"حسنا لقد جعلت من أمريكا دولة عنصرية مجدداً"

كانت عبارة الرئيس ترامب هي "جعل أمريكا قوية مجدداً"، ولكن يبدو أن ما يعمل عليه ترامب هو العكس، فمنذ دخوله البيت الأبيض قبل حوالي أربعة أعوام وهو يقود الولايات المتحدة نحو الهاوية كما قال الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي مؤخراً وتنبأ به السيد حسن نصر الله يومها.

كان ترامب يخطط لجلب أكبر عدد من الوظائف وعقد ما أمكن من الصفقات التي ضمنها كتابه "فن الصفقة" وتكررت في استراتيجياته نحو المنطقة العربية والقضية الفلسطينية مستخدماً مصطلح الصفقة (صفقة القرن)، لكن ربما أتت السفن بما لا يشتهي ساكن البيت الأبيض، فرغم تبجحه بجلب مئات المليارات من الدولارات من السعودية والخليج وتوفير مئات الآلاف من الوظائف للأمريكيين إلا أن جائحة كورونا جرفت أكثر من عشرين مليون وظيفة خلال شهر واحد!!!، وفيما يستمر ترامب في سياسة فرض العقوبات على الخصوم والحلفاء؛ تظهر انعكاساتها بشكل متصاعد في الداخل الأمريكي خاصة في الولايات الزراعية التي تأثرت مباشرة بتلك العقوبات، انتهاءً بفشله في حربه التجارية مع الصين التي شكلت أكبر تهديد للولايات المتحدة على أكثر من صعيد.

منذ انطلاق حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كنج حصل السود على بعض الحقوق المدنية إلا أن "حلم" كينج لا يعدو اليوم الأمل في أن "يتنفس" الرجل الأسود، والسبب هو غياب أبسط قواعد العدالة الاجتماعية فالسود يمثلون 13% من سكان الولايات المتحدة إلا أنهم يمثلون 40% من مرتادي السجون، ويمثلون 20% من مصابي كورونا في ولاية مينيسوتا بينما لا يمثلون إلا 7% من سكان تلك الولاية!!!

يصر ترامب على انتهاج الديكتاتورية كأي رئيس لدولة من دول العالم الثالث ويقف إلى جانب الشرطة وقوات الأمن المتهمة بانتهاك حقوق الإنسان واستخدام العنف والقوة المفرطة، يعلم ترامب أن معظم المصوتين له هم من المسيحيين البيض المتطرفين الذي يريدون أمريكا "دولة مسيحية بيضاء" وقد استغل ذلك حين استعرض الإنجيل ملوحاً به أمام كنيسة القديس يوحنا في واشنطن ليقول لهم أنا لا زلت مرشحكم وعليكم أن تستمروا في عنصريتكم.

توقع الجميع أن يخرج الرئيس بخطاب موحد وموجه للأمة كسابقيه من الرؤساء الذين ألقوا خطابات تاريخية في أزمات وكوارث حلت بالشعب الأمريكي ولكن ترامب لم يفعل ذلك بل أصر على استخدام عبارات التهديد بالقوة والرصاص ووصف المحتجين بالبلطجية والإرهابيين الداخليين وهذا ما يقوم به أي ديكتاتور في العالم الثالث، ربما اعتماداً على فلسفة مستشاره السابق للأمن القومي ستيف بانون الذي يعتقد أن حظوظ ترامب في الفوز مرة أخرى بالانتخابات تتصاعد طالما بقيت هناك انقسامات حول القضايا الثقافية والاجتماعية.

تمثل قوات الشرطة الأمريكية المؤسسة التي لا زالت تمارس العنصرية وتقف في وجه الحقوق التي انتزعها السود قبل نصف قرن من الزمان، فسجل الاعتقالات البيضاء للسود حافل بمئات وربما آلاف الحوادث العنيفة والقتل والاعتداءات الجسدية والنفسية للسود، رغم أن كثير من تلك الحوادث ترفع للمحاكم إلا أن قرار تبرئة الشرطي الأبيض أصبح متوقعاً في كل حادثة. وبعد انتشار كاميرات الهواتف المحمولة أصبحت المشاهد أكثر وضوحاً وأسرع انتشاراً، ورغم التظاهرات والاحتجاجات لم تقم الشرطة بتوجيه تهمة القتل للشرطي الأبيض وزملائه من الدرجة الأولى بل اكتفت بتوجيه التهمة بالقتل من الدرجة الثانية!!!

منظمة العفو الدولية قاربت الأسباب حين أكدت أن قوات الشرطة الأمريكية تتلقى التدريب على أيدي القوات الصهيونية المتمرسة في فن القمع والاعتقال وانتهاك حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة وهو الأمر الذي كشفته صحيفة ذي انترسبت في العام 2017 أن الشرطية الأمريكية تتلقى التدريب على أيدي وحدات التعذيب الصهيونية، ما يؤكد أن أمريكا والكيان الصهيوني وجهان لعملة واحدة هي العنصرية والوحشية.

مع انتشار كورونا وفشل النظام الصحي الأمريكي في مواجهة الوباء لاعتماد النظام الأمريكي على الفلسفة الرأسمالية والنزعة الفردية الغالبة على مصلحة المجتمع، إضافة إلى توسع دائرة الاحتجاجات وتلمس مكامن الخلل؛ برزت الدعوات لضرورة إحياء "اليسار الأمريكي" لمواجهة اليمين المتطرف الذي يغذيه ترامب ويعمل على توظيفه في سياساته وترتيباته الانتخابية، غير آبه بالانقسامات التي يحدثها في النسيج المجتمعي للبلاد.

الفشل في النظام الصحي الأمريكي بعد انتشار فيروس كورونا وطبيعة تصرفات الولايات المتحدة كدولة عظمى، ووقوفها عاجزة أمام مواجهة وباء محتمل لا تملك استراتيجية لمواجهته، تلك العوامل ضربت هيبة الدولة العظمى التي سخرت أجهزتها الاستخبارية لسرقة الأقنعة من مطارات العالم، وانكفأت على ذاتها وتخلت عن دورها القيادي والإنساني أقله تجاه حلفائها شرق الأطلسي.

خلال هذه الأزمة الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي نجمت عن وباء كورونا جاءت حادثة مقتل الرجل الأسود لتشعل احتجاجات سلمية مطالبة بالعدالة والمساواة ونبذ العنصرية في أقسام الشرطة ومؤسسات الدولة، واجهتها الشرطة وقوات الحرس الوطني بالقمع والعنف والقوة المفرطة وسقط البعض قتلى وجرحى، وتم تسجيل أكثر من عشرة آلاف محتجز خلال أسبوع واحد، أصبحت مشاهد الدهس بالسيارات والدفع العنيف للمتظاهرين الذي يسقطون أرضاً والقسوة أثناء الاعتقال والضرب واستخدام الكلاب البوليسية لاعتقال المتظاهرين كل ذلك قدم صورة للولايات المتحدة بعيدة عن الشعارات التي تنادي بها من الحرية والمساواة والعدالة واحترام حقوق الإنسان.

جائحتان (كورونا والعنصرية) ضربتا هيبة ومكانة الولايات المتحدة التي طالما صنعت صورتها الديمقراطية عبر الإعلام وأفلام هوليود لتظهر حقيقتها العنصرية البشعة المنتهكة لحقوق الإنسان في الداخل وعلى مستوى بلدان العالم.

وعلى قاعدة مصائب قوم عند قوم فوائد تراقب عدد من الدول المتضررة من سياسات واشنطن الأحداث وتوظف النتائج لصالحها فإيران استغلت الضعف الذي لمسته في هيبة ومكانة الولايات المتحدة لتكسر الحظر وترسل سفنها إلى فنزويلا، وعلى إثرها تقوم الصين وروسيا بخطوات لكسر العقوبات الأمريكية غير القانونية، في الجانب الآخر الدول الحليفة للولايات المتحدة رفعت أصواتها في انتقاد تصرفات واشنطن وترامب القمعية للمتظاهرين السلميين وتقاعسها عن تحقيق العدالة لفلويد.

مؤشرات ضعف وتراجع قوة ومكانة الولايات المتحدة برزت في رفض أنجيلا ميركل لدعوة ترامب لانعقاد مؤتمر الدول السبع، وكذلك رفض بريطانيا وكندا مقترح ترامب لعودة روسيا للمجموعة، فبعد أن كانت واشنطن تملي ما تشاء على حلفائها ها هي اليوم تواجه بالرفض والتجاهل، وهذه وإن كانت قضايا غير جوهرية إلا أن خطورتها تكمن في المؤشرات التي تحملها لمستقبل الولايات المتحدة بعد "كورونا" و"العنصرية".  

توسعت الاحتجاجات لتشمل البيض والسود وتعم أكثر من 140 مدينة أمريكية رغم فرض حظر التجول في بعضها لتضع مؤشراً على رفض المواطن الأمريكي لمنظومة الحكم برمتها وسياساتها التي دفعت أكثر من أربعين مليون من العاملين إلى طابور البطالة وتلقي المعونات والغذاء، يتساءل الإعلام كما المواطن عن الحريات التي يفتقدونها في الواقع والحقوق التي يتشدقون بها أمام الأمم والشعوب الأخرى بينما يرددون عبارة "لا أستطيع أن اتنفس"!

لم تقف دائرة التأييد لمظاهرات مينيابوليس في الداخل الأمريكي بل انتشرت في بلدان أوروبا وكندا وأستراليا والأرجنتين والمكسيك لتقول للعالم أن سياسات واشنطن الخارجية أيضاً تنتهك حقوق الإنسان وأن شعوب العالم تعاني مما يعاني منه المواطن الأمريكي في الداخل.  

السؤال هو هل ما يجري من تفكك للمجتمع الأمريكي والانقسامات التي يعمل عليها ترامب ستمر دون تدخل لوقفها؟

أثارت الانقسامات التي تسببت بها تصرفات ترامب حيال الأزمة الحالية مخاوف العديد من النخب الأمريكية فقد وصف جيمس ماتيس وزير الدفاع السابق أن ترامب يقود البلاد نحو الانقسام ووصفته الواشنطن بوست بأنه لا إنساني أكثر مما توقعت، فهل تتدخل الدولة العميقة لإنقاذ البلد وترميم الانكسارات أم أصابها الانقسام هي الأخرى؟

توصف الدولة العميقة في الولايات المتحدة بأنها الحكومة الحقيقية وراسمة السياسيات للرؤساء الذين يمثلون فقط مدراء تنفيذيين تبقي عليهم أو تعزلهم وأحياناً تتخلص منهم جسدياً إذا لزم الأمر.

استطاع ترامب أن يتخلص من محاولات الديمقراطيين لعزله وتجاوز الكثير من الصعوبات القانونية الكفيلة بعزله ولكن هل يصمد أمام هذا الوضع ويقفز نحو الخارج لافتعال أزمة مع الصين، ويوظف التناقضات والانقسامات الداخلية لصالحه؟

عندما تشعر الدولة العميقة أن الرجل أصبح خطراً على الأمة ومصالحها أو أن البلد أصبح على حافة حرب أهلية جديدة فإنها لن تتوانى في التخلص من حقبته حفاظاً على الدولة واستمراراً لسياساتها الإمبريالية.