بسم الله الرحمن الرحيم

في هذه الورقة سأحاول الإجابة بشكل مركز وموجز على عدد من الأسئلة المثارة حول مشروع الشهيد القايد ومسيرة أنصار الله عموما ومن هذه الأسئلة .

 الأسئلة المتعلقة بالهوية الاستراتيجية لمسيرة أنصار الله من حيث الشكل التنظيمي والمضمون الأيديولوجي من هم أنصار الله هل هم حزب أو تيار سياسي أم حركة دينية ما هو مذهبهم العقدي أو السياسي ما هو مشروعهم الفكري والسياسي؟

في الإجابة على سؤال من هم أنصار الله او ما يسمونهم بالحوثيين أطلقت الكثير من التعريفات والتصنيفات الايديولوجية والسياسية والتعريفات المتضاربة ومن بين التعريفات النمطية الشائعة:

- جماعة إحيائية زيدية مطلبية تتبنى مطالب حقوقية سياسية وثقافية واجتماعية، وتسعى لحماية التقاليد الدينية والثقافية للزيدية؛ ممّا يعتقد أعضاؤها أنه تعديات سلفية/ وهابية.

- ظاهرة صنعها الأزمة وحالة البؤس الحرمان الاقتصادي والمظالم المرتبطة بالهوية الثقافية، وإقصاء الرأسمال الثقافي والاجتماعي الزيدي من المساهمة في رسم وتشكيل مستقبل اليمن الجمهوري عقبت ثورة سبتمبر 1962م.

- أو أنها تجمع عقائدي مغلق يعبر عن وعي فئوي، وتمثل مصالح طائفية طبقية أو طائفية.

- حركة تمرد وميليشيا مسلحة تتربص شراً بالثورة والجمهورية، وردة سياسية ضداً لعملية التحول الذي أحدثته ثورة السادس والعشرين من سبتمبر1962م، لاستئناف وإحياء الإمامة السياسية وسلطة الهاشميين في اليمن.

- مجموعة من الشيعة المرتبطين بإيران، والذين تحولوا عن الزيدية إلى الاثني عشرية.

بطبيعة الحال أنصار الله ليست نزعة علموية، ولا مجرد مدرسة نظرية صرفة، بل مكوّن اجتماعي وحراك شعبي وتيار سياسي نشأ في سياق انقسامي، وبيئة مفعمة بالصراعات السياسية والاجتماعية ومعظم النتاج الأدبي في مقاربة أنصار الله أنتج على هامش أو في سياق هذه الصراعات، ومن قبل قراء هم بشكل أو بآخر جزء من الصراع، لذا كان نتاجهم تعبيراً عن مخاوفهم أو انطباعات ذاتية مستوحاة من الذاكرة التاريخية لصراعات النصف الأول. وبعض هذه التعريفات كانت بهدف تطوير وتعميم وعي عصبوي ومناطقي مضاد يكون بمثابة سياجات عازلة تحاصر أنصار الله في جيوب جغرافية أو فئوية ومقاومة أي تواجد لجماعة أنصار الله سياسياً أو ثقافياً خارج الهضبة الشمالية .

السيد حسين الحوثي في رده على سؤال (BBC) عن طبيعة نشاطه؛ قال السيد حسين الحوثي: "نحن عبارة عن مجاميع أو مجموعة من المسلمين ...،هكذا قال ونفى أن يكون مشروعة ذا طبيعة أو تركيبة حزبية رغم أن التنظيم الحزبي أمر مسموح في البلد"

من كلام السيد حسين يلاحظ أنه يرفض ربط نشاطه أو الكيان الذي سمي فيما بعد (أنصار الله) بأي تعريفات سلفية مذهبية أو تعريفات إحيائية معاصرة، سواء الخمينية أو الإحيائية الزيدية أو الشباب المؤمن. بجماعة سياسية أو مذهبية أو فئوية مغلقة، بل بكل المؤمنين متجاوزاً حدود وهموم المذهب إلى هموم الأمة. فأزمة المذاهب لها علاقة بأزمة الأمة، وأزمة الأخيرة لا تنفصل عن أزمة الطوائف والمذاهب والتي تتلخص في أزمة المنهج، سواءً كنظام معرفي أو كأسلوب في التعليم والتثقيف والدعوة، وقد شكلت هذه القضية إضافة إلى طبيعة الصراع العالمي مدخلاً للتحول عند الحوثي من همّ الجماعة أو المذهب إلى همّ الأمة؛ ولذلك يقول إن المسلمين "في المرحلة هذه أحوج ما يكونون إلى أن يحملوا هذا العنوان (مسلمين)،

من ناحية تطور الشكل التنظيمي مسيرة أنصار الله تأسست بالأصل كحالة فكرية ودينية ونشاط جمعي وتيار شعبي منذ العام 2000 على يد السيد حسين الحوثي، بمعنى آخر مسيرة أنصار الله نشاط جمعي منظم، وليست تنظيماً حزبياً نشأ بلوائح وأنظمة داخلية وبنيات هرمية بيروقراطية حتى الاسم لم تتخذ اسماً محدداً إلا في فترة متأخرة وكان يطلق على مؤيديها وصف (جماعة الشعار) نسبة إلى تبنيهم (الشعار) أداة ووسيلة رئيسة؛ لنشر أفكارهم ورؤاهم الفكرية والدينية والسياسية.

 المشروع القرآني يخاطب الجماهير ليتحول إلى قناعة راسخة وعامة لدى الجميع، ومشروع تحمله الأمة وتفرضه من خلال قناعتها في واقعها بطرق مباشرة وغير مباشرة، ومن خلال مجموعة أدوات مثل: نشر الأفكار وتعبئة الرأي العام لحث أصحاب القرار على اتخاذ القرارات المطلوبة، القيام بالفعاليات الجماهيرية والمظاهرات، والقيام بالحملات لمناصرة سياسات ورفض أخرى وشن حملات المقاطعة الاقتصادية، إصدارات سياسية صحف ووسائل إعلامية، وإنشاء مؤسسات مثل المدارس والجامعات والمشروعات الاقتصادية، التواصل المباشر مع القيادات التنفيذية بالإقناع وغيرها من المناشط ذات الطبيعة الشعبية أو ما يسمى في العلوم الاجتماعية بـ "التغيير من تحت".

لكن؛ في صيف 2004م، وبسبب ظروف المواجهة التي امتصت معظم اهتماماتهم؛ تشكلت بنية تنظيمه ذات طابع عسكري احترفت فيه من ناحية التنظيم ومن ناحية الإنجاز، كما أسهمت في اتساع القاعدة الجماهيرية وتعاظم نفوذهم السياسي، وصاروا مكوناً اجتماعياً مؤثراً وفاعلاً في المشهد السياسي، وتياراً سياسياً يجتذب إليه طيفاً واسعاً من المحازبين والمناصرين.

 ومع ثورة فبراير 2011م دخل أنصار الله مرحلة جديدة ثم ما تلاها ابتداءً من مؤتمر الحوار الوطني، ثم ثورة 21 سبتمبر، والإعلان الدستوري عقيب استقالة هادي وبحاح والانخراط المباشر في العملية السياسية اليمنية؛ كلها مثلت منعطفات نوعية وضعتهم في مواجهة استحقاقات سياسية واقتصادية وأمنية لم تكن ضمن أوليات استراتيجيتها الحركية، وأصبحوا مطالبين بالإسهام في مواجهة هذه الاستحقاقات، وتقديم رؤى وبرامج لمعالجة، والاشتراك في السلطة أو التحول إلى جزء من توازناتها فرض عليها برامج ومهمات على المستوى الوطني لاستحقاقات الخصوصية الوطنية والمرحلية.

بإزاء هذه التطورات المرحلية كانت الحركة تطور بنيتها التنظيمية بما يتناسب وتطور الأحداث وضرورات المرحلة؛ وكي تحافظ على هويتها كتيار شعبي وضرورات التنظيم سعت قيادة الحركة لاختيار شكل تنظيمي مرن يباعدها عن سلبيات التنظيم الحزبي وانعكاساته على العمل الثقافي والسياسي الشعبي، ويتجنب الوقوع في إشكالية الانغلاق على الذات والعصبوية الحزبية التي تنشأ بشكل طبيعي من التكتل، ويحصر نشاطها في إطار جمهور عضوي مغلق.

واذا انتقلنا للسؤال الثاني وهو الأهم برأيي ما هو جوهر مشروع الشهيد القايد؟ ما هي الفكرة المحورية والمركزية التي تمثل محور الارتكاز للمشروع؟

أدبيات أنصار الله تبين أن السؤال المركزي لخطاب السيد حسين الحوثي هو سؤال التخلف / والاختلاف وأن القضية الجوهرية فيه هي ثنائية (التخلف / النهضة)، الثنائية المركزية في خطاب الإصلاحية الإسلامية في القرن الثامن عشر والتي برزت على إثر الصدمة الحضارية للحداثة الغربية حين فتح العرب والمسلمون أعينهم على الهوة الحضارية التي تفصل الشرق الإسلامي عن الغرب المتقدم على جميع المستويات الفكرية والسياسية والعسكرية والصناعية، وحالة التخلف الشاملة للشرق الإسلامي، وكانت بمثابة المهماز الذي أيقض العقل العربي والإسلامي من سباته الحضاري.

خطاب الإصلاحية الإسلامي بقيادة جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وخيرالدين التونسي، والكواكبي دافع أن الإصلاح الإسلامي ممكنٌ، بل ضروريٌ؛ لتجاوز حالة الجمود والتردي الشامل، وينحون باللائمة على الجمود الفكري، وإقصاء العقل وإغلاق باب الاجتهاد، وتجاوز الأزمة وتحقيق النهضة لن يكون إلا بالعودة بالإسلام لحالة نقائه الأول، وتحرير العقل الإسلامي من القيود التي تكبل نشاطه، وفتح باب الاجتهاد والتجديد كأهم أدوات الإصلاح.

لقد طرحت العودة إلى الاسلام من قبل كل الحركات الدينية بكل تنويعاتها كحل للنهضة لكن الأزمة بقيت والاشكالية هو كيف تكون العودة في ظل تعدد القراءات للإسلام وما بينها من تعارض وتناقض. فما الجديد الذي يضيفه مشروع المسيرة القرآنية؟

من ضمن الأسئلة التي طرحها السيد حسين، لماذا أخفقت كل محاولات الإصلاح والتجديد؟ وهل أدى إعادة الاعتبار للعقل كمصدر للمعرفة الدينية، وفتح باب الاجتهاد الديني إلى تحقيق النهضة التي تطلع لها رواد الإصلاحية الإسلامية؟ وهل الخلل في المضمون أم المنهج؟ وهل القرآن مصدر الخلاف والسجال الديني (التناقض الإسلامي - الإسلامي)، وما يتبعه من صراعات سياسية واجتماعية؟ هل الخطاب القرآني قادر على حسم الخلاف؟ وإعادة توحيد الأمة الإسلامية؟

 في إجابته على هذه الأسئلة يذهب إلى أن الأزمة تتجاوز المضمون إلى المنهج المعرفي، ويلقي باللائمة على النظام المعرفي التقليدي ومنهجه في قراءة وتفسير النصوص، ويتهمها بالجناية على الدين، والتسبب في اهتزاز الثقة بالخطاب القرآني، حيث معظم آياته - وفقاً لهذا النظام - نصوص ظنية وملتبسة ومتعددة الاحتمالات وقاصرة عن إنتاج اليقين الدلالي والنفسي والموضوعي.

التراث بمفهومه الواسع - سواء آليات التأويل، ومناهج القراءة، وتحليل النص - رموز دينية وتيارات دينية وتجارب تاريخية تحولت إلى سياجات معرفية أعاقت فهم الخطاب القرآني عن تحقيق وظيفته الأساسية في إخراج أمة نموذجية، وأسهمت في إعادة إنتاج الواقع المتخلف والوضعية السيئة والفوضى التشريعية، والتأسيس لألوان من الاحتراب والصراع والتنابذ وأشكال من التدين، كالتديُّن المنصرف عن الحياة)، والتدين الطائفي، والاجتهادات الارهابية وفتاوي التفكير.

بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجه المسلمون في علاقتهم بالنص القرآني، معضلة التحول في ماهية النص من الطبيعة التداولية الشفهية إلى نص مكتوب منفصل عن سياقاته الزمانية والمكانية، الانتقال من لحظة التنزيل إلى لحظة التأويل،

في لحظة النزيل أو التأسيس الذي هو زمن النبي، حيث كان النص ينطق بنفسه يملك قدرة تفسير مقصده ودفع الشبهات عنه لوجود النبي المؤسس الذي يملك صلاحية توضيح مراد أي قول ديني، نبوياً كان أم قرآنياً، وتعيين وجهته ومعناه. ولا يملكون حق التأويل أو التفسير أو الاجتهاد فهناك جهة واحدة حصرية تملك الحق في ذلك،

وبغياب النبي صار النص الديني مكشوف الظهر، وموضوعاً في تصرف المسلمين وعرضة لسوء الاستعمال استحال نصاً مدوناً ومفتوحاً، يضع نفسه بين الناس ليقرؤوه ويفسروه ويؤولوه، ما سهل، بقصد أو بغير قصد سوء استعمال النص الديني عبر توظيف آياته في مواضع لا تتوافق مع المواضع الأصلية التي نزلت فيها أو لأجلها ..

وظهرت وظيفة المفتي والمفسر والمجتهد ومناهج قراءة وتفسير النصوص الدينية.

يأخذ الحوثي على المناهج التراثية - بتأثير من تركيزها على القرآن كنص - أنها حوَّلت العلاقة بالقرآن إلى عملية تفاعلية بين النص الديني (القرآن - السنة) والمجتهد معزولةً عن مؤلفه (الله - الرسول)؛ لاستكشاف الدلالات المتضمنة في النص من خلال آليات التأويل العقلي والتحليل اللغوي، وعلى أساس الوظيفة الإحالية للغة، وتعاملت مع القرآن كمدونة قانونية اختزلناها فيما يسمى في عرف الأصوليين آيات الاجتهاد أو آيات الأحكام (500 آية) بهدف تحقيق الخلاص الأخروي، والفردي في معظم الأحيان. وكذلك أن الإنسان موكول إلى ظنه، إذاً كل واحد يدبر حاله! أنه لا يوجد معنا أدلة يقينية، وأن معظم الأدلة ظنية، وأمارات، وظنون، وكل واحد على ظنه، لا أحد ملزم بأن يتبع ظن الآخر، ينطلق كل واحد على ما غلب في ظنه؛ ليعرف دين الله.

وكونَ معظمِ نصوص القرآن ظنية شكّل مبرراً مناسباً لإحالة المهمة للمفسر والمجتهد، كخبير ومتعهّد رسمي يحمي النصوصَ، ويستنطقها، ويمنحها دلالتها ومعانيها، وأصبـح دوره محورياً في ضبط العلاقة بين الدال والمدلول اللفظ والمعنى، وفي الآن ذاته لا توجد ضوابط أو عصمة أخلاقية تضمن عدم تلاعبه بالنص بعد أن أصبـح نصاً مفتوحاً على كل الاحتمالات، وتتيح لكل مجتهد يحمّلها من المعاني ويقرأها من خلال وعيه الذاتي والفردي.

وأكثر القضايا خطورةً هنا أنها تؤسِّس لسلطات مرجعية ثانوية تزيحُ السلطاتِ المرجعية الأصلية لصاحب النص لتتمحور حول المفسر الخبير الذي يمتلكُ وحدَه سلطةَ تفسير النص، والقرآن يتحوّلُ إلى نَصٍّ طُقوسي للبركة، أما المعرفة الدينية؛ فتحتويها كتب التفسير.

كما أنها منحته حق وضع التشريعات نيابة عن الله فيما أغفلته النصوص أو سلطة الاجتهاد فيما ليس فيه نص وسلطة تفسير وتأويل النصوص الملتبسة، والأخطر من ذلك أن مراد الله صار تبعاً لمراد المجتهد وفقاً للقاعدة الأصولية، واقتصار دور الله على إقرار اجتهادات المجتهدين أو على حد السيد حسين الحوثي: "جعلوا من الباري مدير مكتب يوقع أو يختم ما يرفع إليه من اجتهادات متعارضة ومتناقضة في معظم الأحيان عليها، وأسس لتشكل نصوص ثانوية سلفية (أقوال الجيل الأول) لا تقلّ أهمية عن النصوص الأساسية. يقتصر دور الله على اعتمادها ومنحها الشرعية أو كما قال الإمام على - عليه السلام -: "أكان عليهم أن يشرِّعوا، وعليه أن يرضى"!

ينتقد الحوثي النظرة الفردية للدين، واعتباره خطاباً للأفراد بصفتهم الفردية، وليس بصفتهم أعضاء في جماعة، الفردية التي طبعت الاجتهاد لا تقتصر على الناحية الموضوعية؛ إنما - أيضاً - من ناحية فردية الممارسة، حيث توكل المهمة برمتها للمجتهد والفقيه الفرد مع منحه هامشاً واسعاً من الحرية، وحق الاختلاف إضافة للصلاحيات الواسعة في التصرف مع النص.

وبناءً على قاعدة "لكل مجتهد أجر، فإن أصاب؛ فله أجران، وإن أخطأ؛ فله أجر"، فإن تقييم نتائج الاجتهاد متعذر؛ لأن انكشاف نتيجته مرتبط بالغيب، وعدد الأسهم التي يحصل عليها مكافأة اليوم الآخر؛ لجهوده هناك، ولا تلحظ نتائجه الخطير والكارثية على المسلمين المتمثلة في التناقضات والتعدد وفوضى الرأي والتشريع التي ينتفي معها واقعية المضمون الاجتماعي للكلية النظرية الإسلامية التي يشتملها الخطاب القرآني "فلا تبتني عليه أمة ولا يقوم عليه نظام على الإطلاق" يقول السيد حسين أنه حتى أولئك الذين يرفعون شعارات التعددية الحزبية، وحرية الرأي في النظام الديمقراطي عندما يتعلق تشريعات قانونية ودستورية؛ فإنهم يحسمون الموضوع كما يقول فيما لأنهم عارفون أنه لا يمكن نقول تعددية وحرية في كل شيء بما فيها فيما هو نظام؛ لأن معناه ألا يكون هناك نظام يحكم الجميع ولا يسمحون بتعدد الاجتهاد في تفسيرها ويلجؤون لآلية معنية لحسم الخلاف، "فيما لو حصل اختلاف في فهم نص دستوري، لا يخضع الموضوع لاجتهادات المختلفين، هناك محكمة دستورية فيها شعبة معينة تختص بتفسير نصوص الدستور، عندما قانون ينـزل من مجلس النواب (هل) يسمحون للقانونيين والاقتصاديين والمثقفين أن يقدموا اجتهادات، وكل واحد ملزم بما أدى إليه نظره؟ وكل واحد يقلد بعده من قلد؟! أعني القضية يعرفها الناس بأنها خطأ وقد أصبحت معروفة بأنها خطأ، بكل وسائل المعرفة وما نزال متشبثين بها في دين الله الذي هو نظام للبشر جميعاً لتقوم عليه أمة واحدة"

من هنا دعا السيد حسين إلى إعادة النظر في النظام المعرفي التقليدي خصوصا فني أصول الفقه وعلم الكلام

أهم الأسس التي تعتبر منطلقات منهجية، ركز على العودة إلى القران وهذا أحد الخصائص المائزة لأن الدعوة للعودة للإسلام تستبطن بطريقة غير مباشرة إدانة للمجتمع  والعودة للقران تعني الخطاب القرآني مرجعية مركزية، وفي محاضرة له يعرّف مشروعه بأنه: "منهج قائم وحركة على أساس القرآن الكريم تترفع عن كل العناوين الخاصة، وتعطي أولوية للقرآن الكريم، وتسير على هديه، وتتحرك في الساحة هذه دائرة قابلة للتوسع؛ لأن كل طرف لا يعتبر أنك تقدم الشيء الذي هو قد ثقف على أساس النفور منه نهائياً، وعندما يراك - أيضاً - بأنك تقيِّم ما لديك ولديه بنظرة واحدة على أساس القرآن، وليس أنك تحاول تؤقلم القرآن على ما لديك من تراث ثقافي وما لديك من ماذا؟ من مرجعيات سواء شخصية أو مرجعيات من الكتب".

الامر الثاني التأكيد على نفي الغموض والالتباس في الخطاب القرآني  والقصور الذاتي في انتاج الدلالة، والتأكيد على الطبيعة التداولية للخطاب القرآني وإعادة المعرفة الدينية لبساطتها باعتبارها معرفة موجهة للعموم وليس للخاصة وذوي القدرات الذهنية العالية وأن القصور في الحقيقة مصدره قصور في مناهج تأويل وتفسير النصوص  بناء نظام معرفي على أساس سنن الله في الهداية يعيد تصحيح علاقة المسلمين بالنص القرآني ويقلص من دور القارئ (الفقيه، المفسر) إلى أضيق الحدود في تفسير وتأويل النص ويضع حداً لفوضى الاجتهادات الفردية والتضخم في الحديث والرأي.

القرآن خطاب هداية وإرشاد، وخطاب فعل وتوجيه، والخطاب التعليمي أو الإرشادي بطبيعته خطاب عملي بين لا يحتمل اللبس يتلقى فيها المخاطب رسالة واضحة، والنتيجة التي يخلص إليها الحوثي أن الخطاب القرآني لا يمكن أن يكون مصدراً لسوء الفهم؛ لأنه معيب في حق الله تعالى، وفي حق الرسول أن يخاطبنا بخطاب ملتبس أو يوجهنا للعمل بخطاب مشوش وغير واضح.

وكون القرآن خطاب هداية؛ فإن من أهم سماته الوضوح والبساطة، ولذلك سماه بينات وصراطاً مستقيماً، وينفى عنه أن يكون مصدراً للبس أو لسوء الفهم والاختلاف؛ لأنها تتناقض مع وظيفته الأساسية كخطاب هداية موجه لعموم الأمة "بلسان عربي مبين ومن يريد هداية الناس لا يرشدهم بخطاب ملتبس يؤسس للاختلاف والنزاع وفوضى الفتاوى والتشريعات والرأي بما لها من ارتدادات، ومفرزات مدمرة للاجتماع الإسلامي، يقول الحوثي: "هذه تعتبر أساسية في موضوع المعرفة يعني: أن يكون عندك ثقة بأن دين الله هو صراط مستقيم وواضح، طريق واضح، (هذا) سينسف أمامك أن الإنسان موكول إلى ظنه، (كما) قدمت القضية في الأخير"

وأكد أن المنهج الصحيح لفهم القرآن أن تعرف أساليب العرب في التخاطب، باعتباره ضابط منهجي ينفي عن الخطاب القرآني الغموض والإبهام وتعدد الاحتمالات لأنه "عندما يتخاطب الناس مع بعضهم يفهمون المعنى المراد كل مخاطب يفهم ماذا يريد المخاطب. أساليب التخاطب توصل المعنى المراد إلى الإنسان من خلال ما يسمعه، ومن خلال الأجواء المحيطة بالكلام، وهكذا أساليب اللغة العربية على هذا النحو يفهم الناس ما كان يريد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) لم يكن ينظر أحد عندما يخاطبه النبي، هل عبارته ظنية أم قطعية".

القاعدة التي ينطلق منها الحوثي لتجاوز سلبيات الفردية التي طبعت العملية الاجتهادية من الناحية الموضوعية؛ هي أن نعيد الاعتبار للقرآن باعتباره خطاباً للأمة، وكون القرآن خطاب للأمة قاعدة منهجية أو ضابط منهجي ينفي أي تأسيس؛ لتقنيين الاختلاف، وفوضى التعدد باسم الاجتهاد خصوصاً فيما له علاقة بالنظام العام؛ لأنها غير ممكنة من ناحية عملية، وتتناقض كما يقول الحوثي مع "الوحدة في الإسلام كمبدأ وقاعدة هامة"، ومع القاعدة المنهجية الأخرى، وهي "أن كل ما هو هام وكل شيء في القرآن هو يرسم طريقته كاملة رسمها رسماً كاملاً ...، ولا يتركها مطروحة للأمزجة والأطروحات المتعددة"، ولذلك القرآن رسم الوحدة على أساس الاعتصام الجماعي بحبل الله "كلمة حبل أليست من المفردات التي لا يمكن أن تتصور فيها أكثر من شيء واحد؟ حبل يعني أوضح عبارة تعطيك التعبير عن وحدة المنهج والطريق والموقف والكلمة، وأن الله هو يدلي حبلاً واحداً لا يوجد هناك حبال متعددة، وكل واحد يمشي على مزاجه، ويمسك بالحبل الذي يعجبه ليست هكذا هو وضع حبلاً واحداً هو دلى لعباده حبلاً واحداً يتمسكون به".

و*ورقة عمل مقدمة للندوة التي أقامها المجلس السياسي لأنصار الله بمناسبة الذكرى السنوية للشهيد القائد للعام 1438هـ بعنوان: "الشهيد القائد.. مسيرة إصلاح وتجديد " ال