توحيد الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، بات حاجة ماسة تمليها الضرورة نتيجة ما تعانيه أغلب بلدان العالم من تهديدات إرهابية تقض مضاجعها، لاسيما مع ازدياد مخاطر الإرهاب واتساع رقعته على خلفية ممارسته من قبل دول معروفة لدى الجميع بشكل مباشر أو غير مباشر عبر وكلاء لها يؤسسون لتنظيمات إجرامية يتم تجميع أفرادها المرتزقة من شتى أصقاع العالم ومن ثم تدريبهم بمختلف أنواع الارتكابات الإجرامية وبعد أن يتم صقلهم على الإرهاب ينشرونهم في الدول المناهضة لسياسات تلك الدول العدوانية ويمدونهم بالمال والسلاح وبالمرتزقة، ويقدمون لهم مختلف أنواع الدعم الإجرامي، والأنكى من ذلك يجيشون لهم ويدافعون عنهم وعن ممارساتهم الإرهابية ويسوقون لها بمزاعم غير مبررة لا قانونياً ولا أخلاقياً.

ولعل أكثر ما يثير الدهشة والخوف في الوقت نفسه، قيام الدول الداعمة للإرهاب وللتنظيمات الإرهابية المصطنعة على أيدي مسؤوليها، ضم مرتزقة تربطهم ببعضهم أيديولوجية واحدة ويغرسون في أذهانهم أفكاراً بعد أن يتم استمالتهم بشكل واضح، بحيث يتبنون أهداف تلك الدول العدوانية عبر تسويق الأفكار المدروسة بدقة وعناية لخدمة المخططات العدوانية المرسومة مسبقاً بما يخدم أطماع الدول الراعية للإرهاب على حساب الدول وشعوبها ومقدراتها، ناهيك عن القتل والفتك وسفك المزيد من الدماء وتدمير بنى الحياة فيها، وسرقة اقتصادها ونهب ثرواتها وتدمير تراثها الثقافي والحضاري ليسود الإرهاب وداعموه الإجراميون.

وعندما لا تتوفر أيديولوجيا موحدة للتنظيمات الإرهابية، يتم وضع إيديولوجيات تتناسب وذهنية المرتزقة،بحيث يكون اندفاعهم ذاتياً من خلال ما تم غرسه في أذهانهم من أفكار شيطانية، يظنون أنها تحقق لهم ما يبتغون، وان تحقق لهم بعض ما يحقق لهم بعض الغرور أو المكاسب وما إلى ذلك ليستمروا، في تنفيذ ما خطط لهم ليكونوا وقوداً للدول التي تحركهم وتدعمهم ليس من أجلهم وإنما من أجل أهدافها العدوانية والتي لا يعنيها ملايين الضحايا ولا حجم الدمار الذي يخلفه إرهابيوها ولا أنواع الإجرام الممارس بقدر ما يهمها بلوغ أهدافها وأطماعها، حتى لو على حساب أي شيء!.

إذاً، الإرهاب بات عالمياً ومنظماً وتقوده دول وتستثمره بكل الاتجاهات، ولا تعنيها لا قوانين أو مواثيق دولية ولا حتى قواعد أخلاقية وإنسانية، وهذه الدول الداعمة للإرهاب "تسوغ" لنفسها ما يحلو لها بعيداً عن القواعد والقوانين المواثيق الدولية الناظمة للعلاقات الدولية، من غير أن تأخذ أي اعتبار لها، فنراها تمارس عربدتها وبلطجتها على الدول بلا أي وازع!.

ومع استمرار عدوانية الدول الداعمة للإرهاب، وتغذية تنظيماتها الإرهابية لاتساع دائرة فتكها وإجرامها، كان لابد من الصمود في وجهها، ومواجهتها بكل قوة عبر تضافر الجهود لمواجهة إجرامها المباشر الذي تفرضه على الدول الرافضة لسياساتها العدوانية وإجراءاتها الإرهابية العسكرية منها والاقتصادية والثقافية وغيرها من أنواع الإجرام الممارس على الدول المناهضة له، كذلك مواجهة التنظيمات الإرهابية ومكافحتها والقضاء عليها كي لا تتمدد إجراماً وإرهاباً وتدميراً للعالم، وأيضاً لأجل إسقاط مشروعات داعميها العدوانية.

وما قامت به سورية وشعبها الصامد وجيشها الباسل في مواجهة الإرهاب عن العالم أجمع كان عنواناً للصمود والدفاع عن الحقوق في مواجهة أقذر أنواع الإرهاب بمختلف أشكاله وألوانه، وحققت بالتعاون مع حلفائها في محور مكافحة الإرهاب العالمي انتصارات أبهرت العالم أجمع في الصمود والمواجهة والانتصار على الإرهاب العالمي، برغم الدعم الكبير المقدم للتنظيمات الإرهابية المصنعة في الغرب تسليحاً وتمويلاً ومدها بشكل متوالٍ بعشرات آلاف المرتزقة الإجراميين، ناهيك عن تغطية الغرب للتنظيمات الإرهابية سياسياً وإعلامياً، وتقديمه كل أنواع الدعم العسكري والاستخباراتي واللوجستي للإرهابيين، بالتزامن مع تضليله للرأي العام لحقيقة ما يجري على الأرض السورية، ورغم كل ذلك استطاعت سورية بصمود شعبها وحكمة قيادتها وبسالة جيشها البطل ووقوف حلفائها إلى جانبها أن تحقق انتصارات كبيرة أذهلت العدو قبل الصديق، وهاهي ماضية برباطة جأش وبإرادة صلبة وبعزم لا يلين لتطهير كامل جغرافيتها من الإرهاب بعدما أسقطت مشروعات داعميه العدوانية.

وفي ضوء الانتصارات الكبيرة التي تحققها سورية بدعم من حلفائها، في القضاء على التنظيمات الإرهابية وبسط سلطة الدولة، يواصل محور مكافحة الإرهاب في الميدان والسياسة مكافحته للإرهاب مؤكداً ضرورة استمرار الجهود للقضاء على الإرهاب في سورية ومكافحته على الصعيدين الإقليمي والدولي، إضافة إلى طرد الوجود العسكري غير المشروع للدول الداعمة للإرهاب على الأرض السورية، وبسط سلطة الدولة على كامل جغرافيتها.

وبالتزامن، توالت الدعوات 3 أيلول الجاري بمناسبة يوم التضامن في مكافحة الإرهاب لتضافر الجهود الدولية بشكل فعال ومنسق لمكافحة الإرهاب المهدد للعالم أجمع، حيث دعت الدول الرافضة للإرهاب إلى التعاون الوثيق والمستمر للقضاء على الإرهاب وملاحقة داعميه ومحاسبتهم، وفي هذا السياق أكدت روسيا على لسان رئيسة مجلس الاتحاد الروسي فالنتينا ماتفيينكو ضرورة التصدي للإرهاب حول العالم التي تستوجب جهداً دولياً فعالاً ومنسقاً، وأن يدرك المجتمع الدولي أنه بالتعاون الوثيق والمستمر بشكل فعَّال يمكن فقط محاربة التنظيمات الإرهابية التي تتبع إيديولوجية همجية مناهضة للإنسانية.

وعلى اعتبار أن روسيا طرف في جبهة الحرب ضد الإرهاب الدولي والتطرف فقد تعرضت للعديد من العمليات الإرهابية على مدار العقود الماضية أودت بحياة الآلاف من مواطنيها، وفقاً لماتفيينكو التي رأت أن الألم والحزن المشترك يقرب الروس ويعزز من عزمهم على مواجهة أي مظهر من مظاهر الإرهاب ليس فقط داخل الدولة، بل وخارجها أيضاً، وأنه بفضل الجهود الموحدة لسلطات الدولة الروسية والمنظمات الدينية والاجتماعية ويقظة الشعب في روسيا تم إلى حد كبير تخفيض مستوى الأعمال الإرهابية في روسيا.

وفي المؤتمر الدولي رفيع المستوى لمكافحة الإرهاب والمنعقد في عاصمة بيلا روسيا مينسك، دعا الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو المجتمع الدولي إلى توحيد صفوفه في الحرب الشاملة ضد الإرهاب وبدء حوار دولي واسع حول هذه القضية، فالوقت حان أمام جميع بلدان العالم لتوحيد قواها في معركة منهجية شاملة ضد الإرهابيين ورعاتهم ولبدء حوار دولي واسع النطاق في هذا الشأن، حسب الرئيس لوكاشينكو الذي أوضح أن التقنيات المستخدمة في إعداد الهجمات الإرهابية تتطور بسرعة بسبب التطور المعلوماتي والتقدم التكنولوجي في العالم وهذا بحد ذاته تحدٍ غير مسبوق للمجتمع المعاصر ولا تستطيع حتى أقوى الدول مواجهته بمفردها بغض النظر عن قوتها ومدى تطور التقنيات لديها.

وفي هذا الإطار أعلنت روسيا عزمها تشكيل جبهة عالمية واسعة لمكافحة الإرهاب، إذ بينت المتحدثة الرسمية باسم خارجيتها ماريا زاخاروفا عزم موسكو النظر في مقاربات لمواصلة توحيد الجهود الدولية من أجل مواجهة التهديد الإرهابي الدولي وتشكيل جبهة عالمية واسعة لمكافحة الإرهاب تستند إلى مبادئ القانون الدولي المعترف بها عالمياً والمنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.

وسيجري عمل مجلس الأمن الدولي برئاسة روسيا الاتحادية في الشهر الحالي، حسب زاخاروفا، بطريقة مكثفة نظراً لبدء عمل الدورة الـ 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة على وجه الخصوص وعقد مناقشات سياسية عامة داخلها، وسيكون عقد اجتماع وزاري مفتوح لمجلس الأمن في الـ 25 من أيلول الجاري حدثاً رئيساً للرئاسة الروسية للمجلس بشأن تعاون الأمم المتحدة مع المنظمات الإقليمية وغير الإقليمية في صون السلام والأمن تحت عنوان “مساهمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي ورابطة الدول المستقلة ومنظمة شنغهاي للتعاون في مكافحة التهديدات الإرهابية”.

إذاً، التركيز سيكون على الجهود العملية لهذه الاجتماعات في مكافحة الإرهاب والظواهر ذات الصلة في الفضاء الأورآسيوي بما في ذلك مسائل تجارة المخدرات والأسلحة والبشر والممتلكات الثقافية وسينصب التركيز بشكل خاص على الوضع في أفغانستان في سياق التهديدات الناشئة عن أراضي هذا البلد، كما تقول زاخاروفا مبينةً أن محاولات الإرهاب الدولي بهيئة تنظيمي “داعش” والقاعدة والجماعات المرتبطة معهما لإنشاء شبكة من “الخلايا النائمة” في مساحة واسعة من البلدان الأوروآسيوية ولاسيما في آسيا الوسطى تتطلب من دول ومنظمات المنطقة تكثيف التعاون وتحسين آليات التفاعل بين هيئات إنفاذ القانون والهيئات القضائية وكذلك القوات المسلحة، لأن الجهود المتسقة للتجمعات الإقليمية مطلوبة أكثر من أي وقت مضى على خلفية عودة وانتقال المسلحين الإرهابيين الأجانب من سورية ونشر أيديولوجيتهم والسعي لإقامة معاقل جديدة لهم.

بطبيعة الحال، باتت محاربة الإرهاب العالمي ضرورة لابد منها في ظل الانتشار الواسع للتنظيمات الإرهابية وتهديدها الكبير في إطار أجندات الدول الداعمة لها، لأغلب الدول التي تعارض سياسات الدول العدوانية الداعمة للإرهاب والمستثمرة له لتحقيق أهدافها الإجرامية، من غير أن يردعها قانون أو ميثاق أو أي قاعدة أخلاقية أو إنسانية، لذلك لابد من تضافر جهود الدول التي تحترم القوانين والمواثيق الناظمة للعلاقات الدولية وتقيم وزناً كبيراً للقواعد الأخلاقية والإنسانية والعمل الدؤوب المستمر والمنسق لمكافحة الإرهاب العالمي وإسقاط مشروعات داعميه وملاحقتهم قانونياً، ووضع حد لإرهابهم المدمّر.