النوم مع الشيطان

في العام 2003 كتب العميل السابق للمخابرات الأمريكية روبرت باير كتاباً أسماه "النوم مع الشيطان" استعرض فيه أهم نقاط ضعف المملكة السعودية والمتمثلة في الأهداف النفطية المكشوفة سواء أنابيب الإمداد النفطي أو معامل التكرير والتصدير والإنتاج. وكان على رأس القائمة مجمع بقيق النفطي التابع لشركة أرامكو.

تناول باير تلك المواقع بالشرح والتفصيل والتحديد الجغرافي مبيناً أهمية كل موقع وخطورة استهدافه وآثار وتداعيات أي عملية موجهة ضد الموقع وذلك حسب تقرير لجنة الكوارث الأمريكية.

خلص مخططو الكوارث إلى أن المجمع الخام في "بقيق" هو النقطة الأكثر ضعفا في النظام النفطي السعودي، وفي نفس الوقت يعتبر شريان اقتصاد المملكة السعودية وأحد أهم عوامل توازن السوق النفطية العالمية.

 لا تقتصر خطورة وتداعيات الاستهداف على الانعكاسات السلبية على إمدادات النفط وارتفاع أسعاره بل إلى جوانب أخرى تتعلق بخطورة ترسب كبريتيد الهيدروجين الناتج من عملية السلفرة الهيدروجينية للنفط الخام والتي يتم فيها فصل الكبريت عن النفط، وحسب الكاتب فإن أي هجوم ناجح على المجمع سيسمح بتسريب 700 جزء من مليون جزء من كبريتيد الهيدروجين ومن شأن ذلك أن يعيق أي عملية للإصلاح وإعادة التشغيل؛ فحسب الوكالة الأمريكية للسموم فإن استنشاق كميات كبيرة من كبريتيد الهيدروجين يسبب تهيج العين والتهاب الحلق والسعال وتكوّن سوائل في الرئتين انتهاءً بالوفاة.

يشير الكاتب إلى أن أي عملية للإصلاح لن تنجح قبل سبعة أشهر بناء على أن الهجوم المفترض تقوم به القاعدة "الوهابية"، ولم يكن في حسبان الكاتب أن الاستهداف سيكون بطائرات مسيرة يمكن أن تعاود الكرة في أي مرحلة من مراحل الإصلاح وإعادة التشغيل.

يتوقع تقرير لجنة الكوارث الأمريكية أن الهجوم المتوسط سيبطئ إنتاج 6.8 مليون برميل يومياً أي ما يعادل حوالي ثلث الاستهلاك اليومي لأميركا من النفط الخام.

وفي الواقع فقد أعلن وزير الطاقة السعودي أن الهجوم أوقف حوالي5.7 مليون برميل يومياً بينما أعلن في اليوم الأول للهجوم أن إعادة الاصلاح ستستغرق أسابيع ثم أعلن في اليوم التالي أن الفترة قد تمتد لأشهر!!!

استراتيجية التجفيف

أعلن السيد عبد الملك الحوثي قائد جماعة أنصار الله في اليمن عن بنك أهداف يصل إلى 300 هدف عسكري وحيوي في إطار الرد المشروع على العدوان الذي تشنه السعودية ضمن تحالف تسميه التحالف العربي لإعادة الشرعية. من خلال المتابعة لعمليات الرد اليمني نلاحظ أن تلك الأهداف توزعت على نوعين الأول منهما الأهداف العسكرية المتمثلة في القواعد العسكرية والمطارات الحربية والمعسكرات في جنوب المملكة، والثاني الأهداف الاقتصادية النفطية في شرق المملكة.

ففي 14 مايو من العام الجاري تم استهداف منشأتي نفط في محافظتي عفيف والدوادمي، وفي 17 أغسطس 2019 تم استهداف حقل الشيبة النفطي المتنازع عليه مع الإمارات، وأخيراً عملية بقيق السبت 14 سبتمبر، ومع كل عملية  يصرح السيد الحوثي أنها تأتي ضمن الرد المشروع على العدوان وفي نفس الوقت تجفيف مصادر تمويل هذه الحرب العبثية والمتوحشة.

 يعتقد السيد الحوثي أن استمرار تدفق النفط يمول الحرب من جهة ومن جهة أخرى يتم حلب تلك الأموال من قبل إدارة الرئيس الأمريكي ترامب الذي لا يخفي ذلك.

يبقى الاشارة إلى أن الكاتب باير ذكر بقية القائمة التي تضم مجمع الجُعيمة، ورأس تنورة واستهداف أي منهما سيكون تأثيره بعد مجمع بقيق أشد ضمن سياسة ما يسمى "الألف جرح".

هل تكون العملية فرصة للنزول من الشجرة

الردع لإحلال السلام

في القرن الرابع الميلادي تحدث فيغتيوس قائلاً: "ذلك الساعي إلى السلام فليتأهب للحرب"، وكثيراً ما كان ناطق ما يسمى التحالف العربي يوظف الفكرة السابقة في تبريره للجرائم البشعة التي يرتكبها بحق اليمن والحصار الجائر عليه قائلاً أن ذلك سيدفع الحوثيين (أنصار الله) إلى الاستسلام أو التنازل وبالتالي إيقاف الحرب.

الجديد في الأمر أن الجانب اليمني اليوم هو بالفعل من يقوم بذلك حيث يعمل على الضغط على مقومات الحرب العسكرية والتمويلية للنظام السعودي مع الإعلان دائماً أن ذلك يأتي في سياق الرد المشروع لدفع المعتدي إلى وقف عدوانه والتزام المسار السياسي، أو بالأحرى العودة إليه والذي كان قاب قوسين أو أدنى من الإنجاز لو لا التدخل السعودي في 26 مارس 2015م.

التقدير السعودي لعملية الردع الثانية:

لم يعد يجادل الكثير أن السعودية في مأزق ومستنقع يشبه مستنقع فيتنام الأمريكي وهو ما تفصح عنه تقارير وتسريبات الصحف الغربية الكبرى عن رغبة النظام السعودي في إيقاف الحرب التي دخلت نفقاً مظلماً لا أفق له ولا نقطة ضوء في نهايته.

 نحن أمام افتراضين اثنين:

الفرضية الأولى: أن السعودية تريد استمرار الحرب لتسجيل انتصاراً ولو شكلياً يرد لها اعتبارها وسمعتها التي خسرتها في هذه الحرب، وهنا ستعمل الرياض على توظيف هذه العملية باتهام إيران بالوقوف وراءها وتحشيد الرأي العام العالمي ضدها نظراً لخطورة استهداف مصادر الطاقة والنفط التي ستؤثر على الاقتصاد العالمي.

وستعمل على دفع الإدارة الأمريكية لمزيد من الدعم اللوجيستي ورفع القيود – البسيطة- عن مبيعات الأسلحة والذخائر وكذلك الحال بالنسبة للدول الأوربية التي أوقفت تصدير السلاح لدول التحالف.

كما أن الاستمرار في الضغط على إيران يصب في خدمة إسرائيل وخاصة نتنياهو الذي سيوظف ذلك في حملته الانتخابية.

بالتالي ستقوم الرياض بالرد باستهداف مواقع مدنية والضغط على أنصار الله في الجانب الإنساني والضغط بعمليات عسكرية برية على الحدود أو في جبهات الساحل وصنعاء، بعد أن تكون قد استعطفت الرأي العام والمجتمع الدولي ليعطيها ذلك دفعة في المضي بالحرب لفترة وتحقيق بعض الأهداف لعل أقلها هو الحفاظ على الهيبة والسمعة التي باتت في مهب العاصفة المرتدة.

الفرضية الثانية أن السعودية تريد وقف الحرب وهنا ستقتنص الفرصة بهذه العملية وتصويرها أنها عملية وصول السكين إلى العظم؛ وهو ما لا تطيقه السعودية فهي لا تضمن عدم الرد اليمني بصورة أقسى؛ بل ولا تضمن أن يعاود الطيران المسير اليمني قصف نفس المجمع سواء في مرحلة إعادة الاصلاح أو بعدها.

كما أن هذه العمليات ستؤثر على خطة بيع نسبة من أسهم أرامكو العملاقة والتي باتت تحت رحمة الطائرات اليمنية البسيطة والفاعلة.

تضع الرياض في حسبانها أن العملية أدت لتوقف ما يزيد عن خمسة مليون برميل يومياً وأن إعادة الإصلاح ستستغرق سبعة أشهر (حسب الكاتب باير) لتعود إلى طاقة إنتاجية تقدر بنسبة 40% فقط وهذا خبر ليس جيداً لدولة تخوض حرباً مشابهة.

وهنا ستعمل الرياض على تضخيم العملية وخطورتها وتتخذ منها ذريعة لإقناع الجهات الدولية -التي تدفع بها إلى الاستمرار في الحرب- بضرورة وقفها.

 ستقوم الرياض بالرد الشكلي على مواقع تم ضربها سابقاً لتظهر أنها قامت بالرد، بينما تقوم بإرسال رسائل عبر قنوات معينة إلى الجانب اليمني بالرغبة في وقف الحرب،

من جهة أخرى ستقوم الرياض عبر شركات العلاقات العامة بدفع مراكز الدراسات والصحف الشهيرة والمنظمات الدولية بالنصح للرياض أن توقف هذه الحرب وتصغي لخطة الإدارة الأمريكية بالجلوس مع الخصم مباشرة وليس عبر ما يسمى الحكومة الشرعية المتواجدين في فنادق الرياض.

إضافة إلى تحريك الاعلام المحلي لتهيئة الرأي العام المحلي وقد لوحظ ذلك على لسان بعض المحللين السعوديين الذين يظهرون على وسائل الاعلام المرئي.

بقي على السعودية أن تتذكر الخطر الذي يحدق بها من قبل الأمريكي نفسه، حسب ما قاله الكاتب باير:  

"أن السيناريوهات الكارثية التي أنشئت خلال سنوات ريغان (الفترة من 1981 إلى 1989) لا تزال جوهرية، وأن السعودية إذا لم ترع عملية تدفق النفط: "فسيكون علينا النظر في الاستيلاء على حقول النفط".