنة" في نوفمبر الماضي ومن طرف واحد أولاً.   

أهداف الهدنة اتقاء "ذي الفقار")[1])

بعد أن وجد العدو نفسه في مأزق الفشل والحصار يشتد عليه كل يوم لم يجد أمامه خيارات حربية كثيرة وبعد أن أصبح السيف اليماني مصلتاً على رقبته عاجزاً عن دفعه بالقوة؛ عمد إلى كشف ضعفه عن طريق رفع راية السلم التي رفضها سابقاً كما فعل كثير من السابقين في التاريخ.

 والعدوان اليوم لم يجد له مخرجاً من الخطر سوى التعلق بأهداب الهدنة والسلم المؤقت وقد عقد العزم على أن يخرقها عند أول فرصة تسنح له لاختراقها وهو ما يقوم به من أول يوم أعلنت فيه الهدنة استجابة لطلبه، ولكن السيف مازال مصلتاً فوق العنق مهما فعل وحاول وناور.

-الجيش واللجان  وقبول الهدنة...مرونة القيادة

ولكن لماذا استجاب الجيش واللجان الشعبية  للهدنة مادام قادراً على غلبة العدو في الميدان؟

لأن الجيش اليمني أبناء الشعب اليمني الذي يحب السلام وتقديم الحلول السلمية قبل اللجوء إلى الحل الأخير. والقيادة تريد أن تدع الشعب يجرب بذاته "مواقف العدوان السلمية" وأن يفضحها ببصيرته ووعيه حتى يكون مستعداً لدفع أكلاف الخيارات العسكرية الحاسمة القادمة عندما تكتمل فضائح العدوان أمام الشعب وأمام العالم ومؤيديه ومرتزقته، ولولا هذه المرونة الاستراتيجية للقيادة الوطنية الثورية لما كسبت تأييد أغلبية الأمة المقهورة في الداخل والخارج، وتراهن عليها عبر الصدق والاخلاص والصبر ومساعدتها في الاكتشاف بذاتها للحقيقة وإقامة الحجة على العدو أسوة بسيرة النبي الأعظم (ص) في حروبه.

المصداقية والثقة قاعدة الانتصارات العظيمة

 الهدنة حاجة ضرورية للعدوان لإعادة تموضعاته

عندما تشعر الجيوش الغازية بالهزيمة فإنها تلجأ إلى المناورات السياسية والمساومات بهدف تبرير التوقف عن النزال على خطوط الاشتباك مؤقتاً؛ لأن هذا النزال بات يحقق عكس أهدافه أي أن هناك حاجة ملحة لوقف النزال الآن بعد أن اتجهت مآلات النزال إلى المزيد من الانتكاسات التي لا تتفق وتوقعات الهجوم، وكان العدو يعتمد على مفاهيم كلاسيكية تتوقع خسائر مضاعفة للمهاجم مقابل تدمير الخصم واجتياح مواقعه وحصونه ومدنه، ولكن خاب ظن العدو لأن هذ التقدير يعتمد على فرضية وجود جيش كلاسيكي يدافع بالطريقة التقليدية للحرب، فأمام العدوان يقف شعب بكامله قرر الصمود والمقاومة حتى النهاية ويفرض قواعد الاشتباك ومعادلات الحرب الوطنية التحررية الثورية التي لا تستطيع قوى الغزاة مواجهتها والتكيف معها، وعندما يواجه الغزو مازقه المفصلي فإنه يلجأ إلى طلب الهدنة والمفاوضات لإنقاذه من الانهيار الشامل وكسب الوقت لإعادة تنظيم قواته وضمان خروج آمن لها، وهي منعطف في مسار الحرب تتضمن تراجعاً عقيدياً في صلب العقيدة العسكرية للعدو الذي كان يؤمن بداية بقدرته على إنزال الهزيمة الشاملة بالخصم الوطني إلى الاضطرار إلى الاعتقاد باستحالة تدمير الخصم بالسلاح والحرب العسكرية والقبول بالتفاوض معه لفض الاشتباك بين القوات على المحور الرئيسي والفصل بينهما لإعادة انتشارها مجدداً بشكل يحقق الأمان لها، لأن التوغلات غير المحسوبة والاغارات المباغتة للجيش واللجان الشعبية قد أوقعت تقطيعات بقوى العدو عرضته للحصارات الاستراتيجية وتقطيع خطوط ومحاور التقدم والتراجع فأضحى بحاجة للمناورة عبر الوسائط الدولية التي تستطيع تأمين تراجعه إلى مواقع أكثر أمناً تحت مظلة إعادة انتشار القوات وفتح منافذ آمنة لسير المساعدات الإنسانية والمقصود هو رفع شبكات التحصينات المحيطة بالعدوان والقاطعة عليه خطواته للأمام- وتدمير الخنادق والانفاق السرية التي تومن مناورات واغارات الجيش اليمني وتحركاته وتوفر له دفاعات متحركة مرنة.          

فض الاشتباك بين القوات على الجبهة الرئيسية

إن فض الاشتباك المتبادل حيلة تكتيكية تقوم على افتراض حاجة الطرفين إلى الخروج من المأزق الحادث بينهما نتيجة تداخل مواضع ومواقع القوات المتواجهة التي صارت قيداً على حركة كل منهما،

لا يلجئ الغازي إلى طلب فض الاشتباك بين القوات إلا مضطراً بعد أن يخسر جميع الخيارات العسكرية الأخرى التي سبق أن جربها وفشلت ويصبح أمامه خيار وحيد؛ فإما الاستمرار في المعركة والتدمير الذاتي المحتم لقواته نتيجة لوضعها المطوق المحاصر، وإما طلب الهدنة وتقديم تنازلات سياسية لخصمه تجبره على قبول الهدنة الموقتة والسماح بوصول الامدادات وزحزحه خطوط المواجهة بعيداً عن خطوط حصار القوات الغازية.  

ان طلب فض الاشتباك هو طلب بجوهره–الاقرار الضمني بخسارة وهزيمة الجولة السابقة للغازي وللعدوان ولهجومه الكبير- والاقرار بتحطم اماله ومعنوياته-وحاجته إلى فسحه من الوقت-والسلم –لإعادة ترتيب اوراقه المهترئة –ريثما يتدبر الحصول على قوات جديده لرميها في محارق الميدان

تحطم آمال الغزاة بتحطم وحصار القوات

 بعد فشل الهجوم الكبير للغازي وتورط قواته أمام المدافع اليقظ صاحب فإنه يكون مضطراً للمناورة لكسب الوقت والاستعداد للمعركة التالية.

يمكن القول إنه قد يحدث توازن متكافئ مؤقتاً بين القوتين على الأرض وهو توازن سلبي بالنسبة للمهاجم الغازي الذي كان متفوقاً في قواته قبل الهجوم ثم استنزفته الهجمات الخاسرة المتوالية التي استهلكت من قواته كما ًونوعاً ومعنويات الكثير، فقد كان العدو يتفوق عدداً وعتاداً فالأعداد الكبيرة من المعدات والمدرعات والآليات والعربات والأسلحة الأحدث في العالم واعداها الكبيرة تم تدمير ما نسبته ثلث القوة الآلية والبشرية للعدو (حوالي2000 مدرعة وآلية، وحوالي عشرين آلفا بين قتيل وجريح خلال الحملة الأخيرة للهجوم على محيط الحديدة التي بدأت مطلع النصف الأول من العام الماضي، وهو ما يعني تدمير فرقتين مشاة ميكانيكيتين مدرعتين، وقوات خاصة وتشكل نخبة قوات الغزاة على الساحل الغربي وأكثرها تدريباً، وقد ضاعف من طاقاتها إلى أقصى واعلى المستويات دخول القيادة الأمريكية الوسطى لقيادتها بكل ما تملكه من احتياطات عسكرية بحرية وجوية وتقنيات وكذلك تدخل الفرنسيين والبريطانيين والإسرائيليين.   

وهي وقائع اعترفت بها وكالات وصحف أمريكية كبرى كالسي ان ان والنيويورك تايمز وغيرهما.

سيظل العدو يفكر في أسباب تلك ضربات والهزائم أمام الحفاة اليمنيين محاولاً إيجاد تفسير لما جرى، ويعمل على تهدئة مرتزقته وقادته الذي تملكهم الرعب الذي يسمع من خلف تصريحاتهم المرتبكة المشبعة بالخوف واليأس من المصير المشؤوم المنتظر، فليس أمام القيادات المهزومة إلا المزيد من الكذب والإسراف في الوعود والتضليل الميتافيزيقي السحري حول ما حدث ويحدث من ظواهر خارقة للمألوف والمعروف.

أما قيادة العدوان الأمريكية العليا الممثلة في ترامب وحلفائه فهي تحاول التنصل عن عجزها عن تغيير وكسر التوازن على الأرض وخرق الموقف اليمني المدافع بالقول إن السعوديين والإماراتيين ومرتزقهم لم يحسنوا استخدام السلاح الأمريكي الحديث! ولم يجيدوا التخطيط! وقال إن ما يجري في الحرب على اليمن شيء محير يحتاج إلى تفسير بمعنى ان اكاديمياته وعقوله الاستراتيجيين عاجزون عن تفسير وفهم نتائج الحرب المخفقة على اليمن وهذا تضليل لأنه لو أراد أن يقول الحقيقة لقال ما تشيب له رؤوس الولدان في الرياض والخليج من هول المعارك والطوابير الطويلة من الخردة التي صنعت في أمريكا ودمرت في اليمن.

 


[1] ذو الفقار إشارة إلى البأس الشديد.