مدخل:

مع تسارع الأحداث في المنطقة، والتي بدأت بخروج معظم الشعوب العربية لإسقاط الأنظمة الفاسدة والعميلة فيما سمي بـ «الربيع العربي»، عادت لتكتوي بنار أشد إيلاماً، بعد أن ركبت تنظيمات وجماعات سياسية معروفة موجة الثورة وحرفتها عن مسارها وعدلت بوصلة اهتمامها، حينها تدخل الغرب بشكل مباشر خدمة لمصالحه ومصلحة الكيان الصهيوني لتجد الشعوب نفسها في المستنقع الأول وباتت غير قادرة على التغيير الحقيقي.

وتبرز الصورة الفاضحة للتدخل الغربي في إخماد ثورات في بلدان معينة وإقامة ثورات مزيفه ومصطنعة انتهت في بعضها إلى حرب طاحنه دُمرت فيها البنية التحتية واستهُدفت بعض الجيوش العربية بغية إضعافها خدمة لإسرائيل، حينها كان اليمن يرزح تحت حكم المبادرة الخليجية التي أنهت ثورة الشعب بنتيجة التقاسم للسلطة بين النظام والمعارضة، تاركة مسألة السيادة والاستقلال في القرار تحت رحمة الغرب ودول الخليج والتي تمكنت من التحكم في قرارات النظام القائم على المستويين المحلي والدولي وتوجيهه خدمة لمصالحها، وحينها أصبح النظام أكثر عمالة وأكثر ضعفاً من ذي قبل.

وبما أن الشعب اليمني بطبيعته لا يقبل الخضوع والخنوع - وكنتيجة للتدخل الفاضح والكبير في شؤونه من قبل رعاة المبادرة - فقد تنامى الوعي لدى الشعب، مدركاً أن مصلحة اليمن تكمن في مواصلة الثورة وإعادة إحيائها من جديد، وأصبحت هناك قناعة تامة بأن ثورة فبراير لم تحقق أهدافها التي قامت من أجلها مبدئياً سخطه الشديد من التدخل السافر في شؤون البلد ومحاولة فرض أجندات تتنافي ومصلحة البلاد.

ويمكن القول إن الوعي الذي أصبح يتمتع به الشعب، هو السبب في انضوائه تحت قيادة واحدة للثورة يعرف مدى مصداقيتها وحكمتها، فخرج الشعب بكل فئاته إلى الساحات والميادين في أغلب المدن اليمنية مفجراً ثورة كبرى وعارمة انتهت بانتصار الثورة وتقديم الرئيس هادي استقالته.

ولما كان النهج الثوري الذي قامت عليه الثورة ـ ومضت القيادة في تحقيقه غير مساومة عليه ـ يرتكز سياسياً على عدد من الأسس من قبيل استعادة السيادة المنتهكة، والاستقلال التام في القرار، وإقامة علاقات يسودها الندية والاحترام مع جميع الدول مع اتخاذ موقف واضح بشأن القضية الفلسطينية، فإن الثورة قد أصبحت بمثابة الكابوس الذي يؤرق معظم الدول الغربية والخليجية وعلى رأسها أمريكا والسعودية والكيان الصهيوني.

الهستيريا التي أصابت تلك الدول أدت في النهاية إلى شنها لعدوان غاشم على اليمن بغية إعادته إلى الوصاية والهيمنة من جديد، ومن هنا تبحث هذه الدراسة في دوافع دول العدوان محاولة الربط بين النهج السياسي الذي قامت عليه الثورة وبين شن العدوان على اليمن.

النهج السياسي الذي قامت عليه ثورة الـ21  من سبتمبر.

    نتيجة للموقع الاستراتيجي والثروات الطبيعية الكبيرة الكامنة بداخله، عانت اليمن طوال الفترة الماضية من الهيمنة الغربية ـ الأمريكية بشكل خاص ـ والهيمنة الإقليمية من قبل المملكة السعودية على قراره السياسي الداخلي والخارجي، بغية إبقائه تحت السيطرة من أجل استغلال ثرواته، والتأكد من عدم خروجه عن المحور الغربي، كون موقعه الاستراتيجي المتمثل في إطلاله على أحد أهم المنافذ البحرية في العالم (باب المندب)، وتشكيله الخاصرة الجنوبية لدول الخليج، يمثل إشكالية كبيرة بالنسبة للغرب والخليج في حال خروجه من عباءة الهيمنة التي يمارسونها عليه.

ولا يختلف اثنان على أن فترة ولاية هادي، الذي جاءت به المبادرة الخليجية، والتي بموجبها وضعت اليمن تحت الوصاية، قد ازدادت فيها الهيمنة الغربية ـ الخليجية حيث أصبح اليمن محل تدخل معظم الدول خاصة في الشأن الداخلي، أما السياسة الخارجية فقد غابت تماماً في تلك الفترة بفعل الهيمنة على القرار السياسي، وفي الجانب العسكري أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من (500) من جنودها إلى العاصمة صنعاء، ليضافوا إلى عدد المتواجدين في قاعدة العند الجوية.

وفي الوقت الذي أصبح الشعب غير مستعد للاستمرار تحت الهيمنة، والتي استمرت لعقود من الزمن وعانى منها الشعب أشد المعاناة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، فقد برز خلال هذه المرحلة وعي سياسي جديد أنتج فيما بعد نهجاً سياسياً ثورياً طرحته قيادة الثورة واتخذه الشعب منهاجاً للسير نحو التحرر والاستقلال، وفي طريقه هذا كان الوعي الشعبي قد وصل مرحلة النضوج بشكل أصبح معه العودة للوراء مستحيلة.

وفي الوقت الذي كانت الثورة تحمل أهدافاً اقتصادية واجتماعية وأمنية كثيرة، تهدف إلى النهوض باليمن وإخراجه من براثن التخلف والفساد، فقد برزت أيضاً أهداف سياسية تسعى إلى إخراج اليمن من مستنقع الهيمنة والوصاية الخارجية، وهو ما أُطلق عليه بالنهج السياسي؛ ويمكن إبراز أهم مرتكزات النهج السياسي للثورة في النقاط التالية:

استعادة السيادة المفقودة

ناهيك عن التدخل في القرار السياسي داخلياً وخارجياً وهو ما يعد انتهاكا للسيادة؛ فان أجواء اليمن قد غدت مرتعاً لطائرات الدرونز الأمريكية بدون طيار، والتي لم تقتصر غاراتها على التنظيمات الإرهابية التي تدعي الولايات المتحدة محاربتها، بل طالت المدنيين الأبرياء في عدد من المحافظات مستهدفة مواكب الأعراس ومجالس العزاء والتجمعات القبلية ومنازل المواطنين، وقد أدى ذلك إلى استياء شعبي واسع، فضلاً عن أن العلاقة بين أمريكا والتنظيمات الإرهابية باتت محل شك لدى معظم أبناء الشعب الذي أصبح يرى بأن تلك التنظيمات ماهي إلا أداة لتنفيذ المخططات الأمريكية، وأن تواجدها في المناطق يعطي أمريكا ذريعة للقصف وانتهاك السيادة؛ ويعدّ انتهاك السيادة من المشاكل التي عانى منها اليمن طويلاً وأدت إلى بقائه كدولة ضعيفة مهيمن عليها من الخارج، وهي بالتأكيد تحتاج ثورة لوحدها، وقد وضع الشعب والقيادة نصب أعينهم تحقيق هذا الهدف مهما كانت التحديات.

 

رفض الوصاية والاتجاه نحو الاستقلال الكامل في القرار

هيمنت القوى الغربية ودول الخليج على العملية السياسية القائمة في البلاد أثناء حكم هادي، وأصبحت تلك الدول تتدخل بكل صغيرة وكبيرة ومعها أصبح السفير الأمريكي الحاكم الفعلي للبلد كما أطلق عليه البعض، كما تمت هيكلة الجيش والأمن بناء على رغبة أمريكية ودعم سعودي، إضافة إلى التدخل في مقررات مؤتمر الحوار ولجنة الدستور والتي من خلالهما تم صياغة بنود تلبي مطامع الغرب والسعودية، فقد تم إقرار تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم رغم رفض معظم المكونات السياسية، إلّا أن القوى العميلة مررت القرار، وكان ذلك بمثابة الصاعقة بالنسبة للشعب الحرّ الذي رفض هذا الإجراء والتدخل الفاضح.

أمّا على المستوى الخارجي ورغم اتخاذ اليمن سياسية عدم الانحياز، إلا أنه ومع الهيمنة الأمريكية أصبح اليمن محسوباً على المحور الغربي منذ فترة طويلة؛ ونتيجة لمعاناته من فقدان قراره السياسي داخلياً وخارجياً، فقد وضع الشعب نصب عينه تحقيق هدف الاستقلال في القرار.

بناء علاقات خارجيه تقوم على الندية والاحترام

برغم ما خلفته قوى الهيمنة والاستعمار السياسي من آثار كارثية على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، إلا أن الثورة لم تأتِ للانتقام، بل أعلنت منذ الوهلة الأولى أنها تسعى لإقامة علاقات متميزة يسودها الندية والاحترام مع جميع الدول بعيداً عن الهيمنة والوصاية وبما يحقق المصالح المشتركة.

وينص الإعلان الدستوري في الفقرة الرابعة منه على الآتي: (تقوم السياسة الخارجية للدولة على أساس الالتزام بمبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واعتماد الوسائل السليمة والسلمية في حل المنازعات والتعامل لتحقيق المصالح المشتركة بما يحفظ سيادة الوطن ومصالحه واستقلاله))[1])

إسرائيل الاستثناء

استنادً للقيم الأخلاقية والدينية الأصيلة التي يتمتع بها الشعب اليمني - والتي حاولت الدول المهيمنة مراراً وتكراراً محوها وتغييبها - فقد تمسك الشعب بموقفه الواضح من القضية الفلسطينية رافضا ً الكيان الصهيوني وجرائمه البشعة، ولهذا كان من الطبيعي أن تستثنى إسرائيل من العلاقات التي يسعى اليمن إلى إقامتها مع الدول خصوصاً مع تزايد الوعي الشعبي من خطورة إسرائيل على الأمة.

موقف الدول الغربية ودول الخليج من ثورة الـ 21 من سبتمبر

بعد انتصار الثورة، سارعت الدول الغربية ودول الخليج إلى إبراز موقفها منها، ورغم التباين في حدة المواقف إلا أنها اتفقت في مضمون العداء للثورة، والحقيقة أن ذلك لم يكن مستغرباً فالنهج السياسي الذي قامت عليه الثورة قد أدى إلى فقدان تلك الدول لهيمنتها على اليمن، إلا أن الغريب في الأمر هو أن تُشنّ حربٌ ظالمة على شعب من أجل إعادة إخضاعه ووضعه تحت الوصاية من جديد، مع أن مواثيق الأمم المتحدة وقراراتها تنص على كفالة حق الشعوب في الاستقلال، وحقها في تقرير مصيرها، غير أن تلك المواثيق لم تعد سوى حبرٍ على ورق في ظل غياب الأمم المتحدة التام عن دورها الانساني تجاه الشعوب.

ويرى الكثير أن الأمم المتحدة ليست سوى أداة لتنفيذ سياسات أمريكا ودول الاستكبار العالمي، وهو ما اتضح بشكل كبير في الشأن اليمني، حيث اتجهت السعودية ومِن ورائها الغرب إلى استصدار قرار من مجلس الأمن يندد بما أسماه الانقلاب ويدعو إلى عودة الشرعية حدّ وصفه، وهو ما يعد دعوة للتدخل العسكري في اليمن بهدف إجهاض الثورة، وقبل ذلك كانت الولايات المتحدة ومعها عدد من الدول الغربية قد قامت بسحب سفرائها من صنعاء تبعها في هذا الإجراء الدول الخليجية عدا سلطنة عمان وذلك في إطار التمهيد للحرب.

وعند الاستعراض السريع لمواقف بعض تلك الدول يتضح لنا مدى الانزعاج الكبير والذي يعبر عن الخوف الشديد من التغيير الحاصل في اليمن، وهو ما يعني أن الثورة كانت ضرورة ملحة للنهوض باليمن وإخراجها من عباءة الهيمنة الغربية السعودية من ناحية، ومدى التأثير الذي يمكن أن تشكله الثورة في محيطها الإقليمي وعلى المستوى الدولي من ناحية أخرى، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

فقد تبدى الموقف الإسرائيلي والذي جاء على لسان رئيس وزراء الكيان الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي عبر عن مخاوفه من الحركة الثورية القائمة في اليمن والوعي الشعبي الذي تمتلكه جماعة أنصار الله بخصوص جرائم الكيان الصهيوني في العالم؛ قائلاً "نشعر بالقلق تجاه ما يجري في اليمن .. إن ما يجري هناك يهددنا مباشرة "([2])

دول الخليج وعلى رأسها السعودية لم تخفِ قلقها وخوفها من الثورة اليمنية هي أيضاً، فرغم ترحيبها باتفاق السلم والشراكة الذي وقع بين الأطراف اليمنية في يوم انتصار الثورة، إلا أنها عادت لتعلن رفضها للتغيير واصفة ما حدث بالانقلاب العسكري.

ووفقا لوثائق ويكليكس المسربة عن مراسلات وزارة الخارجية السعودية، فقد انتهت الأخيرة إلى أن "الاحتجاجات الشعبية التي استمرت لأكثر من عام في اليمن أفرزت جماعات وتشكيلات مدنية جديدة، هي القوى الواعدة للتأثير في المستقبل". وهذه القوى كلّها "معادية لسياسة المملكة، أو تقع خارج دائرة احتوائها"([3])؛ هذا الموقف السعودي لم يكن مفاجئاً فقد حاولت السعودية عرقلة الثورة، من خلال دعم القوى الراديكالية والإرهابية المتطرفة بالسلاح والمال في وجه الحركة الثورية التي تقودها جماعة أنصار الله فاتحة بذلك أكثر من معركة، في الجوف، ودماج، وعمران، وانتهاءً بصنعاء؛ ومع الفشل السعودي في لجم كباح الشباب الساعي للتغيير لم تتمالك السعودية نفسها ولم تكتفِ بسحب سفيرها بل تصدرت العدوان الغاشم الذي شن على اليمن.

الملفت للنظر هو موقف أمريكا التي استطاعت أن تخدع الكثيرين في العالم وفي اليمن بعد تمكنها من لعب دور المحايد في العدوان بل واستطاعت أن تلعب دور الوسيط كأنها لا ناقة لها ولا جمل([4])؛ إلا أن إعلان الجبير الحرب على اليمن من واشنطن دليل كافٍ على موقف أمريكا ووقوفها وراء الحرب، فضلاً عن القلق الذي أبداه المسؤولون الأمريكيون من سيطرة جماعة أنصار الله على الحكم في اليمن.

دوافع العدوان على اليمن.

في شهر أكتوبر 2014م بعد قيام الثورة، بدأ الترويج والتهويل والتخويف من ثورة 21 سبتمبر 2014م وأنصار الله، ومزاعم تبعيتها لإيران حيث وصف خبراء في الجغرافيا السياسية مضيق باب المندب بأنه أهم من قنبلة نووية في إشارة إلى أهمية هذا الممر المائي الذي لا يزيد عرضه عن 30 كيلو متر([5]) وقد تختلف الدوافع التي أدت إلى شن العدوان الغاشم على اليمن من دولة إلى أخرى، إلا أن النهج السياسي الذي قامت عليه ثورة الـ21 من سبتمبر كما يراه المحللون، هو السبب الرئيس الذي دفع تلك الدول لشن عدوانها على اليمن؛ فخروج اليمن من الهيمنة الغربية واتخاذ الثورة موقفاً واضحاً إزاء القضية الفلسطينية أدى إلى قيام الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني بتحريك السعودية للقيام بالاعتداء على اليمن تحت غطاء عربي؛ في المقابل فإنّ دول الخليج قد رأت أنها تضررت من ثورة 21سبتمبر، رغم أن قلقها لم يكن مبرراً إذا ما أخذنا بالحسبان إعلان قيادة الثورة استعدادها لتبديد القلق الخليجي والخوف الذي يساور الدول الشقيقة وعلى رأسها السعودية.

ويتلخص الدافع الغربي لشن العدوان في خروج اليمن من الهيمنة الأمريكية عسكرياً وسياسياً من جهة، والخوف الإسرائيلي من الوعي الذي بات يحمله الشعب اليمني بخصوص القضية الفلسطينية من جهة أخرى؛ وبالمجمل فإن الموقع الجيوسياسي للجمهورية اليمنية قد جعلها في الماضي عرضةً للغزو ثم الاستعمار ثم الهيمنة الأمريكية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي حتى قيام ثورة الـ21من سبتمبر؛ وترى أمريكا أن اليمن بموقعه الاستراتيجي يجب أن يكون تحت السيطرة، لأن خروجه من عباءة الإمبريالية الأمريكية سيشكل فارقاً مهماً في الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط؛ فضلاً عن الأطماع الأمريكية في اليمن والتي كان آخرها السعي إلى إقامة قاعدة عسكرية كبيرة في جزيرة سقطرة بهدف تأمين الممرات المائية في خليج عدن؛ أما فرنسا وبريطانيا فيدفعهما المصالح الاقتصادية، فقيام الثورة سيحرم البلدين من امتيازات كانت الدولتان تحصلان عليها في الماضي فيما أُطلق عليه البعض بـ (الاستعمار الاقتصادي)؛ كما أنهما ينفذان سياسة أمريكا والكيان الصهيوني في المنطقة.

إسرائيل لم تخفِ قلقها يوماً من الوعي الذي تتمتع به جماعة أنصار الله تجاه جرائم الكيان في العالم وهو ما أدى إلى مشاركتها في العدوان على صعده عام 2009م تحت العباءة السعودية.

وبحسب مجلة العلاقات الخارجية الأميركية "فورين أفيرز" Foreign Affairs والتي تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية، فإن الطائرات الإسرائيلية قد شاركت في العدوان على صعده 2009م بعد سيطرة جماعة أنصار الله على 46 منطقة سعودية ..([6]) ؛ وفي أول تعليق رسمي إسرائيلي على العدوان السعودي، قال رئيس وزراء الكيان "نتنياهو" (إن وكلاء إيران في اليمن يحتلون أجزاءً كبيرة من هذه الدولة ويحاولون الاستيلاء على مضيق باب المندب الاستراتيجي، ما يغير توازن الملاحة وإمدادات النفط العالمية)([7]) ؛ وهو ما يؤكد الدافع الاسرائيلي وراء الحرب على اليمن ومصلحة الكيان في ذلك.

أما السعودية فطالما كانت تنظر إلى اليمن كحديقة خلفية لها، وطوال تاريخها لم تدخر جهداً في السيطرة على اليمن سياسياً واجتماعياً وثقافياً، ومع أن الثورة لم تنطلق من مبدأ العداء للجارة الكبرى؛ إلا أن الغطرسة والكبرياء السعودية أبت إلا أن ترتكب الحماقة الأكبر في تاريخ العلاقات بين البلدين متزعمة لعدوان بربري غاشم كشف عن مدى الحقد الدفين الذي يحمله بنو سعود على الشعب اليمني؛ ويبقى السؤال المطروح هل العدوان الذي تزعمته السعودية وليد اللحظة؟

الحقيقة أن العدوان السعودي لم يكن وليد اللحظة، فقد عملت السعودية في الماضي على نشر المذهب (الفكر) الوهابي في اليمن، وضرب اللحمة الاجتماعية، وشراء الذمم وتأجيج الصراعات بين أبناء الوطن الواحد، وإذكاء الخلاقات المذهبية والمناطقيه عبر ما زرعه الفكر الوهابي الضال من التكفير واستباحة الدماء والأعراض والأموال، ودعم الإرهاب، واختطاف السياح، وزرع الأحقاد، والقيام بالاغتيالات، ورفض أي فكر مخالف ورمية بالكفر)[8])؛ ولم تترك جارة السوء عملاً قذراً إلا أدخلته اليمن وعملت عليه، مستغلة عمالة النظام والمأجورين الذين ساعدوها على ذلك.

وبعيداً عن الدوافع المعلنة والغير معلنة، والذرائع الحقيقية أو الوهمية، فإنه يمكن القول إن العدوان يهدف إلى القضاء على اليمن كدولة، ويسعى إلى تدمير البنية التحتية والاقتصادية، وتدمير الجيش، وخلق الفوضى، وزرع الفتن، وإبادة الإنسان، وتقسيم الوطن إلى أقاليم ودويلات متناحرة ومتنازعة.

استمرار النهج الثوري ومقاومته لدول الاستكبار

منذ اليوم الأول للعدوان اتضح للغالبية من اليمنيين أن عدوان آل سعود وتحالف الشر ومرتزقته إنما يستهدف اليمن بكل ما للكلمة من معنى ودلالة، اليمن الحاضر والمستقبل، وباستثناء قلة مؤيدة ومنتفعة من العدوان السعودي الأمريكي ومرتبطة بأجنداته([9])؛ ومن هذا المنطلق تحرك الشعب بكل فئاته القيادة والثوار، والجيش والأمن، الرجال والنساء، المقاتل والسياسي، المزارع والصحفي، الكاتب والمدني، الشيوخ والشباب وحتى الأطفال؛ هبوا جميعهم للدفاع عن وطنهم كلاً من موقعه وعمله، مشكلين خلية نحل لا تتوقف عن الحركة، حتى أبهروا العالم بصمودهم وثباتهم.

وفي هذا التحرك المنقطع النظير دلالة واضحة عن تمسك الشعب بثورته والنهج الذي قامت عليه، فالوهج الثوري كان هو الدافع الحقيقي لهذا الصمود والمحرك الرئيس لمقارعة الدول العدوانية رغم الفارق الكبير والشاسع في الإمكانات والقوة العسكرية؛ ويبدو أن الدرس الذي سُطّر في هذه الملحمة البطولية هو أن القدرة التدريبية والتسليحية التي قامت عليها نظرية القوة واتخذها الغرب أساساً يرتكز عليه في هيمنته على العالم، لم تعد هي الطريقة الأنجع لتحقيق الأهداف باستخدام القوه العسكرية، ذلك أن الحرب التي شُنت على اليمن أثبتت العكس، وأصبح التوكل على الله مع الإيمان بعدالة القضية، والمظلومية في نفس الوقت هي السلم الحقيقي للنصر شريطة أن يكون هناك تحرك وفاعلية بمستوى الظلم الذي يمارس، وبحتمية النصر الإلهي يصبح تحقيق الأهداف ممكناً، بعكس نظرية القوة التي ستخسر في الأخير وهو ما يعني تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي قامت من أجلها ثورة الـ21 من سبتمبر ومن بين تلك الأهداف النهج السياسي الذي سعت الثورة لتحقيقه.

وبعد مرور عامين على الثورة، وأكثر من عام ونيّف على بداية العدوان، أثبت الشعب اليمني أنه جدير بالمواجهة والصمود والمحافظة على ثورته ومكتسباتها. ويبقى السؤال المطروح هو: هل يستطيع الشعب الصمود في مواجهة قوى الاستكبار والهيمنة حتى النصر، رغم الإمكانات الهائلة التي تمتلكها تلك الدول؟

نظرياً، يطرح الدكتور "حماده فراعنه" أربعة شروط للانتصار السياسي وهي: عدالة القضية، وبسالة الشعب، وحكمة القيادة، وتطرف العدو وبشاعته([10])؛ وهذه الشروط تتوفر جميعها في الحالة اليمنية، فالشعب صاحب القوة والبأس الشديد، ولديه قياده ثورية حكيمة، وقضيته عادلة ومحقة ولم يعتدِ على أحد؛ بل يدافع عن نفسه، بالإضافة إلى بشاعة عدوه وتطرفه فالحرب التي تُشن عليه تعتبر من أبشع الحروب في القرن الـ21.

 أما واقعياً، فإن الشعب لم يتحرك لمواجهة أعتى القوى العالمية تسليحاً من منطلق قوته العسكرية، فميزان القوى يصب لصالح العدو بنسبة كبيرة؛ وإنما انطلق معتمداً على الله سبحانه وتعالى ومتوكلاً عليه، وهو باعتماده على الله يثق كامل الثقة في نصره وتثبيته وتأييده.

وبتوافر الشروط الموضوعية، والاعتماد على الله أولاً وأخيراً، فإن الشعب اليمني قد استطاع الصمود والثبات ومقارعة الغزاة والمستكبرين طوال هذه المدة رغم الحصار وبشاعة المعتدي وقبحه هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تتجلى قدرته على الاستمرار في الصمود حتى تحقيق الانتصار، شريطة استمرار الزخم الثوري.

سيناريوهات مستقبلية

هناك ثلاثة سيناريوهات متوقعة في المستقبل وهي:

السيناريو الأول: أن تنتصر اليمن في مواجهة العدوان، مع المحافظة على النهج السياسي الذي قامت عليه الثورة، وهو احتمال كبير جداً، بالنظر إلى توافر الشروط الموضوعية التي ذُكرت سابقاً، مع الأخذ بشكل كبير بالواقعية (الاعتماد على الله والثقة بنصره)، وفي هذه الحالة فإن اليمن يكون قد كسب معركة الحرب المقدسة من ناحية، وحافظ على النهج السياسي الذي قامت عليه الثورة من ناحية أخرى، ويتوقع في هذه الحالة أن تتطور اليمن وترتقي في شتى المجالات بعيداً عن الوصاية والتدخل الأجنبي، وهو المطلب الذي سعت الثورة لتحقيقه.

السيناريو الثاني: أن تنتصر اليمن دون أن تحافظ على النهج السياسي الذي قامت عليه الثورة، وقد يحدث ذلك بناءً على اتفاقية مع العدو لإنهاء الحرب سواءً مع عودة منافقي العدوان هادي وجماعته للمشاركة في الحكم أو بدونهم، وقد يحدث ذلك بسبب متغيرات إقليمية أو دولية أو حتى داخلية (اقتصادية مثلاً) تحصل بعد الانتصار وتؤدي إلى عودة الهيمنة على القرار السياسي من دولة ما أو مجموعة من الدول، وفي كلتا الحالتين فإن الانتصار لا قيمة له، لأنه سيعود باليمن إلى ما قبل الثورة ومعه ستبقى اليمن تترنح في وضعها السابق دون أن تتطور، واحتمال تحقق هذا السيناريو ضعيف.

السيناريو الثالث: أن تودي المتغيرات في ميزان القوى الي هزيمة اليمن، وهو ما يعني احتلال اليمن والسيطرة عليه من قبل قوى العدوان، وهذا احتمال ضعيف جداً وغير وارد، بالنظر إلى ما تحقق لليمن حتى الآن، فرغم دخولها الحرب وهي في وضع لا تحسد عليه عسكرياً خاصة مع تعدد الجبهات مع منافقي العدوان في الداخل، نجد أن المقاتل اليمني متواجد اليوم في الداخل السعودي والصواريخ الباليستية أصبحت تطال العمق السعودي، وهو ما يعني ارتداد الحرب عكسياً على السعودية وحلفائها.

 


[1] الاعلان الدستوري، ويكيبيديا الموسوعة الحرة، متوفر على الرابط:  http://ar.m.wikipedia.org

  [2] العدوان على اليمن فضح تحالف “بني سعوصهيون”، تقرير نشره موقع تعز الاخباري، على الرابط التالي:

 http://www.taiz-news.com/?p=25172

[3] (ويكيليكس يكشف فصول التآمر على اليمن) ، تقرير نشره موقع العهد الاخباري ،على الرابط التالي:

  http://www.alahednews.com.lb/112529/9/

[4] جميل الحاج، ما يجري من قتل ودمار وحصار وتشريد لشعب اليمني هو بأوامر أمريكية  وبأسلحة أمريكية وبأموال خليجية، تقرير نشر على موقع الحق نت ، على الرابط: http://www.alhagigah.com/?p=9887

[5] أـ محمد صلاح ، المشروع السعودي الصهيوني الامريكي للهيمنة على باب المندب(2010ـ2015م)، مقاله نشرت على الانترنت، على الرابط التالي: http://www.hasadalyoum.com/art1074.html

[6] هادي المغربي ، الصمود اليمني يكشف حقيقة العدوان ، تقرير نشره موقع النجم الثاقب على الرابط: http://www.nthnews.net/201512/5375

[7] إبراهيم السراجي ، (القناع الاخير للعدوان واشنطن صاحبة القرار)، صدى المسيرة ،على الرابط: http://www.dhamarnews.com/archives/8960

[8] أ/ نجاة يحيى الشامي، (الأثر السلبي على قطاع السياحة جراء العدوان السعودي على اليمن)، ورقه بحثيه ،نشرت على الانترنت ،على الرابط: http://www.future-fm.net/?p=8009 

[9] محمد المنصور ،الثورة التي هزت العروش ،الحق نت، على الربط: http://alhakk.net

[10] حماده فراعنه، شروط الانتصار السياسي، صحيفة الأيام الفلسطينية، على الرابط: www.al-ayyam.ps