Logo dark


الجنوب من كسارة البندق إلى الاستقلال... أحداث ثورة 14 أكتوبر إلى 30 نوفمبر (الحلقة الأولى)

( كاتب ومحاضر في العلوم السياسية , )

فاديم  تريشوف

ترجمة: د. أحمد سنان

المقالة التالية منقولة عن الروسية من موقع (warspot)، يتناول فيه الكاتب قصة استقلال الجنوب بعد ثورة مجيدة ضد الاستعمار البريطاني كللت بالنصر. يعتمد كاتب المقالة على المصادر الإنجليزية حصراً، ولذلك سيجد القارئ الكثير مما لا يتوافق مع طبيعة الأحداث، أو ما يعكس بشكل خاص وجهة النظر البريطانية حول مجريات الأمور. ونترك من جانبنا للقارئ حرية استنتاج النتائج التي تتوافق مع موقفه. أما نحن فاكتفينا بوضع الأقواس (الكبيرة) حول بعض الجمل والعبارات التي يمكن أن ترشد القارئ إلى الكيفية التي نظر بها البريطانيون لمدينة عدن وإلى الثورة والثوار- المترجم. 

عدن في السياسة الاستعمارية البريطانية

 بدأ تاريخ الممتلكات البريطانية في جنوب شبه الجزيرة العربية في السنوات الأولى من عهد الملكة فيكتوريا. ففي عام 1839، وبهدف ضمان السيطرة على الطرق البحرية إلى الهند، استولى البريطانيون على عدن (دعنا من قصة داريا دولت) – و(كانت عشا مشهورا للقراصنة المحليين). بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، أصبحت "عدن الحدباء" التي أشاد بها كيبلينج كأهم نقطة عبور في الطريق إلى الهند وإلى الشرق. وحتى عام 1937، كانت المدينة خاضعة لإدارة الهند البريطانية.

ومن أجل تأمين الميناء الهام، تم وبشكل تدريجي إنشاء طوق حوله من عشرات المشيخات والإمارات والسلطنات، التي ارتضت بالحماية الإمبراطورية. وقد تم دمجها جميعاً في تكوينين هما: محميات عدن الغربية ومحميات عدن الشرقية. ومع ذلك، لم تكن درجة السيطرة البريطانية على المناطق الداخلية من الجنوب عالية على الإطلاق. ولكن الاستخدام النشط لـ "القصف المحظور" في الثلاثينيات والخمسينيات من القرن الماضي جعل من الممكن إلى حد ما إبقاء القبائل المتمردة تحت السيطرة وتقييد مزاعم الإمام يحيى بهذه الأراضي.

لاحقا حوّل استقلال الهند عام 1947 عدن بالنسبة لبريطانيا إلى ("ميناء على الطريق إلى اللا مكان"). ثم حانت المرحلة الحاسمة لزوال الاستعمار -التي هيأتها حركة التحرر الوطني العالمية، المترجم-، وبدأ البريطانيون يحضرون أنفسهم لذلك. وبعد عدة سنوات من المفاوضات الصعبة، في أبريل 1962، شكلت محميات عدن الغربية دولة جديدة سميت- (اتحاد الجنوب العربي). وفي يناير 1963، انضمت إليها مستعمرة التاج عدن. وأصبح الحاكم البريطاني المفوض السامي، وشكل الحكام الإقطاعيون المجلس الأعلى وتقاسموا المناصب الوزارية، وحينها ظهر جيش وشرطة (اتحاد الجنوب العربي).

لكن الدولة التي تم إنشاؤها لم تحظ بدعم مجموعات كبيرة من السكان. وتبين أن المعارضة تشكلت في جوهرها من سكان عدن، خاصة المثقفين العدنيين، المشبعين بالأفكار القومية العربية والجمهورية وروح عبد الناصر فضلاً عن العديد من زعماء القبائل.

وكان للإطاحة بالنظام الملكي في شمال اليمن في سبتمبر 1962، ووصول القوات المصرية لمساعدة الجمهوريين، الأثر في تغيير الوضع في الجنوب بشكل كبير. وقد صرح الزعيم جمال عبد الناصر في تجمع حاشد في صنعاء: "نؤمن أن الله سيعيننا على طرد البريطانيين من جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية".

وفي مايو 1963، في مدينة تعز (اليمن الشمالي)، أنشأت مجموعة من السياسيين الجنوبيين بقيادة قحطان الشعبي الجبهة القومية لتحرير الجنوب المحتل. وانشأت معسكرات التدريب في تعز حيث قام ضباط المخابرات العسكرية المصرية بقيادة العقيد محمود عطية بتدريب مقاتلي الجبهة.

لقد "كانت القبائل تستعد للقتال في حرب التحرير في الجبال والأراضي الحدودية، وتعلم شبان المدن من أمثالي القتال مثل الفدائيين، فيفجرون ويهاجمون العدو في المدن،" هكذا يتذكر أحد قادة الجبهة القومية.

في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1963، هاجمت مفرزة قوامها مائتي مقاتل من قبيلة القطيبي موقعاً للجيش الاتحادي على طريق عدن-الضالع. وبدأت "ثورة التحرير في الجنوب". في البداية، اعتقدت السلطات البريطانية في عدن أن هذه مجرد انتفاضة قبلية أخرى. لكن في صباح يوم 10 ديسمبر/ كانون الأول، في مطار عدن، ألقى أحد أعضاء الجبهة لقومية قنبلة يدوية على كينيدي تريفاسكيس، المفوض السامي البريطاني في اتحاد الجنوب العربي، الذي كان متوجهاً إلى لندن. وبأعجوبة لم يصب بأذى. حينها قتل شخصان وأصيب 45 بجراح. وبعد منتصف اليوم، أعلن تريفسكيس حالة الطوارئ في البلاد. ومن هنا بدأت بريطاني آخر حروبها الاستعمارية.

كسارة البندق

تقع ردفان شرق الطريق المؤدية من عدن شمالاً إلى مدينة الضالع على الحدود اليمنية. تحرسها قمم عالية، وصخور خشنة، ووديان عميقة، فيها عاش الناس منذ الأزل في (جو من التوتر الذي لم يتوقف منذ قرون). وقد وصف قائد القوات الجوية الملكية العميد جيمس لونت السكان المحليين على نحو من التكبر بالقول: "لقد زرعوا القات فقط (نبتة محلية، مخدرات يمنية خفيفة تقليدية) في حقولهم القذرة، ولديهم تقليد في الحصول على كل شيء آخر عن طريق السرقة").

معظم مناطق ردفان، لم تطأها قدم أوروبي، وتم وضع الخريطة الوحيدة للمنطقة في عام 1901. وعادة ما كان البريطانيون يقارنون ردفان بأشهر حدود الإمبراطورية، "المنطقة القبلية" في المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية للهند البريطانية.

تموضعت مفارز الجبهة القومية في ردفان، وقامت بقيادة علي عنتر والمجعلي بتلغيم طريق عدن-الضالع، ووجهت أسلحتها نحو مواقع القوات الاتحادية. وأمر المفوض السامي "تريفسكيس" الجيش الاتحادي وقائده لانت بـ "تطهير" ردفان بهدف إظهار قوة الدولة التي يتم إنشاؤها - اتحاد الجنوب العربي.

بدأت العملية التي أطلق عليها "كسارة البندق" في 4 يناير 1964. وكانت القاعدة التي خصصت مسرحاً للعملية هي "الحبيلين" الواقعة على ارتفاع 600 متر (يشار إليها عادة من قبل البريطانيين باسم ثوميير) على طريق عدن-الضالع. ويقود هذا الطريق من وادي الربوة إلى عمق ردفان وإلى أخصب أراضيها وأكثرها اكتظاظاً بالسكان - وادي تيوم وحوض الذنبة.

شاركت في العملية الكتائب الثانية والثالثة والرابعة ورتل من العربات المدرعة التابعة للجيش الاتحادي - ما مجموعه حوالي ألفي جندي (عربي) بقيادة ضباط بريطانيين. تم تقديم الدعم الجوي من مقاتلات" هنتر" من السرب 206 من سلاح الجو الملكي من القاعدة الرئيسية في خور مكسر. كما دعمت طائرات الهليكوبتر العملية من Tumier: اثنان من طراز "بيلفيدر" من السرب 26 وأربع "ويسكس" من سرب الطيران البحري 815 التابع للبحرية البريطانية من حاملة الطائرات (سنتاورز) Centaurus.

لم تواجه العملية أي مقاومة فعلية، وخلال أسبوعين احتلت تلك القوات وادي الربوة ووادي تيوم وحوض الذنبة. بعد ذلك، بدأ المهندسون البريطانيون في شق طريق من تيومير إلى وادي تيوم. وشارك السكان المحليون أيضاً في العمل: (خلال النهار، قام الردفانيون ببناء الطريق، وفي الليل مارسوا العمل الثوري).

وبحلول منتصف فبراير 1964، أصبح الوضع أكثر هدوءاً؛ فقد غادر (معظم المتمردين) الممرات الجبلية من ردفان إلى الشمال. في نهاية شهر فبراير، عادت آخر كتيبة تابعة للجيش الاتحادي ورجال المدفعية إلى تومير، تاركين ردفان وراءهم، وقد وصف العميد "لانت" العملية بصراحة بأنها مضيعة للمال، ولم ير أي سبب للاستمرار في ترك الوحدات التابعة له هناك.

بعد رحيل القوات الاتحادية، عاد (المتمردون) على الفور إلى ردفان- مع تعزيزات وأسلحة جديدة. واستؤنفت أعمال (التخريب) على طريق عدن- الضالع على نطاق أوسع. وفي 11 أبريل، لجأت السلطات إلى إغلاق الطريق. ثم بدأت الاستعدادات لعملية عسكرية كبيرة جديدة في ردفان. كان من المفترض أن تقوم القوات بعزل (المتمردين) والقضاء عليهم، ومنعهم من المغادرة إلى الشمال. هذه العملية المسماة "كوكيد" نفذتها القوات البريطانية بشكل أساسي.

ردفـــــان فـــــــــــــــورس

تم تشكيل مجموعة "Radforce" لتنفيذ العملية في ردفان تحت قيادة العميد لويس هارجروفز، وتشكلت كالتالي:

- سريتان من الكتيبة الثالثة، فوج المظلات الملكي؛

- الفرقة 45كوماندوز من مشاة البحرية الملكية؛

- سرية من الكتيبة الأولى، الفوج الانجليزي الشرقي؛

- رتلان من فوج الدبابات الملكي الرابع والسابع مع عربات مصفحة من طراز "Ferret" و "Saladin"(صلاح الدين)؛

-  بطارية من الفوج الثالث لمدفعية الخيالة الملكي، الذي حصل على ست بنادق L-5 جديدة عيار 105 ملم ؛

- فصيلة من الرتل الميداني الثاني عشر للمهندسين الملكيين، بالإضافة إلى قطاعات من الجيش الاتحادي - الكتيبتان الأولى والثانية وفصيلتان من سرب السيارات المدرعة.

وشاركت جميع القوات الجوية المتمركزة في خور مكسر في دعم العملية:

-  الأسراب الثامن والثالث والأربعون مع قاذفات القنابل المقاتلة "هنتر" ؛

-  السربان 37 و 42 مع طائرات الدوريات البحرية شاكلتون (تم استخدامهما كقاذفات قنابل) ؛

 - السربان الحادي والعشرون والثامن والسبعون مع طائرات النقل "Twin Pioneer" ؛

- السرب الميداني السابع والثلاثون مع مروحيات الكشافة الخفيفة.

  -  تمركزت ست طائرات هليكوبتر من طراز "Belvedere" وجناح البحث الجوي الثالث عشر التابع للجيش مع طائرات "Beaver" الخفيفة ومروحيات "Scout" الخفيفة في ثومير نفسها.

بما أنه خلال "كسارة البندق" تم الكشف عن عدم دقة خريطة1901، فقد كان لابد من ايجاد صورة جوية عاجلة لردفان. واستغرق التحضير وتركيز القوات في تومير أسبوعين. وفي اللحظة الأخيرة، وبمبادرة شخصية من وزير المستعمرات دنكان ساندز، شارك سرب ألفا من فوج SAS 22 (القوة الجوية الخاصة للقوات المسلحة البريطانية) في العملية تحت قيادة الرائد بيتر دي لا بيلييه، الملقب بـ DLB (الأحرف الأولى من اسم عائلته).

عند غروب الشمس يوم 29 أبريل 1964، هبطت طائرات الهليكوبتر الكشفية بقوة من تسعة أفراد تحت قيادة النقيب روبرت إدواردز في عمق منطقة (المتمردين). كان من المفترض أن تذهب هذه المفرزة سراً إلى كوكارد لضمان هبوط المظليين في الليلة التالية. وحمل كل فرد من أفراد الدورية حقيبة ظهر تزن 28 كيلوجراماً. كانوا مسلحين ببنادق هجومية من طراز L1M1 وM16A1، وكان لكل منهم 120 طلقة من الذخيرة. كما كانت الدورية مزودة بمدفع رشاش خفيف من طراز برين وبندقية قنص.

ومع ذلك، في 30 أبريل نهاراً، انكشف أمر الدورية SAS. واضطرت هذه القوة على خوض معركة مع (المتمردين). وبدعم من الطيران والمدفعية، تمكن مقاتلو "SAS" من التراجع عند حلول الظلام والخروج إلى Tumier في الصباح. في الوقت نفسه، قُتل قائد الدورية، الكابتن روبرت إدواردز، ومشغل الراديو نيك واربورتون، وأصيب اثنان آخران من الكوماندوز.

الاستيلاء على الجبال

في الليلة نفسها، من 30 أبريل إلى 1 مايو، نجح المارينز في الاستيلاء على مرتفعات وادي بوران - الطريق الشمالي في عمق ردفان. ومع ذلك، بعد فشل SAS، كان لا بد من إلغاء الانزال المظلي، وأرجأت القيادة العملية وغيرت خطة تنفيذها. لقد كان الفشل الاستخباري واضحاً.

في 4 مايو 1964، عند حلول الظلام، توغلت قوات المارينز والمظليين سيراً على الأقدام في عمق ردفان بهدف احتلال "كوكارد". تقدمت دون مشاكل: واتضح أن الثوار تركوا مواقعهم ليلاً وتوجهوا إلى القرى للمبيت. وصلت السرية X من مشاة البحرية، تحت قيادة المتسلق المتمرس، الرائد مايك بانكس، إلى القمة من الجنوب الغربي مع أول ضوء في 5 مايو دون مواجهة الخصم.

المظليون من السرية ب، بقيادة قائد الكتيبة، المقدم أنتوني فارار هوكلي، كان من المقرر أن يصعدوا من الجنوب الشرقي. وأثناء الانتقال الليلي، تشتت السرية، وضل الجنود قبل أن يجدوا الطريق. اقتربت الطلائع الأولى من المظليين من بداية الصعود بالفعل في ضوء النهار. هنا تعرضوا على الفور لنيران مدافع رشاشة مكثفة من قرية النقيل على سفح الجبل والتحصينات الحجرية المحيطة بها.

بدأ المظليون صعودهم. في الوقت نفسه، كما أشار فارار هوكلي في تقرير رسمي، "كان تنسيق الإجراءات عند مستوى منخفض للغاية". وظهرت مجموعات صغيرة من المتمردين فجأة في مؤخرة الوحدات البريطانية، وأطلقت النيران من وراء السواتر. واستمرت المعركة حتى الساعة الثالثة عصراً حتى نقلت المروحيات السرية Z إلى قمة الجبل وبدأت في النزول باتجاه المظليين. بعد ذلك (تراجع المتمردون تاركين جثث أربعة من قتلاهم). وقتل اثنان من المظليين وأصيب اثنان آخران بجروح خطيرة. وعلى مدار الـ 36 ساعة التالية، قامت قوات المارينز والمظليين والفوج الانجليزي الشرقي، بدعم من كتيبة من القوات الاتحادية، بتأمين السيطرة على وادي تيوم وحوض الذنبة ووادي الربوة، مما أدى إلى استعادة حركة المرور على الطريق من تومير. لكن قوات (المتمردين) الرئيسية تراجعت جنوباً إلى وادي دبسان، حيث كانت سلسلة جبال البكري بمثابة دفاع جيد.

في 17 مايو، وبناء على أوامر شخصية من سكرتير المستعمرات، ساندز، استؤنف "القصف المحظور" للقرى في الجزء الجنوبي من ردفان. وعمل رجال المدفعية أيضاً بنشاط، حيث تلقوا زوجاً من المدافع الميدانية BL بحجم 5.5 بوصة: كانت تتميز بمدى مضاعف مقارنة بـ L-5 العادي، وقذائف 100 رطل جعلت من الممكن تدمير الكهوف التي كان يختبئ فيها المسلحون بشكل فعال. وعلى الرغم من أن فعالية عمليات الطيران والمدفعية فقد أثارت تساؤلات. وفي التقرير النهائي لحملة ردفان خلص إلى أن الطيارين والمدفعين قاموا بإلقاء 3.5 ألف قنبلة وإطلاق أكثر من 30 ألف قذيفة ولم يحققوا سوى "الاستهلاك الكبير للذخيرة".

وفي الوقت نفسه، كانت قوات "رادفورس" تتزايد أيضاً. وتم نقل سرية أخرى من المظليين وكتيبتي مشاة إضافيتين إلى هنا - الكتيبة الأولى من الملكيين الإسكتلنديين والكتيبة الأولى من حرس الحدود الإسكتلندي الخاص بصاحب الجلالة. مع وصول حاملة طائرات الهليكوبتر "Centaurus" إلى عدن، تم إرسال 20 مروحية "Wessex" من السرب 815 من البحرية الملكية على متنها إلى ردفان.

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز

مواضيع متعلقة