مقدمة
    ارتبط العام 2011م بما عرف بالربيع العربي، أو عام الثورات العربية كما يسميه البعض والذي تحول إلى فرصة  لتعميم بعض المفاهيم الجديدة كمفهوم "الفوضى الخلاقة" والتي حاولت الولايات المتحدة الأمريكية علي مدار عقدين من الزمان تعميمها وتسويقها باعتبارها الأداة الأقل كلفة، التي تُمكن من تقسيم المنطقة العربية إلى كانتونات صغيرة، يمكن من خلالها ابقاء حالة عدم الاستقرار بل والوصول إلى حالة من الصراع الدائم بينها يضمن جملة من الأهداف الاستراتيجية ليس اقلها كما تعلن الادارات الأمريكية المتعاقبة "ضمان أمن إسرائيل"، بالإضافة إلى  ضمان تدفق النفط إلى الغرب والولايات المتحدة بأقل تكلفة ممكنة، وفي سبيل تحقيق ذلك كان لابد من ايجاد أدوات بديلة منفذة لهذه المخططات، توفرت لها من خلال بعض الأنظمة العربية التي سعت وبحماسة كبيرة للعمل علي تدمير الدول العربية الكبرى "مصر – سوريا – العراق – ليبيا – اليمن" والتي مثلت دول القيادة في المنظومة العربية المواجهة للعدو الرئيسي للعرب وهي إسرائيل.
-   ففي العراق تدخلت أمريكا عسكرياً وعلى مدار عقد كامل عبثت بالنسيج الاجتماعي وهيأت الظروف لانتشار الدواعش والاقتتال الطائفي تمهيد لتقسيم هذا البلد.
- وفي ليبيا تدخل الغرب عسكرياً لإسقاط نظام القذافي بغرض تفتيت ليبيا وتمزيقها والسيطرة على ثرواتها ...
- أما في سوريا فقد تم إيكال مهمة نشر الفوضى وتدمير ذلك البلد العربي المهم إلى جماعات التكفير التي تم جلبها برعاية أمريكية غربية من كل أصقاع العالم بتمويل سعودي قطري خليجي.
- أما في اليمن فقد اطمأن الأمريكي إلى التقارير الخاطئة  التي ترفع له حول وعي الشعب اليمني وقدرته على مواجهة ما يحاك ضده في كواليس أجهزة المخابرات الدولية، فتعاملت واشنطن مع الملف اليمني  بطريقة مغايرة فمن خلال المبادرة الخليجية  تم إعادة إنتاج نظام حاكم مُستلب هش وضعيف ومرتهن، اعتقد الأمريكي أن تنفيذ مخطط تمزيق وتفتيت اليمن وإخضاعه لسيطرة جماعات التطرف الاسلامي داعش وأخواتها، سيكون من السهولة بمكان نتيجة لأن الشعب اليمني مثقل بهمومه الاقتصادية ويعاني من الفقر والجهل الذي لا يؤهله لأي تحرك مقابل، مستعيضاً عن ذلك بقليل من الضغوطات على بعض القوى السياسية التي رضخت سريعاً ووافقت على لعب دور المُشرعن لهذه المخططات المشبوهة..
المقدمات  
في 2011 انطلقت رياح ما يسمى بالربيع العربي كان الشعب اليمني متطلعاً إلى مستقبل أفضل وقدم في سبيل ذلك الكثير من الأوجاع والمعاناة والتضحيات، وبينما كان اليمنيون سائرين في طريق الثورة السلمية ضد الفساد والاستبداد وبحثاً عن الكرامة والغد الأفضل كان الأمريكيون والسعوديون ينفذون كميناً محكماً لتطلعات الشعب اليمني لقطع الطريق على الثورة السلمية، وتمثل ذلك الكمين فيما عرف بالمبادرة الخليجية التي أعادت تقسيم السلطة مجدداً على ذات الأطراف الحاكمة التي خرج الشعب رافضاً لفسادها وتسلطها ..  
كرست المبادرة الخليجية الموقعة في الرياض في 23 من نوفمبر 2011 فكرة المحاصصة والتقاسم والذي شكل أرضية لممارسة الفساد وضياع الحقوق في دهاليز المنافسة الحزبية ليظل الشعب الذي ضحى بحثاً عن العدالة والحرية والحكم الرشيد خارج دائرة الاهتمام .
وكان موقف القوى الثورية الأكثر صدقاً وتعبيراً عن تطلعات الشعب اليمني والمتمثل في أنصار الله والحراك الجنوبي، رافضاً لمخرجات المبادرة الخليجية، فاستمرت الفعاليات الثورية السلمية في مختلف ساحات الثورة  منذ ما بعد توقيع المبادرة الخليجية في نوفمبر من العام 2011 حتى  يوم الـ 21 من سبتمبر في العام 2014 م، فيما الإخوان المسلمين وبعض الأحزاب المحسوبة على اليسار كالاشتراكي والناصري تخلوا عن تضحيات الشباب وعادوا من الرياض لتقاسم المغانم والمناصب بعد أن منحوا الرئيس  السابق علي عبد الله صالح ومن عملوا معه حصانة أقرها ممثلو تلك الأطراف في البرلمان تحت مسمى قانون الحصانة، وفي 18 مارس 2013 انطلق الحوار الوطني واستمر لمدة عشرة أشهر أي حتى 25 من يناير 2014 حاولت من خلاله بعض القوى الإقليمية والدولية تمرير مقررات تقسيم اليمن وإعادة صياغة خارطته السياسية بما يتلاءم مع التصورات الجديدة لما يسمى بالشرق الأوسط الجديد القائم على إنشاء كيانات مذهبية وعرقية ومناطقية  وتقسيم على أساس استعماري في الجنوب، وطائفي في الشمال يضمن السيطرة على الموارد النفطية والمعدنية والتحكم في باب المندب فيما تسعى السعودية إلى اقتطاع حضرموت لتنفيذ مشروع مد أنابيب النفط إلى بحر العرب دون الاضطرار للمرور عبر خليج هرمز ..
يشار إلى أنه عندما قرر أنصار الله (وهم طليعة الثورة التصحيحية) المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني كان يحدوهم الأمل في النجاح بالتأثير إيجاباً لصالح مقررات تحقق أهداف الشعب وتقترب من تطلعات اليمنيين التي سرقت من قبل السعودية والأمريكيين وأحزاب اللقاء المشترك .. وقد اتسمت مشاركة أنصار الله في الحوار بفعالية وجدية الأمر الذي لم تكن تتوقعه بعض الأطراف التي راهنت على انسحاب أنصار الله من الحوار لإعادة عزلهم وتصنيفهم كحركة متمردة خارج الاجماع الوطني..
لم تفلح الأطراف المنتشية بسلطة منقوصة حصلت عليها بخداع جماهير الشعب في إجبار أنصار الله على مغادرة الحوار ومقاطعة جلساته فتم الذهاب نحو الأعمال الأمنية وممارسة الاغتيالات، وفي ذكرى جمعة الكرامة وبالتزامن مع انعقاد أولى جلسات مؤتمر الحوار في صنعاء يوم 18 من شهر مارس 2013م شنت عناصر الفرقة الأولى مدرع التابعة لعلي محسن الأحمر هجوماً على ساحة التغيير وقتلوا وجرحوا عدداً من شباب الثورة، وبعد حوالى خمسة أيام من الجريمة السابقة نجى عضو مؤتمر الحوار الوطني الشيخ عبد الواحد أبو راس من محاولة اغتيال نفذت بالقرب من احدى النقاط الأمنية وسط العاصمة صنعاء وقضى في العملية عدد من عناصر الحراسة الشخصية لأبو راس.
فيما فشلت الممارسات الدموية في ثني أنصار الله عن الاستمرار الفاعل والايجابي في مؤتمر الحوار الوطني فذهبت قوى التسلط إلى توجيه المزيد من الضربات الأمنية للثورة وفي طليعتها أنصار الله والكوادر المحسوبة عليهم، وتم استهداف عدد من القامات الوطنية المشاركة بفعالية في مؤتمر الحوار، وفي مساء يوم الثاني والعشرين من شهر نوفمبر 2013م  اغتيل  عضو مؤتمر الحوار الوطني والنائب في البرلمان العلامة الدكتور عبد الكريم جدبان أثناء مغادرته مسجد الشوكاني بالعاصمة صنعاء بعد فراغه من أداء صلاة العشاء متوجهاً صوب منزله وسط العاصمة، وفي صبيحة يوم 21 يناير 2014م اغتال مسلحون يستقلون سيارتين عضو مؤتمر الحوار الوطني الفقيه القانوني والدستوري البرفسور أحمد شرف الدين خلال مروره بأحد  شوارع العاصمة صنعاء في طريقة لحضور الجلسة الختامية لمؤتمر الحوار الوطني.
وفي المقابل واجه مكون القضية الجنوبية في الحوار الوطني هو الآخر الكثير من المضايقات ومحاولات التفريخ وشراء الولاءات بهدف إفراغ القضية الجنوبية من مضمونها والالتفاف على الحلول العادلة لها، وفي مطلع شهر مايو من العام 2013م أعلن رئيس مكون الحراك الجنوبي أحمد بن فريد الصريمة انسحابه من الحوار الذي كان يشغل نائباً لرئيسه عبد ربه منصور هادي، وقال الصريمة في بيان له: "قررت الانسحاب الكامل مما يسمى مؤتمر الحوار الوطني ويشمل الانسحاب من كل المواقع القيادية التي شغلتها في هذا المؤتمر ولم يعد لي صلة بالمؤتمر"، وبرر الصريمة انسحابه بما وصفها مؤامرة على قضية شعب الجنوب وأضاف: "إن وقائع الحوار تسير نحو إنتاج منظومة الحكم السابقة في صنعاء بعلم كل الأطراف ولدينا كل الحقائق التي تؤكد ذلك وسنكشفها في الوقت المناسب".
وفي نهاية شهر نوفمبر من العام 2013م  أعلن محمد علي أحمد الذي تولى رئاسة القضية الجنوبية خلفاً للصريمة انسحابه هو الآخر من الحوار، وأعلن ذلك في مؤتمر صحفي عقده بالعاصمة صنعاء كاشفاً عن انعدام الجدية المطلوبة لإيجاد حلول عادلة للقضية الجنوبية.
 برغم ذلك واصلت المكونات اليمنية الحوار وخرجت بالحد الأدنى من النتائج التوافقية على صعيد القضايا الوطنية عدا القضية الجنوبية، التي انقسمت مكوناتها بين رافض لمخرجات الحوار وبين من فضل الاستمرار تحت مظلة عبد ربه منصور هادي، وفيما كان المفترض أن ينتقل اليمن بعد الحوار الوطني إلى مرحلة جديدة من الشراكة على صعيد المؤسسات، وإعادة تشكيل السلطة الانتقالية المجسدة لمخرجات الحوار؛ إلا أن الجميع تفاجأوا برفض هادي والإصلاح الشروع في تطبيق مقررات الحوار، وبدلاً عن ذلك تم الانطلاق في اشعال أولى جولات الحرب العسكرية التي تستهدف أبرز القوى الثورية (أنصار الله)، ففي أواخر شهر أكتوبر من العام 2013 م ظهر بشكلٍ مفاجئ التصعيد في دماج التي اتخذت ذريعة لتحشيد القاعدة والتكفيريين لمواجهة أنصار الله واستنزافهم، وتم محاصرة محافظة صعدة وقطع الطرقات منها واليها، وتحت مسمى الدفاع عن أهل السنة والسلفيين انطلقت حملة كبيرة من التخوين والتحريض المذهبي والطائفي الذي  اتخذ من دماج ذريعة للالتفاف على نتائج الحوار، فيما اتسعت رقعة المواجهات لتشمل مساحات واسعة في محافظات صعدة وعمران وحجة وخسرت أطراف الحرب (حزب الإصلاح وعناصر القاعدة ومن خلفهم)  خسرت تلك الأطراف كل معاركها وصولاً إلى سقوط الإصلاح في أبرز معاقله بمحافظة عمران في الثامن من شهر يوليو من العام 2014 م.
ولادة الثورة
في شهر يوليو 2014 م اتخذت حكومة المبادرة الخليجية التي تقودها أحزاب اللقاء المشترك أقسى جرعة اقتصادية عرفها اليمن في سياق مخطط هدفه الواضح إضعاف الناس والشعب والتهيئة لتحويل غالبية اليمنيين إلى ساحة استقطاب للجماعات التكفيرية التي تحظى بتمويل كبير وهائل من جهات إقليمية ودولية بغرض خلق حالة من الصراع الدائم المرتكز علي أسس طائفية ومناطقية ومستنداً إلى حالة الإفقار التي تتبناها الحكومة،
كان قرار الجرعة قاسياً وجائراً تضررت منه الغالبية العظمى وقطاعات واسعة من ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، وقد لاقى سخطاً كبيراً لاسيما أن أبرز أهداف ثورة الشباب ونضالات الشعب اليمني هو تحسين مستوى الحياة الاقتصادية ومحاربة الفساد وهدر المال العام، ومجدداً كان أنصار الله وقوى ثورية أخرى في طليعة الرافضين لسياسات التجويع التي كان المفترض الاستعاضة عنها بمحاربة الفساد وإيقاف العبث بالمال العام، وبالنظر إلى حجم التحديات والمؤامرات الإقليمية والدولية التي تعرضت لها ثورة 21 سبتمبر، نستطيع القول إن تاريخ انتصارها الفعلي هو يوم أن توجت بفرار علي محسن وسقوط الفرقة الأولى مدرع والذي مثل إعلان ولادة هذه الثورة التي كتب لها مواجهة أعتى المؤامرات الداخلية والخارجية.
ففي الثامن من شهر أغسطس من العام 2014 م خرج الشعب اليمني في انتفاضة كبيرة وواسعة بمطالب ثلاثة : اسقاط الجرعة وتشكيل حكومة وحدة وطنية وتنفيذ مخرجات الحوار، استمرت المسيرات المليونية الثورية في العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات من بداية شهر أغسطس 2014  حتى نهايته، ولم تستجب الحكومة والسلطات المعنية وظلت مصرة على المضي بقراراتها التعسفية بدعم واضح من قبل رعاة المبادرة الخليجية،  وفي يوم التاسع من شهر سبتمبر من العام 2014 خرج المتظاهرون السلميون بالعاصمة صنعاء بمسيرة احتجاجية إلى أمام مجلس الوزراء فهاجمتهم قوة محسوبة على حزب الإصلاح وعلي محسن، وارتكبت بحقهم مجزرة راح ضحيتها العشرات من الشهداء والجرحى والمخطوفين، في منتصف شهر سبتمبر أي بعد حوالى ستة أيام من مجزرة رئاسة الوزراء فجر حزب الإصلاح الحرب  في منطقة همدان بقرية القابل شمال العاصمة، وهي المواجهات التي تدحرجت وامتدت بعد ذلك إلى مقر الفرقة الأولى مدرع وسط صنعاء، وبخلاف كل التوقعات حسمت المعركة بعد ساعات من المواجهة مع اللجان الشعبية التي تعهدت بحماية الثورة، وفي يوم 21 من شهر سبتمبر غادر الجنرال علي محسن الأحمر ويعد أبرز قيادات الاخوان المسلمين العسكرية  اليمن، وبمساندة السفارة السعودية تم إخراجه من البلاد، وانتصرت ثورة الشعب التصحيحية التي عرفت فيما بعد بثورة الواحد والعشرين من سبتمبر على الأدوات المحلية وهو الانتصار الذي يعد بمثابة الولادة الأولى لثورة كتب لها أن تواجه أنساق عديدة من الخصوم والأعداء،  وقد  توجت ثورة 21 سبتمبر إنجازها الأول على الصعيد الداخلي بتوقيع وثيقة السلم والشراكة في مساء الواحد والعشرين من سبتمبر 2014 م برعاية من قبل مبعوث الأمين العام  للأمم المتحدة جمال بن عمر ومشاركة مختلف القوي السياسية والرئيس حينها عبد ربه منصور هادي.
الثورة تواجه العدوان
منذ اللحظات الأولى لانطلاق ثورة 21 من سبتمبر كان واضحاً أنها في مواجهة مع النفوذ السعودي الأمريكي المسيطر بشكل كامل على القرار اليمني وعلى تفاصيل الحياة الأمنية والعسكرية والثقافية وحتى الدينية ولذلك لم يكن مفاجئاً انتقال المواجهة بعد سقوط الأدوات المحلية إلى مرحلة جديدة تجلت في العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، ولكي نواصل متابعة خيوط التطورات ومآلاتها، نعود قليلا إلى الوراء إلى وثيقة السلم والشراكة التي نصت على تشكيل حكومة كفاءات وطنية بدلاً عن حكومة التقاسم والمحاصصة وضمان الشراكة في مختلف مؤسسات الدولة وأجهزتها الرقابية والتنفيذية وإعادة تصحيح مواد الدستور وإعادة النظر في تشكيل الهيئة الوطنية الذي كان مختلاً لصالح أطراف ترفض الشراكة وتعمل على تمرير مواد مقترحة في الدستور الجديد لضمان إقرار مخطط التقسيم الأمريكي السعودي.
حاول الأمريكيون والسعوديون الالتفاف على مطالب ثورة 21 سبتمبر  بتعيين المقرب منهم أحمد عوض بن مبارك رئيساً للحكومة الجديدة، عن طريق تمرير هذا القرار من خلال عبد ربه منصور هادي، وهو الأمر الذي قوبل برفضٍ مطلقٍ من قبل الثورة، وفي كلمة له ندد قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الحوثي بتدخلات السفارات الأجنبية (الأمريكية والسعودية) في الشأن السياسي اليمني، ومحاولة فرض المقرب من واشنطن بن مبارك رئيساً للوزراء، وتحت ضغط الثورة وحضور الشعب اضطر هادي ومن يقف خلفه للتراجع، وبعد مماطلة ومشاورات شاقة وإجراءات كثيرة لإعاقة تنفيذ  وثيقة السلم والشراكة تم تشكيل الحكومة برئاسة خالد بحاح في السابع من شهر نوفمبر من العام 2014 م
وبرغم عدم الالتزام بكافة المعايير التي نصت عليها وثيقة السلم والشراكة في اختيار أعضاء الحكومة الجديدة؛ إلا أن الثوار تعاطوا بإيجابية وقرروا دعم حكومة بحاح لما فيه مصلحة البلد وتفويتاً لمحاولات التعطيل التي عملت عليها أطراف داخلية وخارجية، وبرغم ذلك كانت المماطلة من قبل هادي والإخوان المسلمين هي السمة الأبرز لمرحلة ما بعد اتفاق السلم والشراكة رافضين مبدأ القبول بالثوار والالتزام بمحاربة الفساد ووقف سياسية التمييز الحزبي فاضطرت قوى الثورة إلى تشكيل لجان ثورية للرقابة على أداء المؤسسات.
في الأثناء حاول عبد ربه منصور هادي تمرير آخر وأخطر الأجندات السعودية والأمريكية المتمثلة في إقرار مسودة الدستور التي تم تضمينها مادة تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم بأسس مذهبية ومناطقية خلافاً لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني فقامت الثورة بتوقيف - مدير مكتب عبد ربه منصور هادي - أحمد عوض بن مبارك، الذي كان أبرز المنسقين بين السفارتين السعودية والأمريكية ومؤسسة الرئاسة وقد عثر على وثائق بحوزته تدين عبد ربه منصور هادي وتكشف حقائق خطيرة عن دور السفارات الأجنبية في تسيير شؤون الدولة وتقرير مصير البلد.
وبعد أن أفشل الشعب والثوار محاولات السعوديين والأمريكيين تنفيذ مخطط التقسيم من خلال مسودة الدستور لم يكن أمام واشنطن والرياض غير الضغط على عبد ربه منصور هادي للاستقالة، وكذا حكومة بحاح وهو ما كان في تاريخ 28 من شهر يناير 2015م، وبعد الاستقالة ظل هادي في منزله بالعاصمة صنعاء ولكنه تظاهر بالمرض وتحركت وسائل إعلام سعودية للحديث عن حالة هادي المتدهورة مطالبة بالسماح له بالخروج للعلاج، وفي 21 من شهر فبراير غادر هادي منزله في صنعاء صوب مدينة عدن في إطار مخطط جديد ليعلن من هناك العودة عن الاستقالة التي أصر عليها في صنعاء.
  وتم البدء في إجراءات استهدفت العديد من الوحدات العسكرة والأمنية في الجنوب وتم تسليم بعضها لعناصر القاعدة تمهيدا لبدء معركة ضد الثورة تنطلق من عدن بغطاء شرعية  المستقيل هادي، وكان واضحاً أن واشنطن تريد استنساخ  النموذج الليبي وإدخال اليمن في حرب أهلية يتم تغذيتها بالأموال وعناصر تنظيم القاعدة وجماعات التكفير التي تحركها الأموال السعودية بالإضافة إلى التحريض المذهبي والطائفي الذي ارتفعت وتيرته في وسائل إعلام دول الخليج، وفي يوم السادس والعشرين من شهر مارس من العام 2015 م أعلنت السعودية سقوط كامل أدواتها في الداخل أمام ثورة 21 سبتمبر وذلك من خلال إعلانها العدوان العسكري المباشر على الشعب اليمني  من العاصمة الأمريكية واشنطن وهو العدوان الذي تشارك فيه أكثر من عشرة جيوش بدعم واسناد أمريكي بريطاني فرنسي إسرائيلي، غير مسبوق، وفيما راهنت السعودية على ما تمتلكه من إمكانات وأسلحة قادمة من أمريكا ومختلف بلدان العالم لإركاع اليمنيين ووأد ثورتهم.
إن المتتبع لطبيعة العدوان على اليمن يكتشف أن أبرز أهدافه وأد ثورة 21 سبتمبر والقضاء على كل ما يمت اليها بصلة من رموز وأهداف وجمهور، وذلك لأن السعودية وأمريكا لا يطيقون وجود ثورة شعبية حقيقية تمتلك قرارها وتحدث تغييراً حقيقياً في اليمن، أولاً: لأن ذلك كفيل بإخراج اليمن من تحت وصاية آل سعود وسيدتهم واشنطن، ثانياً: ثورة 21 سبتمبر بالنسبة للسعودي والأمريكي تمثل نموذجاً مرعباً سرعان ما ستنتقل عدواه إلى شعوب وبلدان المنطقة التي ترزح تحت حكم العائلات الغارقة في وحل البذخ والفساد والظلم والاستبداد ..
وبرغم الظروف الصعبة التي يعيشها اليمن بعد خروجه من الثورة في ظل دولة شبه مشلولة ومؤسسات معطلة وجيش تم استهدافه وتفكيكه ،بالإضافة إلى ترسبات الماضي التي جعلت من الولاء الشخصي مقدماً على الولاء الديني والوطني؛ إلا أن الشعب اليمني وجماهير ثورة 21 كانت حاضرة في كل الساحات فملأت الفراغ وعوضت عن النقص وكانت حاضرة بالمال والرجال والقوافل لإسناد كل الجبهات والبدء في مرحلة جديدة من الثورة عنوانها التصدي لأوسع وأكبر عدوان عالمي ودولي يستهدف هذه الثورة وتوزعت الجهود على جبهات داخلية وخارجية، وفيما تمكنت اللجنة الثورة من الحفاظ على المؤسسات واستمرارية عملها لخدمة المواطنين في ظل ظروف استثنائية، فقد تمكنت اللجان الشعبية من فرض حالة الامن والاستقرار والسيطرة القوية على البلد والحد من تحركت خلايا العدوان والعناصر التخريبية في مختلف المحافظات، الأمر الذي شكل مفاجأة جديدة لدول العدوان ولكل المراقبين للشأن اليمني ممن توقعوا حلول الفوضى والفراغ .
لم يكن العدوان السعودي الأمريكي المباشر على اليمن وثورته الوليدة ذا تأثير سلبي على معنويات الناس واندفاعتهم للمواجهة كما خططت واشنطن والرياض والعكس هو الذي حدث، فقد وحد العدوان صفوف الشعب وزاد من التفاف الجماهير حول الثورة وقيادتها ممثلة بالسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي الذي استطاع وعلى مدار عام ونصف من قيادة المعركة بنفس طويل وخطى ثابتة ورؤية ثاقبة، فكان هناك واقعية في الأهداف ووضوح في الرؤية وقوة في المنطق المقابل لذرائع ومبررات العدوان واستخدام متوازن للإمكانات وتوزيع متقن للجهود واستثمار فاعل للطاقات.
 الأمر الذي مكّن الثورة اليمنية من قطع مسافة كبيرة في مواجهة العدوان وأفشل جل مخططاته وتمكن من إرساء قاعدة الصمود الدائم والطويل في مواجهة حرب وعدوان يحمل طابعاً مصيرياً لا مجال فيه لأنصاف الحلول، وبعد زهاء العامين من أوسع عدوان ومؤامرة وحصار يتعرض له اليمني باتت السعودية هي من تصرخ وهي من تبحث عمن يخرجها بماء وجهها ويمنحها نصراً ولو شكلياً بعد أن غاصت في رمال اليمن وبين جباله وأوديته.