منذ تبلور القضية الفلسطينية إبان النكبة وما تلاها من نكسات عربية، واليمنيون مرتبطون وجدانياً بالصراع العربي الصهيوني، يستوي في ذلك القوميون واليساريون، والإسلاميون والعلمانيون، بل ربما أن السقف السياسي كان عند اليمنيين أكثر ارتفاعاً وحدة تجاه مسألة تحرير المقدسات العربية والإسلامية في فلسطين أكثر من أي شعب آخر. وقد انعكس هذا الموقف في الثقافة الشعبية وفي المنابر الدينية ووسائل الإعلام، إلى درجة أن الأنشطة المدرسية كانت مزدحمة بالبرامج التفاعلية والتوعوية بشأن مظلومية الشعب العربي الفلسطيني وقضيته العادلة.

 والنتيجة أن اليمن كانت عصية على محاولات الاختراق والتطبيع مع الكيان الصهيوني، فمهما تباينت الخلافات والصراعات السياسية أو الجهوية أو الطائفية، ومهما تصاعدت حدة التجاذبات السياسية والفرز على أساس المحاور الإقليمية والدولية، فقد كان صوت اليمن جلياً إلى جانب الموقف المبدئي والثابت: تحرير كل شبر من الأراضي العربية المحتلة، ورفض الصفقات والمساومات السياسية ما دامت على حساب القضية الفلسطينية.

ومن يراجع البرامج السياسية للأحزاب اليمنية منذ تسعينات القرن الماضي وحتى حلول ما يعرف بالربيع العربي، يلحظ أن الأحزاب كانت تختلف في كل شيء تقريباً إلا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي كانت محل إجماع النخبة والقاعدة الجماهيرية. وقد اشتركت أحزاب السلطة والمعارضة في عدة فعاليات ومناشط جمعتهم تحت يافطة الانتصار للقدس وللحقوق العربية المغتصبة في فلسطين كما في سوريا ولبنان.

وقد لعب المؤتمر القومي الإسلامي دوراً مهماً في إطار تنسيق المناشط المشتركة في مختلف الساحات العربية باتجاه هدف واحد، عنوانه التضامن مع الشعب الفلسطيني، بعد أن خذلته الحكومات الرسمية حين أدارت ظهرها للقضية المركزية، وطغت مفاهيم ومصطلحات سياسية تشرعن للسلام الموهوم، وللتطبيع مع الكيان الصهيوني، والتعامل مع دولة إسرائيل كأمر واقع.

إلا أن العدو الصهيوني ومن خلفه الإدارة الأمريكية كان قد تمكن من إنجاز اختراقات خطيرة كان من شأنها خلخلة الجبهة العربية المقاومة لإسرائيل، وقد كانت اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني أولى هذه الاختراقات التي أفضت إلى عزل مصر عن قضية الأمة المركزية، وقد كانت بقيادتها السياسية القومية رأس الحربة في الصراع العربي الإسرائيلي.

بينما جاء الاختراق الثاني حين أمكن للإدارة الصهيو أمريكية، فرض اتفاقية أوسلو التي انتقصت بشكل كبير من حقوق الشعب الفلسطيني، وأفضت إلى انقسام بين القوى الفلسطينية المقاومة لإسرائيل، وتكبيل منظمة التحرير الفلسطينية بتفاهمات أمنية جعلت ما يسمى بالسلطة الفلسطينية عونا وجلادا بيد الكيان الغاصب وأجهزته الأمنية والعسكرية.

على الصعيد اليمني لم ينخدع شعبنا بهذه المتغيرات، وظل وفياً للقضية الفلسطينية وموجبات استعادة القدس والمقدسات العربية الإسلامية، بعيداً عن أوهام "الأرض مقابل السلام" أو "السلام مقابل الأمن"، وحظيت حركة المقاومة الإسلامية حماس وقائدها الشهيد أحمد ياسين بشعبية كبيرة، وبدأت أخبار حزب الله اللبناني وقيادته الكاريزمية ممثلة بالأمين العام السيد حسن نصر الله، تسلك طريقها إلى وسائل الإعلام اليمنية. وفي عام 2000م وعلى إيقاع الانتصار اللبناني الكبير وتحرير الجنوب من الاحتلال الصهيوني، احتفلت القوى اليمنية بمختلف مشاربها بهذا النصر الاستثنائي، الذي بشر بعهد جديد عنوانه "المقاومة" كخيار وحيد في مواجهة إسرائيل ومن معها أو خلفها..

إلا أن نقاء الموقف لم يلبث أن تلوث بسموم الطائفية، حيث انسلت أصوات تقدح في حزب الله وفي "هويته الشيعية"، وفي علاقته بجمهورية إيران الإسلامية، وبدل أن تتنبه القوى اليمنية لخطورة حضور مثل هذه الأصوات في الخطاب الديني أو السياسي، فقد أفاقت صبيحة العدوان الإسرائيلي على لبنان في أغسطس 2006م، على خيبة أمل كبرى، فبعد أن كان الشارع اليمني أكثر حضوراً وصخباً في التضامن مع القضية الفلسطينية، بدا تأثير الطائفية متصدراً المشهد، وكأن حزب الله هو العدو وليس إسرائيل..!

لاحقاً ومع اندلاع ما يعرف بالربيع العربي وتصدر حركة الإخوان المسلمين للمشهدين السياسي والشعبي في كثير من الدول العربية، تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية على نحو لافت، أما الموقف من حزب الله فقد سلك درب العداوة بشكل ممجوج لا مبرر له سوى أن أيادي العدو الصهيو أمريكي قد أمكن لها إنجاز اختراق كبير على مستوى القاعدة الشعبية العربية التي بدت أكثر انقساما وتيها تجاه قضية كانت حتى الأمس القريب العنوان الذي يجمع كل الفرقاء.

في هذه الأجواء كانت حركة أنصار الله في اليمن قد ظهرت كقوة شعبية أعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية في خطابها وبرامجها وفي علاقاتها بالقوى السياسية الأخرى. وخلال السنوات الأخيرة خرجت الجموع اليمنية في مسيرات تضامنية غير مسبوقة مع فلسطين والقدس. ومن تابع المسيرات الشعبية في العام الماضي يلحظ الزخم الشعبي الكبير الذي شهدته الكثير من المحافظات اليمنية، وهي تهتف بالموقف الثابت المساند لخيار المقاومة بهدف تحرير الأراضي الفلسطينية، والرفض المطلق لكل سيناريوهات التطبيع والاعتراف بالكيان الصهيوني.

وقد ظهر السيد عبد الملك الحوثي في أكثر من خطاب مؤكداً على أن اليمن جزء لا يتجزأ من محور المقاومة والممانعة، مهما كانت الاتهامات الظالمة التي تطال صنعاء والقوى الوطنية فيها. واتصالاً بهذا الموقف جاءت مبادرة قائد حركة أنصار الله أو ما يعرف بالمسيرة القرآنية، التي عرضت على الرياض صفقة مبادلة لعدد من الجنود والضباط السعوديين الأسرى لدى اليمن مقابل الإفراج عن فلسطينيين تعتقلهم السعودية في إطار التنسيق مع الكيان الصهيوني.       

وبهذه المواقف السياسية والشعبية لأنصار الله أمكن القول أن اليمن قد استعادت البوصلة من جديد، بل إن العدو الصهيوني نفسه قد أدرك أهمية هذا المتغير الكبير في اليمن، وبات يعبر عن قلقه على الملأ، فمعادلة الردع اليمانية في مواجهة العدوان السعودي الأمريكي تفرض نفسها على معادلات المواجهة مع العدو الصهيوني، الذي يعمل بدأب على تصفية القضية الفلسطينية مستغلا خنوع الأنظمة العربية وانشغال الكثير من المجتمعات الإسلامية بالصراعات الداخلية والجانبية، المتوازية مع حروب داخلية ومؤامرات خارجية تشهدها وتتعرض لها دول محور المقاومة العربي والإسلامي.