قبل الخوض في مسارات الحرب الدائرة في ليبيا وانخراط تركيا فيها إلى جانب قوات حكومات الوفاق، واحتمالات انخراط تركيا مجددا في حروب أخرى في المنطقة العربية لنصرة القوى التي تشاركها نفس الأيديولوجيا أو تتقاطع معها في المصالح، لابد لنا أولا من فهم طبيعة العلاقات الإقليمية التركية حتى نتمكن من تحليل مرامي وأهداف النظام التركي.

لتبرير تدخلها بالشأن الليبي تتحجج تركيا بالعلاقات التاريخية التي تجمع بين البلدين. فعلاً، بدأت تلك العلاقة في منتصف القرن السادس عشر (1551)، استنجد الليبيون بالأتراك لمساعدتهم ضد الاسبان اعتباراً للمشترك الأخوي الديني. بعدها تحول الوجود التركي إلى احتلال دام حتى 1913 عندما انسحب الأتراك أمام الاستعمار الإيطالي وتقاعسوا حتى عن الدفاع عن مصالحهم في البلاد. بدوره انتهى الاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1943.

لم يتميز الوجود التركي في الدول العربية عن أي احتلال آخر. فقط محمد علي باشا من بين الولاة العثمانيين استقل بمصر عن الباب العالي عام 1805، بعد طرد الفرنسيين. واتخذها وطنا له، وبدأ فيها ببناء دولته الخاصة. حتى الاحتلال البريطاني1882، وبقيت مصر تابعة اسمياً للدولة العثمانية. تحالُف العثمانيين مع ألمانيا في الحرب العالمية الأولى دفع بريطانيا لإعلان مصر محمية بريطانية.

اعتبرت تركيا أن الثورة العربية ضد الوجود التركي التي دعمتها بريطانيا عملاً عدوانياً من جانب العرب متهمة إياهم بالانحياز للغرب، لذلك اتسمت علاقتها بالعرب بالعداوة. وزادت الفجوة بين العرب والأتراك عندما أقدمت تركيا على الاعتراف بالدولة الصهيونية في 28 مارس 1949، ثم اتخذت مواقف معادية لحركة التحرر العربية مثل الدوان الثلاثي على مصر، ومعاداتها للثورات في الجزائر وسوريا والعراق([1])، وغير ذلك.

فقط في منتصف الستينات بدأت تركيا البحث عن أصدقاء في المنطقة العربية بفعل متغيرات دولية وإقليمية كثيرة منها احتلالها قبرص، الذي أدى إلى عزلتها. على أن العلاقات لم تكد تستقر على حال حتى تشهد توترات هنا وهناك. وفي ثمانينيات القرن الماضي بدأت تتحسن العلاقات مع الجماهيرية الليبية وهي علاقات ذات منافع اقتصادية متبادلة، وخلال عقدين توسعت مجالات التعاون بين البلدين.

كما أن العلاقات الروسية التركية المعاصرة تستند على إرث كبير من العداء وتضارب المصالح، وبالتالي فهي تحمل في أحشاءها أسباباً للتناقض والمواجهة. تواجهت روسيا وتركيا أكثر من 10 مرات في تاريخهما في تناقضات مفتوحة. وكان للعديد من الحروب الروسية التركية نتائج مختلفة لكلا الطرفين: تكسب هذه أو تلك أو تخسر الأرض ومجالات النفوذ. ويمكن أن تشكل أحداث الحرب العالمية الأولى مثالاً على المواجهة المفتوحة بين القوات الروسية والتركية. في هذه الحرب واجه تحالف الوفاق الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وروسيا) (أنتانتا)، تحالف النمسا والمجر والإمبراطورية العثمانية وبلغاريا.

أهم أسباب الحروب الروسية التركية المتكررة هو الوضع الجغرافي السياسي لتركيا، الذي يشكل مفترق طرق بين أوروبا وآسيا. فقد مرت جميع الطرق التجارية والشريانية التي تربط بين الشرق والغرب بشكل رئيسي عبر أراضيها. على الرغم من أن حوالي 96٪ من الأراضي التركية تقع في آسيا، و4٪ فقط في أوروبا، فقد كانت الإمبراطورية العثمانية تنجذب دائماً إلى الأخيرة وتستمر تركيا الجمهورية اليوم بنفس الاتجاه (وهو ما تؤكده رغبتها في أن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي). يُظهر التاريخ أنه غالباً ما تقف مصالح روسيا في طريق التقارب التركي الأوروبي. وتسعى روسيا إلى منع قيام أي تحالف محتمل مناهض لها (بمشاركة تركيا). في الوقت نفسه، ظل الهدف الاستراتيجي الرئيسي للسياسة الخارجية للإمبراطورية الروسية لسنوات عديدة هو الحصول على نظام مواتٍ لعمل مضايق البحر الأسود - البوسفور والدردنيل، التي كانت تحت سيطرة تركيا. كما كان الأسطول الحربي البحري الروسي سبباً لتفاقم العلاقات الروسية التركية.

وتجدر الإشارة إلى أن الدول الأوروبية نفسها غالبًا ما تثير العداء الروسي التركي، إما محاولة خلق نوع من الموازنة التي عززت مكانتها في الساحة العالمية لروسيا (حرب القرم)، وأحيانًا تحاول "كبح" رغبة تركيا في تعزيز نفوذها في القارة، كما كانت تركيا أحد أسباب أزمة الصواريخ في كوبا، بسبب سماحها بنشر صواريخ استراتيجية أمريكية على أراضيها وعلى مقربة من الحدود السوفيتية.

على الرغم من حالة التوافق فقد توترت العلاقات بين روسيا وتركيا في نوفمبر 2015، عقب إسقاط قاذفة روسية من طراز سو-24 أثناء عملية لها فوق الأراضي السورية. وشكل مقتل قائد الطائرة وأحد جنود البحرية الروسية على أيدي المقاتلين الأتراك، من بين أمور أخرى، صدمة لكل روسيا. ثم لحقت الإجراءات التي اتخذها الزعيم التركي رجب طيب أردوغان، الذي بدلاً من الاعتذار للجانب الروسي، دعا لعقد اجتماع طارئ للناتو، وألقى باللوم على روسيا في انتهاك المجال الجوي. لكن لم يكن لدى أنقرة دليلاً على ادعاءاتها. بينما قدمت سوريا وروسيا سجلات تثبت أن الطائرة الروسية لم تعبر المجال الجوي التركي. في هذا الصدد، قطعت روسيا الروابط السياحية مع المنتجعات التركية، وعلقت استيراد السلع والمواد الغذائية التركية ونظام بدون تأشيرة (1 يناير 2016)[2].

أما علاقة تركيا تاريخياً باليونان فلا تعرف الاستقرار يوماً، فتاريخ علاقة البلدين عبارة عن سلسلة ممن الحروب المشتعلة، حتى في ظل عضويتهما في الناتو، واشتراكهما في العداء للاتحاد السوفيتي في أتون الحرب الباردة[3].

تعود الخلافات بين مصر والأتراك إلى فترات الصراع بين الولاة العثمانيين في المنطقة، وفي العصر الحديث إلى الموقف العدائي التركي من الثورة المصرية عام 1953، والعدوان والثلاثي، وقد تحسنت تلك العلاقات نسبياً في عهد مبارك، ولكنها عادت للانتكاس أثناء ثورات الربيع العربي عام 2011، عندما "صرح أردوغان من خلال خطاب له في البرلمان التركي بأن على الرئيس مبارك أن يرحل عن منصبه"[4]، ورمت تركيا بكل ثقلها خلف جماعة الاخوان، ثم خلف حكومة مرسي الذي عزل في 30 يونيو 2013.

هكذا تبدو الصورة....

 الربيع العربي في ليبيا:

اجتاحت رياح الربيع العربي ليبيا أسوة ببقية الدول العربية في شمال افريقيا واليمن وسوريا، على أن هذا الربيع في ليبيا اتخذ منحى الحرب التدميرية الشاملة بصورة مخططة ومدروسة من جانب حلف الناتو والحجة الجاهزة هي دعم التحول الديمقراطي فيها. الغريب في الأمر أن الحلف لم يقدم دعمه لقوى ديمقراطية معروفة بمسلكها الديمقراطي ولكنه على العكس كانت غاراته الجوية مركزة لضرب البنية التحتية الليبية وتمكين التنظيمات المتطرفة والارهابية "من السيطرة على الأرض. كما أنه " تم تدريب جزء كبير من ممثلي المعارضة المسلحة (وفقاً لبعض البيانات، 15-25 ٪) في معسكرات تدريب الإسلاميين في أفغانستان وباكستان، وشارك في الأعمال العدائية في العراق"،[5].

ويبدو أن الربيع العربي قد فتح شهية التوسع الجيوسياسي للقيادة التركية التي بدأت بالحنين لماضيها الامبراطوري مع بزوغ نجم الإسلام السياسي فيها (حزب العدالة)، وعودة تركيا إلى المنطقة لن يكون إلا عبر التيارات المتطرفة التي تدعمها في كل من سوريا وليبيا، وقد شهدنا كيف أنها تحمي وتنقل المتطرفين بين هاتين الدولتين.

وكما لم تغب تركيا عن الحرب في سوريا، فإنها لم تغب كذلك عن تمويل وتسليح نفس تلك الجماعات، بل وعملت بعد إخفاق حربهم في سوريا على تجنيد المقاتلين السوريين كمرتزقة للقتال إلى جانب قوات حكومة الوفاق الليبية خاصة بعد توقيع الاتفاق التركي مع حكومة الوفاق في مذكرتي تفاهم حول ترسيم الحدود البحرية وتقديم الدعم لحكومة الوفاق في 27 نوفمبر 2019.وقد صادق عليها البرلمان التركي بينما لم يوافق البرلمان الليبي عليها. وأكثر من ذلك فقد انخرط الجيش التركي نفسه في الحرب إلى جانب مليشيات الاخوان المسلمين في ليبيا، وهذا لم يعد سراً فقد أفصح أردوغان عن ذلك بعد أن كانت تركيا تنفي ذلك.

ما الذي يجري هناك؟

تدور في ليبيا اليوم أحداث لعبة دولية متعددة الأقطاب، ليست تركيا سوى لاعب واحد يحاول أن يسابق الزمن. الدول العربية التي مهدت للحرب بأموالها ومشاركتها الفعلية، -فقد "وافقت كل من الإمارات وقطر على المشاركة في الحرب ضد قوات القذافي بإرسال العديد من طائراتها إلى هناك")[6])، - ليست أكثر من "نائب فاعل" لم يعد "مستتراً" على كل حال. بمعنى أن هذه الدول ليس لها مصلحة وطنية مباشرة في الحرب الدائرة حالياً في ليبيا، وإن انحصرت مصلحتها في بداية الربيع العربي في التخلص من معمر القذافي لحاجات سياسية ناجمة عن ردود أفعال حيال شخص القذافي، وهنا تكون النزعة الانتقامية لتلك الدول قد بلغت مبتغاها، وما تقوم به اليوم هو العمل بالوكالة لصالح قوى أخرى حددت مسبقاً ماذا تريد في ليبيا. إلا أن التحول الدرامي للحرب شل حركة تلك الدول وعلى الأخص الإمارات، فلم يكن بوسعها غير تأييد مبادرة القاهرة للسلام في ليبيا، أما قطر فتبدو في حالة نشوة قد تطول وقد لا يسعفها الوقت للتمتع بها، بسبب حدوث ردود أفعال غير متوقعة.  

تشعر تركيا بأنها باتت قوة إقليمية قادرة على التأثير في مجريات الأحداث، ليس فقط في محيطها الإقليمي بل وفي المنطقة العربية ككل. فهي تنظر للمنطقة كونها إرث قديم ينبغي استعادته.

مجموعة أهداف تريد تركيا تحقيقها في البحر الأبيض المتوسط (أهداف اقتصادية، وأهداف جيوسياسية وأخرى عسكرية). تعتقد تركيا أن مصالحها الاقتصادية التي جنتها في فترة تحسن علاقتها بمصر في عهد مبارك وتلك التي كانت تأمل في الحصول عليها بدعم نظام الاخوان هناك قد تبخرت، أو فلنقل تأجلت إلى فترة قد تكون طويلة، وبالتالي فهي تريد تعويض ذلك بمكاسب سياسية تنتزعها من مصر من خلال إزاحة الأخيرة عن قيادة المشهد السياسي – ( فقد شهد الدور المصري تراجعاً لافتاً خلال فترة الركود السياسي للنظام المصري)- في قضايا الدول العربية والإسلامية خاصة فيما يخص القضية الفلسطينية وقد تجلى ذلك بالمشاهد الاستعراضية لأردوغان في مؤتمر دافوس وحول حصار غزة وسفينة مرمرة.

 لا تريد تركيا أن تفقد كذلك جملة المصالح الاقتصادية التي كونتها في ليبيا خلال العقد الأخير من القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي (مصالح نفطية، صناعية، تجارية، سياحية، تشغيل أيدي عاملة تركية)، بل وتريد إضافة مصالح أكبر بالاستحواذ على الموانئ وحقول النفط، وهذا الكلام جاء على لسان اردوغان أثناء حديثة عن المعارك الدائرة في ليبيا وأن الهدف هو الاستيلاء على "سرت" الغنية بالنفط، كما أن سرت هي الورقة الرابحة في أي عملية تفاوضية. وهكذا فإن الطرف الأكثر موثوقية لتعزيز المصالح التركية هو حكومة الوفاق وبالتالي فإن تثبيتها على الأرض راهناً يعتبر أولوية قصوى.

القيام بتلك المهمة يتطلب تواجداً عسكرياً في ليبيا، ولا تنتهي القصة هنا، فالتواجد العسكري يمكن أن يحقق عدة أهداف في آن واحد، الأول والأهم هو الاقتراب من الحدود المصرية وتهديد الأمن القومي المصري، وهذا حسب الاعتقاد التركي سيمكن أنقرة من ممارسة الابتزاز على مصر، أما ثانياً، فإن إطالة أمد الحرب سيولد موجة جديدة من المهاجرين الأمر الذي سيوفر ورقة جديدة ترفعها تركيا في وجه الإتحاد الأوروبي كما فعلت تماماً في سوريا. أما ثالثاً، فهو أن التواجد العسكري في ليبيا سيشكل حماية لأعمال التنقيب عن النفط والغاز التي ستقوم بها الشركات التركية في البحر الأبيض المتوسط، قبالة السواحل اليونانية وعلى مقربة من الحدود البحرية المصرية وغيرها من الدول.

وبرغم ما شاب العلاقات الأمريكية التركية من التوتر إلا أن المراقبين يلاحظون تواطئاً أمريكياً حيال الاشتغال التركي في الحرب الليبية، فقد صرح أردوغان أنه "بعد الاتصال مع الرئيس الأمريكي بإمكاننا القول إن مرحلة جديدة ستبدأ بالنسبة إلى تركيا"([7]).

المشكلة أن لعبة المصالح ليست مقتصرة على تركيا وحدها. كانت ليبيا سوقاً للسلاح الروسي بلغ حجمها 13 مليار دولار، كما أن روسيا وعبر شركاتها مثل (لوك أويل وجاز بروم) ضخت استثمارات كبيرة خلال السنوات الماضية في مجالات مختلفة منها السكك الحديد والنفط والغاز، حيث أن جاز بروم "في 2006-2007 فازت بسلسلة مناقصات لتطوير حقول النفط البحرية في البحر المتوسط. كما وقعت جازبروم وإيني الإيطالية اتفاقية حول التطوير المشترك لاحتياطيات الغاز الضخمة في شمال البلاد (مشروع الفيل). كما تأتي المصالح الصينية في نفس السياق، فبعد الطفرة التقنية والاقتصادية التفتت الصين نحو الأسواق العالمية الواعدة وأولها أفريقيا وليبيا على وجه الخصوص حيث تستثمر 75 شركة صينية منها 13 شركة حكومية، وقد تعرض الصينيون لتهديدات مباشرة وربما تكون موجهة ففي "الأسبوع الأول منذ بداية الاشتباكات المسلحة، هاجم المتمردون 27 مبنى ومبنى سكني صيني ونهبوا معدات البناء ومعدات المكاتب، وتم سحب الأموال من العمال. أصيب 15 عاملاً صينياً بجروح خطيرة. في ظل هذه الظروف، اتخذت بكين إجراءات عاجلة لإخلاء مواطنيها،"([8]). وحينها صرح مصدر صيني "إن الصين لا تتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وهذا الموقف هو موقف صيني ثابت"، لكن ذلك كان قبل أن تقحم تركيا نفسها مباشرة في هذه الحرب.

برزت ردود أفعال من جهات عدة (فرنسا وإيطاليا واليونان) التي اعتبرت التواجد العسكري التركي في ليبيا تهديداً لمصالحها في هذا البلد، الردود الأوربية لم تترجم إلى أفعال محددة لكبح جماح تركيا، فتركيا على كل حال عضو في الناتو، بينما ليبيا موضوع للنهب، فمن يسبق من؟ وجاء رد الفعل كذلك من مصر التي جمعت كل من خليفة حفتر قائد الجيش الوطني وعقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي ونجم عن ذلك إصدار مبادرة للسلام في ليبيا، سرعان ما رفضتها تركيا وحكومة الوفاق باعتبارها جاءت لإنقاذ حفتر. ولقيت المبادرة قبولاً من عدة أطراف دولية.

"الإحساس بالوقت والخطر عند العرب مفقود"، هذا ما تبينه المبادرة المصرية وتوقيتها، فلم يشعر الساسة المصريون بخطورة الموقف على حدودهم إلا بعد الانتكاسة المريرة لقوات الجيش الوطني الليبي، وهذا ليس المؤشر الوحيد لما نذهب إليه، فمثلاً الذين دفعوا بالفلسطينيين إلى أوسلوا وتركوهم وحيدين ثم ناموا ولم يفيقوا إلا على واقع آخر لا قبل لهم به، وليس أمامهم من خيار إلا التطبيع. ولكن ربما يخفف ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان بعد ترسيمها بين إيطاليا واليونان من وطأة الاتفاق (التركي الليبي)، ولكنه قد يعجل بعقد تحالف إسرائيلي تركي على قاعدة مصالح الطاقة و"العلاقات التاريخية بين الجانبين".

اليمن ولعبة الأحلاف:

تتداخل الأزمة الليبية في مثلثات جيوسياسية غريبة. مع اجتياح الجنود الأتراك الحدود للمشاركة في الحرب الليبية برز زعيم اخوان تونس منادياً لجعل تونس قاعدة انطلاق لدعم حكومة الوفاق الليبية. هذا الأمر أثار ضجة واسعة في تونس، حيث طالبت القوى السياسية التونسية بالحفاظ على حيادية بلادها في هذه الحرب. بينما أكد "الغنوشي" أنه لا حياد لتونس حيال مصالحها في ليبيا، على أنه لم يوضح طبيعة تلك المصالح بصورة دقيقة. لقد كانت حركة النهضة مندمجة منذ البداية بحرب ليبيا إلى جانب الجماعات المسلحة فشكلت تونس بذلك نقطة عبور قبل أن تتم السيطرة على الوضع. يمكن الافتراض بسهولة أنه في حال رفضت الرئاسة والحكومة التونسية التورط في ليبيا فإن حركة النهضة ستكون حاضرة من خلال ميليشياتها وجهازها السري الذي تم الكشف عنه بعيد اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013،)[9]).

طبعاً، القصة ليست هنا، القصة في التحالف الثلاثي الذي سينشأ بين كل من تونس (النهضة) وتركيا وحكومة الوفاق الليبية وعلى الجغرافيا سيكون رأس المثلث تركيا وقاعدته تونس وليبيا. وهناك مثلث جغرافي استراتيجي يحتدم حوله الصراع (هرمز-باب المندب- السويس)، تشرف اليمن على إحدى زوايا هذا المثلث وكل من إيران ومصر على الزاويتين الأخريين. وبالتالي ستحشر اليمن في جوف هذا الصراع أرادت ذلك أم لم ترد. ثم هناك تحالف ثلاثي آخر، ونقصد التحالف التركي القطري الإيراني، والذي تشكل عقب انفراط عقد التحالف التركي السعودي القطري الذي نشأ لإسقاط النظام السوري. ويعتبر التحالف القطري التركي الإيراني هشاً قياساً إلى التحالف الأول بسبب تضارب المصالح التركية الإيرانية وحضور العامل الأمريكي.

ستجد اليمن نفسها محشورة في تحالف ثلاثي جديد تروج له بعض الأوساط (تركي، قطري، إخواني)، وهذا لم يعد سراً، فقد كشفت وسائل إعلام عن وجود استخباري تركي في شبوة شرق البلاد بشدة يقوم بالتحضير لاستقبال القوات والمعدات العسكرية التركية، خصوصاً بعد زيارة بعض المسؤولين الحكوميين اليمنيين لأنقرة. وقالت المصادر إن ذلك يأتي بهدف تشكيل سياسي مناهض للتحالف العربي إن "إخوان اليمن الذين يقفون وراء هذا التكتل يخططون للاستقواء العسكري والسياسي بتركيا في استنساخ للتدخل التركي في سوريا وليبيا"،)[10]). بل ذهبت بعض الأوساط للحديث عن تجنيد مواطنين يمنيين للقتال إلى جانب قوات حكومة الوفاق الليبية، وفي نفس الوقت هناك حديث عن طلب مصري لتجنيد مقاتلين من اليمن لدعم الجيش الوطني الليبي. وما من شك في أن بعض الأطراف على الضفتين ستسارع إلى تلبية هذه الطلبية العاجلة، بل وربما قد فعلت. هذا لا يزيد عن كونه عبث إضافي ضد أبناء البلد بعد الحرب والأمراض والأوبئة التي تفتك بهم وبمستقبلهم لصالح حفنة قليلة.

إن احتمالات قيام تحالف من هذا النوع كبيرة جداً، خاصة إذا ما استمرت قوات حكومة الوفاق الليبية بقيادة تركيا في تحقيق انتصاراته المتسارعة وحققت السيطرة بأقل الخسائر البشرية والتقنية.

وفي حال اليمن، فلن يتردد الأتراك بالاستنجاد بالعلاقة التاريخية التي تربط البلدين، مع فارق أن الوجود التركي في اليمن لم ينجم عن طلب اليمنيين للنجدة من الأتراك. لقد حضر الأتراك دون دعوة، مثلهم مثل البرتغاليين والأحباش والإنجليز، وكان حضورهم على مرحلتين؛ في الحملة الأولى التي استمرت من عام 1539 حتى 1634، أحكموا سيطرتهم على عدن بعد شنق حاكمها الطاهري عامر بن داوود الذي ذهب لمقابلة الحملة التركية في ميناء المدينة ونهب الجنود الأتراك المدينة، ثم تركز وجودهم في عدن وزبيد والمخا، ولم يستقر لهم الأمر في المرتفعات. كان احتلال الأتراك لليمن بدواع سياسية واقتصادية بحتة، فقد وقف خادم سليمان باشا وراء قرار احتلال اليمن بعد مصر التي احتلوها عام 1617 بعد هزيمة المماليك وقال مسوغاً قراره: "اليمن بلد بلا حاكم، مقاطعة خالية. لن يكون احتلالها ممكناً فحسب بل سهل، وعندما نسيطر عليها، ستصبح سيدة أراضي الهند ترسل كميات كبيرة من الذهب والمجوهرات لإسطنبول)[11]). الحملة الثانية فكانت من 1872 حتى 1911، أسقطت فيها تركيا الدولة القاسمية وأسست ولاية اليمن.

في حالة تشكل التحالف الثلاثي الجديد (اليمن تركيا قطر)، ستبرز مفارقة غريبة ربما ستظل ملازمة لليمن إلى ما لا نهاية. تكمن هذه المفارقة في وضع تحالف إخوان اليمن العضوي مع السعودية، فقد كانوا منذ انقلاب 5 نوفمبر 1967 الوكيل المحلي الأمين لتنفيذ الأجندات السعودية على المستوى المحلي والإقليمي. إذاً من سيفض تحالفه أولاً: السعودية أم الاخوان؟

كما ستبرز الكثير من الأسئلة التي تتطلب إجابات واضحة ودقيقة كونها ستحدد ليس فقط مصير الحرب بل والبلد بأسره.

من بين أهم الأسئلة التي ستبرز:

ما إذا كان بريق النجاحات التي تحققها القوات التركية في ليبيا سيعميها عن خسائرها البشرية التي منيت بها في اليمن إبان حملتيها، وفي حالة قررت المضي قدماً هل سيكون حالها بالنتيجة أفضل من حال السعودية؟

وهل حددت تركيا أمام حلفائها اليمنيين طبيعة المصالح التي يجب تحقيقها في اليمن؟ وهل تدخل منابع النفط والموانئ في نطاق المصالح التركية؟ وماهي المصالح التي سيحققها الحلفاء لأنفسهم؟ (هنا ينتفي أي حديث عن السيادة).   

ثم هل ستفض الشرعية بكل "جزرها المتناثرة" تحالفها مع السعودية، وهل هي من يملك قرار ذلك؟

أم أن الشرعية ستنقسم انقساماً مخططا ليكون فريق منها ضمن التحالف السعودي الإماراتي، والآخر ضمن التحالف القطري التركي؟ أو أنه سيحدث انقسام عشوائي لا رجعة فيه في بنية الشرعية يحدد فيه كل طرف وجهته النهائية.  

هل القوى التي تم تصنيفها في خانة الإرهاب ستحافظ على ولاءها للمول القديم، أم أنها أيضاً ستتأثر بالاستقطاعات الجديدة؟ والسؤال الأهم هل ستترك الإمارات (شقيقتها السعودية) تواجه تركيا منفردة، أم ستعود بعد أن كانت قد انسحبت؟

ثم ما موقف الولايات المتحدة في حالة كهذه، ستقدم الحماية للسعودية أو ستقف إلى جانب تركيا العضو في الناتو وتقول (من حق تركيا الدفاع عن مصالحها)، أو أنها ستغض الطرف عما يجري.  

لا شك أن نشوء تحالف كهذا من شأنه أن يرغم جميع القوى المتقاتلة والمهيمنة على الأرض- (لأننا لا نستطيع هنا الحديث عن قوى سياسية) - على إعادة صياغة تحالفات جديدة تستوعب جملة المتغيرات التي ستطرأ على طبيعة الحرب.

وأمام هذه القوى يقف تحدٍ حقيقي، يتمثل في استعدادها وقدرتها على تبادل التنازلات في سبيل مواجهة تحالف كهذا؟

المؤشرات كثيرة على استحالة تحقيق نصر كامل لأي طرف. الكثيرون يدركون ذلك جيداً، ولكن بالنسبة لفريق كبير من الساسة وأمراء الحرب لا بأس من إطالة أمد الحرب ما دامت توفر عائدات مرضية له

هناك احتمالات كثيرة لأحداث كبيرة قد تسبق وصول القوات التركية فيما لو تحقق الحلف، ليس أقلها حدوث انشقاقات وتصدعات كبيرة في داخل أغلب الأطراف. على أن أفضل ما يمكن أن تقوم به جميع الأطراف هو الدعوة الوطنية لإيقاف الحرب والالتزام بها. واقتراح مؤتمر وطني اطاري لتحديد مصالح الأطراف وحدود تصرفاتها.

11يونيو 2020.

الهوامش:

هل ستكون هناك حرب بين روسيا وتركيا؟

 http://inosmi.ru/country_russia/20160224/235508660.html.

أخر مشاهدة: (08.06.2020).

  هل تتجاوز تركيا واليونان خلافاتهما المستمرة منذ قرنين؟

https://www.bbc.com/arabic/42266418

. حامد أوغلو. خلاف طويل الأمد.. مستقبل العلاقات التركية المصرية في ظل حكم أردوغان.

https://www.zamanarabic.com/2019/12/11/

فاسيليف ألكسي ونيكولاي بيتروف. وصفات الربيع العربي. باللغة الروسية. اصدار الجوريتم. ط.1. موسكو، 2012.

https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2020/06/09/                 

نور الدين مباركي. تقرير اخباري.   https://www.france24.com/ar/20181003

نبيل عكيد محمود المظفري. العلاقات الليبية التركية 1969-1989.دراسة سياسية اقتصادية. دار غيداء للنشر والتوزيع-الأردن. ط.1، 2010 [4]

صحيفة اليوم الثامن: زيارة الجبواني إلى تركيا.. هل تشكل تكتلا سياسيا مناهضا للتحالف؟

https://alyoum8.net/news/60722

 https://ar.wikipedia.org/wiki/

عن المرجع الإنجليزي:

Giancarlo Casale (2010). The Ottoman Age of Exploration. Oxford University Press. P.43.ISBN 0-19-979879-6.

 

 

 


[1] المظفري، نبيل. 2010. ص. 75

[2] موقع إنوسمي. رو. 24.02.2016

[3] موقع بي بي سي عربي.

[4] حامد أوغلو.11.12.2019

[5] فاسيلييف، وبيتروف. 2012.ص.51

[6] فاسيلييف، و بيتروف

[7] موقع سي إن. إن. العربية. 09.06. 2020

[8] فاسيلييف، وبتروف. ص. 273

[9] موقع فرنسا 24.04.10.2018

[10] اليوم الثامن. 24.12.2019

[11] ويكيبيديا