عقد "منتدى مقاربات" بمركز الدراسات الاستراتيجية والاستشارية اليمني لقاءه الثالث، عصر يوم الأربعاء الموافق 16-11-2016م، والذي خصصه لمناقشة أبعاد ومظاهر الأزمة المالية التي تواجه الاقتصاد اليمني جراء الحرب والحصار الاقتصادي ومنع الصادرات اليمنية عموما والصادرات النفطية والغازية على وجه الخصوص، ومنع تدفق إيرادات الموازنة العامة للدولة من العملة المحلية، وتدمير المنشآت والمشروعات الاقتصادية العامة والخاصة، ومنع وصول موارد النقد الأجنبي من القروض والمساعدات الخارجية، ووضع العوائق أمام تحويلات المغتربين من الخارج.

هذا وقد شارك في هذا اللقاء من "منتدى مقاربات" الخبير المالي والاقتصادي الأستاذ/ أحمد محمد حجر كمتحدث رئيسي، والدكتور/ إبراهيم محمد المؤيد نائب مدير شركة النفط اليمنية، والأستاذ/ عادل الكبسي رئيس قطاع كاك بنك الإسلامي، والأستاذ/ محمد البابلي رئيس اتحاد نقابات موظفي الجهاز الإداري للدولة، كما حضر أيضاً اللواء/ مجاهد القهالي رئيس اللجنة السياسية الاستشارية للمجلس السياسي الأعلى، ومن جانب مركز الدراسات الاستراتيجية كل من الأستاذ/ عبد الملك العجري رئيس المركز والأستاذ/ عبد السلام المحطوري رئيس دائرة الدراسات والبحوث بالمركز، والأستاذ/ ماجد سراج مسؤول وحدة الدراسات السياسية والاستراتيجية بالمركز، والأستاذ/عبد العزيز أبو طالب رئيس دائرة المعلومات والنشر بالمركز.

 

وقبل استعراض أسباب الأزمة الراهنة والرؤى والمعالجات المقترحة نشير بلمحة سريعة وعامة إلى طبيعة الاقتصاد اليمني؛ حيث يعد من الاقتصاديات الضعيفة من حيث هياكله الإنتاجية، ويعتمد بدرجة كبيرة في توفير احتياجاته الأساسية من الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج على الواردات من الخارج، ويواجه بسبب ذلك عجزاً مزمناً في موازينه مع العالم الخارجي، الميزان التجاري وميزان المدفوعات.

كما يعتمد الاقتصاد اليمني بدرجة كبيرة على النفط والغاز سواءً في ناتجه المحلي الإجمالي أو في توفير موارد البلد من النقد الأجنبي، وكذا في الأهمية التي تحتلها الصادرات من النفط والغاز من إجمالي صادرات البلد إلى الخارج، وبالنسبة للموازنة العامة للدولة تصدرت عائدات النفط والغاز النسبة الأكبر من مواردها خلال العقود الماضية، حيث تراوحت ما بين 40-60% من إجمالي الموارد. ورغم ذلك تواجه الموازنة العامة على الدوام عجزاً سنوياً مزمناً، ومثقلة بفاتورة المرتبات والأجور وكذا بالمبالغ السنوية الكبيرة التي تدفع من الموازنة لسداد فوائد وأعباء الدين العام الداخلي والخارجي المتراكم والمرحل أغلبه على البلد منذ سنوات بل وعقود مضت، واجهت به الحكومات السابقة العجز في موازناتها السنوية. ورغم أن اليمن كان قد شرع في برنامج إصلاح اقتصادي منذ العام 1995م مع شركائه الدوليين وعقدت له العديد من مؤتمرات المانحين، حقق معها اليمن نجاحات نسبية في استقرار بعض المؤشرات المالية والنقدية والاقتصادية، إلا أنه أخفق في تغيير واقع الاقتصاد اليمني وتحسين مستوى معيشة المواطنين، إذ غلب على البرنامج طابع الانتقائية في تنفيذ الإصلاحات واعتمد بدرجة أساسية على الإصلاحات السعرية .

وفيما يلي مظاهر وأسباب الأزمة المالية ثم الرؤى والحلول المقترحة.

أولاً: من مظاهر وأسباب الأزمة المالية

العجز الكبير الذي حققته الموازنة العامة للدولة خلال 2015م والأشهر الماضية من عام 2016م، والذي بلغ مستويات قياسية هدد الاستقرار المالي والنقدي للبلد بدءاً بالقطاع الحكومي(مالية الدولة والبنك المركزي)، ولجوء الدولة خلال أشهر الحرب الماضية إلى تغطية ما يقارب الـ 70% من نفقاتها من خلال التمويل بالعجز، حتى تتمكن من الوفاء بـ (المرتبات والحد الأدنى من النفقات التشغيلية للجهاز الإداري للدولة لكافة محافظات الجمهورية اليمنية) وبسبب تقطع الإيرادات فقد تم مواجهة نفقات الموازنة العامة للدولة من خلال السحب على المكشوف من البنك المركزي(في صورة دين على الحكومة) ما أدى إلى استنفاذ مخزون النقد لدى البنك المركزي من العملة المحلية، مع تعثر عملية طباعة عملة جديدة، وأدى هذا الوضع مع مرور الوقت إلى أن فقد البنك المركزي القدرة على التدخل والتحكم في العرض النقدي.

 كما كان لعجز الموازنة أيضاً دوره في مفاقمة أزمة السيولة التي واجهها قطاع البنوك التجارية ولإسلامية، والذي ساهم بدوره القطاع في تمويل عجز الموازنة العامة 2015م بما يقارب 16% تقريباً عبر أذون الخزانة، ليس ذلك فحسب بل امتدت أزمة السيولة في البنك المركزي ونفاذ مخزون النقد لديه، لتحد من قدرة البنوك على تسييل أذون الخزانة لمواجهة الأزمة التي تمر بها. مع العلم أن حوالي 74% من استثمارات القطاع البنكي كانت في أذون خزانة والتي مولت بها الحكومة عجز موازنة 2015م.

أزمة السيولة في البنوك التجارية والإسلامية كان من أسبابها إحجام التجار عن إيداع أموالهم في البنوك كما هو المعتاد، والاحتفاظ بها في خزائنهم الخاصة بسبب القيود التي فرضها تحالف العدوان على البنوك، ونتج عنها عدم القدرة على فتح الاعتمادات المستندية للتجار المستوردين الذين اعتمدوا على الصرافين بدلاً عن البنوك، مما جعل جزء كبير من السيولة المالية بالعملة المحلية تقع خارج البنوك التجارية والإسلامية، حيث حلّ عدد من الصرافين المرتبط بعضهم بالتحالف محل البنوك في القيام بمهامها.

تهافت البنوك على شراء الدولار الأمريكي والريال السعودي بداية العدوان مما راكم موجوداتها من العملات الأجنبية (دولار وريال سعودي)، وخلق لديها أزمة سيولة بالريال اليمني.

سحب وتهريب الريال اليمني إلى خارج اليمن، وضعف الرقابة على قطاع الصرافة من قبل الأجهزة المختصة.

احتجاز إيرادات الموازنة العامة من الضرائب والجمارك في المحافظات الجنوبية والشرقية والامتناع عن توريدها للبنك المركزي في العاصمة.

احتجاز إيرادات مبيعات النفط والغاز في محافظة مأرب لدى حزب الإصلاح.

عدم تحصيل موارد الموازنة العامة للدولة من الرسوم والضرائب وفق الأوعية القانونية النافذة.

استمرار ظاهرتي التهرب الضريبي والتهريب الجمركي، وغياب التنسيق الفاعل بين الجهات الإيرادية والجهات الأمنية في مناطق الحزام الأمني، وتواضع عمل لجان الرقابة الجمركية.

تحويل الواردات من السلع والبضائع بعيداً عن ميناء الحديدة بعد استهدافه من قبل تحالف العدوان، بغرض تحويل موارد الموازنة من الضرائب والجمارك إلى المحافظات الجنوبية والشرقية والتي يسيطر عليها الاحتلال السعودي الإماراتي مع ما يسمى بالمقاومة والحراك والجماعات المتطرفة.

استهداف تحالف العدوان للمطارات والموانئ وشبكة الطرقات، وتدمير منشآت ومشاريع القطاعين العام والخاص، وعدم انتظام وصول المشتقات النفطية للقطاعات الإنتاجية والخدمية، كل ذلك أثر سلباً على النشاط الاقتصادي العام للبلد، ومن ثم انعكس سلباً على إيرادات الموازنة العامة للدولة من الرسوم والضرائب وساهم في تفاقم الأزمة المالية وأزمة السيولة لدى قطاع البنوك.

تساهل قيادة البنك المركزي في إنجاز طباعة عملة جديدة منذ ظهور البوادر الأولى للأزمة، بعيداً عن هادي وفريقه في الرياض.

فتح الباب على مصراعيه أمام الواردات من الخارج وإغراق البلد بالبضائع السعودية والإماراتية والصينية وغيرها، والتي لا حاجة ولا قيمة لها سوى استنزاف عملات وموارد البلاد بالعملة المحلية والأجنبية.

عدم إيلاء الوضع المالي والنقدي والاقتصادي المتدهور بطبيعته ما يلزم من الاهتمام خلال فترة العدوان، وعدم تدارك الكثير من المشاكل والتحديات البارزة والتي كان في مقدمها تراجع إيرادات الموازنة العامة للدولة، وارتفاع عجز الموازنة العامة إلى نسب ومعدلات كبيرة جداً، كان لها تداعياتها الخطيرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وقبل ذلك المالي والنقدي، دون أن يُلتفت إليها وإلى نتائجها الكارثية من قبل الجهات المختصة بحزمة معالجات وإصلاحات اقتصادية ومالية ونقدية وإدارية، باستثناء ما يتعلق بتقليص النفقات من معظم أبواب الموازنة العامة للدولة والتي تعد الأسهل من بين الإجراءات المطلوبة.

تراخي أجهزة ومؤسسات الدولة عن القيام بواجباتها خلال الأشهر المنصرمة من الحرب، وفي مقدمتها وزارة المالية ومصالحها الإيرادية وبقية الجهات الإيرادية في النفط والاتصالات وغيرها، وكذا البنك المركزي اليمني الذي نجح في جوانب وأخفق في جوانب أخرى، وقبل ذلك مجلس القائمين بأعمال الوزراء الذي أخفق في حماية الاقتصاد الوطني حتى بالحد الأدنى من الإجراءات الحمائية التي تقوم بها الحكومات في أوقات الحروب والأزمات الاقتصادية.

ثانيا: الرؤية والمعالجات

توفر إرادة سياسية وإجماع وطني لدى القوى السياسية المناهضة للعدوان بأهمية وحتمية إنجاز برنامج إصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية ونقدية غير قابل للتأجيل ينقذ الاقتصاد اليمني، ويتدارك ما تبقى من أوضاع، ويتجاوز الاختلالات والتحديات القائمة (اقتصادية ومالية ونقدية وإدارية) وبما يكفل وقف وتثبيت حالة التدهور المتسارعة.

الإسراع في تشكيل حكومة خبراء، أو إذا اضطر الأمر تشكيل (حكومة مصغرة) توكل إليها مهمة إدارة الشأن الاقتصادي بدرجة أساسية، باعتبار ذلك أولوية لا تحتمل التأخير أو التأجيل لأي اعتبارات كانت، سواءً داخلية أو خارجية، لارتباط الشأن الاقتصادي بحياة المواطنين، وببقاء الدولة وقيامها بوظائفها الأساسية ولمواجهة العدوان والحرب الاقتصادية التي تشن على اليمن.

 تتولى الحكومة المشار إليها وضع رؤية وبرنامج إصلاح اقتصادي ومالي ونقدي وإداري عاجل، يوقف حالة التدهور القائمة، وتتولى مهامها بدعم وإشراف من المجلس السياسي الأعلى، وبالعمل مع مجلس النواب الذي تحتاج إليه لإقرار سياساتها وتشريعاتها القانونية اللازمة لإنفاذ مهامها والإصلاحات التي تتبناها.

معالجة حالة الفراغ القائم في قيادة البنك المركزي لتتمكن من العمل بفاعلية في إدارة وتنفيذ السياسات النقدية والإشراف على قطاع البنوك والمصارف، وإعادة الثقة في هذا القطاع المهم والحيوي للاقتصاد الوطني، والإسهام الفاعل في جهود عملية إصلاح قادمة، وتلافي التشوهات التي حدثت خلال الفترة الماضية في مهام قطاع الصرافة.

خلق وعي وشراكة مجتمعية تدعم أي عملية إصلاح قادمة تتشارك فيها الدولة والمجتمع.

دراسة كافة المشاريع والإصلاحات المقدمة من جميع الأطراف الرسمية والأكاديمية والنقابية والتي قدمت لحكومة القائمين بالأعمال أو المقدمة للمجلس السياسي الأعلى، والخروج من ذلك ببرنامج إصلاحات قصير ومتوسط وطويل المدى، آخذاً بعين الاعتبار كافة المتغيرات المحلية والخارجية.

اتخاذ إجراءات حمائية عاجلة توقف حالة الاستنزاف القائمة للنقد الأجنبي التي تنفق على استيراد السلع والبضائع غير الضرورية والتي أغرقت السوق المحلي.

إعداد موازنة نقد أجنبي وموازنة سلعية تتحدد على ضوئها الحاجات الضرورية التي ينبغي أن يقتصر عليها الاستيراد من الخارج، حتى لا تستنزف موارد البلاد من النقد الأجنبي وتصل الأوضاع إلى مرحلة عدم القدرة على استيراد المتطلبات الضرورية لا سمح الله.

عدم التردد في طلب الدعم المالي (قروض ومساعدات وتسهيلات ائتمانية) من الأشقاء والأصدقاء، وطلب تقديم تسهيلات للقطاع التجاري بضمانة الدولة ليتمكن من استيراد متطلبات واحتياجات البلاد الأساسية.

إيقاف عمليات إحراق وإتلاف البضائع المهربة التي يتم مصادرتها، والاستفادة من قيمتها لصالح الموازنة العامة للدولة وفي مقدمتها السجائر، حيث يشكل ذلك هدراً للأموال لا مبرر له خاصة في ظل الظروف المالية الصعبة التي تمر بها البلاد، وأن يتم مراجعة وإلغاء النص القانوني المتعلق بالإتلاف للمهربات على أن يكتفى بعقوبة المصادرة والتغريم.

انتهى،،،