لا يزال مسلسل الفشل الأمريكي في المنطقة يقدم كل يوم دليلاً، ففي نهاية العام المنصرم أقدمت الطائرات الأمريكية على استهداف الحشد الشعبي "المتهم بالقضاء على داعش" التنظيم الذي تعتبره أمريكا ذراعاً وذريعة للبقاء والسيطرة على العراق. جاءت هذه الضربات بعد حوالي ثلاثة أشهر من الاحتجاجات التي عمت العراق مطالبة بالإصلاحات الاقتصادية والمعيشية، والتي شابها الكثير من الغموض عن الجهات المحركة فيما دعت واشنطن إلى حمياتها وحذرت من قمعها أو محاولة إيقافها. اعتمد الأمريكي على التظاهرات الشعبية للضغط على الحكومة العراقية التي شعر الأمريكيون أنها بدأت بالتمرد على أوامرها ونحت نحو الشرق (الصين) وأقرت قرارات اعتبرتها واشنطن تمرداً غير مقبول.

خلال التظاهرات التي يفترض أنها خرجت لتحقيق مطالب شعبية لاحظ الجميع أنها بدأت ترفع شعارات سياسية خاصة ضد إيران وسمع الناس عبارة "بغداد حرة حرة، إيران بره بره"، وفي موازاة ذلك تظاهراتٌ مماثلة في لبنان لشيطنة حزب الله وإيران وتحميلهما وزر الأزمة الاقتصادية التي افتعلتها الإدارة الأمريكية بالعقوبات غير القانونية على مصارف وشركات وشخصيات لبنانية.

بناء على تقدير الوضع في البلدين واستناداَ إلى معلومات من العملاء على الأرض العراقية اقتنع الأمريكيون أن أي ضربة للحشد ستمر دون رد فعل أو غضب شعبي، وعليه تم إصدار الأمر باستهداف عناصر الحشد الشعبي على الحدود السورية في رسالة لها مغزاها.

يعتبر ترامب أن ضرب الحشد سيعمل على إعاقة الحشد الشعبي أو تأديبه ومنعه من الاستمرار في مقاومة تنظيم داعش كما أن أي ضربة ستبعد الحشد عن الحدود التي تجرأ عبد الهدي على فتحها بين البلدين، فيما الحكومة منشغلة بأزماتها الاقتصادية كما هي بالاحتجاجات الشعبية.

تفاجأ ترامب بردة فعل الشعب العراقي الذي خرج غاضباً ومندداً بالعدوان على أبنائه الذين قضوا على تنظيم داعش الإرهابي حيث خرجت الحشود الغاضبة متوجهة صوب السفارة الأمريكية التي يرونها مصدر الشر والإرهاب وقاموا بإحراق أجزاء منها والاعتصام بمحيطها مطالبين برحيل السفير والسفارة والقوات الأمريكية من الأراضي العراقية في تقدير لم يحسب بدقة من قبل الإدارة الأمريكية العدوانية.

ربما كان إحراق أجزاء من السفارة الأمريكية ببغداد والمطالبة برحيل القوات الأمريكية أشد وطأة على ترامب من حادثة إسقاط الطائرة الأمريكية بدون طيار في المياه الإقليمية الإيرانية، وقد تلقى ترامب انتقادات بسبب تلك الضربة التي أدت إلى نتائج عكسية وأضحى الشعب العراقي مطالباً برحيل القوات الأمريكية بدلاً عن رحيل إيران!!!

حملت حادثة اقتحام السفارة الأمريكية دلالات مهمة جداً لعل أهمها:

أولاً: ما حدث هزّ هيبة واشنطن كثيراً، وكان رسالة جريئة بأن يد الحشد هي الطولى، وأنها ليست الوحيدة التي تتقن لعبة تثوير الشارع.

ثانياً: تأكدت واشنطن اليوم أن مشروع (الجوكر الثوري الملثم) احترق نهائياً أمام خط ثوري جديد يعتصم أمام سفارتها بدون لثام وبقيادات معروفة، وسيضطرها لمفاوضته والنزول عند طلباته، وإعادة تقييمها لموزين القوى المحلية.

ثالثاً: الأحداث كانت صدمة لواشنطن بعدما وقعت بخديعة عملائها الذين أوهموها أن بإمكانها ضرب الحشد دون مواجهة ردود فعل شعبية، وهذا المأزق سيضطرها لإعادة حساباتها بمخطط إنهاء وجود الحشد.

رابعاً: ساحة الاعتصام الجديدة أمام السفارة إن استمرت ستدفع واشنطن وحلفائها للعب دور جاد في حل عقد الازمة السياسية العراقية والدفع نحو حلول، فواشنطن لا ترغب بإخلاء مكانها السياسي في العراق في وقت تتمتع فيها طهران بالنفوذ.

خامساً: كانت السفارة الأمريكية في نظر الشارع العراقي (أسطورة خرافية) لما هوله الإعلام عن احترازاتها الأمنية، لكنها سقطت.

سادساً: ثبت لواشنطن جهلها بطبيعة المجتمع العراقي، وفشل جيشها الإلكتروني في فهم ذلك أيضاً وإحداث تغيير طويل الأمد بالقناعات الشعبية، لذلك شهدنا حالة ذعر وتخبط في منشوراتهم، كمن أدرك أنه كان يخدع مرؤوسيه وسيفقد وظيفته.

سابعاً: الأحداث أحرجت واشنطن جداً، فهي من كانت تتوعد الحكومة العراقية إن اعترضت المتظاهرين، وتدعم إحراقهم المؤسسات والممتلكات والقنصليات والمدارس وتبررها كحالة غضب. وبالتالي فكل ما حدث لسفارتها هو في نفس السياق، ولا يمكن لوم بغداد عليه.

ثامناً: اقتحام السفارة الأمريكية يعد ثورة وتحدي لأكبر قوة استعمارية في العصر الراهن ومكمل حقيقي للحراك الشعبي المطالب بالتغيير والاصلاح.

وتلك نتائج لم يحسبها ترامب بدقة أو أنه تجاهل مستشاريه بشأنها.

كان على ترامب المتهور أن يبحث عن حل يخفف من تلك الاحتجاجات غير المحسوبة والتي ألقي بمسؤوليتها على الحاج قاسم سليماني المتهم بتأجيج الشعب العراقي ضد التواجد الأمريكي في المنطقة برمتها.

فشل جديد

كنوع من الهروب للأمام قرر ترامب تصفية قاسم سليماني المتهم بتأجيج الكراهية ضد واشنطن والموجه الرئيس للمتظاهرين باقتحام وإحراق السفارة الأمريكية في بغداد، وهو الأمر الذي جعل ترامب يتميز غيظاً بدرجة أكبر من صفعة إسقاط الطائرة الأمريكية في المياه الإقليمية الإيرانية.

كانت الحسابات السطحية لترامب وإدارته تقتضي أنه بمجرد ضرب رأس الأفعى أن الأمور ستهدأ والاحتجاجات الشعبية ستتضاءل ويرحل المعتصمون عن محيط السفارة ويضربون عن المطالبة بإخراج القوات الأمريكية من العراق بعد رحيل سليماني، مجدداً تأتي الحسابات الخاطئة لتقدم دليلاً جديداً على الفشل المستمر لإدارة ترامب الإجرامية،

سواء أكان أبو مهدي المهندس مقصوداً بالاغتيال أم أنه صادف وجوده بمعية سليماني إلا أن ذلك لم يكن في صالح التخطيط الإرهابي لإدارة ترامب، فقبل أيام من 2 يناير 2020 خرج الشعب العراقي غاضباً بسبب استهداف عدد من عناصره في الحدود العراقية السورية ليأتي ترامب ليستهدف نائب رئيس الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، فكيف توقع الأمريكيين ردة فعل الشارع العراقي؟

من يتابع تصريحات المجرم ترامب حول العراق سواء قبل توليه أو بعده يجد أن الرجل لا يقيم وزناً ولا يعترف بشيء اسمه العراق أو حكومة مستقلة، وبكل وقاحة وعجرفة يعلن أنه سيأخذ النفط العراقي عنوة لأنه "ليس هناك بلد اسمه العراق" ولا حكومة بل مجرد عدد الفاسدين مع ثروة هائلة من النفط والثروات الأخرى، بناء على هذه النظرة الدونية والمتعجرفة أقدم ترامب على استهداف عناصر الحشد الشعبي التي تعتبر قوات عسكرية رسمية تابعة لحكومة بلد مستقل، إلا أنه ليس كذلك في نظر ترامب مطلقاً.

كانت تلك الدوافع الاقتصادية المتمثلة في الأطماع الأمريكية في النفط، يضاف إليها تفاني الرجل في خدمة الكيان الصهيوني الذي قدم له ما لم يكن يحلم به وفي وقت قصير، كان على رأسها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشريف واعتبار الجولان أرضاً صهيونية، في إشارة إلى الاستهانة الشديدة بالعرب وقضاياهم المركزية، فالرجل ينتمي إلى اليمين المتطرف (المسيحية الصهيونية) الذي يرى في قيام وبقاء الكيان الصهيوني واجباً مقدساً من الجهة الدينية.

لماذا كان اغتيال سليماني فشلاً أمريكياً وفتحاً لإيران

بقدر ما كانت جريمة اغتيال اللواء قاسم سليماني مؤلمة لإيران إلا أنها لم تستلم للعاطفة التي عرف به الاشعب الإيراني وإن بكى المرشد والمشيعون، إلا أن تفكير القيادة الإيرانية ظل محافظاً على توازنه ونظر إلى الجريمة بعين التوظيف، فقد عمل العقل الإيراني على توظيف الحادثة إلى أقصى حد ممكن ما يجعل الجريمة تظهر فشل المجرم وانتصار الضحية. فعن طريق ممارسة الحرب النفسية والإعلامية استطاع الإيراني تحقيق ذلك من عدة جوانب كالتالي:

  • قانوناً تعتبر جريمة اغتيال شخصية عسكرية جريمة حرب وعملاً إرهابياً اعتادت عليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة، كما هي عملية جبانة.
  • عمل الإيراني على تصوير الجريمة أنها لا تعد انجازاً أمنياً أو استخبارياً لأن تحركاته لم تكن سرية بل مكشوفة. وهنا أسقط أي محاولة لتصوير ذلك نجاحاً لواشنطن.
  • رسم الإيراني لنفسه هدفاً استراتيجياً وهو إخراج القوات الأمريكية من المنطقة والتي طالماً سببت له صداعاً أمنياً.
  • استطاع أن يستغل الجريمة في توحيد الجبهة الداخلية في إيران بدءاً بمرور الجثمان من مدينة أهواز العربية في إيران إلى طهران وانتهاءً بكرمان مسقط رأسه.
  • استطاع أن يوحد الشعبين العراقي والإيراني الذي عملت واشنطن على إيجاد شرخ بينهما عبر التظاهرات منذ مطلع أكتوبر 2019، وتمكن من استبدال عبارة "إيران بره بره" بعبارة "أمريكا بره بره".
  • انعكست الجريمة سلباً على التظاهرات في العراق، ورأوا فيها انتهاكاً لسيادة بلدهم، وأصبحت "التسوية" أقرب من الاستمرار أو التصعيد. وهو يصب في صالح إيران لأنه تلك التظاهرات موجهة بالأساس ضدها.

الرد والرد المقابل

 توعد القادة الإيرانيون بالرد الحتمي على اغتيال قاسم سليماني ووصفوه بالرد المزلزل والقاسي والذي سيجعل أمريكا تندم على جريمتها، مارس كل من الإيرانيين والأمريكيين حرباً إعلامية ونفسية على مستوى عالٍ من الاحتراف إلا أن موقف واشنطن أظهر ارتباكاً واضحاً بسبب تخوفه من الرد وكانت الوساطات التي طرقت أبواب طهران خير دليل على ذلك.

الغموض الذي يمارسه الإيراني بشأن الرد ونوعه ومكانه يسبب ضغطاً نفسياً على الأمريكي كما هو على دول الخليج التي أظهرت تخوفاً من التصعيد كونها تضم قواعد ومصالح أمريكية وأيديها ليست بريئة من الحاق الأذى بإيران على مدى السنوات الماضية.

عندما رسم الإيراني لنفسه الهدف الاستراتيجي بإخراج القوات الأمريكية من المنطقة بدأ بتنفيذ ذلك على الفور من جوانبه الممكنة، ففيما كان يمارس الحرب الإعلامية بضرورة إخراج القوات الأمريكية وأنها بجريمتها أنهت الوجود المنحوس لها في المنطقة، كان البرلمان العراقي يتحرك لإصدار قانون بخروج تلك القوات من أراضيه وبالفعل صدر القرار رغم الضغوط الأمريكية لمنع ذلك.

في المقابل شن الأمريكيون حربهم النفسية والإعلامية علي إيران من جوانب لعل أهمها:

  1. استغلال الحادثة لشيطنة إيران لمنعها من استغلال الحادثة لصالحها.
  2. بث المزيد من الشائعات والأخبار المفبركة لتشويه شخصية سليماني ووصفه بأنه السبب في أزمات العراق وسوريا ولبنان واليمن.
  3. التهديد بالرد بصورة مهولة فقد تحدث ترامب عن آليات ومعدات عسكرية جديدة بالمليارات سيتم إرسالها إلى إيران، وضرب ما أسماه (52) هدفاً منها أهداف ثقافية.
  4. الضغط عبر الوساطات العربية والأجنبية.

وشكل وسيناريوهات الرد المقابل سيحددها شكل الرد الإيراني على جريمة اغتيال سليماني.