مدخل:

كل أربعة أعوام، وبمناسبة انطلاق (ماراثون) انتخابات الرئاسة الأمريكية، تتجه أنظار العالم إلى (واشنطن)؛ لتتابع النتيجة النهائية التي تحمل اسم من سيجلس على المقعد الوثير خلف المكتب الأنيق في البيت الأبيض.

هذه المتابعة الكثيفة لانتخابات الرئاسة الأمريكية، تحمل - فيما تحمل - قدراً من واقع مركزية (العولمة)، واضطرار الأطراف للانجذاب نحو المركز، ليس لأن المركز هنا أكثر صحية أو انضباطاً أو استقامة أو اقتراباً للمثل الذي يجب أن تنحو منحاها البشرية؛ ولكن لأن هذا المركز يمسك من خيوط القوة بين أصابع يديه ما لا يمسكها غيره، ويتقن لعبة شد الحبال وتطميع كل الأطراف المتصارعة، ومن يستعص عليه ويقرر الخروج عن حدود اللعبة؛ يكن له بالمرصاد، فيحشد ضده آلته العسكرية، وينفذ عليه حصاره الاقتصادي، سواء بشكل مباشر أو عبر عملائه ووكلائه المحليين والإقليميين، وفي ما تفعله الممالك الخليجية - وعلى رأسها السعودية - بسورية واليمن مثل حي على ما نعنيه.

تتبدل الوجوه على كرسي البيت الأبيض، ويحمل كل واحد منها أجندة في يديه وهو يصعد سلالم مكتبه أجندة قد يكون ثمن الحبر الموجود فيها أغلى من كلماتها - كما يعتبر البعض -، وذلك كون الولايات المتحدة تدار عبر مؤسسات عميقة يشتبك فيها ما هو مخابراتي بما هو مالي بما هي مبادئ (توسعية) أقرها مؤسسو الكيان الأوائل، ولا يمكن لها أن تحيد عنها.

ما الذي يتبدل إذن؟! تتبدل الطرق والسبل التي يمكن لهذه (التوليفة) أن تحقق عبرها مصالحها، هذا - مثلاً - ما يجعل شخصاً كـ (نعوم تشومسكي) يقول: "الولايات المتحدة يحكمها حزب واحد بوجهين؛ أحدهما: جمهوري، والآخر: ديمقراطي"، بل ويذهب (تشومسكي) نحو ما هو أعمق؛ ليصف ذلك الحزب بحزب "رجال الأعمال" الذي يتجه مع الوقت بتطرف أكبر نحو اليمين([1]).

إذن؛ نحن أمام حزب مصالح رأس المال، والقوى الراغبة في شفط (حليب الأبقار)، وتركيع كل القوى التي تناهض عملية الشفط تلك استناداً؛ أولاً: على إنسانيتها، وأنها قوى بشرية، وليست أبقاراً جاهزة للحلب، وثانياً: على حقها الطبيعي في إدارة ثرواتها ومواردها بشراكة حقيقية وباستقلالية كاملة عن منظومة النهب تلك، وعن المناخ الذي تشيعه تلك القوى الناهبة عندما تخلق لها في البيئة المحلية مجموعة من (الوكلاء)، و(السماسرة)، وتقدمهم باعتبارهم نخبة (أرستقراطية) تمسك بزمام الدولة، وتتطلع العيون لخطب ودّهم.

التاسع من نوفمبر 2016م:

في هذا التاريخ أُعلن عن فوز رجل الأعمال الأمريكي الملياردير (دونالد ترامب)، في مفاجأة أربكت طابوراً من المحللين الذين شاهدوا (وول ستريت) تسير خلف (هيلاري كلينتون)، ومعها (99%) من وسائل الإعلام([2])، فقرروا أنها الفائزة لا محالة! لكن خطاب (ترامب) الشعبوي لم يقرأ مفاتيحه كثيرون، ولم يقدّروا أن للشارع هامش واسع يتحرك من خلاله، ويبدو في معزل عن ماكينات الدعاية الإعلامية، وأن النظرية الإعلامية: (الرصاصة السحرية)، التي تنفخ كثيراً في دور الإعلام، وقدرته على التوجيه والحشد، قد آن أوان قبرها، وقراءة التراتيل الدينية على روحها.

لقد خاطب (ترامب) الطبقة العاملة البيضاء التي تشتكي من تردي أحوال معيشتها، واستمالها، واستغل غضبها وحنقها واستثمر فيه، بل ووجه ذلك الغضب، كعادة جميع المصابين بلوثة من (الفاشية) نحو المهاجرين والأقليات وأصحاب البشرات الملونة؛ فقدم لناخبيه (خصماً)، وشاركهم في التصويب نحوه، فكان له الفوز. وكان الطبيعي أن يقدم (ترامب) هذا النوع من الخصوم؛ كونه في الأساس رجل أعمال سليل أسرة تعمل في (البيزنس)، ويملك سلسلة محلات تجارية، ومتخصص في بناء ناطحات السحاب وإنتاج البرامج الفضائية الترفيهية([3])، ما يعني أنه لم يكن من الجائز لترامب أن يرفع الشعارات التي رفعها متظاهرو (وول ستريت) في عام (2011م)، حين قالوا: "أين العدالة؟! (1%) يملكون، و(99%) لا يملكون أي شيء". كان هذا صعباً على (ترامب) الملياردير الكبير الذي تمول حملته، كما حملة منافسته (هيلاري كلينتون) من جيوب الشركات الدولية الكبرى (الحكام الفعليين للعالم)؛ فاختلق لهم أعداء يناسبون المقياس (القومي المتعصب ــ العنصري)؛ فأصبح المسلمون والمكسيكيون، كما أدخل الأمريكان السود في دائرة الأعداء تلك من خلال ممارسة الضغط عليهم في إطار ربطهم العرقي بالرئيس (أوباما) الذي يرى أنصار (ترامب) أنه "بعثر كرامة أمريكا في العالم، وأهانها أمام إيران تحديداً".

 ما لا يجب أن يفوتنا هنا، هو حاجة الشارع الأمريكي إلى التجديد والتنويع المستمر بين الجمهوريين والديمقراطيين - ذلك إن تخطينا واقع تعقيدات النظام الانتخابي الأمريكي الرجعي، والذي لا يسمح للمواطن بالتصويت المباشر، وإنما يمرر صوته عبر المجمّع الانتخابي، في تصرف يعكس قدر من استضعاف المواطن والتشكيك في قدرته على الاختيار المباشر -؛ فالحاجة إلى التجديد والتنويع نلاحظها منذ تسعينيات القرن المنصرم؛ فمن بوش الأب (الجمهوري) إلى كلينتون (الديمقراطي)، ثم بوش الابن (الجمهوري)، ثم أوباما (الديمقراطي)، وها هو ترامب (الجمهوري). لكن تلك الحاجة المستمرة إلى التجديد والتنويع ليست بالطبع قاعدة ثابتة، فقبل بوش الأب - على سبيل المثال - كان هناك المتطرف (الجمهوري) رونالد ريغان - ذلك المكارثي، الرأسمالي، وخادم الصهيونية بامتياز -؛ إلا أن تكرار تلك الحاجة يعني - بصفة عامة - أن المزاج (الشعبي) و(النخبوي) الأمريكي يتنوع ويتبدل، فتارة يملّ من الاختراق الناعم للشعوب الأخرى، وابتلاع مواردهم على طريقة (الاختلاس) الخفيف، ويميل إلى مظهر المغتصب (العنيف) عبر وسائل التدخل والاختراق الخشنة، ثم يعود ذلك المزاج لينفر من نهج الاختراق والتدخل، بعد أن يشاهد بعينه شعبية بلاده تصل إلى الحضيض، فيتم اللجوء لـ (عملية غسل سمعة)، وتقديم وجه (طيّب) لأمريكا وجه يبدأ خطابه بـ (السلام عليكم)، ويحاول تقمص خطاب أميل لـ (الإنسانوية)، وذلك هو ما حدث - بالتحديد - مع الرئيس أوباما (الأفريقي الأصل) في خطابه الذي ألقاه بجامعة القاهرة في عام 2009م،  واستغرق خمسين دقيقة، صفق فيه الحضور - الذي كان أغلبه من نخبة نظام مبارك - أكثر من (30) مرة([4])، وكان أوباما قد التقى قبلها بأعضاء جماعة الإخوان؛ لكن بعد تقديم ذلك الوجه المثالي لأمريكا سرعان ما تنكشف أنيابها، ويظهر وجهها الخبيث الذي تجلت ملامحه في سورية وليبيا واليمن، بل وفي مصر وتونس، وذلك عبر اختراق الحراكات الشعبية، وتلوينها، وصرفها إلى مسارات أخرى، لتنتهي بإعادة إنتاج ما تمت الثورة عليه. لكن وحدهم من لديهم حسن ظن بالشيطان، هم من يسهل خداعهم، هكذا تقول الأمثال.

ملامح السياسة الأمريكية الجديدة تجاه المنطقة بعد وصول ترامب للسلطة:

أثار دونالد ترامب تصريحات عديدة أثناء حملته الانتخابية بخصوص الوضع في المنطقة، فبحسب مراقبين، نوّع ترامب في تصريحاته تلك وفقاً لطبيعة السائل، حيث أطلق تصريحات على كل شاكلة، مما سيسمح له بهامش واسع من الحركة فيما بعد، ولعل أغلب ما ساقه ترامب في تصريحاته كان "ذماً" و"انتقاصاً" من خطط سلفه أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون (2009م - 2013م).

 وإجمالاً، يمكن وصف برنامج ترامب بأنه برنامج ضد أوباما؛ إذ هو - بالطبع - كذلك في كل شيء ما عدا العلاقة مع (إسرائيل)، فمعيار النجاح لأي منهما - كما هو معلوم - رهن بأيهما سيكون الأكثر ولاءً لـ (إسرائيل)، وأيهما الأكثر استعداداً لتحقيق طموحات الصهاينة.

"المنصب له أحكامه"، هكذا تقول السياسة، ولا ريب أن الهامش الذي يتمتع به المُرشح أثناء الحملات الانتخابية لا يتمتع به بعد أن يجلس على مقعد الرئاسة، فالكرسي "يهذّب" كثيراً من أخلاق المرشحين بعد جلوسهم عليه. وبالنسبة لترامب، يضاف إلى ذلك الواقع تلك المظاهرات الرافضة لنتيجة الانتخابات، والتي نُشرت أنباء تؤكد تمويلها من قبل جورج سورس - راعي الثورات الملونة في أوروبا الشرقية، والمموّل السابق للجنة الأزمات الدولية، والأب الروحي لمجموعة من المنظمات المدنية، والداعم الكبير للحزب الديمقراطي -؛ إذ إن تلك المظاهرات قد تلعب دوراً في تليين مواقف ترامب، وإشعاره أن هناك ثمة أطرافاً تتخطى قوتها قوة "الصندوق"، ولها مصالح ومخططات لا تسمح بمساحة كبيرة للتلاعب فيها. مع أن ترامب - في واقع الحال - لا يناهض تلك المصالح والمخططات، فقد تكون - فقط - أداته لتحقيقها مختلفة، ولعل تصريحاته العنيفة خلال حملته الانتخابية كانت مطلوبة لإيصال برنامجه للناخب الأمريكي "من أقصر طريق"، أما فيما بعد؛ "فسيروّض" الرجل نفسه باختياره التام، قبل أن "تروّضه" المؤسسية الأمريكية، وسيحافظ على المضمون ذاته لتصريحاته بدون تلك اللغة العنيفة، وسيطلق الرصاصة على الضحية في "ظرف دبلوماسي ملوّن".

سورية:

 تتحسس الإدارة الأمريكية - عامة - من وضع النظام السوري، باعتباره يمثل رأس محور المقاومة في المنطقة العربية، وكونه القطر العربي الأهم في دعمه لمنظمات المقاومة في فلسطين ولبنان، هذا بخلاف تمسك النظام هناك بهامش واسع في إدارة العملية الاقتصادية، بالشكل الذي يحرم الشركات متعدية الحدود و(الماركات) الغربية من غزو البلد والهيمنة عليها تماماً، حتى (عبد الله الدردري) الاقتصادي البارز - على مقياس البنك الدولي - في حكومة ما قبل عام 2011م، والذي مثل حصان طروادة لسيناريو التخريب فيما بعد، بتهشيمه البيئة الاجتماعية الداخلية في سورية، ظلت إسهاماته (سيئة الذكر) محدودة التأثير بسقف الإرث الاقتصادي السوري.

ما سبق هو أصل الحكاية وعمودها الفقاري، وهو السبب في استهداف سورية، ذلك دون إغفال حقيقة عدم تورط النظام السوري بتطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني وتبادل السفراء أو المكاتب التجارية، وعليه فاستهداف سورية ظل موضوعاً مطروحاً على مكاتب المخابرات الأمريكية منذ عام 2001م، وقد أشار إلى ذلك الأمر الكاتب الفرنسي تيري ميسان([5])، مؤكداً على أن الخطة التي تم وضعها في سبتمبر من ذلك العام كانت تتضمن ضرب كل من: العراق وليبيا والسودان وسورية والصومال وتنتهي بإيران. وفي العام 2003م، ومباشرة بعد سقوط بغداد؛ تبنى الكونغرس الأمريكي مشروعاً يتيح للرئيس الدخول في حرب مع سورية في الوقت المناسب، لكن بوش - حينها - لم يكن لديه الوقت الكافي لذلك، فأحيل الأمر على الرئيس أوباما، وكان الجنرال ويسلي كلارك قد أعلن تلك الخطة منذ سنوات.

 لم يكن الوقت هو الحائل الوحيد أمام الاستمرار في تنفيذ الخطة الأمريكية - سالفة الذكر - بل كان للمقاومة العراقية الباسلة ضد آلة الاحتلال الأمريكية إسهامٌ كبيرٌ في تعطيل ذلك المشروع، وفي دفع الدبابة الأمريكية إلى الوحل، مما تسبب في هدم المشروع على يد بوش الابن، إلى أن جاء أوباما ليبدّل الأداة ويُبقي على المشروع. فعوضاً عن الدبابة التي غاصت في بحر رمال العراق، تم استخدام المتطرفين و(المعتدلين) الملونين من السوريين أنفسهم، وتفجير سورية من الداخل، في ظل وجود حدود مفتوحة مع الحليف التركي (عضو الناتو) بأطماعه التوسعية في شمال سورية والمستعد لتقديم خدماته. فمن تلك الحدود؛ يمكن تمرير آلاف المتطرفين من مشارق الأرض ومغاربها، بعد مَذْهبَة الصراع وإعطائه بعداً "أيديولوجياً"، ثم شيطنة الجيش السوري عبر خطط علاقات عامة مدروسة تقودها وتشرف عليها كبريات الشركات الدولية؛ لتتم الخطة ذاتها لكن من باب "إنسانوي ديمقراطي" بدلاً من باب "الجمهوريين الخشن". غير أن أوباما لم يكن دوماً بهذه النعومة، ولولا تماسك الجيش السوري ونفَسَه الطويل والوجود الروسي المكثف - والذي تكثّف أكثر لاحقاً - والحضور الإيراني؛ لما كان تردد أوباما في قصف دمشق بالطائرات، بالضبط كما جرى في ليبيا في العام 2011م، فالحجج ذاتها قابلة للتكرار، ودموع التماسيح موجودة، وهذا ما يتضح من التحشيد العسكري والإعلامي الأمريكي في النصف الثاني من العام 2013م، والتلويح بتوجيه ضربة تحت ذريعة استخدام النظام السوري لأسلحة كيميائية تبين فيما بعد أن التنظيمات المتطرفة هي صاحبتها. وقد تواترت - آنذاك - أنباء عن تحرك قطع بحرية وحاملات طائرات أمريكية بريطانية في البحر الأبيض المتوسط([6])، وجاءت تلك العملية بعد محاولة من جانب غواصات صهيونية قصف مستودعات صواريخ روسية في سورية - تحديداً في يوليو 2013م - مما أسفر حينها عن استشهاد (12) مقاتلاً سورياً، وقد ظهر فيما بعد أنه تم التصدي للغواصة الإسرائيلية وإغراقها وسط تكتم من جميع الأطراف. وفي منتصف الشهر ذاته، نُشرت أخبار عن استهداف طائرات إسرائيلية أقلعت من مطارات تركية لمستودعات أسلحة سورية قرب اللاذقية تضم صواريخ (ياخونت) المضادة السفن، لكن الحكومة السورية لم تعلّق على ذلك الخبر، كما لم تؤكده - في الوقت ذاته - سلطات الاحتلال الإسرائيلي([7]).

 وسط كل تلك الملابسات، وبعد تغيّر الكثير من قواعد اللعبة، وظهور تنظيم (داعش) في العام 2014م، واتكاء أمريكا عليه لتأسيس تحالف دولي أربعيني يتمكن الطيران الأمريكي عبره من التدخل، ودعم أطراف بعينها وهندسة الصراع، وبعد انكشاف حقيقة ما يجري في سورية أمام الرأي العام الإقليمي والعالمي، والتموضع الأكبر لروسيا في المنطقة بإقامة قاعدة دائمة لها في ميناء طرطوس([8])؛ يأتي دونالد ترامب للبيت الأبيض، يأتي، لماذا؟ يأتي؛ لأن أوباما فشل في إكمال ما بدأه، إذ تعثر مشروع إسقاط سورية، أو بالأصح إسقاط دورها، يأتي ترامب، وقد خابت ورقة "التنظيمات الإسلاموية" التي كان يراهن عليها الديمقراطيون في مصر وتونس وسورية، لذا كان لا بد من تعديل المخطط، واستبدال السياسات، حتى لا تخسر أمريكا حضورها في المنطقة.

 بحسب ما أعلنه ترامب في مناظراته وخطاباته التي "سخرت" و"تهكمت" من هيلاري، فهو يحملها هي وإدارة أوباما مسؤولية خلق داعش، ورعاية الأنظمة الإقليمية التي تفرّخ الدواعش. وفي ما يتعلق بسورية تحديداً قالت صحيفة (واشنطن تايمز): إن ترامب يمكن أن يستأنف الاتفاق المبرم في سبتمبر بشأن توجيه ضربات جوية مشتركة مع روسيا في سورية بعد مراسيم تنصيبه في يناير 2017م. وقد نقلت الصحيفة ذاتها في 15 نوفمبر 2016م عن مصادر في البنتاغون ووزارة الخارجية الأمريكية أن الاتفاق بين واشنطن وموسكو يتضمن بالإضافة إلى توجيه ضربات جوية مشتركة ضد مواقع الإرهابيين؛ إقامة مركز تنفيذي مشترك بالخصوص، كما أبلغت المصادر الدبلوماسية الصحيفة أن الاتفاق السابق بشأن سورية من المرجح أن يقدم إلى الإدارة الجديدة، إلا أن هذه المصادر شددت على أنها حتى هذه اللحظة لا تعرف بالضبط، هل قرر ترامب العمل بهذا الاتفاق أم لا.

 كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ودونالد ترامب قد توافقا خلال مكالمة هاتفية على ضرورة توحيد الجهود في الحرب على الإرهاب الدولي والتطرف. ونقل بيان للكرملين بهذا الخصوص أن: "بوتين وترامب تشاطرا الرأي حول ضرورة توحيد الجهود ضد العدو المشترك رقم واحد، الإرهاب الدولي والتطرف، وبحثا في هذا السياق أيضاً مسألة تسوية الأزمة في سورية"([9]).

 قد يرفع خبر (الواشنطن تايمز) من احتمالية تدخل ترامب عسكرياً، ضمن أو بجوار العباءة الروسية؛ لتأديب التنظيمات المتطرفة في سورية، ولكن الحقيقة أن أمريكا لو ملكت إزاحة روسيا، بل وسورية نفسها من سورية لفعلت، ولكنها هزمت في معركتها هناك المستمرة ليس من العام 2011م فحسب، بل قبل ذلك بعقود؛ لذا لم يعد أمامها سوى خيارات ترامب، وهي أن تبقى في الصورة ولا تخرج منها، وأن لا تترك الساحة للأقطاب العالمية الجديدة الناهضة لمناكفتها على العرش، وأن لا تفرّط في قواعدها العسكرية (السبع) التي تبنيها وتوسّعها وتمهّدها لاستقبال المروحيات في شمال سورية من منبج (شرقي حلب) إلى الكماليّة (شمال شرقي الحسكة) ضمن الأماكن التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية الكردية([10])، ولو كان ذلك تحت ذريعة الحرب على الإرهاب، ونصرة القوات الكردية ضد داعش، وبالتحالف مع خصمها الاستراتيجي روسيا، فما المانع؟، هل تملك - أصلاً - من خيار غيره؟ فهنا تتحدد خيارات واشنطن، ليس بما تريده هي فهي تريد الهيمنة الكاملة، ولكن بما تستطيع القيام به فعلياً على الأرض، وبما أن وجه ترامب صار مقبولاً؛ لأنه ضد "وجه أوباما ــ كلينتون" المرفوض، فلماذا لا يتم استثماره في الإبقاء على الإسهام الأمريكي بالأحداث في سورية، وألا تنسحب أمريكا بشكل كامل تجر أذيال الخيبة، فها هي موجودة "تحارب الإرهاب" إرهاب هو في الأصل صنيعتها هي منذ حقبة الجهاد في أفغانستان وحتى اليوم!

هنا يجب أن نشير إلى أن الترحيب الذي لاقاه ترامب بعد أن صرّح في أكثر مرة بأن همّه الرئيس القضاء على التطرف الديني، ودعم الجيوش الرسمية في مواجهتها، يعد ترحيباً غير مبرر ولا عقلاني بالمرة؛ لأن الخطاب ذاته تكرر على لسان (بوش) بعد قصف برجي التجارة العالميين، وكانت المحصلة أنه قصف أفغانستان بحجة استهداف (طالبان)، ثم انتقل وقصف العراق واحتلها، ثم كان ينوي قصف سورية، هل كانت الحجة في العراق وسورية التنظيمات المتطرفة ؟!، أو كانت "الحرب على التطرف" هي مدخله الذي أتى به إلى المنطقة، ثم تنوعت ذرائعه فيما بعد؟!

 فيما يتعلق بسورية إجمالاً، يُلاحظ أن خطاب ترامب الانتخابي قد ركز على محاور أربعة: (أ)- الأسد ليس رجلاً جيّداً، (ب)- الاستمرار على نهج كلينتون يسوقنا إلى حرب عالمية ثالثة، فلا يمكن الاستمرار، (ج)- أي دولة تقوم بلمس الشرق الأوسط ستظل عالقةً هناك، وتدخل روسيا العسكري في سورية سيؤدي إلى إفلاسها، (د)- مشكلتنا في سورية هي التنظيمات المتطرفة التي لا نعرفها، وليس أحد آخر -  في إشارة إلى الأسد -، ذلك فضلاً عن إثارته لمسألة ضرورة أن يدفع الخليجيون لأمريكا مقابل الحماية العسكرية([11]).

 فلسطين المحتلة:

بالنظر إلى تصريحات دونالد ترامب المتعلقة بالقضية الفلسطينية خلال حملته الانتخابية، يلاحظ أنها لم تخرج في معظمها عن إطار الموقف الأمريكي الثابت إزاء دعم الكيان الصهيوني؛ فقد ردد ترامب العديد من مقولات ذلك الموقف([12])، وذلك من قبيل: "إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وأن: "هناك الكثير من القيم المشتركة بين أميركا وإسرائيل مثل حرية التعبير وحرية العبادة وأهمية خلق فرص لكل المواطنين من أجل تحقيق أحلامهم"، وأن: "إسرائيل هي الوحيدة المدافعة عن حقوق الإنسان في الشرق الأوسط ومنارة أمل للعديد من الأشخاص".

كل تلك المقولات - بالطبع - لم تأت بجديد، فما الجديد إذاً في سياسة ترامب تجاه القضية الفلسطينية؟ في حقيقة الأمر أن جديداً - بل وخطيراً - قد طرأ على السياسة الأمريكية في الصدد ذاته؛ إذ كان من أخطر ما جاء في تصريحات ترامب الانتخابية تعهده بنقل السفارة الأمريكية من ضواحي تل أبيب (يافا المحتلة) إلى (القدس)، وهذا سيعني اعترافاً أمريكياً بالقدس عاصمة أبدية لـ (إسرائيل). وذلك يعد تطوراً خطيراً نحو ما هو أسوأ، خاصة وأن ديفيد فريدمان المستشار السياسي لترامب والذي تم تعيينه كسفير لأمريكا في إسرائيل، قد أكّد تلك التصريحات بعد فوز ترامب([13])، وبعد توليه لمنصبه، مضيفاً أن ترامب سيرفع من قيمة المساعدات العسكرية المقدمة لـ (تل أبيب)؛ لضمان تفوقها العسكري، مع إمكانية منحها مساعدات أخرى بموافقة الكونجرس.

وحول سؤال لفريدمان عن إمكانية طرح ترامب خطة سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ أجاب بشكل قاطع أنه لا ينوي فعل ذلك، في تناقض مع تصريحات سابقة لترامب كان أكد فيها دعمه لعملية السلام بين الطرفين على أساس حل الدولتين.

ونلفت النظر هنا إلى أن السفير ديفيد فريدمان مؤيد للاستيطان في الأراضي المحتلة، ومن داعمي ضم إسرائيل للضفة الغربية، ويعتبر فريدمان الذي يتحدث اللغة العبرية بطلاقة، من (صقور) إدارة ترامب؛ نظراً لأرائه المتطرفة تجاه عملية السلام.

ويعكس ذلك الموقف لترامب، أولاً: تراجع مركزية القضية الفلسطينية، وعدم تخوّف أمريكا من الرأي العام العربي خاصة، والرأي العالمي المعارض بشكل عام لسلب حق شعب في أرضه ووهبها لمجموعة من المهاجرين، وثانياً: أن الطريق - عملياً - إلى كرسي البيت الأبيض كان ممهداً بالوعود للكيان الصهيوني.

 أما عن الموقف من (المستوطنات) في الضفة الغربية، فقد أكد ديفيد فريدمان أن المستوطنات ليست غير شرعية، مشيراً إلى أن هذا موقف يشاركه به المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية دونالد ترامب. وذلك بالطبع يعد خروجاً واضحاً عن إرادة المجتمع الدولي الذي يعتبر المستوطنات المبنية على أراض تحتلها إسرائيل منذ نصف قرن غير قانونية.

إيران:

لم يتردد ترامب في إعلان خصومته القوية مع الاتفاق النووي الذي وقعته طهران مع الدول العظمى (5 + 1)؛ أي الخمس الدول صاحبة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن بالإضافة لألمانيا، وهو الاتفاق الذي تم توقيعه في يوليو 2015م، وبدأ تطبيقه مطلع العام 2016م؛ حيث يرى ترامب أن الاتفاق مع إيران يعد اتفاقاً سيئاً للغاية؛ لأنه يمكّن إيران، وهي - في رأيه - الراعي الأول للإرهاب الإسلامي المتطرف، من الحصول على سلاح نووي. ولم يكتف ترامب بانتقاد ذلك الاتفاق فحسب، بل تعهد بأنه سيمزقه في يومه الأول لتوليه مهام الرئاسة، في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية([14]).

 وعلى المنوال العدائي نفسه، توعد ترامب بردٍ قاسٍ على أي سفينة إيرانية تضايق البحرية الأمريكية في مياه الخليج، وجاء ذلك الوعيد على أصداء وقائع اقتراب القطع البحرية الإيرانية في الخليج من السفن الأمريكية، والتي كان آخرها في الثلث الأول من سبتمبر 2016م عندما اضطرت سفينة تابعة للبحرية الأمريكية لتغيير مسارها بعدما اقتربت منها سفينة إيرانية لمسافة 91 متراً، فقد تحدث ترامب أمام حشد ضم الآلاف من أنصاره في ولاية فلوريدا قائلاً: "عندما يطوقون مدمراتنا الجميلة بقواربهم الصغيرة، ويلوحون بإشارات يجب ألاّ يسمح لهم بها لأبنائنا فإنهم سيطردون من المياه بقوة السلاح"، كما تحدث - أيضاً - عن سياسة أمن قومي عدوانية بالتوازي مع تعزيز قوة الجيش الأمريكي حتى "لا يمكن لأحد التلاعب بهم"، حد قوله([15]).

تصريحات ترامب تلك تجاه إيران أثارت رد فعل إيراني شديد اللهجة؛ إذ اعتبر رئيس هيئة الأركان الإيرانية اللواء محمد حسين باقري أن: "دونالد ترامب قد تلفظ بكلام يفوق قدراته وقدرات بلاده عندما هدد إيران خلال حملاته الانتخابية، ودعاه إلى عدم اختبار قدرات إيران خصوصاً في المياه الخليجية ومضيق هرمز (كي لا يندم)"([16]).

كما قال باقري في تصريحات صحفية إن: "الشخص الذي وصل إلى سدة الحكم جديداً [ترامب] تلفظ بكلمات تفوق قدراته الذهنية وقدرات بلاده العسكرية"، معتبراً أن التصريحات التي أطلقها ترامب خلال حملته الانتخابية بشأن إيران "مثل المزاح".

 من جانبه استبعد الرئيس الإيراني حسن روحاني أن يتمكن ترامب من إلغاء الاتفاق النووي الإيراني (رغم تهديده بذلك)؛ لأنه - بحسب روحاني - يعد اتفاقاً لم يتم إبرامه مع دولة واحدة أو حكومة واحدة، بل هو اتفاق دولي ومصادق عليه من قبل مجلس الأمن الدولي، ومن غير الممكن أن تغيره حكومة واحدة، مؤكداً - أيضاً - في كلمة بثها التلفزيون الرسمي الإيراني، أن نتيجة الانتخابات الأميركية لن تؤثر على سياسة إيران على اعتبار أن موقف واشنطن قد ضعف في العالم بسبب "السياسات الخاطئة".

بدوره، قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، إن بلاده تطالب كل الأطراف بالالتزام بالاتفاق النووي الدولي المبرم العام الماضي لكن لديها خيارات إذا لم يحدث ذلك، مضيفاً إن: "كل رئيس للولايات المتحدة يجب أن يفهم وقائع العالم اليوم، الأهم هو أن يحترم رئيس الولايات المتحدة الاتفاقات والتعهدات التي تُقطع، ليس على مستوى ثنائي؛ وإنما على مستوى متعدد الأطراف"([17]).

أما رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي؛ فقال: إن ترامب أثناء الحملة الانتخابية يختلف عن ترامب الرئيس، ولا بد لترامب من أن يكون مختلفاً في فترة رئاسته عمّا كان يطلقه من شعارات ودعايات انتخابية، وسيكون مضطراً إلى أخذ القضايا الحساسة في الحسبان، وأضاف: "الإدارة الأميركية تعهدت بتنفيذ الاتفاق الخاص بالبرنامج النووي الإيراني، ومن الطبيعي أن يحترم الرئيس المقبل القرارات الدولية، نحن ننتظر ما هي سياسات ترامب إزاء المنطقة والعالم الإسلامي"، موضحاً أنه: "إذا كانت سياسات ترامب المقبلة كما تعهد قبل انتخابه؛ فيجب إيقاف العدوان السعودي على اليمن، أو على الأقل أن يوقف تسليح السعودية"، كما رأى بروجردي أن: "انتصار ترامب دليل على ردة فعل الشعب الأميركي أمام سياسة داعمي الحروب التي بسببها قتل آلاف الأمريكيين، وانفقت أميركا مئات الملايين من الدولارات"([18]).

جدير بالذكر - أيضاً - أنه مع وصول ترامب القادم من عالم التجارة والمال، إلى كرسيه في البيت الأبيض، فإن إيران ستبدأ التحضيرات لانتخابات الرئاسة رقم (12) في تاريخها ما بعد الثورة، والتي ستجري في شهر مايو ٢٠١٧م. وتطور الموقف الأمريكي المحتمل إزاء إيران، قد يؤثر بشكل كبير في سياق الانتخابات الإيرانية. فبالنظر إلى تصريحات ترامب بخصوص رفض الاتفاق النووي، والعمل على إعادة فتح ملف المفاوضات، بما قد يقود إلى وقف الإجراءات المتعلقة برفع العقوبات، وهي الركيزة التي كان يستند عليها (الإصلاحيون الإيرانيون) في معركتهم الانتخابية القادمة في مواجهة الرافضين للاتفاق ويرونه انتصاراً للغرب واستسلام من إيران([19]). ومع أن ذلك الإجراء الأمريكي المحتمل قد يؤدي إلى خلق صعوبات اقتصادية محدودة لإيران؛ كون إيران تعتمد على اقتصاد داخلي قوي ومحكم؛ إلا أن تأثيره الأهم يتمثل في إمكانية إضعافه لاحتمالات استمرار (روحاني) في فترة رئاسية ثانية، وتعزيز فرص مجيء شخصية محافظة إلى كرسي الرئاسة([20]).

السعودية:

وصف ترامب السعودية بالبقرة الحلوب التي تدر ذهباً ودولارات بحسب الطلب الأمريكي، مطالباً النظام السعودي بدفع المزيد كمقابل للحماية التي تقدمها القوات الأمريكية لآل سعود داخلياً وخارجياً، واعتبر ترامب أن آل سعود لا يمكنهم البقاء إذا لم تقم الولايات المتحدة بحماية سلطتهم، كما خاطب النظام السعودي قائلاً: "لا تعتقدوا أن مجموعات الوهابية التي خلقتموها في بلدان العالم، وطلبتم منها نشر الظلام والوحشية وذبح الإنسان وتدمير الحياة ستقف إلى جانبكم وتحميكم، فهؤلاء لا مكان لهم في كل مكان من الأرض إلا في حضنكم، وتحت ظل حكمكم؛ لهذا سيأتون إليكم من كل مكان، وسينقلبون عليكم، ويومها يقومون بأكلكم"([21]).

في موضع آخر أشار ترامب إلى أنه: "سواء أحببنا ذلك أم لم نحببه، لدينا أشخاص دعموا السعودية، أنا لا أمانع بذلك؛ ولكننا تكبدنا الكثير من المصاريف دون أن نحصل على شيء بالمقابل، عليهم أن يدفعوا لنا"، داعياً العائلة السعودية إلى تقديم ثلاثة أرباع ثروة السعودية إلى أمريكا بدلاً من نصفها التي كانت تدفعها مقابل حماية حكمهم واستمراره في الجزيرة العربية، وأضاف: "ما يقدمه آل سعود إلى أمريكا من مال حتى لو كان نصف ثروة البلاد لا قيمة له، ولا أهمية بالنسبة لما تقدمه أمريكا لهم من حماية ورعاية". وتعتبر هذه الرسالة التي وجهها ترامب إلى السعودية الأقوى مقارنةً بموقف أي رئيس أمريكي آخر، وهي تكشف أولاً: حجم الترابط بين بقاء آل سعود في حكم الجزيرة العربية والرضا الأمريكي عنهم؛ وثانياً: ثقافة "العصابات" التي تحكم البيت الأبيض، والتي تعترف بأخطاء من تدعمه؛ لكنها تستمر في دعمه في حال قدم فروض الولاء والطاعة، ودفع في مقابل الحماية!

لقد حاول ترامب برسائله تلك التي تتحدث عن ضرورة دفع المال لأمريكا من الدول التي تتلقى الحماية الأمريكية؛ منها اليابان وكوريا الجنوبية، والسعودية، وألمانيا، استمالة مزاج الطبقة العاملة البيضاء بالداخل، والتي تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، وذلك من خلال التلويح لهم بخيار ابتزاز كيان نفطي ضخم مثل السعودية، ولعل ذلك من ضمن ما رفع أسهم ترامب، وأوصله إلى الكرسي.

في معرض حديث آخر، أشار ترامب إلى أنه يمكن أن يلجأ إلى سياسة مقاطعة النفط من السعودية ودول خليجية أخرى في حالة عدم قيام الرياض والخليجيين بسداد فواتير مالية لواشنطن من أجل محاربة الجماعة الإرهابية التي تهدد استقرار المنطقة العربية، أو إرسال قوات برية؛ لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، وفي حالة عدم الإرسال يتم الدفع.

السعودية من جانبها حذرت على لسان وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، من أن حظر النفط من المملكة قد يأتي بنتائج عكسية، حيث أشار الفالح إلى أن: "الطاقة هي شريان الحياة للاقتصاد العالمي، والولايات المتحدة تستفيد أكثر من أي طرف آخر من التجارة الحرة العالمية". ومن المعلوم أن أمريكا لا تزال تعتمد بشكل رئيسي على استيراد النفط الخام من دول الأوبك؛ لتغذية اقتصادها الضخم، فقد استوردت (3.4) مليون برميل من نفط أوبك يومياً في شهر أغسطس  2016م، وذلك وفقاً لأحدث الإحصائيات من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، كما أن حوالي ثلث تلك الكمية من النفط يتدفق من السعودية، مما يجعل المملكة ثاني أكبر مصدر للنفط إلى الولايات المتحدة بعد كندا([22]).

وعلى المنوال نفسه من تلك المطالب الابتزازية؛ طالب ترامب - أيضاً - السعودية ودول الخليج بدفع فواتير إعاشة اللاجئين السوريين في مخيمات اللجوء داخل سورية، على أن تقوم الولايات المتحدة بحماية تلك المخيمات([23]).

اليمن:

تبدو اليمن أقل الملفّات حضوراً في تصريحات دونالد ترامب الانتخابية، ربما لأنه اعتبرها ساحة جانبية تتأثر وتتفاعل مع اللاعبين الرئيسيين حولها، وذلك ينم - بقدر ما - عن ضيق أفقه السياسي، أو أن العقلية الأمريكية فعلاً تحكم بالأوزان الضخمة والحسابات في البنوك، ولا تضع في اعتبارها أي عامل إنساني يتعلق بقدرات الجماعة البشرية على الصمود والمواجهة وفرض الإرادة، أو حجم المعاناة التي يعانيها شعب لا يملك الكثير في مواجهة عدوان غاشم؛ لكنه يتمسك بخيار المقاومة ويتمكن من تهديد المعتدين عليه.

لقد استخدم ترامب اليمن في خطابه "الجمهوري" التقليدي، كمادة لإثارة التخوّف الشعبي من الاتفاق النووي مع طهران، ثم مارس اتكاءً على الورقة اليمنية في ابتزاز جديد لآل سعود، وذلك حين لوّح لآل سعود بالخطر القادم من الجنوب، والذي عليهم أن يدفعوا المقابل لأمريكا حمايتها لهم من ذلك الخطر، خاصة في ظل إشارته إلى أن "النفط" لم يعد مهماً لأمريكا، وأن نظرها الآن يركز على الفوائض المالية الضخمة للسعودية في البنوك الخارجية([24]).

خاتمة:

نخلص مما سبق إلى أن السياسة الأمريكية ستبقى محكومة بالمصلحة، كمعيار أساسي يحدد لصانع القرار الأمريكي توجهه، وأن تصريحات ترامب الانتخابية تعد كاشفةً لباطن الولايات المتحدة الأكثر عنفاً وتهديداً، وحرصاً على تحصيل "الإتاوات"، ناهيك عن أن خطاب ترامب الانتخابي "الصريح" قد فضح - في واقع الحال - أولئك الذين يعتمدون في بقائهم على الدعم الأمريكي.

بصفة عامة، لا نعتقد أن الولايات المتحدة ستبادر إلى الانسحاب من أي ملف ساخن في المنطقة، وغاية ما في الأمر أنها ستعمل على إعادة تدوير أوراقها فيما هو متاح؛ حتى لا تخسر أكثر، أو تخوض تحدياً عنيفاً لا تريده لنفسها، وأن عملية "الغسيل" التي حدثت بوصول ترامب قد تؤدي إلى ذات المفعول السيء الذي أنتجته العملية ذاتها مع مجيء أوباما  في العام 2009م، وستكون النتيجة النهائية هي تحقق مصلحة "الناهب" الدولي، ممثلاً في منظومة الحكم الأمريكي، وفقدان سائر الطبقات الشعبية خارج إطار الأوروأمريكي مصالحها. وأن ما يجري من تغيير في الوجوه الحاكمة في البيت الأبيض؛ يقع عندما يستنفذ أحدهم كامل طاقته، ويتبين أن مساره لم يعد قادراً على جلب المزيد من الفوائد للشريحة الحاكمة، وهنا يتدخل طرف آخر يخطف الأضواء، ويسعى للأهداف ذاتها لكن عبر طرق أخرى، وقد يصعب على البعض التقاط تلك الطرق الجديدة وترجمة ما يحدث، وربما يكونون متأثرين بالإرث السيء للسلف، مراهنين على الجديد، مما يشوش عليهم تبين حقيقة ما يقال وجوهره، واستنباط مدى الخبث الكامن في التصريحات.

 ليس جديداً ما يقال هنا عن السياسات الأمريكية، فهي ذاتها التي تتكرر في كل دورة انتخابية، كل أربعة أعوام، فالدعم للكيان الصهيوني باقٍ على حاله، والعمل على الهيمنة وفرض النفوذ كما هو، وما يستجد في تلك السياسات هو الأسلوب الذي يمكن عبره تحقيق ما سبق، وربما يرى البعض أن في الأسلوب الصدامي العنيف المطروح حالياً مصلحة أكبر للشعوب المنهوبة؛ كونه يستفزها ويجعلها أكثر انتباهاً لما يُحاك ضدها، وأكثر إدانة له، واحترازاً منه، فهو يضعها أمام خيار وحيد لا يتعدد، وهو حتمية المواجهة والتصدي والمقاومة، ذلك على عكس الأسلوب الناعم الذي يحقق ذات النتائج لكن بطرق ملتوية، تبدو ساحرة للشعوب، ولا تدرك تلك الشعوب آثارها سوى بعد تحققها، وتمامها.

هذه المرة، يراهن الجمهوريون على الأنظمة الحاكمة، وعلى صنع تحالف (خليجي - أردني - مصري) يكون سندهم ورأس حربتهم في المنطقة، وذلك هو ما يرحّب به "النظاميون" الذين أزعجهم تماهي إدارة أوباما مع فصائل تختصم السلطة في تلك البلاد وتنافس على الحكم، ولعل البعض يتغافل عن أن أول نقل أمريكي حديث للسلاح من كتف النظام إلى كتف المعارضة، قد تم في عهد بوش الابن (الجمهوري) ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس، وأن مشاريع التقسيم ورسم الحدود بالدماء، ومفهوم (الشرق الأوسط الجديد)؛ كانت كلها من بنات أفكار تلك الإدارة العدوانية التي قامت باحتلال العراق، وأن (رايس) هي التي وقفت ذات مرة؛ لتتفاخر بأن بلدها صارت تقسم المعونات بين النظم العربية "الموالية لها" و"معارضيها".

ختاماً، وبوضوح، يمكن التأكيد على أن الأطراف سواء "النظاميّة"، أو تلك التي تطمع في كرسي الحكم في المنطقة، الأطراف كلها التي تراهن على مجيء رئيس أمريكي يمنحها دور "الوكالة" عنه في إدارة شؤون بلادها، فتستمد شرعية وجودها منه؛ لا تلقي بالاً لشيء، ولا يعنيها - في الحقيقة - شيء سوى أن يمنحها "السيّد" الأمريكي رضاه، وهي لذلك ستبقى مسيّرة بعقلية "العمالة" التي تحكمها، ومقيّدة بطبيعتها "الأنانية" التي أدمنت سلوك "الدواجن"، تخشى من تحمّل كلفة التحدي والمواجهة، وسيبقى صراع تلك الأطراف على قلب (الرئيس الأمريكي)، وإلى أي صف سينحاز؛ طمعاً في الحصول على مكافأة منه.

فطوبى لمن هم خارج اصطفاف أولئك الأطراف!

____

*سلمت هذه الدراسة في 12/2016 قبل تنصيب ترامب.

 


-[1] تشومسكي، يقرأ ترامب بطريقة جديدة!

http://hashtagsyria.com/2016/11/

[2]- عشية انتخابات مجنونة، الأخبار اللبنانية، متوافرة على الرابط:

http://www.al-akhbar.com/node/267678

[3]- دونالد ترامب من رجل أعمال إلى مرشح للرئاسة الأمريكية، موقع بي بي سي، متوافر على الرباط:

http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2016/07/160720_usa_donald_trump_profile

[4]- أميركا بعد 5 سنوات على خطاب أوباما في القاهرة؛ متوفر على الرابط:

http://raseef22.com/politics/2014/06/041

[5]- تيري ميسان، قرار مهاجمة سوريا اتخذ عام 2001م بهدف تدميرها، على موقع الحدث نيوز، متوفر على الرابط:

http://www.alhadathnews.net/archives/9531

-[6] أوباما يهدد "بضربة محدودة" لسورية، موقع الجزيرة، متوفر على الرابط:

http://www.aljazeera.net/news/international/2013/9/11/7

[7]- توثيقي كيف دعم جيش الاحتلال الصهيوني العناصر المتمردة في سورية، موقع الحوار المتمدن، متوفر على الرابط:

http://www.m.ahewar.org/s.asp

-[8] موسكو تنشئ قاعدة بحرية دائمة في طرطوس، موقع روسيا اليوم، متوافر على الرابط:

https://arabic.rt.com/news/844558/

[9]- هل يفعلها ترامب؟، من موقع روسيا اليوم، متوفر على الرابط:

https://arabic.rt.com/news/849865/

[10]- الشمال السوري: قوات متعددة الجنسيات... برعاية «قسد» - من موقع الأخبار اللبنانية – متوفر على الرابط:

http://www.al-akhbar.com/node/268285

-[11] ترامب: مشكلتنا داعش وليست الأسد - مارس 2016 - موقع سكاي نيوز – متوفر على الرابط:

http://www.skynewsarabia.com/web/article/827661

-[12] ترامب لـ"إسرائيل اليوم": إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط – موقع الميادين - متوفر على الرابط:

http://www.almayadeen.net/news/politics/45956

[13]- مستشار ترامب: الرئيس المنتخب سيعترف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل – موقع اليوم السابع المصري - متوفر على الرابط:

http://www.youm7.com/story/2016/11/13

 

[14]- ترامب: الاتفاق النووي مع إيران هو الأسوأ وبتعهد بتمزيقه، موقع الجزيرة؛ متوفر على الرابط:

http://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2016/11/9

[15]- ترامب يتوعد إيران، موقع روسيا اليوم؛ متوفر على الرابط:

https://arabic.rt.com/news/840315

[16]- رئيس الأركان الإيراني لترامب: كلامك أكبر من حجمك؛ متوفر على الرابط:

http://www.alarabiya.net/ar/iran/2016/11/10

[17]- روحاني يؤكد ان ترامب لا يمكنه إلغاء الاتفاق النووي، موقع المنار اللبناني؛ متوفر على الرابط:

http://www.almanar.com.lb/989492

[18]- بروجردي: واشنطن تعهدت بتنفيذ الاتفاق النووي ومن الطبيعي أن يحترم الرئيس الأميركي المقبل ذلك، موقع المنار؛ متوفر على الرابط:

http://www.almanar.com.lb/986379

[19]- الانتخابات الرئاسية الإيرانية 2017: مشهد تأسيسي؛ متوفر على الرابط:

http://katehon.com/ar/article/lntkhbt-lrysy-lyrny-2017-mshhd-tsysy

[20]- تيار في إيران يرحب بفوز ترامب.. من هي الجهة المستفيدة؟؛ متوفر على الرابط:

http://arabi21.com/story/959732

[21]- ترامب: السعودية بقرة متى جف حليبها سنذبحها؛ متوفر على الرابط:

http://www.addiyar.com/article/1033229

[22]- السعودية تحذّر دونالد ترامب من تنفيذ تهديده بمنع استيراد النفط من المملكة، موقع سي إن إن؛ متوفر على الرابط:

http://arabic.cnn.com/business/2016/11/17/trump-saudi-arabia-ban-oil-imports-opec

[23]- ترامب يهدد بمقاطعة نفط السعودية؛ متوفر على الرابط:

http://www.alhurra.com/a/trump-saudi-oil/300363.html

[24]- توقعات السياسة الأمريكية الجديدة لـ ”ترامب” في اليمن، الواقع اليمني؛ متوفر على الرابط:

http://realyemen.net/9655/