من العتمة تنبثق دائماً التماعات تؤذن ببزوغ الضوء وانبلاج الفجر، وثمة دائماً حياة تتجدد فيها ومنها صيرورة الإنسان فـي هذا الوجود المحكوم بقوانين وسُنن إلهية لا تتبدل.

ومن بين أدخنة الحرائق وغبار الركام، وصور الأشلاء المقطّعة، وعلى وقع أنين الإنسان اليمني وآلامه ومعاناته المشهودة بطول الخارطة اليمنية وعرضها جراء الحرب العدوانية الأمريكية السعودية التحالفية المفروضة على اليمن أرضاً وإنساناً وهوية وحضارة ومقدرات؛ ثمة عنفوان وحيوية ووعي وإرادة إيمانية ووطنية صلبة تتسم بالثبات والصبر والتحدي ومقارعة العدوان الظالم والاستعداد للتضحية بأسمى معانيها وصورها.

ومن حلكة ليل هذا العدوان ومآسيه ووحشيته؛ ثمة حياة تُجترح، وثمة إنسان يمني جديد يتخلق من جبلّة المعاناة، مؤمناً بعدالة القضية التي يدافع عنها ومن أجلها يُبلي فـي كل الساحات والجبهات وعلى مختلف الصُعد.

 هذا الإنسان اليمني الجديد بوعيه وإيمانه ووطنيته وإنسانيته هو من استعصى فهمه على الغزاة وأجهزة استخباراتهم ومراكز أبحاثهم ودراساتهم، هو الإنسان الناهض من عثرات الأزمنة، المنبعث من قيم حضارية يمنية وتأريخ حافل بالمآثر والبطولات أشدّ عزماً ومُضاءً، وقدرة على الانتصار لقضيته اليوم، مهما غلت التضحيات ومهما كان الثمن.

هو الإنسان المتطلع لحياة حرة كريمة، ووطن موحد مستقل القرار والإرادة، فهل يستكثر على اليمنيين أن يتحرروا من الوصاية الأجنبية، ويديروا شؤونهم بأنفسهم؟

فـي ملحمة الصمود اليمنية أمام أشرس عدوان وحصار تعرض له قطر عربي أو إسلامي من قبل، ترتسم ملامح هذا الصمود العظيم (السياسية، والعسكرية، والأمنية، والإعلامية، والاقتصادية، والثقافية). وفـي معركة الوعي بطبيعة التحديات التي فرضها العدوان على حياة اليمنيين لأكثر من 1000 يوم، استطاع اليمنيون فرض إيقاعهم على المعركة بمعناها الشامل، وفشل تحالف العدوان السعودي الأمريكي المتفوق عدةً وعتاداً فـي هز ثقة اليمنيين بأنفسهم، وبعدالة قضيتهم فـي مواجهته وفضحه ولإفشال مراميه وأهدافه، وبموقفهم الأخلاقي وشجاعتهم ونبلهم فـي إدارة المواجهة بكل شموخ وإباء خسر العدوان على الصعيد السياسي والأخلاقي كما خسر على الصعيد العسكري والاستراتيجي.

فـي معركة تحرير الوعي تستمر المواجهة مع العدوان وأدواته المضللة، كما مع موروث التزييف والتدجين للعقول الذي ظل طيلة عقود من الزمن فـي الداخل اليمني قرين سياسات السلطات المتعاقبة على الحكم والتي أفضت إلى تجويف الهوية اليمنية الوطنية وتكريس التبعية الشاملة للخارج، وهذه أدت من بين عوامل كثيرة إلى إضعاف اليمن وتجرؤ الحكم السعودي على العدوان على اليمن، ومحاولة مصادرة حريته ومستقبله.

لكسب معركة الوعي بطبيعة التحديات والمخاطر التي تتهدد اليمن والمنطقة أدواتها ووسائلها، ومن بين هذه الوسائل الكلمة بمضمونها العلمي والمعرفـي الذي يتغيّا الحقيقة والموضوعية للوصول إلى عقل القارئ والارتقاء بتفكيره ووعيه من منطلق الاحترام لذاته وليس استتباعها ديماغوجياً أوأيديولوجياً.

 مجلة (مقاربات سياسية) اختطت لنفسها منهجاً علمياً يحترم الحقيقة ويحترم عقل المتلقي والقارئ، كما يحاول توسيع الاهتمام حول القضايا المتعلقة بالشأن الوطني ومعظمها ذو صلة بالعدوان وأبعاده السياسية والاقتصادية والإنسانية إلخ... كما اهتمت بقضايا ثقافية وفكرية أخرى.

مع اعتذارنا الواجب في هيئة التحرير لمتابعينا وقرائنا الكرام عن تأخر هذا الاصدار، لكننا قد نجد بعض العذر لديهم في ظل حرصنا على استمرار هذا النتاج الفكري والعلمي بالرغم من كل الظروف الاستثنائية التي نمر بها في وطننا الغالي،, ناهيك عن الوقت الذي يستلزمه حرصنا على جودة مواد المجلة من بحث وتدقيق وانتخاب نوعي لمحتوياتها, وما يتطلبه ذلك أيضا من عملية مراجعة وتحرير بأقصى معايير الجودة العلمية الممكنة. وها نحن فـي العدد الثالث نواصل ما بدأناه فـي العددين السابقين.

فـي المحور الاقتصادي، يقدم الدكتور حسين عبد الله مقبولي (نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية) دراسة اقتصادية حول الممكن والمتاح لتنويع موارد الاقتصادي اليمني فـي هذه اللحظة التي يكابدها اليمنيون فـي ظل العدوان والحصار، بما يفتح آفاق الاستفادة من الموارد المتاحة، ويضع الدولة ورجال الأعمال والمستثمرين أمام مسؤولية وطنية ضرورية ومجدية فـي آن.

فـي السياق الاقتصادي ذاته يستقرئ الباحث الاقتصادي الأستاذ نبيل محمد الطيري الآثار الاقتصادية والمعيشية المترتبة على العدوان السعودي فـي اليمن خلال الفترة من (2015م - 2017م) حيث يستعرض فيها بالأرقام والإحصائيات تلك الآثار الإجرامية للعدوان، ويقترح السياسات والإجراءات العاجلة وطويلة الأمد للمعالجة.

ومن منظور اقتصادي أوسع يعالج الباحث إبراهيم محمد المؤيد "تحديات الاقتصاد اليمني"، وذلك في إطار المعطيات الراهنة للقضية الاقتصادية المؤرقة للدولة وللشعب اليمني فـي ظل العدوان والحصار، وما أسفر عنه من آثار إنسانية ومعاناة شملت معظم أبناء اليمن.

في محور آخر من المجلة، يستأثر العدوان السعودي الأمريكي الإماراتي التحالفي على اليمن بعدد من القراءات والدراسات المتنوعة؛ إذ يتناول الباحث اللبناني الدكتور نسيب حطيط موضوع العدوان على اليمن في سياق العدوان على محور المقاومة، حيث يعرض الباحث قراءته لمسار الصراع العربي الصهيو أمريكي ودور محور المقاومة فـي هزيمة المشروع الأمريكي الصهيوني الداعشي فـي المنطقة.

الدكتور سامي السياغي بدوره يقدم قراءة تحليلية متعمقة لفرص بناء السلام فـي اليمن من خلال تسليطه الضوء على معطيات السياسة والحرب فـي اليمن وفقاً لمفهومي الواقعية وتوازن القوى.

يحاول الدكتور اسماعيل المحاقري تسليط الضوء تحليلياً على مسألة تغول النظام الرأسمالي الليبرالي وأزمة الحقوق والحريات، متناولاً العديد من الأبعاد والمؤشرات التي تتعلق بتلك المسألة على أكثر من صعيد.

بدوره يقارب الناشط السياسي والإعلامي الأستاذ أحمد الحبيشي طبيعة الأهداف العدوانية المتباينة لدولتي السعودية والإمارات فـي اليمن من خلال ما يصفه بـ"دورة حلزونية متوحشة" للعدوان السعودي الإماراتي على اليمن، حيث يوضح الكاتب في قراءته طبيعة عدوانهما على اليمن وخلفياته، وفـي إطار الدور الوظيفـي الذي يلعبانه لصالح أمريكا والغرب.

الباحث الدكتور حسين محمد مطهر يسلط الضوء على أهمية مضيق باب المندب قديماً وحديثاً، ويوضح أبعاد الأطماع الاستعمارية الأوربية والأمريكية القديمة - الجديدة فـي المضيق الحيوي والسيطرة عليه.

موقفا روسيا والصين من العدوان على اليمن مقارنة بموقفهما من الأزمة السورية كان موضوع قراءة للكاتب أنس القاضي، يوضح من خلالها أبعاد تلك المواقف وارتباطها بمصالح الدولتين وتوجهاتهما.

المجلة احتوت على مواضيع أخرى ذات صلة بما سبق عرضه، نأمل أن تحقق الفائدة المرجوة، كما نأمل أن تكون الجهود المبذولة فـي هذا العدد وما سبقه صلة وصل مع الإخوة الباحثين والأكاديميين لرفد المجلة بنتاجاتهم، خدمة للحقيقة والمعرفة والعلم ولليمن المنشود.

بقلم: محمد يحيى المنصور

[email protected]