يعتقد الفيلسوف الأيرلندي جورج باركلي (1685-1853) أن كثيراً من الصعاب التي شغلت الفلاسفة ووقفت في طريق المعرفة ترجع إلينا، فنحن نبدأ بأن نثير الغبار ثم نشكوا من عدم قدرتنا على الرؤية.
ذلك ما حصل بالضبط مع جماعة أنصار الله (الاسم الذي اتخذته الجماعة في تعريف نفسها) أو الحوثية (الاسم الذي أطلق عليهم اثناء الحرب اشتهرت به الجماعة)؛ اذ عمد النظام من خلال آلته الاعلامية ومؤسسات التعبئة التابعة لإطلاق موجات من الغبار المتكثف التي سدت الافق واعاقت من معاينة الواقع الموضوعي لجماعة أنصار الله وسممت الفضاءات البحثية والتحليلية وتسببت في مقذوفات تحليلية متصحرة يغلب عليها الرداءة والبؤس وارادة التشغيب.  
وغير ذلك جماعة أنصار الله فاجأت الأوساط السياسية والدينية والرأي العام الذي لم يكن يملك أي فكرة عنها ولأنها لم تنشأ كتنظيم بأهداف وأجندات ولوائح محددة وبرامج سياسية كما هو شأن الأحزاب وكثير من حركات الاسلام السياسي، وما رافقه من الحظر الإعلامي والتكتيم الذي مارسته الحكومة اليمنية على صعدة من اليوم الأول للحرب، والافتقار إلى المعلومة العلمية التي يحتاجها الباحث فعزت عليه ولم يكن في متناوله إلا المعلومة البوليسية والموجهة أيديولوجيا.
وصارت محنة البحث في الحوثي وجماعة أنصار الله أصعب من محنة التاريخ في بحث قضية الإسماعيلية والباطنية التي وصفها الأديب والفيلسوف المصري عباس العقاد بأنها أصعب من كل محنة لأن المؤرخ يعمل لمعرفة الحقيقة من ناحية، ومن ناحية ثانية يعمل على استخلاصها من بين الكم الهائل من الأباطيل التي تحجبها عن عمد، ولذلك كما قال عملاق الأدب العربي: " كثر فيها التخبط وقل فيها الوضوح، فلا تمضي مع خبر منها إلا خطوة أو خطوتين حتى تصطدم بالعقل أو بالواقع صدمة توجب الشك إن لم تجزم باليقين من بطلان الخبر أو تلفيقه"(3)
منذ خروجها للمجال التداولي الإعلامي والسياسي وجماعة أنصار الله تبدوا أشبه بطلسم يتعسر على أصحاب الحول والحيلة فكه وبغير قليل من الحيرة يقف عليها سياسيون باحثون اجتماعيون وإعلاميون في مسعى لمقاربتها وكثرا ما كانوا ينقلبون حاسري الطرف، ومسار الاحداث كانت تتم بطريقة لا يكاد يحكمها منطق على حد وصف أحدهم.
 الخطاب السياسي للنظام كان مربكا ومربكا مشوشا ومشوشا مضطربا ومتناقضا لا يكاد يستقر إلى رأي والاعتبارات   التي كان يسوقها لتبرير الحرب لم تكن مقنعة وغير مترابطة وتبين عن أسباب وأهداف مضمرة غير تلك المعلنة.
وفي هذه المرحلة الحرجة في مسار تأريخ جماعة أنصار الله وفي مناخ مضطرب تخلقت الفكرة الأولية وكان التصور الأولي أو الأفكار الأولية تتدحرج مع الأيام ككرة الثلج والمعلومات المتكونة في تلك المرحلة مثلت دور الخبرات السابقة التي تسهم في تظليل نتائج البحث العلمي وتؤثر سلبا ًعلى مخرجات القراءات التالية، وفي هذا السياق ظهرت الكثير من الفرضيات والتأويلات والقراءات ذهبت كل مذهب، وأظهر نفر من الكتاب في بحث جماعة أنصارالله / الحوثية الولع بكل ما هو عجيب وغريب وخارج عن مألوف البشر وطباع العمران؛ فحشو كتاباتهم بالحديث عن الليالي الروحية والتنويم المغناطيسي  وغسيل الدماغ والليالي الحمراء وليلة 27 من شعبان الصاخبة، و ليلة الإفاضة التي يختلط فيها الجنسان وعن غرف العرض السينمائي التي يعرض فيها الحوثي على مريديه صوراً تقريبية لجنة الفردوس والحور العين والوالدان المخلدون، وعن التمائم و"الحروز" والمهدوية وطيران الحوثي، وكان طول أمد المواجهة في الحرب قد شكل حرجاً للحكومة اليمنية، ومن أجل ذلك أسرف البعض في تصوير تعقيدات تضاريس المنطقة الطبوغرافيا والمرتفعات و الشواهق والأحراش و الالتواءات  والأحقاف كما وأصبحت منطقة مران  حيث كان يقيم حسين بدر الدين الحوثي أشبه بقلعة "آلموت" أو الموت للزعيم الباطني الحسن بن صباح  المليئة بالأسرار والألغاز، وغيرها من  القراءات الغرضية ذات النزوعات العدوانية التي تقاربها بعقلية بوليسية أمنية لاستصدار أحكام دائنة تتعسف قراءة الواقع لانتزاع اعترافات مطابقة لقناعات مسبقة، مؤامرة تتربص شراً بالثورة والجمهورية، وردة سياسية ضد عملية التحول الذي أحدثته ثورة السادس والعشرين من سبتمبر1962بهدف التشويه المنظم لجماعة أنصار الله، وإلصاق كل المساوئ الأخلاقية والنقائص الدينية والانحرافات الأيديولوجية بها.
 هذه   التحليلات ترتبط بفكرة المكافحة أكثر من ارتباطها بمطلب الفهم والتحليل العلمي والتفهم العقلاني، وتقوم على إنكار حقها في الوجود كقوة سياسية ورفض مشروعيتها الدينية والوجودية والتعامل معها كحالة مرضية غير مرغوبة التبرير للحلول القمعية والأمنية.
لم تخب رهانات العسكر في التعامل مع ظاهرة أنصار الله فقط وإنما تخيبت كثير من التصورات التي نسجت حولها وحاولت أن تقرأ مستقبلها وكانت دائماً تسلك في مسارات خارج تلك المسارات التي حددت لها، وتسقط معها الكثير من الرهانات والتصورات، ومقارنة الكم الهائل من المادة التحليلية التي تناولت أنصار الله في العشرية الماضية براهن الحركة يظهر أن اغلب تلك المادة ماهي الا ضروب من التنجيم.
   مضت عشرية ونصف العشرية   على بداية السيد حسين الحوثي تحركه الأخير مع بداية الألفية الثالثة وما أعقبها من صراع علني واقتتالات دامية ابتداءً من يونيو حزيران 2004م لكن من دون إحراز نجاحات نوعية ترفع الضبابية التي لازالت تشوش الرؤية حول جماعة أنصار الله.
وقد مثل مؤتمر الحوار الوطني من خلال مشاركة أنصار الله فيه وقبله ثورة فبراير 2011م – فرصة لتبدد من الصورة المنمطة التي كرستها السلطة خلال سنوات الحرب بتصويرهم جماعة عقائدية مغلقة او تجمعا دينيا وسياسياً طائفياً يقاتل من أجل استعادة أمجاد غابرة.  
لكن تسارع الأحداث الأخيرة من حول العاصمة صنعاء أعاد من خلط الأوراق ورفع من وتيرة القراءات الرهابية وحس المؤامرة وعزز من الأفكار القهرية المزمنة التي تتلبس سياسيين وكتاب لم يفلحوا في مغادرة فوبيا الماضي، ولا تريد قراءة الأحداث إلا في سياقات ماضوية وتردد ذات المعزوفات الخشبية والمقولات البائدة والخطاب المشاكس الذي عفا عليها الزمن وتنحكم لانطباعات سلبية ساذجة.
تعالج هذه الورقة جماعة أنصار الله كظاهرة ثقافية وظاهرة اجتماعية لمجانبة  التصنيفات النمطية الموجهة إيديولوجيا والقراءات "الاستاتيكية" والمناهج السكونية التي تقاربها  كائناً لاتاريخياً وفعلاً استئنافياً لظاهرة مذهبية مفترضة في الأزمنة الغابرة، وتلحيقها بها بصورة مصطنعة  وتغريسها قهراً في القرن الحادي والعشرين من دون أي مناسبة وإلصاقها بكل النقائص الدينية والانحرافات الايديولوجية، وأنها تشكل فعلاً استئنافياً لكيانات اجتماعيات وسياسية بالية وتكراراً رثاً وهزيلاً لتنظيمات لاتاريخية موروثة تخطط جماعة أنصارالله لاستحيائها؛ حيث تفترض أن مسار حركة المجتمع اليمني مسار جامد وثابت يعيد تكرار  أبنيته  بطريقة  ميكانيكية. أو أنه يمكن أن ينحكم لرغبة فردية ومؤامرة مخططة متفلتاً من كل القوانين والشروط التي تحكم حركة الاجتماع الإنساني فضلاً عن أنها لا تلقي بالاً لحقيقة أن سقوط أي نظام سياسي تعني انتهاء مبررات وشروط بقاءه واستمراره، أو القراءات الأرثوذكسية التي تقاربها تولداً نقياً للنص الديني معزولاً عن سياقه الاجتماعي والسياسي والفاعلين الاجتماعيين.  
ونظيرها الاقترابات التي تنظر لها انفرازاً محضاً لواقع الحرمان الاقتصادي والمظالم المرتبطة بالهوية الثقافية، وإقصاء الرأسمال الثقافي والاجتماعي الزيدي من المساهمة في رسم وتشكيل مستقبل اليمن الجمهوري عقبت ثورة سبتمبر 1992م، أو تعبيراً عن مصالح طائفية طبقة أو تمثلاً لوعي فئوي أو طائفي محض.
 كلا المقاربتين تعجزان عن تفسير نشأة ومسار تشكل جماعة أنصار الله والفرضية التي أصبحت أكثر انتشاراً، إن التعبيرات الدينية المعاصرة لا يمكن معالجتها إلا على أرضية الفكر الإسلامي نفسه في سياق تفاعله مع الواقع الذي يتحرك فيه.. وإن أصل المسالة كامن في بنية العقل العربي والاسلامي في تعالقاته مع البنى الاجتماعية والاقتصادية) ) والفرضيات السوسيولوجية التقليدية التي تنظر لكل أشكال التعبيرات الدينية كنشاز معرفي أو نشاز أيديولوجي فرضيات قاصرة عن تفسير الظاهرة الاسلامية نشأة وتمدداً.
الاقترابات أو التحليلات التي تتعامل معها كنشاز معرفي وشذوذ سياسي، وبالتالي اعتبارها ظاهرة من خارج المجتمع أو من خارج التاريخ لا تملك نصيباً من الحقيقة السياسية أو الأخلاقية تجعلها تستحق المعاملة كحالة طبيعية، والنتيجة الضرورية التي تقود إليها غير رفض الاعتراف بمشروعيتها الوجودية أنها تدفع بوعي وبدون وعي التطوير موقف سلبي عدائي والطبيعي في هذه الحالة هو الرد الأمني والقمع الفكري والسياسي والعسكري( )، والمفارقة أن برهان يعيب هذا الموقف على النخب العلمانية في اقتراباتها لجماعات الإسلام السياسي، إلا أنه مع أنصار الله انعكست الآية؛ حيث بعض القوى الإسلامية هي من تتزعم هذه النظرة الأمنية لأنصار الله أكثر مما هي لدى النخب الليبرالية واليسارية).
كما أن الحركات الإسلامية لا تأخذ منحىً واحداً وتتفارق فيما بينها في الخطاب والاستراتيجيات وآليات الاشتغال بحسب السياقات الاجتماعية التاريخية والمرجعيات الفكرية، يقول فرانسو بورجا: "بدأ الجيل الجديد من دراسي الحركة الإسلامية بأبعاده النسبية والمتعددة والمتفاعلة بالاعتراف بأن للظاهرة الاسلامية تضاريسها ومرونتها، وأن للحركة التي تمتد من طالبان حتى "أربكان" تنوعها الكبير ( ).
والرأي أن أقرب الاقترابات المقاربة الثقافية – الاجتماعية التي تدمج بين الدلالات الثقافية لوجود الظاهرة الإسلامية والاقترابات الاجتماعية من أجل فهم تطور هذه الحركات السياسي والعقدي( )، فالظاهرة الاسلامية  ترجع بالأساس الى ما يسميه الشوبكي "كامن ثقافي" يدفع بها الى حيز الوجود( )، وتسهم  السياقات الاجتماعية والسياسية في تمددها أو انحسارها والمسارات التي تسلكها، فالدوافع الفكرية الثابتة المنبثقة عن النظام العقدي الإسلامي الذي يشكل المدخلات الإطار المفاهيمي تعرض على الزمن تحت تأثير العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية  للمحيطين الداخلي، مخرجات متفاوتة على شكل تحركات إسلامية مختلفة( ).
وأنصار الله كأي ظاهرة إسلامية يثير الاقتراب منها تداخلات أكثر من حيز معرفي بعضها يتعلق بالحيز الديني وبعضها يتعلق بالإطار الثقافي والحضاري كما بالسياق السياسي والشروط الاجتماعية والاقتصادية.
والاشتغال عليها لا يكون إلا باعتماد مقاربة تركيبية تستثمر تقنيات ومناهج وتتوسل فرضيات من جزر معرفية متعددة لا تهمل السياقات السياسية والشروط الاجتماعية وتراعي ما للرموز والتصورات والقيم الدينية والأبعاد الثقافية في صوغ وتشكيل الاجتماع السياسي لأنصار الله وصولاً للقيادة الكاريزمية الملهمة التي مثلها السيد حسين الحوثي ومن بعده السيد عبد الملك في الهام وتحريك أفراد جماعة أنصار الله والوصول بها لما هي عليه الآن.
النشأة والتأسيس
أي حركة اجتماعية سياسية أو اقتصادية (مطلبية) أو دينية رسولية (نبوئية) تمر في سيرورة ولادتها ونشأتها بسلسلة من الأفعال المتصلة والمستمرة تبدأ بحالة شعورية وجدانية على شكل قلق وتوتر فردي وجمعي نتيجة لتأزم اجتماعي بنيوي قيمي وأخلاقي، وعدم رضا بالراهن القائم ورغبة لا تقاوم في تجاوزه تتحول إلى حراك تعبوي قليل التنظيم وتنتهي عادة بتكتل متحد وطاقة تنظيمية توجه التكتل المتحد نحو أهداف محددة مشتركة.
أنصار الله ليست نزعة علموية يمكن قراءتها من خلال الأدب النظري لها فقط وإنما ذات طبيعة حركية عملانية وبالتالي ليست نسقاً استاتيكيا مغلقًا أو مقذوفاً فضائياً نشأ معزولاً عن النسق العام المحلى والعالمي، وإنما مسار من التشكلات  تولدت جنيناً من المحاضرات التي كان يلقيها السيد حسين بدر الدين الحوثي على مريديه في قاعات مدرسة الإمام الهادي في منطقة مران التابعة لمحافظة صعدة، وفيها البنى المعرفية والفكرية الكامنة لهذه الظاهرة الاجتماعية والثقافية الآخذة في التمدد والاتساع جغرافياً وشعبياً وذاتياً ومآلاتها المستقبلية المحتملة.
 وفي مسار تشكلها مرت جماعة أنصار الله بسلسلة من الأفعال المتصلة والتحولات الدراماتيكية والتطورات المتسارعة والقفزات الفجائية والتحديات الأمنية والسياسية والاجتماعية التي أسهمت في بلورة هويتها وتشكيل لحمتها العضوية وتطوير خطابها وفى أحداث تحولات بنيوية على مستوى الفعل والبناء وإعادة ترتيب الأولويات المرحلية لها.  
يمكننا القول إن العام 2000م يؤرخ للبدايات الأولى لتولد جماعة أنصار الله (الخطاب والحركة)، بعد أن قطع السيد حسين دراسته العليا في السودان وقرر الاستقرار بمقر إقامته في منطقة مران وفي نيته التفرغ لمشروعه الديني والذي يمثل الخلاصة التي انتهى إليها بعد حياة غنية بالتجارب الفكرية والسياسية والمراجعة النقدية المكثفة لها.
من الوهلة الأولي بدا عليه أنه من طبيعة مغايرة للفعاليات والمناشط الزيدية التقليدية والإحيائية ومنتدى الشباب المؤمن وغير متصالح مع الأشكال السائدة من التدين التقليدي
لذا كان يتوقع أن يثير مشروعه الجديد بعض ردود أفعال مخاصمة من المرجعيات التقليدية الزيدية والاحيائيين الزيديين ومجموعة الشباب المؤمن، بعبارة أخرى السيد حسين الحوثي أسس لمشروع يتفارق مع "المنتدى" من حيث الأهداف والوسائل والرؤية.
لا يعني هذا حركة أنصار الله نشأت كانشقاق حركي عن الشباب المؤمن  فسياق تولدها الفكري والسياسي يختلف عن سياق تولد ونشأة حركة الشباب المؤمن، فهي وإن كانت تمثل امتداداً لتيار الشباب المؤمن تمثل تجاوز له في نفس الوقت ورثت منه جمهوره ومعظم رموزه الدينية السياسية  وشخصياته الحركية ومنهم تشكلت النواة الجنينية  لهذا التكتل الآخذ في التنامي المتعاظم ذاتياً وجماهيرياً متخطياً الجمهور التقليدي للإحيائية الزيدية  وجمهور طائفته، بعد أن أعاد السيد حسين بناءهم فكرياً وسياسياً وتوجيههم نحو أهداف وآفاق وأجندات متمايزة عن الصحوات الزيدية ومنتديات الشباب المؤمن.
وفي هذه المدخل التحليلي نتناول بقدر ما يتيحه المقام طبيعة النظام الذي أفرزته ثورة سبتمبر والتحول الاجتماعي الذي أحدثته الثورة، وأثره على القوى الاجتماعية سيما ذات العلاقة بقضيتنا  وتداعياته النفسية والسياسية على الزيدية والقوى الاجتماعية المرتبطة بها، ونحن وإن كنا كما سبق ننظر إلى جماعة أنصارالله على المستوى الفوقي ظاهرة إسلامية تنتمي للإحياء الإسلامي، وخطاب إصلاحي يتأسس على النص الديني إلا أنها كظاهرة اجتماعية لم تنشأ من فراغ، والإحاطة بها  في كثير من نواحيها  تتوقف على درس سيسيولوجيا الكيان الزيدي في ضوء علاقته بالتحولات البنيوية للمجتمع اليمني والسياقات المرافقة لنشأتها والمصاحبة لمسار تحولاتها المحلية والدولية والإقليمية في سياق التطور التاريخي الاجتماعي والسياسي بما فيه من صراعات وتحديات تعكس نفسها في خطاب جماعة أنصار الله وفى أدائها  وتفسيرها للنص الديني.
التحولات التي شهدتها أوروبا في العصر الحديث كانت بمثابة انقلاب كوني تعرض على أثره الوعي الأيديولوجي والسياسي العالمي لخضات عنيفة امتدت آثارها إلى العالمين العربي والإسلامي والدولة الحديثة التي ترتكز على العصبية الوطنية بدلاً عن العصبية الدينية والعشائرية أوقعت النظرية السياسية الإسلامية عموماً في مأزق حاد.
واليمن وإن لم تخضع لعمليات تحديث قسرية بالذات إقليمه الشمالي نظير ما حدث في دول عربية أخرى؛ إلا أنه تعرض لزخات حداثية متقطعة لم تفلح من تقويض البنية العشائرية التقليدية للمجتمع اليمني لكنها هزت التأسيس الديني للدولة المتوكلية ونظرية الإمامة السياسية الزيدية كانت تواجه نفس المأزق الذي تواجهه النظرية السياسية الاسلامية عموماً، وغياب أي ممارسات "تعصيرية" لنظرية الإمامة السياسية يمكنها من الاستجابة للتعقيدات والتحولات النظرية والواقعية.
لم يسقط قيام ثورة سبتمبر الإمامة السياسية بحسب؛ إنما وضع الزيدية كهوية ثقافية محلية والزيدية المكون الاجتماعي أمام امتحان الفناء الملي والاندثار الاجتماعي.
يعزو بعض الباحثين مصدر هذا الامتحان إلى اللحمة العضوية بين العقيدة والسياسية بين المذهب والدولة وقيام الاجتماع الزيدي على الإمامة السياسية المؤسس لمتحدها العضوي واستعصاء تحول الزيدية لمذهب زوايا على حد "عايش".   
انهيار الإمامة السياسية جعلها بغير سند يدعم عصب الجماعة وهيبتها ونجم عن خسارة الجماعة يقينها بدوامه وبقائها في ضوء التجارب العراقية والايرانية والمغربية وسيطرة مخاوف الفناء والاندثار الملي على وجدان الجماعة.
هذه الفرضية تستند الى طبيعة المذهب والتجربة الزيدية في العراق والمغرب وإيران وهي فرضيه ليس من السهل تقبلها كما يصعب رفضها، فالفرق الدينية مهما كان سموها أو تخلفها تتأثر في نشأتها وانتشارها في صعودها وانحسارها بعدد من العوامل، ويرتبط بدخولها في إطار التعبير عن تناقض المصالح الاقتصادية والاجتماعية للقوى والفاعلين الاجتماعيين.
وإذا كانت المسالة السياسية أصيلة في البناء الاجتماعي الزيدي إلا أن المتحد الزيدي يتأسس على نسق متكامل عقدي وفقهي وسياسي متكامل، هذا النسق ليس بالضرورة يتخذ مساراً واحداً وإنما يتمظهر بعبارة الدولة اليمنية الحديثة التي تم الإعلان عنها عقيب ثورة سبتمبر لم يفلح في تجاوز المجتمع  التقليدي وفي إحداث تحول ثقافي نوعي يفضي إلى تحول اجتماعي يتجاوز البنى التقليدية وإيديولوجية التناصر العصبي، وظلت التكوينات والولاءات الاجتماعية التقليدية تحتفظ بدور مؤثر في الحياة العامة للمجتمع اليمني وفي صناعة الأحلاف والتكتلات السياسية والدينية وفي الولاء والفعل السياسيين الفردي والجمعي، وفي مقاومة مشروع الدولة المدنية الحديثة ودولة المؤسسات والمواطنة المتساوية  وتغليب الثقافة القبلية على الثقافة المدنية وأسفر الصراع بين القوى السياسية على الساحة اليمنية عن التعايش بين التقليدي والحداثي، وتمفصل الدولة مع القبيلة بما أثر على الفعل السياسي للدولة، وأعاق الفعل الثوري عن التطور "بمكانزماته" الذاتية لبلوغ غاياته المنشودة وأهدافه المعلنة  في إعادة بناء الحياة السياسية  وصوغ علاقات مجتمعية جديدة .  
والزيدية الدينية وجدت نفسها مقصية وخارج الحركة التاريخية للمجتمع واستمر هذا الوضع طوال أربعين عاماً.. الزيدية بمشايخها وعلمائها وأفكارها انسحبت إلى الظل منذ الستينيات وصولاً الى عام 1990م لحظة تحقيق الوحدة وإطلاق الحريات السياسية والفكرية والحزبية.. ظلت الزيدية الدينية ما قبل العام 1990م تمارس أنشطتها بشكل سري وبشكل هامشي جداً ومضيق عليه إلى حد كبير.. يعني عام 1990 كانت المنطقة المعروفة تاريخياً بأنها منطقة المذهب الزيدي أو أنها المنطقة الزيدية الممتدة من صعدة وصولاً إلى ذمار كانت فارغة تماماً من أي حراك ديني زيدي، باستثناء بعض المراكز الرئيسة جداً وبشكل محدود سواء في صنعاء أو في صعدة.
 كان المستوى المعرفي عملية بعث قصوى للتراث الزيدي بذلها خلال عقود، أثمرت كتباً وموسوعات ورسائل استقصت كل المقولات والعقائد الأساسية والثانوية داخل هذا التراث.  
وكان أهم تحول أحدثته الثورة طرأ على الزيدية ككيان اجتماعي وهوية ثقافية محلية فالثورة وضعت الزيدية في مأزق وجودي وهو يأتي ضمن التركيبية الاجتماعية للمجتمع اليمني تراجعت المكانة الاجتماعية للقيادة الروحية التقليدية للزيدية "السادة – الفقهاء – القضاة" من طبقات كانت تحتل مكانة محترمة، وبالتالي تراجعت السلطة الروحية والسياسية والقيادة الكاريزمية وضعفت الصلات بينهم وبين جمهورهم التقليدي واقتصرت العلاقة الاجتماعية لهذه الطبقة بجمهورها على الفتيا في الأمور الروحية الفردية.
 عقيب ثورة سبتمبر عمدت الأنظمة السياسية لليمن الجمهوري على تفاوت بينها لسياسة فك الارتباط بالزيدية بإزاحة نخبتها السياسية والفكرية سياسياً وعزلها اجتماعياً وفصلها عن جمهورها التقليدي، وفي سبيل إضعاف الصلة بين النخب الزيدية  وجمهور العادي أو التقليدي قصدت الى خطاب سياسي تبخيسي لرأس المال الرمزي الزيدي، التبخيس للتاريخ  السياسي والثقافي الزيدي عبر وسائل ومؤسسات التعبئة المختلفة إلى تفعيل الاستياء من الدور السياسي والديني  وتصوير الهاشميين بالغرباء الوافدين على اليمن المتآمرين عليه  والفئة الانتهازية  المهووسة بالحكم  التي تسعى لفرض وصايتها على الأكثرية الاجتماعية واثبات تفوقها العنصري وحقها العائلي المقدس في الحكم، ورسم إحداثيات مشوهة لخريطة الاجتماع اليمني وتكريس ذاكرة جمعية عدائية نحو الفئات الاجتماعية معينة وتذخير الضمير الوطني بمادة مكثفة من أفكار الغل العنصري وتشكيل صورة ممقوتة عن الموروث المعرفي والتاريخ السياسي للزيدية وخلق مناخات نفسية وايديولوجية مشحونة بالعواطف الثأرية والعصبية.
والاستياء وإن كان موجوداً  بفعل بعض ممارسات بعض الولاة والحكام الزيديين واستغلال المكانة الاجتماعية الروحية للهاشميين في المجتمع اليمني من قبل بعض الهاشميين بطريقة انتهازية والاستقواء بالدولة الأمامية، إلا أن الحكومة اليمنية قصدت إلى تضخيم وتعميق هذا الاستياء وترسيخه في وعي الإنسان اليمني وتقديمه على أنه الصورة النمطية أو النموذجية لدور الهاشميين والإمامة السياسية الزيدية في اليمن، وبوعي منها تعمدت ربط التدرج الهرمي السائد في المجتمع اليمني  والترتيب  الطبقي للهاشميين السائد قبل الثورة بالعقيدة الزيدية وليس بأصولها الاجتماعية كما تحددها النظريات الاجتماعية.     
  من بين ما أدت إليه سياسة فك الارتباط مع الزيدية إضافة إلى بروز السلفية ذات التوجه السعودي وتحالفها مع القوي المشيخية إلى تراجع الزيدية إلى الأرياف وانحسارها عن المدن الرئيسة ومراكز صنع القرار والفاعلية السياسية والاقتصادية؛ ولذلك يعتبر الاقتصادي الزيدي اقتصاد ريفي.  
 وتعرضت الهوية المذهبية للقلاع التاريخية للزيدية في اليمن (صنعاء – ذمار – صعدة) وبقية المناطق ذات الأغلبية الزيدية لتصدعات حادة بالذات المدن الرئيسية لتنسحب الزيدية إلى الأرياف.
غياب التدامج الوطني الذي يتمثل غياب الإجماع على هوية اجتماعية أو وطنية واحدة تستوعب بداخلها التنوع المجتمعي والهويات المحلية الصغرى الثقافية والاجتماعية واستمرار مزاحمة الولاءات التحتية لها بما يهدد الوحدة السياسية والوطنية.
    وترتبط بالطريقة أو السياسة التي يفضلها النظام السياسي في إدارة التنوع الاجتماعي   عندما تسعى هوية محلية تحتية إلى تخطي الهويات الأخرى وتذويبها بداخلها، ويسوء الأمر أكثر عندما تصبح الانتماءات التحتية عاملاً في تحديد الوضع السياسي والاقتصادي للفرد والجماعات التي اتبع معها سياسة الإدماج القهري مادياً باستخدام أدوات القمع المادية، الاعتقالات، التمييز السياسي والاقتصادي، الحرمان التهميش، العزل الاجتماعي. .. ومعنوياً بالقهر الأيديولوجي، الإرهاب الفكري التبخيس، تجفيف المصادر الثقافية، حضر الأنشطة الثقافية.
-    استمرار ضعف قدر الكيان الزيدي على التكيف مع التحولات الدراماتيكية التي أحدثتها الثورة على الأطر الفكرية والسياسية والاجتماعية للزيدية، وأربكت القوى الاجتماعية المرتبطة بها - بما فيها المشاركة في الثورة -  وأفقدتها توازنها لما لها من علاقة بالنظام السابق أو الإمامة السياسية التي أطاحت بها ثورة سبتمبر.
-    ومن الطبيعي أن تتسبب الثورة في إرباك الزيدية باعتبارها المتأثر المباشر منها،  فالثورة أي ثورة من طبيعتها أن تحدث تحولات بوتيرة أسرع من قدرة القوى الاجتماعية المتضررة على التكيف معها، إلا أن المشكل مع الزيدية هو استمرار صعوبة تجاوز الزيدية لآثار تلك التحولات لفترة طويلة لا زالت تداعياتها قائمة لحد اللحظة والثورة تكاد تنهي العقد الخامس من عمرها نتيجة  لفشل النظام في بناء مؤسسات وأطر  سياسية وإدارية تشاركية تستوعب القوى المتضررة وفي إدارة علمية التغيير بدرجة من المرونة تسمح  لها بالتكيف معها وضمان ولائها،
يرتبط هذه العامل بتسعينيات القرن المنصرم والإعلان عن قيام الوحدة اليمنية في مايو1990م والمناخ السياسي الجديد الذي اقر التعددية السياسية وهامش الحريات الإعلامية والفكرية الذي أتاحه.
نئد قرر السيد حسين مع عدد من الناشطين السياسيين والشخصيات الزيدية الاستفادة من المناخ الجديد في إعادة تنظيم أنفسهم سياسياً وثقافياً وفكرياً، والمشاركة الايجابية والفاعلة في الحياة السياسية، فشارك في تأسيس حزب الحق وفي 1993م وترشح للانتخابات البرلمانية وكان مع الشيخ عبد الله الرزامين المرشحين الوحيدين الذين تمكنا من الوصول للبرلمان من قائمة حزب الحق.
وبالتزامن مع تأسيس حزب الحق أسس مجموعة من الناشطين على رأسهم محمد بدر لدين الحوثي عام 1991 "منتدى الشباب المؤمن "كمؤسسة تربوية تعنى بالأنشطة الثقافية والبرامج الدينية،  
وتولى "الشبابُ المؤمن" إعداد دعاة من الشبان في مخيمات دراسية ورياضية مشتركة وطويلة (صيفية) رداً على ضعف اللحمة الداخلية، وتداركاً للضعف و "ذباً عن البيضة" الزيدية.
 لم يكن للسيد حسين علاقة مباشرة بالمنتدى، أو لم يكن ضمن الهيئة الإدارية للمنتدى برئاسة أخيه محمد لانشغاله هذه الفترة بمجلس النواب.
توسع نشاط المنتدى في صعدة وافتتح فروعاً له في عدد من محافظات واستطاع استقطاب الآلاف من الطلاب من مختلف المديريات والمحافظات.
-    بيد أن هذا الزخم الذي بشر به منتدى الشباب المؤمن، إلى جانب مشاريع" الزيدية" الأخرى، أقضت مضجع "ولي الأمر" ومن يقولون بطاعته المطلقة، فعملوا - بأساليب شتى - على ضرب المشروع الزيدي الجديد، فتوالت الاستقالات غير المبررة من حزب الحق، وشهد نشاط مراكز الزيدية صراعات لا منطقية زيدية - زيدية، وبدا المشروع الزيدي بلا قيادة منسجمة تتنازعه الصراعات والأهواء.
-    تعثر الوعود المبشرة للمشروع الزيدي السياسي والديني كان بسبب عوامل بعضها بنائية "جوانية" تمثلت الافتقار إلى الإمكانيات المادية والاقتصادية اللازمة لمثل هذه المشاريع، إضافة إلى افتقاد القيادة التنفيذية في الحزب لقواعد الممارسة السياسية وقصور التنظيم وكذلك الحال بالنسبة للمراكز الصيفية.
-    وأخرى "برانية" حيث كانت المخاوف من تكوين قوة سياسية فاعلة ومؤثرة تمتد إلى معظم الجغرافيا الزيدية التاريخية  إضافة الى إمكانية تحالفها  مع الحزب الاشتراكي اليمني  يدفع بالتحالف الكاثوليكي لحزبي المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح - المحسوب على الأخوان المسلمين والقادم  من رحم  المؤتمر الشعبي - الذي تشكل عقيب الوحدة مباشرة وتعزز في حرب صيف 1994م الأهلية، يدفع بهذا الحلف إلى التآمر على هذه التجارب الوليدة لخنقها في مهدها ووضع العراقيل أمامها، وتمكنوا من توجيه ضربات موجعة ومتتالية لهذا الحزب الوليد.
-    ارتحل السيد حسين الحوثي الى السودان، هذه الرحلة – التي اعتقدها مهمة – منعطف نوعي أثرت في مسار حياة الرجل الفكرية والسياسية، والمعلومات حولها لا زالت شحيحة.
-      أتاحت له مرحلة السودان وتخصصه في الإسلاميات إذ كان موضوع أطروحته للماجستير دراسة وتحقيق كتاب البرهان لأبي الفتح الديلمي في تفسير القران لحظات تأمل مركزة في الخطاب القرآني، ونظراً لشخصية الرجل الحركية المهجوسة – كما يصفه "جايلوه" – بهمّ الإصلاح والتغيير فقد استغلها لإعادة تقييم ومراجعة تجاربه السابقة والنتيجة التي وصل إليها أن القران أغني من أن يكون موضوعاً لرسالة أكاديمية، وإنما رسالة للحياة ليقرر بعدها العودة الى اليمن والاستقرار بمنطقة مران ومن ثم الإعلان عن مشروعه الجديد.  
تبلورت رؤى السيد حسين الحوثي على إيقاع الحالة الزيدية البائسة في الداخل، وعلى حال الأمة العربية ككل، خصوصاً في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق، والأسئلة التي أثارها الحدث / الزلزال (أحداث سبتمبر) بخصوص مستقبل المنطقة العربية.
جماعة أنصار الله في طبيعة تكوينها ونشأتها خطاب اصلاحي اسلامي وفعل دعوي تزكو وتوجه إحيائي معرفي واجتماعي ونفسي يعنى بالترشيد العقدي والتهذيب القيمي والأخلاقي ويتبنى تديناً طائفياً – بالمعنى السوسيولوجي – وخطاب ديني شمولي يرتبط برسالة الإسلام الكبرى، وعنايتها بالمسألة السياسية وبالإصلاح السياسي من حيث هو قيمة دينية ومقاربتها لها تتحدد بمقولة الأمة - بالمعنى العقدي - لتحقيق الخلاص وفي هذا المجال هي نزعة احتجاجية ظهرت كاستجابة للعولمة وتنتمي إلى محور الممانعة.
تطلع السيد حسين بدر الدين الحوثي لصوغ مشروع فكرى وأخلاقي يبتغي البعث الصحيح للهوية الإيمانية وتخليصها من الانحرافات الايديولوجية التي لحقت بها، وأعادت بناء شخصية المؤمن على أساسها ويتناول أوضاع العالم الإسلامي والهاجس الذي كان يشغل باله الوقوف في وجه الزحف الأمريكي واستعادة المسلمين لوحدتهم وهويتهم ومركزهم الحضاري،  ويعتبر القضية الفلسطينية جوهرية.
ويعتمد الخطاب الحوثي على النص القرآني كنص مركزي لتحديث واستصلاح الثقافة الدينية واعادة المفاهيم الاسلامية إلى حالة نقائها الأول وتنقيتها من الشوائب التي تعلق بها مع الممارسة التاريخية وعلى أساس هذه المرجعية المركزية للنص القرآني أعاد بناء  المقولات الدينية عموماً ومراجعة وتقيم الفكر الزيدي،  وقدمها بشكل أكثر تبسيطا، وتوجه بخطابه مباشرة للجمهور، وفضّل الحوثي استراتيجية الإصلاح الديني والتغيير الثقافي أو استراتيجية "التحنيف من تحت" بعبارة  الخبير الفرنسي في الأصوليات الدينية جيل كيبل، واعتماد استراتيجية  الممكن لتحقيق أهدافه.
رأي الحوثي أن النشاط الإسلامي لا يجب أن يسور بأطر وطنية أو سياسية أو جغرافية أو تنظيمية وحذر من مخاطر التأطير على الفعل الدعوي فالحزب يختلف في مفهومه ووظائفه ومجالات اشتغاله، ولا يعتمد آليات اشتغال الفعل السياسي الحزبي".
لذا تيار أنصار الله لم ينشأ كتنظيم بلوائح وأنظمة داخلية وبنيات هرمية بيروقراطية وإنما أراده الحوثي فعلاً دعوياً وتياراً شعبياً واسعاً، فيه الدعوة إلى الله ومحاولة استصلاح المجتمع وإعادة ربطة بأصوله وهويته من خلال الفعل النضالي الاجتماعي والفكري والسياسي لا يرتبط ببرنامج سياسي أو أداء فئة معينة بل بكل المؤمنين وتنبني على وجود قيادة موجهة تخاطب الأمة بكل قطاعاتها وفئاتها ولا يرتبط الانتماء إليها بالبطاقة التعريفية فهي كحراك ديني أعم وأشمل من الحزب السياسي من حيث الهدف والوظيفة وآليات التغيير.
ومجموع محاضراته التي تمحور موضوعها حول معرفة الله تمثل البناء التحتي للخطاب الحوثي، و فيها  يكمن المكون الديني لبناء الشخصية الدينية  ومنهجه فيها يتسم بالبساطة والبعد عن التعقيد والتركيب، بلغة عرفاني و نفس صوفي  موحي ومؤثر يتوسل القلب أكثر مما يعتمد العقل، الله فيها قبل كونه حقيقة عقلية هو في المقام الأول حقيقة وجدانية شعورية تترجم في حياة الفرد المؤمن والجماعة المؤمنة على شكل طاقة من النشاط الإنساني، فالثقة بالله تنعكس على المؤمن ثقة بذاته والإيمان بعظمة الله وقدرته ووعده ووعيده تظهر على تطلعات المؤمن  وسقف طموحاته وصلابة إرادته وفي اعتداده واعتزازه بذاته التي لا يقبل لها  التبخيس، وتحرره من كل القيود التي تكبله وتولد في نفسه القدرة على التحدي والاستعداد للمواجهة وقهر المتاعب واستعذاب التضحية.
وفي كلمته بمناسبة ذكرى استشهاد مؤسس الجماعة حسين الحوثي ألمح السيد عبد الملك الحوثي إلى أن مشروعهم ليس عبارة عن نزعة إصلاحية علموية وإنما إصلاح شامل على المستوى النظري والحركي والأخلاقي.
تحول الاسلام إلى مدونة قانونية تتطلب من المؤمن الالتزام الدقيق بها أفقدها خاصية الاشباع الروحي السيكولوجي ويحتاج لإعادة بث الدفء والحيوية للعقيدة الإسلامية.
وفي رؤيتهم المقدمة لمؤتمر الحوار الوطني يؤكد أنصار الله أن مشروع السيد حسين لا ينطلق من خصوصية المذهب الذي ينتمي إليه، بل من رحابة واتساع القرآن الكريم الذي يجمع الأمة الإسلامية بكل مذاهبها وأطيافها، وكفيل بنهضتها وعزتها واستقلالها وتطورها وقدرتها على التصدي لمشاريع الهيمنة الصهيو – أمريكية المحدقة باليمن والمنطقة ( )
وبكلمة أخرى جماعة أنصار الله تيار ديني عام وشعبي وليست مشروعاً لحزب سياسي ذي مرجعية دينية، ولا تقبل التحول لحزب سياسي كما يطالب البعض فذلك يعني فقدانها لهويتها الاستراتيجية كفعل دعوي وخطاب ديني.