الصراع الإقليمي - تحديداً - هو صراع مفتوح ومتشابك ومتعدد الأبعاد والمستويات، ولا ينفصل عن الصراعات القطرية والدولية، فهو حلقة وثيقة الصلة والتأثُّر بهذه الصراعات والتأثير فيها، ولأسباب متعددة تاريخية وجغرافية وجيولوجية واستراتيجية، وأيضاً ديموغرافية؛ فإن منطقتنا العربية والإسلامية تعد بؤرة رئيسية من بؤر الصراع الدولي.

لقد تم غرس الكيان الصهيوني أو ما يسمى (إسرائيل) في المنطقة العربية ككيان وظيفي، وذلك ليعمل على قطع تواصلها ومنع وحدتها الجغرافية، مروراً بإضعافها واستنزاف قواها وثرواتها، ومن ثم الوصول بها إلى المرحلة الأخطر المتمثلة في تقسيمها وتفتيتها عبر إدارة ماكرة للصراع تستغل بها حروباً قذرة، وتعتمد في ذلك على أدوات داخلية، كالأنظمة العميلة والمرتزقة من النخب العربية.

هذه الدراسة تتناول موضوع: موقع اسرائيل في خارطة الصراع الإقليمي، متطرقة إلى مسألة (أداة التطبيع) التي تُعّد من أخطر أدوات الصراع، ومسلطة الضوء على كيفية استخدام هذه الأداة بشكل انتقائي إزاء أنظمة معينة، وصولاً إلى محاولة الكشف عمّا وراء ذلك الاستخدام، ولماذا تلك الأنظمة تحديداً، بالتركيز حصراً على نموذج النظام السعودي، وذلك لما يتضمنه من مؤشرات ودلائل كاشفة للدور الإسرائيلي وطبيعة إدارته، وسيتم ذلك التناول عبر المحاور الآتية:

- الصراع الإقليمي والتعريف بلاعبيه.

- منهج إسرائيل في إدارة الصراع.

 - التطبيع كأداة إسرائيلية.

- التطبيع من مدخل اقتصادي: الجزرة المسمومة.

- التطبيع السعودي وموقع إسرائيل في خارطة الصراع.

أولاً: الصراع الإقليمي والتعريف بلاعبيه

يُعرَّف الصراع الإقليمي أكاديمياً بأنه: خلاف على امتلاك السيطرة على الأراضي بين دولتين أو أكثر، إذ غالباً ما يكون الخلاف على ملكية الأرض، وكثيراً ما ترتبط هذه الصراعات بالموارد الطبيعية مثل الأنهار والأراضي الزراعية الخصبة والموارد المعدنية أو النفط، ويمكن أن تكون النزعة القومية والثقافية والدينية والعرقية مساندة لها.

يمكن تعريف الصراعات الإقليمية - من ناحية مضمونها - بأنها: إبداء التناقض والاختلافات ذات الطبيعة السياسية والاقتصادية والايديولوجية بين مجموع الدول على المستوى الإقليمي، وهي - في الوقت الراهن - تعكس الصراع بين قوى الكولونيالية (الهيمنة الاستعمارية)، والقوى المتحالفة معها من جهة، وقوى التحرر الوطني من الجهة الأخرى([1]).

الواقع الراهن في المنطقة العربية يشير إلى أن محاور الصراع فيها تشكِّل انعكاسات لمشروعات مختلفة تتبلور في مداها النهائي في إطار محورين: محور يعبر عن سياسة الهيمنة والاستعمار، ومحور آخر مقاوم لهذا المشروع الاستعماري، ويعبر عن التحرر الوطني.

بالطبع، لا ينفي ذلك الاستقطاب بين المشروعين أبعاداً أخرى متعلقة بالتنافس الإقليمي والمصالح الذاتية؛ إلا أن تلك الأبعاد تظل عناوين فرعية، وغالباً ما تُستخدم كوقود للصراع؛ إما بدفع ذاتي من الأطراف أو بدفع خارجي يعمل على تأجيجها في أوقات يُراد أن يبقى الصراع فيها متأججاً، حيث يشكل استمرار الصراع ووصوله لمرحلة الصراع المسلح؛ مصلحة مباشرة لدوائر تصنيع السلاح الاستعمارية الذي تشكل مبيعاته مصلحة اقتصادية مباشرة.

والملاحظ في الفترة الأخيرة أن جميع الصراعات في الشرق الأوسط - تقريباً - تتحول بسرعة لتصبح صراعات دولية، وقد أبرز التدخل العسكري في كلٍ من أفغانستان والعراق وليبيا دور القوى العالمية، التي يبدو أن لها تأثيراً متزايداً في أوضاع دول المنطقة على حساب نفوذ الجهات الفاعلة الإقليمية([2]).

يبدو الآن أننا على مشارف تحول جديد في طبيعة الصراع يخرج عن النمط الذي فرضه النظام العالمي أحادي القطبية، فقبل استعادة روسيا عافيتها وتدخلها المباشر على نمط مقارب لنمط الحرب الباردة؛ كانت التوقعات والتحليلات تفيد بأننا على وشك أن نشهد ذوبان القوى الإقليمية الرئيسية.

كانت خلاصة التنبؤات تقول إنه: "بالنظر إلى التقسيم الهيكلي للسلطة في النظام الإقليمي، فإن سيطرة أميركا على المنطقة سيؤدي في المستقبل المنظور إلى منع ظهور أو بقاء أي طرف مهيمن إقليمياً أو مناطقياً، فالدول القوية المحتملة ستفكر في الانخراط في وضعية الوجود الأميركي بدلاً من أدائها دور (شرطي واشنطن) في المنطقة. أما الدول الأصغر والأضعف؛ فهي سوف تستغل الفرصة للتعامل مع الولايات المتحدة مباشرة، وربما على قدم المساواة مع القوى الوسطى في المنطقة، ففي العقود الماضية، كانت الدول الأصغر تفكر ملياً في رغبات القوى الإقليمية واعتباراتها قبل اتخاذ أي خطوة مهمة في السياسة المحلية أو الخارجية"([3]).

أما الآن؛ فلم "يعد أمن الشرق الأوسط مشكلة إقليمية، مع التشابك في العلاقات الدولية نتيجة تزعزع الاستقرار في المنطقة، كنتيجة للصراعات الجديدة والقديمة، بما فيها المزيد من العمل المنسق (بما في ذلك العمل العسكري) من قبل القوى الإقليمية والجهات الفاعلة غير الحكومية. المنطقة، كما كانت من قبل، تنقسم داخلياً، وهي خالية من الضوابط والتوازنات، وليس هناك نظام أمني قادر على تحويل المواجهات العسكرية إلى ترتيبات سياسية، كما أنه من الصعب إلى حد ما تحديد الوضع الحالي في الشرق الأوسط، والذي اتخذ شكله تحت تأثير العلاقات الدولية المتزايد التعقيد والفوضى. خطورة عدم الاستقرار قابلة للمقارنة مع الوضع في أوروبا خلال حرب السنوات الثلاثين أو الحربين العالميتين، وقدّم الشرق الأوسط الكثير من الأمثلة على أن الوكلاء في المنطقة يقومون باستخدام اللاعبين العالميين؛ لتحقيق مصالحهم الخاصة، ويدفعون بالقوى الكبرى إلى حافة الحرب"([4]).

هناك شبه اتفاق على أن هناك معركة صفرية بين المحاور، ومن غير المنتظر أن تسفر عن تسويات، ويرى كثير من المراقبين أن الأمور ربما ستسفر عن نظام إقليمي جديد بعد استنزاف فرص التسويات بين اللاعبين الإقليميين الرئيسيين، مثل مصر وتركيا وإيران والسعودية والعراق وسوريا، ويتفق على ذلك حتى المحللون المحسوبون على مراكز بحثية تخدم أجندات غربية، وحتى لو كانت تحليلاتهم تصب في خانة سياسية مفادها؛ تشكيل قناعات يائسة؛ إلا أنها دقيقة وتصف ما آلت إليه الأمور.

لا تنفي طريقة عرض التحليلات صحة مضامينها؛ ففي تحليل من هذه التحليلات المشار إليها، يقول د. بول سالم، مدير مركز كارنيجي للشرق الأوسط: "أدّت الأحداث التي شهدتها السنوات القليلة الماضية إلى تفكّك النظام القديم وغير المستقر في الشرق الأوسط، في غياب أي نظام بديل، وعلى الرغم من أن اللاعبين الخارجيين والإقليميين المتنازعين سعوا إلى تحقيق أجنداتهم الخاصة الرامية إلى إقامة نظام إقليمي جديد، إلا أن أياً منهم لم ينجح في فرض مشروعه، ويبدو أن التنافس بين هذه التصورات والقوى المتنازعة سيستمرّ خلال السنوات القادمة. في المقابل، أقيمت سلسلة من الاجتماعات بين الدول المجاورة للعراق، كان أولها في مصر، ثم في تركيا، ومن بعدها في الكويت. وركّزت هذه الاجتماعات التي شاركت فيها إيران وتركيا، ودول عربيّة رئيسيّة إلى جانب العراق على استكشاف قواسم مشتركة محتملة في المجال الأمني، وعلى مسائل سياسيّة واقتصاديّة. وعلى الرغم من التشجيع الذي حظيت به هذه الاجتماعات من جانب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، إلا أن التقدّم الذي أحرزته كان بطيئاً؛ لأن التوتّرات في العراق والمنطقة لا تزال تضغط على اللاعبين الأساسيين، وتنشر فيما بينهم حالة من الحذر والريبة إزاء بعضهم البعض"([5]).

وفي هذا الصراع الإقليمي، والذي حل بدلاً من التعاون والوحدة العربية والإسلامية؛ نجد لاعباً يغرد خارج سرب الحوادث الأخيرة، ويظل الحاضر الغائب في معظم هذه الحوادث، ألا وهو الكيان الصهيوني، حيث توجد بصماته في كل الصراعات التي لا يُعلِن هو عن نفسه بها. فبعد مرحلة الحروب الكبرى المباشرة بين إسرائيل، ودول الطوق الرئيسية، وبعد الاجتياحات لدول الجوار، والتي لم يحجمها سوى قوات المقاومة بعد التخلي الرسمي عن حالة الحرب من الدول الموقعة على اتفاقيات السلام، وما تبعها من تخلٍ غير معلن من جانب الدول التي لم توقع، والتي لم تعترف رسمياً بالكيان؛ نجد انفراداً إسرائيلياً تاماً بالفلسطينيين زاد من حدته الانقسام الفلسطيني الداخلي، ونجد أريحية عسكرية إسرائيلية تسمح لها بتنمية قدراتها الاقتصادية والعسكرية، وأريحية تمكنها من التخطيط والتآمر، وتفتيت الوطن العربي، ويساعد على ذلك الأنظمة العربية التي تتعامل مع إسرائيل سراً على مستويات مخابراتية واقتصادية، وأخرى تتعامل علناً عن طريق التطبيع.

كل ذلك، بلا شك يسمح لإسرائيل في لعب دور أكبر في النظام الإقليمي، بل والمشاركة في إعادة هيكلته، وكما يقول مراقبون، فإن: "الدولة العربية المعاصرة في ظل المتغيرات التي صاحبت العولمة؛ واجهت خطرين أساسيين تستفيد منهما إسرائيل أيما استفادة، وهما: خطر الحروب الأهلية التي تهدد بتفتيت السيادة وتمزيق الوحدة الوطنية، وخطر انتزاع السيادة، ونقلها إلى كيانات دولية وإقليمية أكبر. وتكاد إسرائيل تكون الدولة الأبرز في العالم التي تصرّ على إعادة الهيكلة التامة للنظام الإقليمي والنظم الفرعية التابعة له، مستفيدة من واقع الصراعات الدولية في المنطقة، وهي تدعو لتفتيت الكيان الاجتماعي القومي العربي عموماً، ناهيك عن تفتيت النسيج الاجتماعي الوطني في كل دولة على حدة، ذلك أن الصراع العربي الإسرائيلي يتميز عن غيره من الصراعات بأنه يشمل مختلف الجوانب الاستراتيجية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، فضلاً عن الاستخدام المكثف من قبل العقيدة الصهيونية للأساطير والمزاعم الدينية، وفي ضوء هذا الواقع يمكن اعتبار مشروع (داعش) الذي يجعل أبرز أولوياته إسقاط الدول العربية التي يعتبرها كافرة؛ قوة مضافة للكيان الصهيوني؛ لأن تدمير الدول بهذا المنطق، كما يحصل في سوريا والعراق وليبيا وسواها، معناه تدمير الجيوش والقدرات الاقتصادية وتمزيق الكيان السياسي والاجتماعي لهذه الدول، وإطلاق العنان لمشروع التقسيم والحروب الأهلية وإقامة الدويلات الطائفية والعرقية على أنقاض الدول السيادية القائمة، وهذا حلم الكيان الصهيوني منذ وجوده، وهنا يبرز تناغم وانسجام مشروع ما يسمى (الدولة الإسلامية أو الخلافة الإسلامية) مع المشروع الصهيوني؛ لإقامة (الدولة اليهودية) في فلسطين، وهذا المشروع الذي يحظى بالأولوية لدى حكومة بنيامين نتنياهو، يقضي بقيام (دولة واحدة لشعب واحد)؛ أي دولة إسرائيل الكبرى للشعب اليهودي، وذلك على أنقاض مشروع حلّ الدولتين"([6]). وذلك ما يقودنا إلى المحور التالي من الدراسة، والخاص بمنهج إسرائيل في إدارة الصراع.

ثانياً: منهج إسرائيل في إدارة الصراع

مقتطف صغير من الواقع الراهن كفيل بإلقاء الضوء على المنهج الإسرائيلي في إدارة الصراعات، فهي تقود صراعات شاملة متعددة الجوانب، وحروباً نفسية بجانب العدوان العسكري، وقد كشفت رنا نشاشيبي، المديرة العامة للمركز الفلسطيني للإرشاد، عن أبرز ملامح السياسة الإسرائيلية الممنهجة؛ لاستهداف النفسية والروح المعنوية للشعب الفلسطيني سواء في القدس العاصمة المرتقبة للدولة الفلسطينية، أو في عموم الوطن الفلسطيني منذ الاحتلال والنكبة الأولى في عام 1948م.

إذ أوضحت نشاشيبي في لقاء صحافي: أنه بموازاة الحروب التقليدية التي شنتها إسرائيل للاستيلاء على الأرض، كانت هناك حرب نفسية تستهدف الإنسان الفلسطيني أولاً وأخيراً في سياق المواجهة الكبرى مع الاحتلال على الأرض، مشيرة في حديثها إلى أن إسرائيل تدرك أنه لا يمكن لها أن تكسب هذه الحرب بسبب الإرث التاريخي والثقافي المزروعين والممتدين عميقاً في هذه الأرض العربية، خاصة ما دام الفلسطينيون مصرون على حقهم وعدم التنازل عنه. واستشهدت في السياق ذاته بمقولة مشهورة عن بن غوريون: "العرب [أي الفلسطينيين] لن يستسلموا في أرض إسرائيل إلا بعد أن يستولي عليهم اليأس الكامل يأس لا ينجم عن فشل الاضطرابات التي يثيرونها أو التمرد الذي يقومون به فحسب؛ وإنما ينجم عن نمونا نحن أصحاب الحقوق اليهودية المطلقة في هذا البلد". وهذا يعني - حد قول نشاشيبي - أن الاحتلال يستهدف ضرب القوة الموجودة في نفسية الإنسان الفلسطيني، ومحاولة دحر قوة المقاومة والمطالبة بالحقوق واستردادها، ومن هذا المنطلق؛ فإن السياسة الإسرائيلية ممنهجة بشكل دائم، وهي تستهدف أشياء محددة([7]).

بالتأكيد، ونظراً لشمولية الصراع؛ فإن ما ينطبق على الفلسطيني ينطبق على العربي والإسلامي بشكل عام، وعلى كل مشروع مقاوم للمشروع الصهيوني، فالهدف الرئيسي هو التدمير الشامل لعقيدة المقاومة إضافة إلى التدمير المادي للقدرات الاقتصادية والعسكرية.

 إسرائيل تجيد اللعب في المشاهد الخلفية للأحداث، كما تجيد الاختراقات الاقتصادية، وتصعيد التوترات الداخلية، وكذلك تجيد اللعب مع طرفي الصراع الذي تساعد في تأجيجه.

في دراسة هامة للدكتور رفعت سيد أحمد، يمكن اقتباس فقرة من مقدمتها باعتبارها كاشفة لذلك، حيث يؤكد يشير الدكتور رفعت إلى أنه: "في غمرة انشغال العالم أجمع بتداعيات الحرب العالمية الثالثة التي تجرى أحداثها الدامية في العراق والخليج؛ تتوغل إسرائيل، ووفق خطط استراتيجية طويلة المدى في القارة الأفريقية؛ لتهدد وبقوة الأمن القومي العربي، ولتحاصر كل إمكانات المساندة للقضايا العربية العادلة، ورصدت العديد من الوثائق الدولية والعربية ملامح هذا الخطر الصهيوني المتنامي، وكان لأول تقرير استراتيجي أفريقي صادر من القاهرة عن معهد البحوث والدراسات الأفريقية الدور الأبرز في كشف هذه الاختراقات الصهيونية للقارة، خاصة في الآونة الأخيرة مستغلة أجواء العدوان الأمريكي على الخليج والعراق، وانشغال العالم به، وبما يسمى (الإرهاب الإسلامي)، ولم يترك الإسرائيليون مجالاً إلا وحاولوا اختراقه وتوظيفه لمصلحتهم الاستراتيجية، بدءاً بالاقتصاد، ومروراً بالثقافة، وانتهاء بالأمن وصناعة السلاح والتجارة فيه"([8]).

بالاطلاع على التحليلات الاسرائيلية ذاتها؛ فإنها تكشف جوانب هامة من طريقة التفكير الإسرائيلية حتى في حالة التأزم الاستراتيجي، إذ يقول الكاتب والمحلل الإسرائيلي (آفي غيل) إن: "إسرائيل موجودة الآن في موقع مساومة جيوسياسي يمكنها من ضمان حدود كبيرة وترتيبات أمنية مشددة. التوقيت المريح يرتبط بالعلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة، وبوجود مبادرة السلام العربية التي تقترح تطبيع وسلام في حدود (1967م) مع تبادل للأراضي متفقاً عليه. هذا الواقع الجيوسياسي غير مضمون إلى الأبد. العمليات الديمغرافية وغيرها في الولايات المتحدة (أيضاً الجالية اليهودية هناك) تشير إلى أن المكانة المفضلة لإسرائيل ليست أبدية، وأيضاً مبادرة السلام العربية التي تنتظر على الرف منذ 2002م لن تنتظر هناك إلى الأبد، والمساعدة من الولايات المتحدة ستقل مع الوقت، وإسرائيل التي ما زالت تلتصق باستمرار بالاحتلال تتحول بالتدريج إلى مصدر قلق دبلوماسي للولايات المتحدة، والتأييد الجماهيري تجاهها يتراجع، وبالذات لدى الجيل الشاب. نحن نوجد في نهاية الساعة الاستراتيجية بدلاً من أن نخشى مجلس الأمن تستطيع إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة وضع هذا الطرف على جهة، وإسرائيل ستكون مستفيدة من قرار ملزم لمجلس الأمن يحدد النقاط الأساسية للاتفاق الدائم، وعلى رأسه الحدود. شيء يشبه قرار (242) محسَّن؛ الأمر الذي لا يمكن عمل مفاوضات واتفاق مستقبلي بدونه. إن الأمر الذي نستطيع تحقيقه اليوم بغطاء أميركي، وبمساعدة أوروبية، وبتأييد دولي وبموافقة من معظم العالم العربي، ليس مضموناً في المستقبل. عملية كهذه ستحسن مكانة إسرائيل في العالم وتعطي مصداقية بأنها تسعى إلى السلام، وتعزز مطالبها للأمن، وتوقع ضربة قاصمة بأولئك الذين يقومون بحملة مقاطعة وعدم شرعية لإسرائيل. الإسرائيليون الذين يؤيدون حل الدولتين، ويعتقدون أنه لا يوجد شريك فلسطيني الآن يجب أن يفضلوا خيار مجلس الأمن على خيار إدارة الصراع. الأول: سينقذ إسرائيل؛ لأنه سيعطيها حدوداً معترفاً بها، والثاني: سيؤدي إلى واقع كارثي لدولة ثنائية القومية"([9]).

لعل أحدث التقارير الاستراتيجية تكشف الدور الإسرائيلي في إطالة أمد الصراع الإقليمي، وتكشف أنه دور منوط بها أيضاً، إلى جانب أنه نهج دأبت عليه في تعاطيها مع الصراع، وبالاطلاع على أحدث التقارير والتحليلات ذات الصلة([10])، نجد أن بعض مراكز الأبحاث الأميركية والإسرائيلية المتخصصة بشؤون الشرق الوسط كشفت أن "العلاقات الأميركية الإسرائيلية بلغت درجة متزايدة في اعتماد الولايات المتحدة على الدور الإسرائيلي في التحرك داخل دول النظام الرسمي العربي؛ لتشكيل مرجعية شرق أوسطية تتولى إدارة، وحل الأزمات في المنطقة؛ لكي تتفرغ واشنطن لصراع مقبل على الساحة الآسيوية الصينية، ولانشغال متوقع في ساحة الدول الأوروبية. وترى المصادر الإسرائيلية أن الدعم الأميركي بقيمة (38) مليار دولار لإسرائيل سيشكل ما يشبه الرشوة الأميركية لنتنياهو ولحزب الليكود الحاكم".

من ناحيته، يرى مركز أبحاث ميتفيم (Mitvim) الإسرائيلي لشؤون الشرق الأوسط، أن واشنطن وتل أبيب تتوقعان تغييرات تتحرك خلالها رمال وخطوط الحدود في أكثر من منطقة تسعى واشنطن إلى استغلالها لصد التوسع الروسي الذي يحقق على الأرض مكاسب تهدد المصالح الأميركية الاستراتيجية. كما يرى مركز الأبحاث هذا أن واشنطن تريد زيادة الاستعانة بإسرائيل إلى حدٍ قد يجعل الدور الإسرائيلي المؤثر والفاعل في سياسة النظام الرسمي العربي تزيد على درجة التأثير البريطاني الراهن فيه. وتتوقع بعض مراكز الأبحاث الأميركية أن تنشغل الإدارة الأميركية المقبلة بجدول عمل تتابع فيه واشنطن بشكل قلق ومكثف رصد أي تغيير يوفر للصين مكاسب في بحر الصين وآسيا، ومنع انتقال الدول الحليفة لـ (واشنطن) إلى موقف الحياد تجاه الصراع الأميركي مع الصين، ناهيك عمّا تواجهه واشنطن من بوادر تغيير في سياسة الاتحاد الأوروبي إزاء دور حلف الأطلسي؛ لأن الدعوة الأوروبية إلى إنشاء جيش موحد من دول الاتحاد سيقلل من اهتمام هذه الدول بتعزيز قوة حلف الأطلسي الذي تقوده واشنطن وتعد أكبر المساهمين في ميزانيته العسكرية.

وترى واشنطن أنها لم تحقق حتى الآن أي نسبة مهمة من الأهداف التي أرادت فرضها بعد أحداث (الربيع العربي)، وخصوصاً تجاه سورية وإيران والعراق، بينما بدأت الدول العربية المتحالفة معها تفقد جزءاً كبيراً من مصادر ثرواتها دون أن يتحقق لها الاستقرار الداخلي أو الاستقرار في علاقاتها مع بعضها البعض. والكل يلاحظ أن الاستحقاقات التي سيفرضها القانون التشريعي الأميركي (جاستا) بمقاضاة السعودية في المحاكم الفدرالية الأميركية؛ ستحمل معها تغيرات لا يمكن تجاهل تأثيرها السلبي على الدور السعودي في المنطقة، وعلى علاقات الرياض مع واشنطن.

 في مختلف جبهات الصراع تلك، يتوقع محللون أميركيون، ومنهم جوستين ريموندو، رئيس تحرير موقع (أنتي وور) المناهض للحروب الأميركية: أن واشنطن لم تعد قادرة على فرض دورها القيادي الأحادي في العالم بعد المنازلة الروسية / الأميركية في سوريا، فواشنطن لن تتمكن من جر أوروبا أو أهم دولها إلى أي حرب جديدة على ساحة الشرق الأوسط، ولذلك يستنتج (ديفيد بولوك) في مجلة (فيكرا فورم): أن واشنطن ستعمل على الحفاظ على حالة الفوضى الخلاّقة باستخدام متزايد للدور الإسرائيلي المعزَّز بتطبيع من النظام الرسمي العربي، وتسخيره في إطالة أمد الصراعات الداخلية ــ الداخلية في المنطقة.

في المقابل، يرى (غريغوري غاوز) في مجلة (فورين أفيرز): أن القوة السعودية ستبدأ بالانهيار تدريجياً لتصل إلى مستوى تزداد فيه الأزمات الداخلية السعودية بين العائلة المالكة؛ لأن كل فشل في حرب اليمن سيولد تبادل اتهامات بين جناحي العائلة المالكة جناح (محمد بن سلمان)، وجناح بقية الأمراء؛ فقد ظهرت السعودية عاجزة وفاشلة أمام دولة اليمن الفقيرة، فكيف ستقنع بقية دول الخليج بدعمها ضد إيران الأكثر قوة وحشداً في المنطقة!

ثالثاً: التطبيع كأداة إسرائيلية

في التعريف اللغوي التطبيع (Normalization): "هو تغيير ظاهرةٍ ما بحيث تتفق في بنيتها وشكلها واتجاهها مع ما يعده البعض "طبيعياً".

أما في التعريف الاصطلاحي؛ فقد ظهر المصطلح لأول مرة في المعجم الصهيوني للإشارة إلى يهود المنفى (العالم) الذين يعدهم الصهاينة شخصيات طفيلية شاذة منغمسة في الأعمال الفكرية وفي الغش التجاري، ويعملون في أعمال هامشية مثل: الربا وأعمال مشينة مثل البغاء. وقد طرحت الصهيونية نفسها على أنها الحركة السياسية والاجتماعية التي ستقوم بتطبيع اليهود؛ أي إعادة صياغتهم بحيث يصبحون شعباً مثل كل الشعوب. ومع إنشاء الدولة الصهيونية اختفى المصطلح تقريباً من المعجم الصهيوني بسبب حاجة الدولة الصهيونية الماسة؛ لدعم يهود العالم لها، ولكن المصطلح عاود للظهور مرة أخرى في أواخر السبعينيات بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد، ولكنه طُبِّق هذه المرة على العلاقات المصرية الإسرائيلية؛ إذ طالبت الدولة الصهيونية بتطبيع العلاقات بين البلدين؛ أي جعلها علاقات طبيعية عادية، مثل تلك التي تنشأ بين أي بلدين"([11]).

في تعريف آخر، فإن: "التطبيع نهج وأداء وعقلية جوهره كسر حاجز العداء مع العدو الصهيوني بأشكال مختلفة، سواء كانت ثقافية أو إعلامية أو سياسية أو اقتصادية أو سياحية أو دينية أو أمنية أو استراتيجية أو غيرها"([12]).

وقد بدأ مفهوم التطبيع يقتحم الساحة الفكرية والسياسية والاقتصادية العربية منذ اتفاقية (كامب ديفيد)، وما تلاها من اتفاقيات تمثلت في: اتفاق أوسلو، ووادي عربه، حيث نما باضطراد محدثاً جدلاً وصراعاً مجتمعياً، إلا أنه - للأسف - خفتت مقاومته إعلامياً برغم عدم خفوتها شعبياً، ووجد من المبررين ومن العرابين ممن حاولوا الصاقه بالبراجماتية، وإخضاعه لمفهوم "الخلاف في وجهات النظر"، بل ووصل البعض في جرأته؛ لكي يصوره باعتباره مصلحة وطنية وقومية!

ويرى البعض أن مشروع الشرق الأوسط جاء مكملاً لتحقيق هدف التطبيع، حيث "خرج العدو الصهيوني بمفهوم آخر مرادف للتطبيع، هو مفهوم الشرق الأوسط الذي طُرح في بادئ الأمر، كتعبير جغرافي قدمته الحكومة الصهيونية عام 1967م على إثر نكسة حزيران، كتصور متكامل لدول المنطقة، بما فيها الكيان الصهيوني، والذي تحول مع أوائل التسعينات إلى مشروع اقتصادي سياسي بشَّر به شمعون بيريز في كتابه (شرق أوسط جديد)، وأخذت واشنطن على عاتقها تسويقه، مستهدفةً نزع الهوية العربية الإسلامية عن المنطقة، وتكريس الهيمنة الصهيونية والاستعمارية على مواردها الاقتصادية"([13]).

رابعاً: التطبيع من مدخل اقتصادي (الجزرة المسمومة)

التطبيع في أحد وجوهه قد تراه الأنظمة المفرِّطة مصلحة لها لتوفير غطاء دولي على ممارساتها بحق شعوبها دون ابتزازها بأوراق الضغط الدولية المتمثلة في حقوق الإنسان، والتي تستخدم انتقائياً، كحق يراد به باطل، وتراه - أيضاً - مدخلاً لعالم المال والأعمال في ظل العولمة الاقتصادية، وما لليهود والصهاينة فيها من يد طولى في ظل سيطرتهم على الكارتلات العالمية.

ومعلوم ما لتلك الكارتلات من تأثير قوي على الاقتصاد العالمي([14])؛ إذ إن الكارتلات، كمفهوم اقتصادي يشير إلى: "تكتل لأي صناعة أو شركات تقديم الخدمات"، فهناك الكارتل النفطي وهو اتحاد يضم الشركات المنتجة والموزعة للنفط، حيث تنضم كل شركات النفط في العالم تحت هذا الكارتل، وكذا بالنسبة للبنوك والبورصات وأسواق المال تنضوي كلها تحت الكارتل المالي، وهناك كارتل لصناعة الأسلحة، وكارتل للإعلام، ومثله للصناعات الغذائية والإنتاج الغذائي ولكل سلعة غذائية استراتيجية، فللسكر - مثلاً - نادٍ في بريطانيا يتم من خلاله السيطرة على كل شركات إنتاج السكر في العالم، وتحديد كمية العرض منه وسعره.

ثم تأتي مرحلة أعلى من التنسيق بين تلك الكارتلات للسيطرة على السوق في العالم باتحاد أكبر يضم جميع الكارتلات ويسمى (الترست)، حيث تتوحد فيه، وتنسق من خلاله كل الكارتلات التي ذكرناها سابقاً، فتتحد تحت لوائه كل كارتلات النفط وكل كارتلات المال وكذا صناعة الأسلحة والإعلام بكل أنواعه وكارتلات النوادي والملاهي وصالات القمار، بل وحتى دور البغاء ونوادي الشواذ والعراة.

ثم تنضوي تلك (الترستات) تحت تنظيم أكبر هي (الكونسيرنات) التي تمثل اتحاد الكارتلات، فيما بينها، واتحاد الترستات الذين يخضعون جميعاً لسيطرة الكونسيرنات التي تمثلها الدول الصناعية الكبرى في العالم، والتي تجتمع دورياً؛ للتنسيق فيما بينها لتحديد السياسات الاقتصادية، وتنفيذ ما يصدر لهم من الكونسيرن الاقتصادي الذي يسيطر عليه أصحاب رؤوس الأموال التي تدير عجلة العالم التي بيدها مصير العالم كله.

ففي حال وجود كساد في بيع الأسلحة تقوم هذه المنظمة التي تسيطر على العالم بإشعال فتيل الحروب بين الدول لتساعد شركات بيع الأسلحة على تصريف السلاح الكاسد لديها، وفي حال أن الدول المتحاربة لا تملك مالاً لتسديد ثمن السلاح؛ فإن الكارتل المالي يقوم بإقراض تلك الدول لتسديد ثمن هذه السلع المدمرة فيرفعون أو يخفضون أسعار النفط وأسعار تبادل العملات بالتحكم بسعر الصرف بما يرجع بالفائدة عليهم كنتيجة نهائية، ونحن الذين لا نعرف بواطن الأمور نفرح؛ لأن سعر صرف الدولار قد انخفض أو ارتفع، ولكن لا نعرف أن كل ذلك مخطط له وبإحكام.

وهناك من الشواهد الكثير على حجم سيطرة اليهود في العالم على شرايين الاقتصاد والمال في العالم([15])؛ منهج يهودي بينه هنري فورد في كتابه (The International Jew)، على لسان أول يهودي يتحكم في الاقتصاد الأمريكي (ماير آمشيل بوير) مؤسس إمبراطورية روتشيلد المالية التي تتحكم في الاقتصاد العالمي بالمشاركة مع جماعة من البنوك التابعة لليهود والشركات الصهيونية العالمية الأخرى: "أعطني السيطرة على مال الأمة، ثم بعد ذلك لا يهمُّني من يضع القوانين".

وبخلاف المعلوم عن عائلات روتشيلد وروكفلر ومورغان، وهيمنتهم الاقتصادية، وبخلاف اللوبي الصهيوني داخل البنك وصندوق النقد الدوليين؛ فإن - مثالاً صغيراً -، كشركة (لازارد) ربما يكشف حجم هذه السيطرة، ففي كتابه (THE LAST TYCOONS) آخر ملوك المال: التاريخ السري لشركة لازارد فريريز، يقول الكاتب ويليام كوهين، الذي ألف كتابه من خلال خبراته داخل الشركة، إن: "لقرن من الزمان تنظر الكثير من اللوبيات المالية العالمية للشركة اليهودية الأسطورية (Lazard Frères) بصفتها المتربعة على عرش الخدمات المالية، على الرغم من صغر حجمها بالنسبة لمنافسيها مثل جولدمان ساكس [يهودية هي الأخرى]، إلا أنها كانت الأكثر أهمية في وول ستريت". وهذا الكتاب الحاصل على جائزة (Financial Times and Goldman Sachs Business Book of the Year)، لعام 2007م، يعتبر مجموعة شركات لازارد (Lazard Group LLC)، كواحدة من أكبر الشركات العالمية المتخصصة في برامج إعادة الهيكلة الاقتصادية والاستثمارات البنكية، وإدارة الأصول المالية والاستشارات الاستراتيجية، وغيرها من الخدمات الاقتصادية والمالية للحكومات والمؤسسات.

ويعلق الكاتب الاقتصادي (بول مونث) على الشركة قائلاً: "استطاعت الشركة اليهودية الأسطورية لازارد الاستفادة من الصراعات والحروب [بداية من الحرب الأهلية الأمريكية] منذ تأسيسها على يد اليهودي ألكسندر لازارد وإخوته؛ لإعادة تشكيل المشهد العالمي خلال قرن تقريباً، حيث صارت لاعباً فاعلاً في شؤون العالم المالية، بل نجحت في غزو دول العالم واختراقها، بما يمكن وصفها بأحد أكبر (آلهة المال) التي كان لها أكبر التأثير في تغيير الحياة المالية والاقتصادية والتجارية في العالم".

تلك الشركة التى تأسست عام 1848م يتسع نطاق نشاطاتها في (43) مدينة داخل (27) دولة حول العالم بطاقة بشرية تبلغ (2403) موظف، ويرأس مجلس إدارتها حالياً الاقتصادي اليهودي كينيث جاكوب (من اليهود الأشكيناز)، وقد حققت أرباحاً وصلت إلى (2034) مليون دولار عام 2013م. ويقول ويليام كوهين في كتابه: بفضل استثمارات الشركة لاقتصاديات الحروب الأمريكية حول العالم، وسباقات التسلح العالمية المربحة، وشبكة علاقاتها القوية المتألفة من شخصيات ثرية واسعة النفوذ (يهودية في الأغلب) في أوروبا وأمريكا وقوة اللوبي الصهيوني، ازدهرت شركة لازارد اليهودية الأصل، للهيمنة على الاقتصاد العالمي كمستشار للحكومات والمؤسسات الكبرى حول العالم، على حساب شركات منافسة تعرضت للإفلاس.

نرى هنا، أنه بخلاف هذا التزلف والاستسلام لأنظمة التطبيع العربية، وحرصها على حماية عروشها عبر المدخل الإسرائيلي، فإن إسرائيل تستخدم التطبيع في وجهه الآخر، كأداة لتصفية القضية، وإعادة هيكلة النظام الإقليمي بشكل يعترف بوجودها، وبالأمر الواقع لاستعمارها الاستيطاني، فهو الجزرة التي تلوح بها مع عصا المنظمات الدولية والكارتلات الاقتصادية. إلا أنها جزرة مسمومة؛ لأنه في ظاهره تطبيع، وفي باطنه اختراق وتدمير للبنى الاقتصادية والمجتمعية والفكرية.

خامساً: التطبيع السعودي وموقع إسرائيل في خارطة الصراع

تسارع إعلان التطبيع بين السعودية والكيان الصهيوني، وتجلى ذلك مؤخراً في اللقاء العلني في واشنطن الذي جمع قبل أشهر بين مستشار الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز، مدير مركز الأبحاث الاستراتيجية في جدة، اللواء أنور عشقي، وبين دوري غولد، المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، كما تجلى ذلك التسارع في التطبيع من خلال أحاديث اللواء عشقي لوسائل إعلامية إسرائيلية بشكل متكرر.

ففي حديث مع قناة إسرائيلية ناطقة باللغة الانجليزية، أجراه أحد مراسلي القناة الصهاينة، كان من أبرز ما جاء على لسان عشقي قوله: "قبل هذه الفترة كان العرب يعتقدون أو كانوا يريدون طرد إسرائيل خارج فلسطين، لكن إسرائيل أصبحت كياناً حقيقياً وواقعياً على الأرض، لهذا السبب السعودية تريد أن تتعايش الدول العربية وإسرائيل معاً"، وأضاف أيضاً قوله إن: "الشعوب العربية لا تزال غير موافقة على التعايش مع إسرائيل؛ لأن الشعوب العربية بشكل عام تفكر من خلال عواطفها، لكن الحكومات وعلماء الدين يفكرون في مصالحهم وعقولهم".

من جهته، فإن تركي الفيصل رئيس المخابرات السعودية السابق، وبعد كتابته مقالاً لصحيفة هآرتز الصهيونية العام الماضي، جدد فيه عرض مبادرة السلام العربية على الصهاينة، هو الآخر، أجرت معه تلك الصحيفة الصهيونية مقابلة مؤخراً أكد فيها طلب السلام مع كيان العدو والتطبيع معه، تماماً مثلما أكد عشقي في مقابلته مع القناة التلفزيونية الصهيونية على هذه المضامين([16]).

هذا التسارع في التطبيع مع إسرائيل يشير إلى أن السعودية قد حددت محورها علناً دون مواربات، بل إنها تريد أن تقود حلفاً كاملاً وراءها، وتريد الدخول كشريك في معاهدة السلام بالحصول على جزيرتي تيران وصنافير المصريتين؛ لكي تصبح دولة مواجهة رسمية، وتسلم عهدة الأمن في الجزيرتين للكيان الصهيوني، كجزء من تدابير جديدة في البحر الاحمر.

تحاول بعض التحليلات تبرير تشكل ذلك المحور باعتبار أن الأطراف العربية انقسمت في تحالفاتها بين موالٍ لإيران، ومتعاون مع تركيا، فبعد أن أصبح "الخفوت" في العداء العربي لإسرائيل هو السمة الغالبة للعلاقات العربية - الإسرائيلية، أدت مخاوف دول عربية من الجديد في العلاقات الأمريكية - الإيرانية، سواء على صعيد العلاقات الثنائية، أو علي صعيد حل أزمة البرنامج النووي الإيراني إلى البحث عن "موازن إقليمي"، كبديل، ولو كان مؤقتاً، لأي تراجع في تعهدات والتزامات الحليف الأمريكي([17]).

إلا أنه يصعب علينا تبرير ذلك بدافع المخاوف، لا سيما أنها غير مبررة، وأن الخوف من التبعية

لا يبرر الارتماء في أحضان التبعية بفرض المساواة الغير عقلانية أو أخلاقية بين إيران والكيان الصهيوني الغاصب.

ولا يمكن فصل موقع "إسرائيل" في الخارطة عن رؤية إسرائيل لنفسها عبر مراكز الفكر الخاصة بها، كما لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية والدولية، وأبرزها مؤخراً الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الكبرى.

وقد طرحت مراكز الفكر في إسرائيل عدة بدائل أمام صانع القرار في إسرائيل؛ لمواجهة خطر الاتفاق الإيراني الدولي، وشملت عدة جبهات تعمل معاً في وقت واحد، ومما جاء في الورقة عن دور جبهة السياسة الخارجية: "ترى مراكز الفكر الإسرائيلية أن إسرائيل عليها أن تجد الطريق لتكوين ائتلافات إقليمية لمنع محاولات إيران لترجمة إنجازاتها النووية إلى قوة إقليمية بارزة، حتي بدون تطوير السلاح"([18]).

خاتمة:

نخلص ممّا سبق إلى أن المراد هو تشكيل محور (سني) يشتمل على إسرائيل، في مواجهة محور (شيعي) يوضع في إطاره كل القوى المقاومة والمناهضة للهيمنة الصهيونية والأمريكية، ومن ثم شيطنة هذا المحور إعلامياً ودعائياً واستخدام المنابر الوهابية والإعلامية المرتزقة في تشويهه جماهيرياً؛ لانتزاع سلاح التأييد الجماهيري وحصره على المحور المتضمن لإسرائيل.

ويتزامن ذلك مع محاولات التفتيت وتغذية الحروب الأهلية عبر دعم الحركات التكفيرية وجماعة الإخوان المسلمين؛ لإضعاف الجبهات الداخلية وشغل الجيوش العربية، وجعل الدول العربية بحاجة للحماية الغربية وفي قلبها إسرائيل.

من هنا تقع إسرائيل في موقف المشاهد عبر شغل دول المواجهة بحروبها الداخلية وتحالفها مع هذه الدول عن طريق التطبيع ضد القوى المقاومة للمشروع الصهيوني، مستغلة إمكانات السعودية المادية والإعلامية ونفوذها داخل الدول فيما يعرف بـ "اللوبي السعودي" داخل كل دولة، ومستغلة السودان كمدخل لأفريقيا، ومحاصرة مصر والضغط عليها، واحتلال موقع استراتيجي بالبحر الأحمر ينضم إلى محاولاتها للسيطرة على باب المندب عبر دعم العدوان السعودي على اليمن، وبالتالي تطمح في جعل البحر الأحمر منطقة نفوذ سعودية إسرائيلية، إضافة إلى تغلغلها في القارة الأفريقية، وقطع التواصل التاريخي بينها وبين العرب.

_________________________________________________________


[1]- وليد خالد أحمد، ماهية الصراعات الإقليمية، موقع كتابات؛ متوفر على الرابط:

 https://www.kitabat.com/ar/page/09/12/2014

-[2] فالداي كلوب، التحول في الشرق الأوسط على المستوى الدولي، مركز أبحاث كاتيخون؛ متوفر على الرابط:

 http://katehon.com/ar/article/lthwl-fy-lshrq-lwst-l-lmstw-ldwly

-[3]"جيوبوليتيك الشرق الأوسط الجديد"، افتتاحية المركز العربي للدراسات المستقبلية، 17/ 11/ 2010م؛ متوفر على الرابط:

http://www.mostakbaliat.com/archives/1171

[4]- فالداي كلوب، " الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط إلى أين"، مركز أبحاث كاتيخون؛ متوفر على الرابط:

 http://katehon.com/ar/article/lmn-lqlymy-fy-lshrq-lwst-l-yn

[5]- د.بول سالم، الشرق الأوسط: مراحل تحوّل نظام إقليمي متفكّك، مركز كارنيغي للشرق الأوسط؛ متوفر على الرابط:

 http://carnegie-mec.org/2008/07/30/ar-pub-23716

[6]- إحسان مرتضى، دور إسرائيل في هيكلة النظام الإقليمي، مجلة الجيش، العدد (361)، تموز، سنة (2015م)؛ متوفر على الرابط الالكتروني:

 https://www.lebarmy.gov.lb/ar/content

[7]- تفاصيل المقابلة متوفرة على الرابط:

 http://www.alarab.com/Article/371294

-[8] د. رفعت سيد أحمد، بالوثائق: إسرائيل تخترق أفريقيا من الثقافة إلى الأمن مروراً بالاقتصاد؛ متوفر على الرابط:

 http://alarabnews.com/alshaab/GIF/06-06-2003/Refaat.htm

[9]- آفي غيل، إدارة الصراع، مقال في هآرتس، تاريخ 11 كانون الأول / ديسمبر، 2014م؛ متوفر على الرابط:

 http://archive.al-watan.com/mobile/viewnews.aspx

[10]- تحسين الحلبي، دور إسرائيل لإطالة أمد الصراعات في المنطقة، مجلة الوطن السورية؛ متوفر على الرابط:

 http://alwatan.sy/archives/72376

[11]- عبد الوهاب المسيري، ما هو التطبيع؟، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية؛ متوفر على الرابط:

 http://shamela.ws/browse.php/book-2074/page-7565

[12]- د. إبراهيم علوش، محاضرة ألقيت في فرع رابطة الكتاب الأردنيين، الزرقاء، مساء يوم 1/10/ 2013م؛ متوفر ة على الرابط:

 http://freearabvoice.org/?p=3030

[13]- الدكتور غالب الفريجات، مقاومة التطبيع ضرورة قومية، شبكة البصرة؛  متوفر على الرابط:

 http://www.albasrah.net/ar_articles_2011/0111/qaleb2_311210.htm

-[14] نوري خزعل صبري الدهلكي، اليهود أسياد كوكب الأرض بلا منازع، مجلة كتابات، 16 أيار 2014م؛ متوفر على الرابط:

 http://www.kitabat.com/ar/print/28139.html

-[15] تقرير اقتصادي للمرصد العربي للحقوق والحريات؛ متوفر على الرابط:

 http://elmarsad.org/ar/sisilazard003/

[16]- ما وراء استعجال السعودية التطبيع مع الكيان الصهيوني؟، وكالة فارس؛ متوفر على الرابط:

 http://ar.farsnews.com/viewpoint/news

[17]- د. محمد السعيد إدريس، الصراع الإقليمي بين إيران وتركيا وإسرائيل، السياسة الدولية، العدد 196؛ متوفر على الرابط:

 http://www.siyassa.org.eg/NewsContent

[18]- د. هبة جمال الدين، إسرائيل والدور الإيراني بعد الاتفاق النووي، السياسة الدولية، العدد 202؛ متوفر على الرابط:

 http://www.siyassa.org.eg/NewsQ/6500.aspx