مقدمة
الحرب هي العدو الأول لأي اقتصاد حديث أو تقليدي، ذلك أن الحرب تدمر وتهدر الموارد النادرة، فما من حرب إلا ويكون ضحيتها خيرة الشباب، الذين يضحون، ويخسر الوطن بعضا من أهم الموارد الاقتصادية والمتمثلة في الموارد البشرية.
الحرب تستنزف الموارد المالية، إذ أنها تحتاج الى شراء الأسلحة والذخائر وغيرها من متطلبات الحرب، التي لا تنعكس إيجابا على احتياجات الناس الضرورية مثل المأكل والملبس والسكن، فيتم تمويل الحرب على حساب هذه الاحتياجات الإنسانية.
يتم تمويل الحرب، إما من خلال استنزاف الاحتياطيات، أو الاقتراض، أو على حساب عيش الناس، ولا شك أن ذلك يؤثر على مستويات المعيشة للناس إن عاجلاً أو آجلاً، وفي كل الحالات عاجلاً وآجلاً.
الحرب تخلق معاناة، لمن فقدوا عائليهم، أو لمن أصيبوا بعاهات دائمة او مؤقتة، ولا شك أن التعامل مع ذلك، يتطلب أموالاً كان يمكن إنفاقها على تحسين معيشة الناس.
الحرب تدمر البنية التحتية، مثل الطرق، والجسور، والموانئ، والمصانع، والبيوت، وغيرها من الادوات الضرورية، للحفاظ على المستويات الاقتصادية، التي ضحى المجتمع من أجلها، سنوات طويلة، مما يعني رجوع الاقتصاد الوطني إلى الخلف، بدلاً من أن يتقدم الى الأمام.
الحرب تخلق العداوات بين البشر، سواء على مستوى الداخل، أو على مستوى الخارج، ومن ثم تتعكر الثقة، وتقل المبادلات المفيدة للبشر، ولا شك أن ذلك يعيق التقدم الاقتصادي.
وعلى الرغم من كل هذه الأوزار وغيرها، إلا أن التاريخ الحديث والقديم، يدل وبشكل قاطع، على أن البشر لا يأخذون العبرة من مآسي الحروب، فيتم إيقاد نار الحرب في كل المجتمعات والأزمنة والعصور، بعض هذه النيران يطفأها الله، والبعض تندلع لبعض الوقت حتى يعود العقل الى مشعليها. ومن ثم فان مخاطر الحروب على البشرية تظل ماثلة، فقط يمكن التقليل منها.
لقد تعرض يمننا الحبيب الى حرب ظالمة، اكتوى بنارها، ولكن من المؤكد أنها ستنتهي، وندعو الله أن يطفأ نارها، وأن يخفف من أوزارها.
وهنا ينبغي أن يتم التأسيس لاقتصاد حديث على ذلك، يمنع حدوث حروب أخرى، ويكون قادراً على معالجة أوزار الحرب التي حدثت.
في هذه الورقة سنحاول طرح مفاهيم أساسية، نرجو من الله أن تساهم في تأسيس اقتصاد حديث، يكون أفضل مما كان في السابق. وتشتمل الورقة على عدد من المحاور، في المحور الأول: سيتم توضيح معالم الاقتصاد الحديث، وفي المحور الثاني: سيتم مناقشة أهم الأسس لهذا الاقتصاد، آخذين في الاعتبار الأوضاع الاقتصادية لليمن بعد الحرب. أما في المحور الثالث: فسيتم الاجتهاد في وضع تصور لأهم الأولويات الاقتصادية في المرحلة القادمة.
والله أسال أن يزيدني علماً من لدنه، وأقول سبحانك ربي، لا علم لي إلا ما علمتني، إنك أنت العليم الحكيم. رب زدني علما. فإن وفقت فلله الحمد، وإن لم أوفق، فأدعو الله أن يغفر لي ذنوبي التي كانت حائلاً دون أن يرحمني ربي.
الاقتصاد الحديث
وللتعرف على متطلبات وخصائص وشكل الاقتصاد الحديث، لا بد من الإشارة ولو على عجالة، على خصائص وشكل الاقتصاد التقليدي.
يقوم الاقتصاد التقليدي على أساس قيام الأسرة بكل الوظائف الاقتصادية. فالأسرة هي وحدة الإنتاج، وهي التي تملك الموارد الاقتصادية ملكية جماعية، وهي التي تقوم بالوظائف الاقتصادية أي الانتاج والتوزيع والاستهلاك بشكل تضامني.
وفي الغالب فإن موارد الانتاج المتوفرة هي العمل والأرض، وذلك كان يمثل المرحلة الأولى التي كانت ممكنة في بداية الحياة البشرية. فعندما أمر الله آدم وحواء بالخروج من الجنة، بعد أن كانا يأكلان منها رغدا حيث شاءا، فقد أصبح عليهما أن يستخدما طاقاتهما في إشباع الجوع والظمأ، وأن يسترا جسديهما من الحر والبرد والامطار وغيرها من متطلبات الحياة.
فالنشاط الاقتصادي بدأ فورا بعد خروجهما من الجنة. وكان عليهما أن ينظما وقتيهما وأن يتم تقسيم العمل والواجبات وان يتفقا على تقاسم نتيجة عملهما بشكل مرض. فالاقتصاد يقوم على أسس ثابتة لا تتغير، والمتمثلة في الرغبة في استخدام العمل أولاً، وما نتج عنه ثانياً، بين عدد من الأفراد، من أجل إشباع حاجاتهم الضرورية بشكل مرض ومقبول للجميع.
هذه الأسس ضرورية لأي نشاط اقتصادي قديم أو حديث، نامٍ او في حالة النمو، ناضج أو غير ناضج. وقد كانت الأسرة في البداية هي التنظيم الذي يتولى عملية التنسيق بين أفراد الأسرة و بين هذه الأسرة و غيرها من الأسر.
في البداية كان عنصر العمل هو العنصر الاقتصادي الوحيد، لأن الارض متوفرة لكل من يريد أن يزرع، وكذلك بقية العناصر الأخرى. ولذلك فقد كانت الأسرة، وبالتالي عنصر العمل هما محور العملية لاقتصادية.
وقد كان النشاط الاقتصادي الأبرز في هذه المرحلة يقوم على أساس الصيد. ومن خصائص الصيد أن نشاط الأسرة الاقتصادي يتمحور حول احتياجاتها اليومية، ومن ثم فلم يكن هناك أي اهتمام لتراكم الثروة. فما يزيد عن حاجات الأسرة إما أن يفسد أو أن تعطيه لمن يحتاجه من غيرها وبدون ثمن.
وعندما تزايد البشر في رقعة ضيقة، تحولت الأرض الى العنصر الاقتصادي الأكثر أهمية. وقد تعامل الناس مع ذلك من خلال اختراع نظام العبودية. ومن أجل ذلك كان لا بد من وجود شكل من أشكال السلطة الاقتصادية لحماية مالكي العبيد من تمرد العبيد عليهم.
وقد تحول مركز النشاط الاقتصادي من الصيد الى الزراعة. وبعد أن تم تأنيس الحيوانات، والذي كان النشاط الاقتصادي الأهم، تحولت حياة البشر في ذلك الوقت من الاستقرار الى الترحال، بحثا عن العشب والكلأ. وهنا كان لا بد من حماية التجمعات البشرية من بعضها البعض. وكانت هناك حاجة لقيام سلطة سياسية تتولى تدبير مثل هذه الامور.
ونتيجة للظلم الذي حل بين البشر كتجمعات، وبين أفراد التجمعات أنفسهم (الاحرار والعبيد) فقد أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب ليحكم بين الناس بالعدل.  ولكن كان بعد كل مرحلة اصلاح يقوم بها الرسل يعود المتنفذون الى السيطرة على السلطة والدين.
ومن الناحية الاقتصادية، فقد ترتب على ذلك ظهور مراحل اقتصادية متعددة ظلت لفترة طويلة، ولعل من أبرزها ما أطلق عليه عصر العبودية، والذي تلاه عصر الاقطاع. وفي كل هذه العصور، كان ملاك الاراضي هم الذين يسيطرون على السلطة السياسية والدينية. ومن خلال التفاعل بين هاتين السلطتين، كان يتم إشاعة ثقافة الظلم، والتمييز بين الناس على أساس أموالهم وأولادهم.
إذا فالاقتصاد التقليدي، كان يدار من خلال التنافس على قوة العمل والأرض. وبدلا من أن يكون الاقتصاد وسيلة للتعاون بين البشر فقد أصبح وسيلة للتنافس بينهم، فأصبحت الحياة تبعا لذلك لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد. والدليل على ذلك الحروب الطاحنة والفقر والقتل والتهجير وغيرها من المآسي البشرية.
الاقتصاد الحديث ظهر عندما اكتشف الانسان أن هناك عنصرا اقتصاديا أهم من العمل والأرض والذهب والفضة، ألا وهو العلم. فالعلم يزيد من استغلال كل من العمل والأرض، وبالتالي يسمح لكل البشر أن تتحسن أحوالهم وذلك بخلاف العنصرين السابقين فربح أحد البشر كان على حساب خسارة بشر آخر. أما من خلال العلم والمعرفة والتكنولوجيا فإن الجميع يربحون وإن كان بنسب متفاوتة.
لكن الاستفادة من العلم، تطلب تغيير طريقة فهم الحياة، والعلاقات البشرية فيها. فلا يمكن أن يتطور العلم ومن ثم الاقتصاد إلا إذا كان هناك حرية التفكير والتعبير، حتى لو كان ذلك لا يرضي البعض لأي أسباب كانت. فما يميز العلم النافع عن الخرافة والتضليل، أن العلم يركز على فهم الظواهر البشرية ويعمل على تطوير طرق وأساليب التعليم معها لتسخيرها لخدمة الإنسان أي إنسان.
وفي ظل العلم فإن التنافس بين الأفراد والأمم يكون من أجل اكتشاف وتطوير طرق جديدة تعمل على زيادة كفاءة عنصري الانتاج والعمل، ومن ثم فإن هذه الطرق تفيد من يملك الأرض والعمل بحيث توفير عليه الجهود غير الضرورية.
الاقتصاد الحديث يهتم بالكفاءة، أي بزيادة إنتاجية عناصر الانتاج لكل من يملكها، ولم يعد يهتم بالحيل التي كان يستخدمها المتنفذون من أجل أكل أموال الناس بالباطل، لأن أكل أموال الناس بالباطل يترتب عليه قتل الناس لبعضهم البعض.
ومن أجل الاستفادة من العلم ومن أجل تطوير العلم فإنه لا بد من التفرقة بين العلم النافع المفيد، والعلم الذي يؤدي الى التضليل، وبالتالي محاربة العلم النافع. ومن اجل التفرقة بين التداخلات بين هذين العلمين فانه لا بد من ايجاد قواعد وطرق تنتصر لما هو مفيد.
فالاقتصاد كعلم له قواعده وقوانينه الخاصة، مثله مثل الطب أو الفيزياء أو أي علم من العلوم الاخرى. فيجب الانتصار لها. ومن ثم فإن المتنفذين يحاولون إعاقة القوانين الاقتصادية لأنهم لا يرغبون أن يستمتع غيرهم في الحياة.
ومن أجل محاربة القوانين الاقتصادية، فإن هؤلاء يستخدمون الدين والسياسة بشكل خاطئ، لإجبار الناس العاديين للتخلي عن تطبيق مخرجات العلم على الظواهر الاقتصادية.
لا يمكن أن يتحول أي اقتصادي تقليدي او قديم اذا استمر الاصرار على الدفاع عن التصورات السابقة التي ثبت أنها لا تمت للدين الحقيقي بأي صلة والتي لا تتوافق مع صلاحيات رجال السياسة.
إن التأسيس للاقتصاد الحديث، يتطلب تحرير الاقتصاد، من سيطرة دعاة الدين وظلام السياسة، أي التخلص من الطاغوت الذي هو استخدام الدين والسلطة السياسة لمنع الاستفادة من العلم في المجال الاقتصادي.
الدين الحق مفيد لكل البشر، السياسة الحقة تحقق العدل للجميع. فالله في كتابه العظيم القرآن، حرم الظلم وحذر منه وتوعد من يمارسه بالهلاك.
فالاحتكام الى القرآن سيحرر العالم من تغول الدين والسياسة والمال وكل انواع التغولات التي تتسبب في أزمات العالم المتعددة وعلى وجه الخصوص الأزمات الاقتصادية.
فالقرآن موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. القرآن بين ومبين، واضح وسهل. وفي نفس الوقت فإنه عزيز وعظيم ومجيد وكريم ومطهر وهادي وحكيم وعليم ورحيم وحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فقد ضمن الله لمن يحتكم الى القرآن ويسعى لتطبيقه أنه لا خوف عليه ولا يصيبه حزن.
ومع ذلك فإننا نعيش حالة، لا تعيشها أي أمة على وجه الأرض، أي أننا بهذا المقياس نمثل في الوقت الحاضر شر البرية. فإن كنا نطبق القرآن كما ندعي وأحوالنا على ما هي عليه الآن، فالقرآن يكذبنا.
ولكن الحقيقة أننا لا نطبق القرآن، على الأقل على المستوى الجمعي، ومن يشك في ذلك، فما عليه إلا أن يقارن القرآن الصريح الواضح بكل الفتاوى، وبكل التصرفات التي تصدر ممن يدعي أنه يحكم بالقرآن. ولا أشك أبدا بأن أي مقارنة مها كانت بسيطة وغير معمقة ستوضح أن هناك مخالفات للقرآن من قبل هؤلاء لا تقبل الشك.
خلاصة القول بان بناء اقتصاد حديث في اليمن يتطلب بالضرورة التخلص من العادات والتقاليد والثقافة التي تميز بين الناس إما على أساس مذهبي أو ديني أو عرقي أو أي أنواع أخرى تفضل بعض البشر على البعض الآخر أو تفضل بعض البشر على الله نعوذ بالله من ذلك.
فبدون ذلك لن نتفق ولن نتآلف ولن نكون أمة أو جماعة أو وطن. يقول الله تعالى - واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون.
فحبل الله هو القرآن ولا غير والدعوة إلى الخير هي الدعوة إلى القرآن، فأين هذه الأمة في الوقت الحاضر؟
نسأل الله أن يجعلنا منهم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت إنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وتملك ولا أملك، بيدك الخير، انت رب العالمين، وأنت ربي، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما والحقني بالصالحين.

التأسيس للاقتصاد الحديث
قبل التعرف على الأسس المطلوبة لبناء اقتصاد حديث في اليمن، أي التفاعل بين الأرض والإنسان والعلم، فانه لا بد من التعرف على أهم خصائص الأرض اليمنية، والإنسان اليمني، ومستوى العلم والمعرفة في اليمن وذلك على النحو التالي.
تبلغ أراضي الجمهورية اليمنية ما يزيد على 550 ألف كيلو متر مربع. تحيط بها المسطحات المائية من الغرب والشرق والجنوب. اذ تبلغ السواحل اليمنية أكثر من 1500 كيلو متر. وتحيط بأراضي اليمن الصحراء من الشمال.
تتنوع تضاريس اليمن وبالتالي ظروفه المناخية، بين المرتفعات الجبلية والسهول والوديان التي تقع بينها والأراضي الساحلية وبعض المناطق الصحراوية، وهذه ميزة لا تتوفر في الجزيرة العربية إلا لليمن.
لقد ترتب على التنوع الجغرافي، تنوع في كمية ومواسم هطول الأمطار، مما يعطي اليمن ميزة في استمرار الانتاج الزراعي في جميع المواسم، ولا شك أن ذلك يمكن استغلاله في زراعة محاصيل خاصة ذات قيمة عالية وفي الاستغلال السياحي.
أما فيما يخص الانسان اليمني، فإن التضاريس الجغرافية قد ترتب عليها تنوع في عاداته وتقاليده، فالغالبية العظمى من سكان اليمن يسكنون الأرياف، وخصوصا في السلسلة الجبلية الغربية والوديان والسهول التي تقع قريبة منها، فالقرى اليمنية متناثرة على قمم الجبال والسهول والوديان.
لقد ترتب على وعورة هذه المناطق صعوبة التواصل بين سكانها، مما ترتب عليه تنوع في العادات والتقاليد من ناحية وصعوبة في التواصل والتعايش فيما بينها.
لقد عاش اليمنيون في الماضي عزلة داخلية وخارجية، مما أثر على مستوى العلم والمعرفة، فمن الظروف الضرورية لزيادة مستوى العلم والمعرفة التواصل بين مختلف الاتجاهات الداخلية والخارجية. ولا شك أن ذلك قد أدى إلى تدني مستوى العلم والمعرفة بين اليمنيين، الأمر الذي جعل نشر العلم والاستفادة منه في الماضي بطيئا ومحدودا.
ونظرا لذلك لم ينجح اليمنيون في الماضي في تأسيس اقتصاد حديث قابل للنمو المستدام. لقد ترتب على ظهور الطفرة النفطية أن هاجرت نسبة كبيرة من السكان الى المناطق النفطية المجاورة. وبسبب قلة التعليم فقد استخدمت هذه الطاقات في بناء هذه الدول بأجور زهيدة وفي ظل أوضاع صعبة وانعدام لأي حماية لحقوقهم الإنسانية.
ومن الملفت للنظر أن العديد من اليمنين تمكنوا من التغلب على هذه الظروف وحققوا نجاحات كبيرة. فقد تحول العديد منهم من الاعمال البدنية واليدوية الى الاعمال التجارية والفنية في ظل مضايقات كبيرة من قبل الدول التي هاجروا إليها.
لكن في المقابل فان نجاح هؤلاء في الخارج لم يقابله نجاح مماثل في الداخل. فلم يتم توطين رؤوس الأموال التي جمعها هؤلاء ولا الاستفادة من الخبرات التي اكتسبوها في المهجر. فما تم تحويله من أموال من الخارج أسيئ استخدامه في الداخل. فكان إما يذهب لبناء بيت فخم في الريف لا تتوفر له الخدمات الاساسية ويظل مهجورا طوال هجرة صاحبه والتي قد تستمر الى وفاته وإما  في إقامة الحفلات الاجتماعية الباذخة، كحفلات الأعراس و المآتم وإما التنازع على الأراضي و إما اقتناء الذهب و المجوهرات أو السلاح و غير ذلك من المجالات التي لا عائد منها.
ولذلك فإن الاقتصاد اليمني الذي ارتبط بالهجرة وباقتصاديات الدول المجاورة على هذا النحو لم يستطع التعامل مع ثلاث متغيرات أساسية، مما يدل على ضعف الأسس التي قام عليها. هذه المتغيرات هي تزايد عدد السكان والجفاف وغياب الدولة.
لقد نما السكان بمعدلات كبيرة، لم يستطع الريف اليمني معها توفير فرص العمل للغالبية العظمى منهم، ولم تستطع المدن اليمنية احتوائهم ولم تتوفر لديهم فرص للهجرة. لقد ظل هذا الجيل بلا هوية وبلا وظائف وبلا مستقبل ويمكن القول بلا وطن.
ولم يكن بالإمكان استيعابهم باي شكل مرض الا من خلال التعليم. ونظرا لانشغال النخب بالمذهبية والحزبية المقيتة، فقد تم تحويل ما كان متوفرا من التعليم في ظل المدارس والمدرسين الى تعليم الناس الجهل. وهنا يمكن القول بان التعصب المذهبي قد أفسد التعليم. ومن هنا فانه لا يمكن تأسيس اي اقتصاد حديث يقوم على العلم والمعرفة الا بعد ان يتم تخليص التعليم في اليمن بكل انواعه ومراحله ومؤسساته من التعصب المذهبي المدعم بالتعصب السياسي والحزبي.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن نمو السكان الكبير وما ترتب عليه من زيادة كبيرة في السكان لا يمثل مشكلة إذا تم التعامل معه بالطرق الصحيحة. فمساحة اليمن والموارد التي تحتويه هذه الارض كفيلة في استعاب هذه الزيادة الكبيرة.
لكن الأمر يتطلب إعادة توزيع الفائض من سكان الجبال والسهول المكتظة على السواحل الخالية، فإلى جانب أن إعادة التوزيع ضرورة في الوقت الحاضر نتيجة للجفاف وتقلص المساحات الزراعية والصالحة للبناء فان ذلك يعد موردا اقتصاديا مهما لرفد الاقتصاد اليمني. فهذه المساحات الساحلية غير مستغلة وستوفر مصدرا مهما من مصادر نمو الاقتصاد اليمني.
كذلك فانه يمكن تخطيط استغلالها أخذا بعين الاعتبار التطورات العلمية والتكنلوجية الحديثة. فهي قابلة للتخطيط العمراني بحكم انبساطها وسعتها. وهي قريبة من البحر مما يجعل توفير احتياجها من المياه من خلال تحلية مياه البحر اقل تكلفة. ويمكن تحويلها إلى مراكز انتاج للسلع الحديثة القابلة للتصدير والتي يمكن أن يتم توفير تكاليف النقل وغيرها. وهذه المناطق غنية بالطاقة الشمسية. وأن هذه المناطق تمثل في حقيقية الامر موارد اقتصادية غير مستغلة تفوق بأهميتها وقيمتها موارد النفط والغاز.
لكن تحيق ذلك يتطلب إيجاد دولة مقبولة من كل اليمنيين ويشارك فيها كلهم وتسعى الى خدمتهم جميعا. ولن يتحقق ذلك الى الا إذا تم تخليص الاقتصاد من الغول السياسي الذي يعني احتكار السلطة وبالتالي الثروة من قبل مجموعة قبلية او مذهبية او حزبية.
 
اولويات التأسيس للاقتصاد الحديث
ان التأسيس لاقتصاد حديث في اليمن الحبيب ضرورة وطنية لا يمكن ربطه بأي سيناريوهات ما بعد الحرب من تعويض او خلافه. غير أن إيقاف الحرب يعد شرطا ضروريا لانطلاق عملية التأسيس. فمن العبث القيام بأي عملية بناء او إعادة البناء في ظل الحرب من أجل أن يتم تدميره لاحقا.
من المؤكد ان هذه الحرب قد شارفت على الانتهاء بفضل من الله ورحمة لليمنيين، لأن من أوقد نارها قد جعله الله يسعى لإطفائها. ومن ثم فان مناقشة التأسيس الاقتصادي حديث في اليمن لمرحلة ما بعد هذه الحرب الظالمة قد آن أوانه.
في الحقيقة ان الاستعداد لتأسيس اقتصاد حديث في اليمن ينبغي ان ينطلق من معرفة خصائص ومتطلبات هذا الاقتصادي وهذه عملية فنية في المقام الاول. وكذلك من امكانيات اليمن الحالية والمستقبلية. ومن الافضل أن يتم الأخذ بعين الاعتبار التجارب السابقة سواء السلبية منها والايجابية.
ان أولويات التأسيس لاقتصاد حديث في اليمن يتطلب أولا وكشرط ضروري إزالة تغول المذهبية على التعليم و تغول الدولة على الاقتصاد. ثم العمل على تحويل الاقتصاد اليمني الحالي المشوه الى مسار صحيح قادر على الانطلاق.
الاقتصاد اليمني في الوقت الحاضر يعتمد على ثلاث مرتكزات هي ١ تصدير خدمات العمل الخام
٢ تصدير النفط والغاز
٣ المساعدات الخارجية
لم تعد هذه المرتكزات في الوقت الحاضر قادرة على دعم الاقتصاد فإنتاج وتصدير النفط يتناقص والاستهلاك المحلي منه يتزايد والمساعدات متوقفة تقريبا، لذلك فالاقتصاد اليمني كان يعتمد على الخارج بما يزيد عن ٨٠% من احتياجاته، ويعيش ما يصل الى ٧٠% من السكان في الريف، وهم يعتمدون وبشكل كلي على الحضر والخارج.
فمن الواضح ان هذا الاقتصاد قد أسقط نفسه بنفسه ومن العبث العمل على احيائه. هذه هي أم المشاكل الحالية والمستقبلية للاقتصاد اليمني ويجب التعامل معها بكل تبعاتها الحالية والمستقبلية.
اليمن يحتاج الى ثورة اقتصادية تتمثل في إدارة النشاط الاقتصادي من خلال العمل المؤسسي وليس الشخصي والأسري في حال حدوث ذلك ستنشأ دينامكية اقتصادية تعمل على استغلال الموارد غير المستغلة وتحسين كفاءة الموارد المستغلة حاليا وهذه مصادر النمو في اليمن.
هذه الثورة الاقتصادية لا يمكن ان تطلقها إلا نخبة من الخبراء في ظل دولة ديمقراطية. لذلك فإن على الخبراء أن يسعوا للبحث عن شركاء سياسيين يقبلوا بذلك.
اعتقد أن الأوضاع الحالية تسمح بذلك لذلك علينا ان نغتنم هذه الفرصة أليس كذلك؟
يجب ان تحرص اي سياسة اقتصادية على عدم التحيّز لأي مكون من مكونات النمو الاقتصادي وعلى وجه الخصوص مكوني العمل ورأس المال. فأي تحيز في السياسة الاقتصادية يقتصر أثره على عملية التوزيع في الأجل القصير ومهما كان إيجابيا فانه في الأجل المتوسط يكون له آثار سلبية على كل من الانتاج والتوزيع معا.
لقد ترتب على هذه السياسات الخاطئة تناقص متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي وتوسع ظاهرة الفقر وانخفاض الانتاجية. ألا ترى أن الأجور الحقيقية وخصوصا أصحاب التخصصات والمهارات ظلت تتناقص حتى وصلت الى مستويات غير مقبولة كل ذلك بسبب الأخطاء السياسية لذلك فقد خسر السياسيون وجاء دور الاقتصاديين.
فهل سيقبل بذلك كل من السياسيين والاقتصاديين؟
نعم يجب أن يقبلوا بذلك فالوضع في اليمن سيزداد سوءا إذا استمرت سيطرة السياسيين واستمر عزوف الاقتصاديين. ومن أجل منع ذلك فإنه لا بد من الضغط على الطرفين. لا يمكن تحقيق هذا إلا من خلال السعي لبناء دولة وطنية وكفؤة فإذا ما حدث ذلك فإن تطور اليمن يصبح ممكنا.
لقد التهمت السياسة الاقتصاد، ولعل ذلك هو أكبر الاخطاء التي ارتكبت في الماضي. لذلك فانه لا بد من الفصل الكامل بين الاقتصاد والسياسة فمن الصعب على الاقتصاد ان يلتهم السياسة ولذلك فانه لا بد من إيجاد ضمانات لمنع الاخيرة من التهام الاولى.
وبنفس الاهمية فانه لا بد من الفصل بين المذهبية والسياسة والاقتصاد. فالمحاولات الحثيثة الحالية لتقديم الاعتبارات المذهبية على الاقتصاد ستعيق أي عملية إبداع اقتصادي بل ستعيق حتى الاستفادة من تجارب الاخرين الاقتصادية والحصول على المساعدات الطبيعية من قبل المجتمع الدولي وستجعل اندماج اليمن مع من حوله ومع العالم مستحيلة.
يجب إن تكون تجاربنا الحالية والشعارات الجوفاء التي رافقتها درسا لنتعلم منه الاضرار الكبيرة لتقديم الجوانب المذهبية على الحقائق الاقتصادية. هناك فرصة للتغلب على كل من السياسة الخاطئة والتعصب الديني والمذهبي لصالح الاقتصاد من خلال التركيز على المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها اليمن، بمعنى فبدلا من التنظير الاقتصادي طويل أو بعيد المدى فلا بد من التركيز على حل المشاكل الحالية في إطار الرؤى متوسطة وبعيدة الامد.
صحيح انه لا يمكن أبدا نقل تجربة اي بلد في التنمية والإصلاح الاقتصادي بحذافيرها مهما كانت هذه التجربة ناجحة ومهما كان التشابه بين البلدين كبيرا ولكن لا ينبغي المكابرة لما ندعي انه لدينا وهو اما غير موجود او غير قابل للتطبيق او انه غير فعال. اي انه لا بد وان يكون برنامج الإصلاح متضمنا اختيارات معينة من تجارب ناجحة.
الخطوات الضرورية لإصلاح الاقتصاد اليمني من وجهة نظري هي التالي:
       أولا: خطوة إيقاف التدهور والتهيئة للانطلاق في المرحلة القادمة. أي أنه لا بد من الحصول على مساعدات خارجية وإبعاد التأثير السياسي عن الاقتصاد. وهنا يمكن إقناع الخارج بتقديم الدعم من خلال إصلاح كل من المالية العامة والخدمة المدنية ومحاربة الفقر. ومن خلال إصلاح هذه الجهات فانه لا بد من التركيز على الجوانب الفنية من خلال انتزاع صلاحيات أوسع لها على حساب كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية.
ثانيا : ومن الوسائل الذكية من وجهة نظري في هذا الإطار هو اعتماد آلية السوق بأكبر قدر ممكن في إدارة المالية العامة والخدمة العامة ومحاربة الفقر وقصر تدخلات السلطتين فقط على التوجهات العامة. اي انه لا بد من تحديد حد أعلى لعجز الموازنة وحد اعلى للنفقات الجارية ونسبة عليا للدعم بكل أنواعه وحد اعلى للدين الداخلي والخارجي وتحرير سعر الفائدة وفتح الباب للبنوك الأجنبية للعمل في البلاد وإعادة النظر في قواعد بازل وفقا لوضع النظام المصرفي في البلاد وتبني نظام سعر صرف غير متحيز لا للصادرات ولا للواردات، وتقييم الوحدات الاقتصادية وفقا لمعيار الكفاءة الاقتصادية، وتصفية كل مؤسسة لا تستطيع ان تتحمل تكاليف تشغيلها على الأقل.
ثالثا: لا بد من إعادة هيكلة الوزارات والجهات الحكومية المركزية والمحلية والمستقلة من حيث المهام والوظائف والقوى العاملة بما يضمن منع الازدواج والبطالة المقنعة والإرسال الى البيوت والاقصاء والتهميش.
إن تحقيق الاستقرار الاقتصادي بعد كل ما جرى يتطلب الابداع في اختيار وتنفيذ سياسات غير تقليدية وفي نفس الوقت فانه يتطلب المواءمة بين الاجراءات السريعة للتعامل مع المشاكل الانية والاستراتيجيات بعيدة الامد.
 كما يلاحظ فإن أثر أي سياسة في الأجل القصير يختلف عن اثرها في الأجل المتوسط، لا شك أن هذه الظاهر يجعل من الصعب إقناع اصحاب العلاقة بذلك هذا من ناحية فان تغير اصحاب القرار بشكل سريع يتسبب في تغير السياسات قبل ان تؤتي أكلها.
ينبغي ان ندرك ان السياسات الاقتصادية ليست كلها متساوية من حيث الأثر ولذلك فإنها يجب ان تخضع لمبدأ الاولوية فتلك التي لها آثار مباشرة وغير مباشرة لها اولوية عن تلك التي لها فقط اثارا مباشرة، والشاملة يجب ان تقدم على الجزئية وطويلة الأجل على قصيرة وهكذا.
على سبيل المثال فان إصلاح بيئة الاستثمار في اليمن يجب ان تكون له اولوية على الإصلاحات الاخرى ولذلك فان انضباط الموازنة العامة امر ضروري من اجل جعل الانضباط النقدي ممكنا وقابلا للاستمرار، معدل تضخم متدني سعر فايدة حقيقي موجب سعر صرف مستقر.
ان تحسين مناخ الاستثمار على هذا النحو سيعمل على تغيير الاستثمار في اليمن، فبدلا من التركيز على الاستثمارات قصيرة الأجل والتي لا تودي الى خلق قيمة مضافة، الى خلق استثمارات على الأقل متوسطة الأجل وبهذه الطريقة يمكن خلق وظائف حقيقة و تحسين مستوى الأجور.
هناك مشكلة عميقة في الاقتصاد اليمني ينبغي إظهارها اولا ثم البحث عن معالجات فعالة لها الا وهي الخلط بين عنصري العمل ورأس المال فكما هو معروف فان العمل الطاقة البشرية والعقلية لها قيمة اقتصادية مستقلة فمن لديه هذه الطاقة فانه يستطيع ان يبدلها مع الآخرين اما راس المال فيمثل ما يملكه البعض من أصول مدرة للدخل من غير العمل.
على سبيل المثال فانه يجب التفرقة بين دخل العائلة من مزرعتها بين الدخل العايد من العمل والدخل العائدة من ملكية الارض فالدخل من العمل يمكن الحصول عليه من خلال العمل في مزرعة اخرى وكذلك الدخل من ملكية المزرعة يمكن ان يحصل عليه من تأجيره لمزارع اخر هكذا العلاقة بين العمل ورأس المال في المجالات الاخرى
فبدون ذلك لا يمكن إنجاز أيا من كفاءة الانتاج او كفاءة توزيع عناصر الانتاج الامر الذي سينعكس سلبا على كل الأرباح والاجور وبالتالي النمو الاقتصادي.
هذه إحدى المعالجات ولكن كل ذلك لا يمكن تحقيقه بدون إصلاح ضريبي جذري وسريع. ومن زاوية اخرى فانه مهما كانت السياسات صحيحة ومناسبة فان ذلك وان كان شرطا ضروريا لكنه غير كاف، ولذلك فانه لا بد من توفر الشرط الكافي هو بذل الحد الأدنى من الجهد حتي يكون لها اثر واضح.
بل انه ليمكن القول ان الدخول في اي برنامج إصلاح اقتصادي مهما كان شاملا وواضحا ولكن لا تتوفر إرادة للسير فيه تحمل تكاليفه تكون نتائجه كارثية وأسوأ مما لو ترك الأمور تسير بدون اي برنامج على الإطلاق.
ما من شك من أن الانفتاح الاقتصادي قد اصبح حقيقة وضرورة وبالتالي فان إغلاق الاقتصاد اليمني باي شكل من الأشكال غير ممكن، ولكن أي محاولات من هذا القبيل سيكون لها آثار مدمرة على الأقل في الأجل القصير، ولذلك يجب التحذير من ذلك بكل السبل الممكنة، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فانه فقط يمكن تنظيم الانفتاح الاقتصادي لجعله اكثر تأثيرا على المتغيرات المحلية أي العمالة والزراعة والصناعات التحويلية.
اننا في اليمن في حاجة ماسة للتعامل مع الأثر الهولندي الذي ترتب على طفرة النفط فقد ترتب على ذلك زيادة النفقات العامة غير المفيدة بدوافع سياسية ومن الملفت للنظر ان هذا الدور هو ما سيقوم به الحوثي من دون ان يدرك ذلك سيكون ذلك اهم عامل لإسقاطه لكن ينبغي التنبه لعدم تكرار ذلك في المستقبل.
ومن المفارقات الكبيرة في أدبيات وتصورات التنمية أن يكون التخلف مصدر من مصادر التنمية، بمعنى أن انخفاض مستوى التعليم في اليمن يمكن أن يستغل، إذ أن ارتفاع مستويات التعليم تجعل من الصعب على هؤلاء ممارسة بعض المهن، مما يخلق فائض طلب عليها، وبالتالي ارتفاع الأجور الحقيقية مقارنة بالتعليم المطلوب لها، إن ذلك قد يمثل فرصة للقوى العاملة اليمنية، أن تجد فرص عمل اقل منافسة وأعلى أجرا، إذا أحسن استغلال ذلك، غالبية هذا النوع من العمالة هم من الريف ولا يوجد لهم فرص لا في الريف ولا في الحضر على ان يهبّوا للعودة الى الحضر وليس الى الريف، إن ذلك يتطلب أن يوعوا بذلك ويمكنوا من توجيه مدخراتهم الحالية واستثماراتهم المستقبلية بما يحقق ذلك.
وفي هذا الإطار فإنه يجب تغيير طريقة التعامل مع مشكلة الكهرباء، من التركيز على محطات التوليد كبيرة الحجم، وخصوصا تلك التي تستخدم الغاز الى المحطات الصغيرة والمتوسطة والمصادر المتجددة الأخرى. إن ذلك يتطلب أيضا إعادة النظر بطرق ووسائل التمويل، وفي طرق نقل الغاز لتتلاءم مع ذلك.
وخلال هذه الفترة ينبغي الاستعداد لإطلاق النمو الاقتصادي بعد النجاح في تحقيق كل من الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
ومع ذلك فإنه لا بد وأن يتضمن برنامج الإصلاح ابداعات ومعالجات جديدة وخصوصا في تلك المجالات التي تعبر عن خصوصيات المجتمع اليمني.
على سبيل المثال فان اليمن لا يمكن الاستفادة من اقتصاديات الحجم لعدد من العوامل، ولعل من أهمها انعدام الثقة وصعوبة الشفافية وغياب الأجهزة الرقابية وفساد القضاء وسيطرة ثقافة القبلية والمناطقية والشللية وغيرها من العوامل الأخرى.
إن ذلك يحتم القبول بالمؤسسات الصغيرة كأساس للتصنيع، لكن في نفس الوقت فانه يجب العمل على تحديثها، من حيث تحديد الحد الأدنى من راس المال والدفاتر التي يجب أن تمسكها المؤسسة والنظام الأساسي المناسب الذي يجب أن يحدد طريقة الإنشاء والتصفية وطريقة فض المنازعات.
ومفتاح ذلك كله التركيز على إحداث ثورة كبيرة في مجال التعليم. وفي هذا الخصوص يجب التركيز على القراءة والكتابة والحساب ثم على المهارات العملية، بدلا عن الجامعات والدراسات العليا كالدراسات الاسلامية والتاريخية والادبيات المذهبية، وتهيئة العقل الفردي و الجمعي للانطلاق.
ولا بد من الاستفادة من التجارب البشرية، وخصوصا في مجال العلوم والتكنولوجيا، فإن ذلك سيوفر علينا جهد اعادة اختراع العجلة. يجب الحد من الثقافة الدينية التي شوهت مناهج التعليم وسيطرة الجماعات الدينية الجاهلة على المساجد وتصديها لأبسط الثقافة العلمية والعقلية والتي تمثل أهم العقبات في هذه الثورة العلمية الضرورية.
لأن أساليب ومحتويات التعليم الحالية، والثقافة المذهبية والتاريخية قد خلقت مشكلة خطيرة يعاني منها الاقتصاد اليمني تتمثل في إعاقة التطور التكنولوجي السريع الذي لم تستطع القوى العاملة اليمنية استيعابه، ونتج عن ذلك استيراد العمالة الأجنبية بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال استيراد السلع الصينية حتى البسيطة منها، مع وجود بطالة في اليمن، ولعل ذلك ما يفسر عدم قدرة العمالة اليمنية على منافسة الآخرين في أي شيء مفيد.
ليس المطلوب فقط تحسين التعليم بجميع أنواعه وإنما بالإضافة إلى ذلك يجب تمكين الموهبين من استغلال مواهبهم والبحث عن طرق جديدة وتسريع عملية إحلال المواهب الشابة مكان القديمة، إن ذلك يتطلب البدء في بناء دولة تشجع ذلك.
يجب إعادة النظر بمهام ومواصفات الجامعات ومراكز البحث العلمي، بهدف الموازنة بين اتاحة الفرص لمن يرغب في ذلك وبين نوعية التعليم التي يجب أن تقدم لهم. وهنا لا بد من التوقف عن فتح جامعات جديدة أو الترخيص لها، وإعادة دمج الجامعات الحالية، وإعادة توصيفها، والتوقف عن بناء مدارس جديدة حتى يتم تشغيل وتأهيل والاستفادة من الموجودة حاليا، وفي هذه الحالة يمكن البدء بعملية الاستثمار بكل انواعه.
 إن ظاهرة تعميق راس المال، تعني زيادة إنتاجية الاَلات على إنتاجية الأفراد، الأمر الذي يقلل الطلب على العمالة من جهة وزيادة الطلب على العمالة الماهرة من جهة أخرى، وبما أن اليمن تعاني من ندرة العمالة الماهرة، فقد فشلت كل محفزات الاستثمار الداخلي والخارجي.
وقد يكون من الوسائل التي يمكن تشجع النمو والتوظيف، ضمان نسبة معقولة لمن يخاطر في الاستثمار في قطاعات واعدة مثل الكهرباء والسياحة وغيرها من المجالات.
الربح المناسب الذي يجب أن يكون متاحا لمن يرغب في الاستثمار في هذه القطاعات، يجب أن يحدد وفقا الربح المنافس لليمن، مع الأخذ بعين الاعتبار المخاطر الخاصة باليمن ولعل هذا هو أفضل الضمانات.
لكن في المقابل فإن الربح الذي يحصل عليه المستثمر الحقيقي متدني، نتيجة للمنافسة غير الشريفة من المستثمرين المتنفذين الذين يحصلون على أسعار مرتفعة مقابل تنفيذ مشاريع لا تتفق مع المواصفات المتفق عليها.
إن تحقيق ذلك سيحد وبشكل تلقائي من زيادة الاستهلاك الحاصل في الوقت الحالي ، لأسباب سياسية الذي ادى الى انخفاض الادخار وبالتالي ارتفاع تكلفة تمويل الاستثمار. الامر الذي ترتب عليه ثبات او تراجع التراكم الراسمالي ومن ثم زيادة البطالة وانخفاض الاجور الحقيقية مما حتم  انخفاض الاستهلاك في اخر المطاف الامر الذي ادى الى الوقوع في فخ الركود وعدم الاستقرار الاقتصادي.
وبالمثل فان المبالغة في الادخار أو التمويل الخارجي سيؤدي الى انخفاض كفاءة راس المال، مما يؤثر سلبا على الأرباح ومن ثم الاستثمار والادخار وبالتالي والنمو.
ومن أجل خلق بيئة جاذبة للاستثمار، فانه لا بد من اصلاح القضاء، وقبل التركيز على القضاء لا بد من التركيز على العقود بحيث تكون منصفة، وشاملة، وواضحة، وقابلة للتنفيذ، ذلك الافتراض الأساسي أن العقود تقوم مقام المحاكم، لأن الأصل فيها أن تنفذ طوعا، فقط في حالات خاصة يمكن الرجوع إلى المحاكم فإن لم تكن العقود كذلك، فإن ذلك يعني ابتداء ضرورة العودة إلى المحاكم، وبالتالي حتمية فشلها لعدم وضوح الحقوق وكثرة المنازعات.
عقود التمويل هي الأهم والأصعب، فهي لذلك تقريبا غير موجودة ويرجع ذلك للفهم الخاطئ للدين، فالنصوص ليست من القرآن، ولا من السنة الصحيحة، وإنما من اجتهادات غير ناضجة، تأثرت بوقائع اقتصادية متخلفة، النص القرآني الصريح والواضح، أن ما يحكم العقود الاقتصادية، هو التراضي والشفافية، كما تدل على ذلك آية الدين والآيات الاخرى.
إن ذلك يحتم اعادة النظر بالقوانين التي تنظم عملها في الوقت الحاضر، والجهات الحكومية التي تشرف عليها، ولعل الأهم من ذلك تغيير فلسفة التعامل معها، من فلسفة الابتزاز والتطفيش الى فلسفة الرعاية والتمكين.
ويأتي ثانيا في الأهمية، عقود الأرض سواء المخصصة للسكن أو الزراعة أو الصناعة، وما يترتب على ذلك من استغلال الموارد في باطنها، إن ذلك يتطلب توافق مجتمعي قبل أن يحول ذلك التوافق الى نصوص قانونية، فالأعراف القبلية هي العائق الأكبر.
ولا بد من البدء بإصلاح النظام المصرفي اليمني، ومن الممكن أن يتحقق ذلك من خلال تطوير النظام المصرفي وإنشاء سوق مالية بعد أن يتم تحقيق إصلاح معقول في الضرائب وحوكمة الشركات والمؤسسات العامة والخاصة.
لا بد من التأسيس المالي السليم، هناك فرق بين رفع الدعم لسد العجز، وتصحيح الاختلال سيترتب عليه التغاضي عن إصلاح المالية، واستمرار الفساد، وزيادة الفقر، أما في الثانية، وخصوصا إذا تم تحسين مرتبات الموظفين والرعاية الاجتماعية ومحاربة الفقر وإصلاح الخدمة مما سيحسن فرص النمو وخلق فرص عمل، ذلك ما اقصده وكذلك في ارتفاع أسعار النفط في المدى المنظور.
الحل بالنسبة لليمن يكمن في إصلاح المالية والجهاز المصرفي والخدمة المدنية، بحيث يكون الوضع المالي مستقرا لمدة لا تقل عن خمس سنوات، ولا شك أن ذلك يعني تحقيق التوازن بين النفقات الجارية والاستثمارية، وحسن إدارة الدين وسعر الصرف وسعر الفائدة.
والأهم من ذلك هو إعادة التوازن الاجور الحقيقية والربح وذلك من إصلاح شبكة الضمان الاجتماعي واسعار السلع والخدمات أي الدعامات بكل أنواعها. وبالإضافة الى ذلك سيساعد تنمية الحضر وتقليص الريف مما سيساعد في الاستفادة من اقتصاديات الحجم.
إن تنمية الاقتصاد يجب أن تهدف إلى أن يستفيد منه كل اليمنيين. فلا قيمة لنمو اقتصادي لصالح القلة ومضر بالغالبية. وفيما يخص ظاهرة الفقر فالبعض اعتبرها ظاهرة ضرورية من اجل النمو لأنها لا تلبث أن تختفي بعد تحول النمو الاقتصادي الى نمو شامل ومستدام، لكن تجارب معظم دول العالم تتعارض مع هذا الرأي.
البعض الآخر اعتبرها مرتبطة بحقوق الإنسان، وبالتالي فهي ظاهرة اجتماعية وسياسية أكثر منها ظاهرة اقتصادية، وهذا الرأي من وجهة نظري هو أقرب للشعارات، منها للواقع، فالحقوق لا قيمة لها ما لم توجد إمكانيات وآليات للقيام بها، وهذه الحقوق تحتاج الى موارد اقتصادية كبيرة، إذن هي ظاهرة اقتصادية بامتياز.
إني أعتقد أن ظاهرة الفقر ظاهرة اقتصادية، لكنها مرتبطة بالتوزيع أكثر من ارتباطها بالإنتاج والاستهلاك، ولذلك فان أنجع الطرق للتعامل معها، هي التي تتم من خلال سياسات التوزيع، أي إعطاء الفقراء مبالغ مالية تمكنهم من تلبية احتياجاتهم من خلال السوق، مما لا يولد أي تشوهات فيه، مثل تلك التي تحدث من خلا التلاعب بالأسعار.
في هذه الحالة سياسات مكافحة الفقر تكون داعمة للنمو، ويكون النمو داعما لها، فمن يقدر على أن يتخلص من فقره من خلال العمل، أي الاستفادة من النمو، وتكون تكاليف مساعدة الفقراء غير القادرين عن العمل معقولة، وبالتالي لا تثقل المنتجين ولا تضر المستهلكين.
إن ذلك يتطلب ما يمكن أن نطلق عليه هندسة اقتصادية، توازن بين المتطلبات الحالية، والتغيرات المتوقعة، بحيث لا يكون التعامل مع المتطلبات الحالية على حساب المتطلبات المستقبلية.
إن ذلك سيؤسس لتوجه جديد في السياسة الاقتصادية بحيث تكون في نفس الوقت قابلة للتنفيذ وللتطور.
وعلى وجه التحديد التالي
١ سياسات مالية ذات طابع محلي
 ٢سياسات مالية ذات انفتاح
 ٣ سياسات نقدية متعلقة بسعر الفائدة
 ٤ سياسة نقدية متعلقة بسعر الصرف
 ٥ سياسات تتعلق بمناخ الاستثمار.
وبالإضافة الى ذلك فلابد من الاهتمام بالتالي:
 ١ البنية التحتية، الكهرباء، الانترنت، التعليم عن بعد
٢ تصدير الخدمات
 ٣ التصنيع للاستهلاك المحلي والتصدير
وفيما يخص السياسة المالية المحلية، فإن أهم تغيير جذري فيها هو إلغاء كل حوافز الاستثمار الجمركية والضريبية، واستبدالها بدعم نقدي لمشاريع مختارة، وفقا لمعايير محددة وواضحة وشفافة.
ومن أهم المعايير، إنتاج سلع يستوعبها السوق المحلي، وقادرة على منافسة السلع الصينية في الداخل والخارج، وتضييق الاعتماد على الخارج.
الذي يحدد مقدار الدعم النقدي هو مقدار ما يتحمله المستثمر من تكاليف ناتجة عن كونه أول مستثمر في المجال، ويستفيد منها من سيقلده وهو ما يعرف بالوفورات الإيجابية.
أما ما يتعلق بالسياسة المحلية، فمن الواضح أنه لا وجود لأي دور لسعر الفائدة، والتي تعتبر أهم أدوات السياسة النقدية في العصر الحديث، فالبنك المركزي هو النظام المصرفي الوحيد في البلاد، فإنه لا يمكن أن يراقب نفسه، فإما أن يتم إنشاء هيئة نقدية مستقلة، ويتحول الى بنك عادي، وإما تطوير البنوك الحالية من خلال تخلي البنك المركزي عن منافستها وتفرغه لإدارة السياسة النقدية.
لا يمكن الحديث عن نظام بازل في ظل عدم وجود نظام مصرفي متكامل وفعال، البنوك الحالية هي في حقيقة الامر امتداد لاحتكارات البيوت التجارية الكبيرة، فهي المستفيد الوحيد والخاسرون هم صغار المدخرون والمستثمرون.
ومن المؤشرات القوية على عدم وجود نظام مصرفي متكامل وفعال، العلاقة بين الودائع والقروض، والتي هي أقل من الواحد الصحيح، والتي من المفترض أن تكون أربعة أو أكثر، وفي هذه الحالة فلا تأثير لأي تغير في الاحتياطي القانوني ولا لسعر الخصم.
بالإضافة الى ذلك فان زيادة راس المال إلى ما يزيد عن عشرة بالمائة، وزيادة احتياط مواجهة الديون المشكوك فيها، كل تلك السياسات قد شجعت الاكتناز، وحدت من قدرة البنوك على القيام بالوساطة المالية، وقد استغلت البنوك التجارية ذلك لمنع المنافسين الجدد، من خلال إظهار أن أرباح البنوك متدنية، وقد استغلت ما يطلق عليها بنوك إسلامية ذلك لخداع المغفلين.
وفيما يخص سياسة سعر الصرف الذي يحافظ على التنافسية والاستقرار، فيمكن القول أنه لا وجود لأي سياسة نقدية من هذا القبيل، فالذي يتحكم بسعر الصرف في الوقت الحاضر هو عجز الموازنة، أي غير السلطات النقدية، وحتى يكون هناك سياسة نقدية كفؤة وفعالة، فإنه لا بد من تطوير سوق مالية وبأسرع وقت ممكن.
وهنا ينبغي الإشارة إلى ضرورة إعادة هيكلة مؤسسات الدولة لصالح مؤسسات تعمل وفقا لأسس اقتصادية، بدلا من كونها في الوقت الحاضر تعمل وفقا لأسس ومعايير سياسية.
وفي هذه الحالة فإنه من الصعب السيطرة على الأسعار المحلية والواردات مما سيتسبب في كوارث اقتصادية واجتماعية لا يعلمها الا الله.
وفي ظل الفوضى السياسية فإنه من المؤكد أن لا أحد سيتصدى لهذه الكوارث في مراحلها الأولى، وربما عندما تدرك النخب السياسية ذلك يكون الأمر قد أصبح خارجا عن السيطرة، وذلك يعني أن الضعفاء وهم الأغلبية، سيتحملون معاناة فوق طاقتهم، على الرغم من عدم مسئوليتهم عن ذلك، ومهما كان الأمر فإنه لا بد من تدخل خارجي من أي جهة كانت.
في الختام لا يسعني إلا أن أقول، سبحانك ربي لا علم لي إلا ما علمتني إنك أنت العليم الحكيم، رب زدني علما.