بعد ما يقارب الثلاثة أعوام ونصف من الحرب التدميرية العدوانية الظالمة على اليمن (حرثاً ونسلاً)، يبدو أن مشعلي سعير هذه الحرب من عواصم دول العدوان لم يقتنعوا بعد بفداحة وعظم جرم حربهم العبثية تلك بحق الشعب اليمني، ولا بسوداوية مآلاتها التي لن تنجو منها دولهم - مطلقاً - جرياً على سنة الله فـي كونه وخلقه؛ إذ كما تدين اليوم لا ريب أنك يوماً ما ستدان.
الشعب اليمني وقواه الوطنية - من جانبهم - لم يغفلوا للحظة عن خطورة واقع تلك الحرب العدوانية المدمرة ولا عن حقيقة تلك السنة الإلهية؛ إذ اختاروا فـي مقاومتهم لتلك الحرب الظالمة نهجاً إنسانياً عالي التجليات، حيث حاولوا لمدة أربعين يوماً (منذ بداية العدوان) اتقاء ويلات استمرار وتصعيد تلك الحرب، مناشدين - حينها - المعتدين بكف عدوانهم والجنوح للسلم، ثم ما لبثوا بعد الأربعين وبعد تيقنهم من عتو المعتدين واستمرار غيهم وطغيانهم أن انتقلوا إلى مربع رد الفعل ومواجهة العدو (صولة بصولة وجولة بجولة)، مؤمنين فـي ذلك بعاقبة النصر الإلهي لمن اتقى وهو يتجرع مرارة الظلم، وموقنين كذلك ببوار خاتمة من اعتدى وأصر على غيه واستنكف عن سبيل السلم.
 لقد تم ذلك الانتقال إلى مربع رد الفعل والمواجهة وفق رؤية استراتيجية خط عناوينها العريضة قائد الثورة (السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي)، مضمناً إياها مفردات عدة تؤكد على إيمان اليمنيين بقدر مواجهتهم لمؤامرة قوى العدوان على وطنهم، وعزمهم على عدم التفريط فـي حريتهم واستقلالهم وكرامتهم الوطنية وسيادتهم على قرارهم الوطني وثرواتهم ومواردهم الطبيعية، وتؤكد كذلك على أن معركة الجيش واللجان الشعبية فـي مواجهة قوى العدوان لن تذهب أبعد من تحقيق هدف رد عدوانها، ولن يتخلى مقاتلو الجيش واللجان الشعبية أثناء ذلك عن كل القيم الدينية والقوانين والأعراف الإنسانية والأخلاقية المتعلقة بقواعد الحرب، مع تأكيد تلك الرؤية الاستراتيجية أيضاً على بقاء الطريق مفتوحاً أمام السلام وفقاً لمقتضيات الحق والعدل والكرامة الوطنية.
 مع مرور الوقت واستمرار العدوان الهمجي على اليمن، بات من الواضح أن الرؤية الاستراتيجية لقائد الثورة قد آتت ثمارها فـي ظل موسم طويل ومتواصل من صمود اليمنيين وقدرتهم الميدانية على كسر إرادة قوى العدوان وإفشال كل محاولاتها لتحقيق أيٍ من الأهداف المركزية لحربها العدوانية وعلى رأسها هدف الوصول إلى صنعاء والقضاء على قوى الثورة والمقاومة الوطنية.
 فما بين بداية شن هذه الحرب الظالمة والوقت الراهن، لا ريب أن أموراً وتحولات كثيرة قد اتضحت لكل ذي لب سليم. ولن يقف - فـي واقع الحال - عائقاً أمام جلاء الدروس الراهنة لهذه الحرب وعبرها المستقبلية تجاهل مشعلي سعيرها لفظاعة جرائمهم بحق الشعب اليمني، ولا عدم حسابهم لمآلاتها الكارثية على دولهم؛ فها هي خسائر قوى العدوان الموجعة والمفجعة تتراكم يوماً بعد يوم متضمنة معطياتٍ بشرية وجغرافية (ميدانية) ومادية ومعنوية وأخلاقية واقتصادية، وها هو غطاء التعتيم الدولي على مأساة اليمنيين يُكشف يوماً بعد يوم، وها هي المنظمات الدولية (غير الحكومية) المنصفة تعري قوى العدوان وتكشف للعالم جرائمها بحق الشعب اليمني، وها هي المؤسسات الصحفية والاعلامية الدولية الشهيرة تعمل ليل نهار على تأكيد فشل قوى العدوان على اليمن، وفضح ما تحاول إخفائه بخصوص جرائمها بحق الشعب اليمني وبيان حقيقة تحول اليمن إلى مستنقع استنزاف مريع لتلك القوى.
فـي هذا العدد من مجلة مقاربات سياسية، يبدو أن واقع ما أشارت إليه الفقرات السابقة قد فرض نفسه على طبيعة ما يتضمنه هذا الاصدار (الرابع) من المجلة؛ ولعل ذلك لم يكن بترتيب مسبق ضمن خطة إصدار العدد، لكن طبيعة الأمور والتحولات سالفة الذكر قد فرضت مسارات تحليلية مواكبة لها. فمواد هذا العدد جاءت مستلهمةً أبعاد وحسابات لا تقف عند مجرد الاهتمام بطبيعة العدوان على اليمن وحجم معاناة اليمنيين، بل ركزت على الانكشاف الاستراتيجي لأهداف العدوان وتداعياته الكارثية ليس على اليمن فحسب، بل على المنطقة بأسرها.
وفقاً لما تقدم، يتضمن هذا العدد من مجلة مقاربات سياسية مجموعة من المواضيع المتنوعة، حيث يبحث عدد من الكتاب فـي ست قضايا تتعلق ببعض أوجه العدوان وأبعاده الانكشافية من منظور استراتيجي؛ إذ يحاول الخبير الاقتصادي أحمد حجر الاقتراب من آثار وتداعيات العدوان الاقتصادي على اليمن وسبل مواجهته منطلقاً من معطيات الواقع ومستخدماً أدوات تحليل نوعية ليعطي القارئ صورة أكثر وضوحاً حول تلك المسألة. وفـي إطلالةٍ مقتضبةٍ فـي حجمها عميقةٍ فـي مدلولاتها التحليلية، يتناول الدكتور محمد الساعدي بالتوصيف الموضوعي والقانوني مسألة تكييف التدخل السعودي فـي اليمن. الدكتوران سامي عطا وعرفات الرميمة يقاربان موضوعاً فـي غاية الأهمية، ألا وهو موضوع الهوية الوطنية؛ حيث يتناوله الكاتب الأول من زاوية ما يواجهه الجنوب اليمني المحتل فـي الوقت الراهن من إشكاليات تتعلق بالهوية الوطنية، مع ربط الكاتب لتلك المسألة بمسار تحليلي يحاول من خلاله تلمس تأثير وجود المحتل على طبيعة أزمة الهوية وحقيقة وجودها واقعياً، أما الكاتب الثاني فيتناول مسألة الهوية الوطنية من زاوية ما تواجهه من محاولات الاختراق فـي ظل العدوان الراهن وما قبله.
الدكتور طلال عتريسي يعرض فـي موضوعه لطبيعة وأبعاد موقف حزب الله من العدوان على اليمن مركزاً على الدور السعودي القيادي فـي هذا العدوان. فيما يقدم الباحث وجدي الصراري قراءة تحليلية متعمقة لثنائية المقاومة والتحرر كمدخل رئيسي لفهم علاقة الهجمة العدوانية على اليمن وعلى أنصار الله بجوهر الصراع فـي المنطقة. من جانبه يطرح الدكتور سامي السياغي رؤية تحليلية حول صراع الأدوار الإقليمية ضمن إحداثيات العدوان الراهن على اليمن، مركزاً فـي تلك الرؤية بصفة رئيسية على تحليل مقومات تلك الأدوار ومدى فاعليتها وجدواها بالنسبة لمصالح القائمين بها.
يتضمن هذا العدد أيضاً قراءتين تحليليتين تتعلقان بمسألة الإرهاب، حيث يتناول الدكتور وضاح عيسى قضية توظيف واشنطن للتنظيمات الارهابية، مناقشاً فـي الصدد ذاته مدى زيف ادعاء واشنطن بمواجهتها للإرهاب. فيما يقدم لنا الدكتور رفعت سيد أحمد نظرة على خارطة انتشار التنظيمات الارهابية عالمياً، مع التركيز على علاقة ذلك بمآلات تنظيم داعش بعد الهزائم التي تلقاها فـي العراق وسوريا، ودور الفكر الوهابي التكفيري فـي تغذية استمرار موجات ارتدادية جديدة من الارهاب فـي مناطق متعددة من العالم.
قضية فلسطين بتطوراتها الأحدث والأخطر لم تغب عن اهتمامات هذا العدد من المجلة، حيث يعرض الدكتور محمد مسعود لقرار الرئيس الأمريكي (ترامب) بنقل سفارة بلاده إلى القدس، وذلك من خلال منظور تاريخي يربط ما بين بعض الحلقات المعاصرة لمسلسل التآمر على القضية الفلسطينية وعلى مصالح العرب عامةً، ويبين دور قوى المقاومة فـي افشال ذلك المسلسل. وفـي اطلالة موضوعية منهجية على طبيعة مواقف وفكر قائد الثورة (السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي) إزاء عدد من القضايا الوطنية، يقدم الباحث أنس القاضي تحليلاً متعمقاً لبعض أبعاد تلك المواقف والفكر مستشهداً بنصوص مقتبسة من خطابات القائد فـي مناسبات متعددة. كما يحتوي العدد أيضا على تقرير نوعي أعده الباحث عبدالعزيز أبوطالب متضمناً عدداً من الاجابات على مجموعة من التساؤلات بخصوص ما يجري فـي اليمن فـي ظل العدوان الراهن.
 سيجد القارئ الكريم فـي هذا العدد من مقاربات سياسية مجموعة من الكتابات المنتقاة بعناية تلبيةً لمعايير التزام المجلة بأقصى درجات الأصالة العلمية والموضوعية. وكل ما نرجوه فـي هيئة التحرير أن نكون قد وفقنا بعون الله فـي الارتقاء بمحتوى ما تقدمه المجلة إلى مستوى تطلعات قرائها الكرام. ولا يفوتنا هنا أن ننوه إلى أن تأخر إصدار هذا العدد من المجلة يستلزم منا تقديم اعتذارنا الصادق لقرائنا الكرام، مؤكدين على سعينا للتغلب على كل الصعوبات وحرصنا على الاستمرار فـي تحقيق التراكم العلمي والمعرفـي الموضوعي فـي اصدارنا المتواصل لهذه المجلة بتوفيق الله، هو نعم المولى ونعم النصير.

د.سامي محمد السياغي