تقدم الحربان السعوديتان في اليمن، وما بينهما من نصف قرن فرصة بحثية هامة للذين يريدون قراءة النظم الاستراتيجية للدور السعودي في الشرق الأوسط، بعيداً عن الشعارات التي ترفعها السعودية، أو تلك التي يرفعها خصومها، وكذلك فرصة لقراءة مسار حركة التحرر العربية، وما طرأ على جسدها ومكوناتها من تغيرات، وتبدلات في مركز قيادتها وتموضعات جديدة للقوى على ضفافها، وموقع العقائد في كل من الضفتين، تلك التي تقف عليها السعودية والمقابلة التي يقف عليها خصومها، وفي الحصيلة الأهم استقراء الخط البياني لمكانة ودور وحجم تأثير السعودية في رسم الأحداث، وصناعة السياسات في منطقة تعتبر الأهم من الزوايا الجيواستراتيجية والجيواقتصادية في العالم، وفي قلب كل ذلك العلاقة بين السعودية وإسرائيل وقانون التناقض والوحدة وآليات اشتغالها .

في الحربين تخرج السعودية التي تتسم قيادتها بالسياسات المحافظة، وتجنب خوض الحروب والمواجهات إلى الحرب، وفي المرتين تكون الحرب في اليمن، ولهذا معنى واحد هو إنّ السعودية التي حافظت على صورة الجبروت والقوة والقدرة على تشغيل الآخرين لخوض حروبها بما لها من قدرة معنوية، وثقل رمزي بالمكانة الدينية، وإمكانات مالية لا تعود دولة طبيعية من شحم ولحم ودم، تغضب وتستثار وتتصرف بغريزية القتال هجوماًًًً ودفاعاً إلا من خاصرتها اليمنية فاليمن وحده يعيدها إلى معادلات الواقع، ويجبرها على إسقاط قناع التعالي، والتشمير عن زنودها والنزول إلى الميدان، واليمن نقطة ضعف السعودية، وراسم مستقبل قوتها، وميدان اختبار هيبتها، ومصنع الإثبات لقدرتها، ومنه تنتزع حضور القوة العظمى أو تهان، وفيه تظهر للغير مخزون فائض قوتها أو تفقد قيمتها المضافة، ولو لم يكن كذلك لما احتكر ما بين بداية ونهاية نصف قرن الحربين الوحيدتين اللتين تخوضهما السعودية .

في الحربين كل الباقي في المشهد متغير، اليمن والتوقيت والتحالفات هم الثوابت والباقي متغير، ففي التحالفات لم يتغير شيء وفقاً للبوصلة الأهم في منطقة كالشرق الأوسط، حيث أميركا القوة الدولية العظمى التي تصنع الاستراتيجيات في زمن الحربين، وحيث إسرائيل القوة الإقليمية الأهم التي تصنع السياسات، و تموضع أميركا وإسرائيل في الحربين على ضفة القتال ضد الذين تقاتلهم السعودية، واعتبارهم بمعزل عن الأسباب السعودية المعلنة للحرب عليهم، فهم من زاوية النظر الأميركية الإسرائيلية العدو رقم واحد، ومصدر الخطر الاستراتيجي الأول على المصالح الأميركية، وعلى الأمن الإسرائيلي، فهذا كان حال جمال عبد الناصر في ستينيات القرن العشرين، بعد خياره السوفيتي لبناء السد العالي، وتطوير القطاعين الصناعي والزراعي، وبناء جيش قوي، استعداداً لحرب مع إسرائيل تستعيد الأراضي العربية المحتلة، وفقاً للوثائق المنشورة للخارجية الأميركية، ووفقاً لمذكرات رموزها الكبار قادة مخابرات ووزراء دفاع وخارجية سابقين، ووفقاً للتصريحات الاسرائيلية المتتابعة ما بعد خسارة الحرب في العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر عام 1956م، والنظر لـ (عبد الناصر)، ومشروعه، كمصدر خطر وجودي على إسرائيل، ومثلما كان الذين يقاتلون على الضفة التي يقف عليها عبد الناصر آنذاك لهم مشروعهم اليمني الخاص، ويلتقون معه في مواجهة المشروعين الأميركي والإسرائيلي، ووجدوا أنفسهم فجأة وجهاً لوجه أمام حرب مع السعودية، يمثل محور المقاومة الذي تقوده إيران اليوم، ويضم سورية وحزب الله وتتقاطع معه قوى شعبية وسياسية حية في الشارعين العربي والإسلامي في الخطوط العريضة لمنطق التحرر والاستقلال ومواجهة المشروعين الأميركي والإسرائيلي؛ العدو الأول كما يقول الأميركيون، والخطر الأول كما يقول الإسرائيليون، وتصرح السعودية - كما صرحت في الماضي - أنه سبب حربها في اليمن، ويخوض اليمنيون من موقعهم، ولحساب مشروعهم اليمني الخاص مواجهتهم متقاطعين في خطوط التحرر، ومنهج الاستقلال والمقاومة مع المحور الذي تقوده إيران، ويجدون أنفسهم فجأة وجهاً لوجه في حرب شاملة تخوضها عليهم السعودية .

تغيرت هويات اليمنيين الذين تنصرهم السعودية وهويات الذين تقاتلهم، فربما يكون أحفاد الذين قاتلتهم قبل نصف قرن هم حلفاؤها اليوم، وأحفاد الذين بدت أنها تنصرهم في الأمس هم الذين تقاتلهم اليوم، وتغيرت الشعارات، فبدلاً من عنوان الدفاع عن الإسلام تشهر السعودية اليوم شعار العروبة، وبدلًا من خطر الشيوعية، تتحدث عن خطر الفرس، لكن الذي لم يتغير أنها وأميركا وإسرائيل يصفون الأطراف الإقليمية واليمنية نفسها بذات الأوصاف في المرتين، فهم إرهابيون يخربون المعادلات ويهددون الاستقرار وأصحاب أطماع، وينتهكون الشرعية، ودرجة الحماسة السعودية للحرب على الحلف اليمني الإقليمي هي ذات درجة الحماسة الأميركية الإسرائيلية.

تغير العالم، وتغيرت المنطقة بين الحربين اليمنيتين، فزال الاتحاد السوفيتي، وسقطت مصر-جمال عبد الناصر، وظهرت الجمهورية الإسلامية في إيران وسورية- حافظ وبشار الأسد كخيار عربي لدولة الاستقلال الوطني، ومقاومة حزب الله كقوة شعبية صاعدة في مواجهة العدوان والاحتلال، لكنَّ حربي اليمن تتمان في توقيت حاسم في المواجهة بين المشروع الأميركي الإسرائيلي والحلف الإقليمي الاستقلالي، فقبل نصف قرن كان عبد الناصر الخارج من نصره على العدوان الثلاثي القوة التي سترسم مستقبل الشرق الأوسط ما لم يتلق ضربة موجعة في حرب استنزاف لجيشه تمهد الطريق لحرب إسرائيلية قاصمة، واليوم تبدو إيران في وضع مشابه ما لم يتم إجهاض استباقي لنبض التحرر والاستقلال لدى شعوب المنطقة، وتقطع شرايين التواصل التي تتيح لموقع إيران التأثير في التوازنات، ويبقى الأصل في اليمن، لتأمين الخليج النفطي بمنأى عن التأثيرات أولاً، والانطلاق منه إلى ساحات المنطقة الأخرى لاحقاً، فمن اليمن يبدأ حصار عبد الناصر ومن اليمن يبدأ تطويق إيران، وبصعود السعودية المنتصرة في اليمن يبدأ نجم عبد الناصر بالأفول، وبصعود مماثل يبدأ نجم إيران الإقليمي بالأفول، وهذا لا ينتقص من وطنية ويمنية القوى التي تقاتلها السعودية في اليمن في المرتين، فالانتماء إلى خط استقلالي هو الجريمة التي يعاقبون عليها ؛ مهما تباينت هوياتهم الفكرية والعقائدية، ومشاريعهم لليمن، فمكانة اليمن الاستراتيجية في الجغرافيا الإقليمية حاكمة وتفرض رغماً عنهم حقيقة أن اليمن الحر يعني شرقاً أوسط مستقلاً، واليمن التابع يعني شرقاً أوسط خاضعاًً ومستتبعاً.

بين القوسين اللذين يرسمان مستوى الحربين وأهميتهما الإقليمية شهدت السطوة الأميركية في العالم ومثلها الهيمنة والعربدة الإسرائيليتين في المنطقة تحولات جوهرية غيرت الكثير من التوازنات والمعادلات، فواشنطن التي كانت مع الحرب السعودية الأولى في اليمن قوة عالمية صاعدة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، هي مع الحرب السعودية الثانية في اليمن قوة تفقد السيطرة على المعادلات الدولية، فقد خرجت لحرب امبراطورية إلى البر الآسيوي لتثبيت معادلات حروب الطاقة من حوضي قزوين والخليج وتحقيق النصر في أفغانستان والعراق وتثبيت نظام أمن إقليمي يروض القوتين الإيرانية والسورية، ويردع القوتين الروسية والصينية، ويمنع تلاقي هذين المحورين الإقليمي والدولي في الجغرافيا الأفغانية، ويردّ الاعتبار للقوة الإسرائيلية التي تلقت إصابة بالغة في جنوب لبنان، واضطرت للانسحاب بهزيمة هزت مكانتها وقدرتها على رسم السياسات في المنطقة. وفشلت في تحقيق هذا النصر، وغرقت في رمال الشرق الأوسط، ومشروعها القائم على "أخونة" المنطقة، والاستثمار على ثنائية إخوانية وهابية تتقاسمها تركيا بعثمانيتها الجديدة، والسعودية كمرجعية إقليمية تسعى لتثبيت مكانتها. فشل - أيضاً - في إنتاج نظام إقليمي جديد، وتكسرت رماحه عند العقدة السورية، والمفاوضات على مكانة روسيا وإيران في السياسات الأميركية تنتظر ما ستفعله السعودية في اليمن، فالاتفاقات جاهزة بالأحرف الأولى، ويتوقف على نصر السعودية اليمني إعادة التفاوض للصفر في الملف النووي الإيراني، والتسوية الأوكرانية وفقاً لاتفاق مينسك، والفشل السعودي سيعني توقيعاً مفصلياً على صيغتين دولية وإقليمية جديدة.

إسرائيل بدورها التي توجت قبل نصف قرن هزيمة جمال عبد الناصر أمام السعودية في حرب اليمن الأولى بهزيمة مدوية للجيوش العربية في حرب العام 1967م، هي اليوم إسرائيل المثخنة بالجراحات بعد هزيمتها واضطرارها للانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م، ثم من غزة عام 2005م والمصابة بهزيمة قاسية وفشل ذريع في ترميم قوتها الرادعة في حرب لبنان 2006م وحروبها في غزة 2008م و2012م لم تعد قادرة على صناعة الحرب، ولا هي قادرة على ملاقاة في منتصف الطريق لتسوية يقدر عربي على وضع التوقيع الثاني عليها، فهي ككيان هجين لا يقدر على صناعة السلام في مراحل القوة بل يتقدم لتحقيق المزيد من المكاسب والتوسع والانتصارات، ولا تستطيع سلوك درب السلام في مراحل ضعفها؛ لأنها تدرك أنّ كل تنازل ناتج عن اختلال في موازين القوى سيتبعه تنازلات، طالما مرجعية الحقوق متباينة مع الطرف العربي وكل ما تحتله إسرائيل بنظره حق عربي سليب، ومن جهة مقابلة عندما تضعف إسرائيل تجاه الخارج، فهي تضعف تجاه كدولة تجاهه الداخل، ويصير التطرف حاكماً في صناعة نتائج انتخاباتها؛ ولذلك تصير إسرائيل بحاجة لشريك عربي في صناعة الحرب والسلم، ينجز نصراً عسكرياً على الحلف الذي يتشاركان بالعداء له، ويمهد الطريق للشراكة بسلم عربي إسرائيلي يمكن تسويقه كنهاية للحروب وتبرير للتحالف العلني وتقاسم العائدات الاقتصادية للمنطقة .

لم يكن مصادفة أن تبدأ الحقبة السعودية في قيادة البلاد العربية مع هزيمة جمال عبد الناصر في حرب العام 1967م، ولا صدفة أن تبدأ بالتداعي مع هزيمة إسرائيل في جنوب لبنان العام 2000م، فهذه المكانة السعودية التي صنعها الاستثمار على ارتفاع سعر النفط بعد حرب العام 1973م، والقدرة على توظيف المال في السياسة على مستوى رشوة وشراء النخب وحاجة الحكومات العربية للمزيد من المال في السبعينات، وصنعها الاستثمار الديني على الوهابية في تشكيل تنظيم القاعدة وطلائعه في أفغانستان في الحرب على الاتحاد السوفيتي، وواصل صناعتها الإعلام بالاستثمار في إنشاء مؤسسات إعلامية صحفية وتلفزيونية عملاقة في التسعينات، هي مكانة تبقى مرتبطة عضوياً بخطاب يسوغها ويبرر وجودها، وهو خطاب قائم على كون إسرائيل قوة لا تقهر، وكل محاولة للنيل منها بالقوة هي مغامرة وانتحار، وأن الحكمة والعقلانية والاعتدال كسمات للسياسة السعودية الملتزمة بالمحور الذي تقوده واشنطن وحدها تحفظ أمن العرب وبلادهم، وتملك فرصة لاستعادة حقوقهم وأراضيهم المحتلة، وترفع عنهم ثقل اليد الإسرائيلية؛ ولذلك بدا كل شيء سهلاً وميسراً لانطلاق الحقبة السعودية بهزيمة مشروع جمال عبد الناصر في حرب العام 1967م، للقول ها هو الحلم يتهاوى؛ لأنه كان وهماً؛ ولذلك كانت الحقبة السعودية رغم كل هالة المال والإعلام والثوب الديني تتهالك مع سقوط المهابة العسكرية الإسرائيلية عام 2000م أمام المقاومة في جنوب لبنان، وقولها : ما تقولون أنه مستحيل التحقق من إذلال لإسرائيل وتحرير للأرض أثبتنا أنه ممكن بأبسط الإمكانات الشعبية والسياسية والعسكرية، فأثبتنا أنكم متآمرون ومتواطئون، حتى صار النصر الإسرائيلي بسحق المقاومة التي أسمتها السعودية بالمغامرة طلباً سعودياً رسمياً؛ لأنه بوابة العودة لمعادلة ما بعد العام 1967م بنهاية درامية لكل مغامر بالمنطق السعودي، وهذا معنى قول وزيرة الخارجية الأميركية عام 2006م عن الحرب لسحق حزب الله أنها مخاض ولادة شرق أوسط جديد، والقصد هو أن ترميم الردع الإسرائيلي والحقبة السعودية يتكاملان عند نقطة سحق المقاومة، وهذه المعادلة تصح اليوم بقدر ما يتكامل الردع الإسرائيلي والحقبة السعودية عند نصر سعودي في اليمن .

يقول الإسرائيليون إنّ أشد الشعوب العربية التصاقاً بالقضية الفلسطينية هو الشعب اليمني، وأن الشارع العربي الذي لم يفرغ من المتظاهرين في كل مناسبة لفلسطين هو الشارع اليمني، ويسارع وزير خارجية الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية من شرم الشيخ مع انعقاد القمة العربية لمباركة الحرب السعودية على بلده بزف البشارة للإسرائيليين بتدمير صواريخ تخشاها في ميناء الحديدة كانت ستوجه نحو إيلات لو وقعت حرب بين المقاومة وإسرائيل، ولا تتورع إسرائيل عن نشر صور طياريها الذين يأتون من غارات نفذوها في اليمن وتحاورهم على صفحات صحفها عن التعاون مع سلاح الجو السعودي في حرب اليمن، ولا يخشى الفريقان السعودي والإسرائيلي من إطلاق مشاريع التطبيع الأمني بلقاءات علنية في واشنطن ولندن، يشارك فيها قادة أجهزة المخابرات السابقون والحاليون، بمن فيهم الأمير تركي الفيصل لإثبات بركات العائلة المالكة في الرياض للتعاون وليس موظفيها الكبار فقط، كما تنطلق مشاريع التعاون الاقتصادي العملاقة في قلب الحرب على اليمن عبر تسلم السعودية جزيرتي صنافير وتيران من مصر والإعلان عن مشروع جسر بري وخط نفطي يبدآن من السعودية وينتهيان في حيفا عبر سيناء، ويقول الإسرائيليون إن السعودية بتسلم الجزيرتين المشمولتين باتفاقيات كامب ديفيد صارت شريكاً في الاتفاقية .

لم يحرج السعودية ولا أحرج إسرائيل ولا أحرج أميركا أيضاً، إعلان المخفي القديم الذي بقي سراً، عن استثمار مشترك في تنظيم القاعدة رغم كل الكلام العالي عن الحرب على الإرهاب والتطرف، فإذا كان التعاون الأميركي السعودي في إنتاج حركة المجاهدين التي قادت حرب أفغانستان بوجه الجيش الأحمر السوفيتي لا يحتاج إثباتاً ولا ينكره أصحابه وهو موثّق على ألسنة صنّاعه، وخصوصاً ما قاله زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي في مذكراته عن اجتماعاته مع الأمير السعودي بندر بن سلطان التي كانت البداية في ولادة حركة المجاهدين التي صارت تنظيم القاعدة لاحقاً، إلا أن ما بين نهاية الثمانينات ونهايات الحرب في سورية كثير من التنكر السعودي الأميركي والإسرائيلي لأي علاقة بتنظيم القاعدة، وإصرار على تصوير العلاقة معها حرباً ضروساً ؛ لتتكفل السنتان الأخيرتان بإيضاح المستور، فاليوم كلام ديفيد بتريوس عن الحاجة لجبهة النصرة، وهي الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة في بلاد الشام، كشرط للفوز في الحرب على داعش، يتقاطع مع الدعم السعودي اللامحدود لجبهة النصرة وسعي محموم لمنع تصنيفها على لوائح الإرهاب، واعتبارها القوة المحورية في المعارضة السورية، وبالمقابل الإعلان الإسرائيلي بلسان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق موشي يعالون عن تعاون وثيق مع جبهة النصرة على حدود الجولان والرهان على بناء حزام أمني حدودي تتولاه النصرة :"كحليف موثوق تأتمنه إسرائيل على أمنها".

بروز تنظيم القاعدة كحليف رابع للأميركي والسعودي والإسرائيلي، لا يمكن أن يكون ظرفياً في حقبتين محوريتين تفصل بينهما ثلاثة عقود، حملت ما يفسره التعاون قبل وبعد بما في ذلك أحداث الحادي عشر من أيلول، وظهور القاعدة في حربي العراق وأفغانستان، كمقدمة ضرورية لظهور لاحق في حرب سورية، فكما بدت أحداث الحادي عشر من أيلول حاجة أميركية للخروج وراء المحيطات والتحرر من عقدة فيتنام، كما وصفها ريتشارد بيرل الذي تولى في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش مهام صناعات سياسات البنتاغون رسمياً، بقوله قبل حدوثها بثلاث سنوات بحديثه عن حاجة أميركا لحرب على العراق وأفغانستان تعوقها عقدة فيتنام التي لن يحرر أميركا منها إلا بيرل هاربر آخر، تذكيراً بالضربات اليابانية التي نفذها طيارون انتحاريون وأفضت لدخول أميركا الحرب العالمية الثانية، وبعد هذه الأحداث وغزو العراق وأفغانستان، بدت القاعدة الشريك المرافق للغزو الأميركي رغم كونها نظرياً العدو المستهدف، وبدت السعودية الممول الذي تطاله سهام الاتهام الأميركية مرات ومرات وصولاً لكلام نائب الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن عن دور السعودية ودول الخليج في رعاية وتمويل الإرهاب في سورية، رغم إعلان القاعدة للسعودية أرض جهاد مستهدفة وتنفيذها العديد من العمليات فيها، ورغم إعلان السعودية للقاعدة عدواً خطراً وملاحقة الكثير من خلاياه، وكذلك بالنسبة لإسرائيل التي ربحت من الحادي عشر من أيلول وصعود نجم القاعدة مرات متكررة، أبرزها أن الحرب الأميركية كما يقول باتريك بوكانن -المرشح المنافس لجورج بوش- داخل الحزب الجمهوري عشية الحرب على العراق أنها حرب دولة وحرب حزب وحرب زعيم، لكنها حرب دولة اسمها إسرائيل وحزب اسمه الليكود وزعيم اسمه آرييل شارون، فهي حرب ترميم توازنات الشرق الأوسط التي اختلت بانسحاب إسرائيل اللامتوازن من جنوب لبنان أمام حزب الله .

الحليف الرابع الذي مثله تنظيم القاعدة يكشف أسرار الحلفاء وفقاً لمعادلة "خذوا أسرارهم من صغارهم"، فهي اللقيط الذي أنكروا أبوته طويلاً، وفضحتهم سيرته، فالقاعدة كانت مشروع السعودية وأميركا وإسرائيل؛ لتقديم نموذج لبطولة ينافس المقاومة، ويجذب الشباب العربي والمسلم، ويكون الرد على تعاطف الرأي العام الغربي مع القضية الفلسطينية بتقديم صورة الإجرام و الإرهاب الإسلامي بديلاً لصورة الإسرائيلي الذي رفعت فيه صور شارون في الغرب كقاتل في العام 2000م بعد انتفاضة الأقصى، كُتب عليها "مطلوب للعدالة"؛ ليحل مكانه أسامة بن لادن ولحيته وزيه الإسلاميان، والقاعدة منتج لزج وهجين مفتوح للتلاعب، ففي سنوات ما بعد الغزوات الأميركية قُتل أبو مصعب الزرقاوي، وتم تصعيد مكانة كل من أبي محمد الجولاني زعيم النصرة، وأبي بكر البغدادي زعيم داعش، وقتل أسامة بن لادن، وتصعيد مكانة أيمن الظواهري الذي كرّس شرعية جبهة النصرة منتجه المشترك بالتعاون مع ديفيد بتريوس مدير المخابرات الأميركية يوم قُتل ابن لادن، الذي كان قائدا للحرب في العراق يوم قتل الزرقاوي وتأسيس النصرة .

الرباعي يقاتل في أهم وربما آخر حروبه في اليمن، وعليها يتوقف مصير صناعة توازنات العالم الجديد الذي شهد صعوداً سياسياً وعسكرياً لروسيا جديدة أشد حداثة وإقناعاً من الاتحاد السوفياتي، وصعوداً اقتصادياً للصين ومنطقة تتعاظم فيها مكانة إيران، ويتهاوى فيها نموذج العثمانية الجديدة في تركيا، وتنفضح فيها أكذوبة ربيع عربي تبين أنه "ريح خماسين" لم تجلب إلا الخراب، ليبدأ شباب اليمن ورجاله ونساؤه يكتبون تاريخهم بأنفسهم، لكنهم معه يكتبون صفحات مصيرية في كتاب تاريخ المنطقة والعالم، فنهاية الحقبة السعودية تكتب على أيديهم، وهذا حدث أكبر من اليمن والخليج والمنطقة .