بسم الله الرحمن الرحيم

  • تمهيد :

حين نتحدث عن مشروع الشهيد حسين بدر الدين الحوثي، فإنما نتحدث عن الرؤى النظرية والبرامج العملية التي أفضت إلى استنهاض الزيدية وقيام الحركة الحوثية المعروفة اليوم بـ "أنصار الله". وهو ما يعني ضرورة تسليط الضوء على الأفكار المؤسسة للحركة، وتتبع المسار الذي يشرح كيف انتقلت من مستوى النظر إلى إطار العمل.

وبدهي القول إن السيد الحوثي وقد انخرط قبلاً في التجربة الحزبية والنيابية، لم يكن يطمع ويعمل على بناء جماعة ذات تنظيم تقليدي، الأمر الذي دفعه لاستخدام خطاب تعبوي يبني أمة (مجاهدة)إذا جاز التعبير، يمكن أن تتخلق في صعدة ومحيطها لتشمل اليمن أو مناطق التأثير الزيدي بشكل عام.

ربما يقول البعض أن أنصار الله ليست حركة مذهبية، وأنها تيار شعبي أوسع من أن تحصر في المذهب الزيدي، وأن السيد حسين وقد أعاد الاعتبار للمرجعية القرآنية، قدم أو أراد أن يقدم مشروعاً عابراً لحدود المذاهب التقليدية، وهذا صحيح في جوانب، لكن انحيازاً للموضوعية العلمية، ومن خلال تفحص دروس ومحاضرات السيد الحوثي، فإننا نلحظ وبوضوح أن الزيدية شكلت حجر الأساس في خطاب وحركة أنصار الله؛ بل إن السيد الحوثي خاطب الزيدية بمفهومها المذهبي والاجتماعي معاً، وتعمد استنهاضها من خلال تبيان حالة الاستضعاف التي تعيشها الزيدية بمختلف صور تجلياتها الدينية والسياسية والاجتماعية.

يقول الحوثي: "الزيدية هم الطائفة الذين يجب أن يكونوا أول من يحمل الاهتمام بأمر الإسلام، الاهتمام بأمر المسلمين، الاهتمام بالعمل لأجل إعلاء كلمة الله[1]. وفي مقام آخر يحفز السيد حسين الرعيل الأول من أنصاره- وكلهم زيود- فيقول: أنا أرى وأعتقد أن الزيود وإن كانوا قليلاً، إذا اتحدت كلمتهم، وإذا بنوا أنفسهم، وإذا وعوا يجب أن يكونوا أوعى أمة[2].

ثم وقد هيأ أنصاره لاتخاذ موقف عملي نراه يقول جازماً: "إن الزيود وهم من يعتقدون أنهم الطائفة المحقة، يجب أن يرتقي وعيهم إلى أعلى مستوى بحيث تكون من أقدر الطوائف على مواجهة (اليهود)[3].

ومن المهم الإشارة إلى أن لفظ الزيود يقصد به في العادة المكون الاجتماعي للزيدية، وقد ارتبط جغرافياً بمناطق شمال الشمال باليمن، الذين يعرفون بـالزيود، بغض النظر عن المذهب الذي يعتنقونه، فهذه المناطق ليست زيدية خالصة، وقد انتشرت فيها المذاهب الأخرى بفعل انفتاح اليمن على الخارج بعد ثورة سبتمبر 1962. وإذا كانت الزيدية تعبر عن الفقه والمذهب التقليدي، فإن الزيود هم الحامل الاجتماعي لهذا الفكر، وإلى جوار أئمة وعلماء الزيدية كانت القبيلة ولا تزال الدعامة الرئيسة للزيدية في الماضي والحاضر.

لقد كان السيد الحوثي مدركاً لأهمية الزيدية والزيود معاً، وهو يبني جماعة لا يكفي أن تكون مسلحة بالوعي وبالمشروع النظري، بل عليها أن تكون جاهزة للمواجهة المسلحة إن لزم الأمر. وعليه يمكن القول إن الحوثية مثلت استنهاضاً للزيدية والزيود، والانتقال بها من حالة يغلب عليها الهوان والاستضعاف، إلى حالة تعبوية في مواجهة الاستكبار العالمي ( أمريكا واسرائيل )، ولا شك أن من سيقتنع وينخرط في مشروع المواجهة الأكبر لن يكون عاجزاً عن مواجهة ما هو دونه.

على أن التعبئة قامت في الأصل على التوعية والتثقيف، ثم بالتعبير عن المشروع الجديد من خلال "الشعار" و "الصرخة"، وترديدها في أهم معاقل الزيدية تاريخياً: جامع الإمام الهادي بصعدة، والجامع الكبير بصنعاء. ولم تنخرط الحركة الحوثية في العمل المسلح، إلا حين اضطرت للدفاع عن نفسها وعن قائدها مع اندلاع الحرب الأولى على صعدة عام 2004.

في ظل هذه الحرب نحت الإعلام المعادي مصطلح "الحوثية" للتعريض بالجماعة التي وصفت بالمتمردة على الدولة، كما تسلل مصطلح الحوثيين إلى الإعلام الخارجي، الذي استخدم هذا التوصيف نسبة لمؤسس الجماعة السيد حسين الحوثي، على غرار كثير من الحركات الإسلامية، كالسنوسية في ليبيا، والمهدية في السودان. ولم يكن في هذه التسمية استهدافاً للسيد وأنصاره، إلا حين وظفها الإعلام المعادي كتهمة تلاحق كل (زيدي) أو (هاشمي).

نتيجة لكل ما سبق نستطيع القول إن الحوثية شكلت منعطفاً مهماً في التاريخ الحركي للزيدية باليمن، تشابه إلى حد كبير حالة الانطلاقة الأولى للزيدية الهادوية[4].

وإذا كان تخلق الزيدية الحوثية ناجم عن عوامل داخلية ومتداخلة، فإن الباحث سيقتصر على عرض ومناقشة العوامل الخارجية وسياق الأحداث الإقليمية والدولية التي دفعت الشهيد الحوثي لإطلاق الصرخة، والتحذير من الخطر الأمريكي ومن المشروع الصهيوأمريكي بشكل عام.

  • الصرخة في وجه الاستكبار:

حصرت تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وردة الفعل الأمريكية والغربية، الدول والمجتمعات الإسلامية في دائرة (الإرهاب). وفي جو من الترهيب حشدت أمريكا قواتها واحتلت أفغانستان ( معقل القاعدة وطالبان )، في ظل تضامن عالمي مع واشنطن، شجعها على المضي قدماً، واختلاق ذرائع مضافة قادت إلى احتلال العراق، والتلويح باتخاذ خطوات مماثلة ضد دول إسلامية وعربية، أدرجتها واشنطن فيما عرف بـ "محور الشر".

ظهرت أمريكا وقدمت نفسها بعد أحداث سبتمبر على أنها "المسؤولة الوحيدة عن مواجهة الإرهاب، وحددت جملة مبادئ وقواعد جديدة في العلاقات الدولية كان أبرزها إمكان إعلان حرب وقائية تشنها أمريكا في أي مكان في العالم ترى فيه تهديداً لأمنها، واستخدام كل الوسائل بما فيها التدخل العسكري وتغيير الأنظمة السياسية القائمة، واستحداث "قيم أخلاقية" تصنف الدول على أساس الخير والشر، وتكريس قاعدة: من ليس معنا فهو ضدنا"[5].

ولأن اليمن كانت واحدة من الدول المتهمة أمريكياً باحتضان ودعم الإرهاب، فقد سادت المخاوف في المجتمع اليمني جراء تداعيات الحرب الأمريكية، خاصة أن تنظيم القاعدة تبنى تفجير المدمرة الأمريكية إس إس كول قبالة السواحل اليمنية في 12 أكتوبر 2000م. وقد دفعت هذه المخاوف الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح إلى زيارة البيت الأبيض (8يونيو2004)، والتفاهم مع الإدارة الأمريكية بشأن مكافحة الإرهاب، ومشروع الشرق الأوسط الكبير.

واللافت أن حرب صعدة الأولى اندلعت بعد أيام على عودة صالح من واشنطن، وتحديداً في 18-يونيو 2004، ما جعل الكثير من المراقبين يفسرونها على أنها حرب أمريكية ضد جماعة تهتف بالموت لأمريكا وإسرائيل.

في ظل هذه الأجواء تخلقت الحركة الحوثية كـ " نزعة احتجاجية ممانعة للحرب الكونية الشاملة التي قادتها الولايات المتحدة عقب أحداث سبتمبر بحجة الإرهاب"[6]،

ومن أجل اتخاذ موقف علني من السياسة الأمريكية في العالم الإسلامي، دعا السيد الشهيد أنصاره في( 17-1-2002) إلى ترديد الصرخة: الله أكبر/ الموت لأمريكا/ الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود/ النصر للإسلام.

ولإقناع أنصاره بجدوى الصرخة، خاطب الحوثي السلطات وأجهزتها متسائلاً: "إذا كنتم لا تريدون من خلال ما تعرضون [في وسائل الإعلام] أن نصرخ في وجه أولئك الذين يصنعون بأبناء الإسلام ما تعرضونه أنتم علينا في وسائل إعلامكم، فإنكم إنما تخدمون اليهود والنصارى وتخدمون أمريكا وإسرائيل بما تعرضون لأنكم إنما تريدون حينئذٍ بما تعرضون أن تعززوا في نفوس أبناء الإسلام في نفوس المسلمين الهزيمة والإحباط والشعور باليأس والشعور بالضَّعَة" [7].

ثم يصوب أنظار أنصاره إلى البحار و مختلف بقاع الدنيا حيث (نرى اليهود والنصارى مقاتلين يحملون أسلحتهم، طائراتهم، دباباتهم، قواعدهم العسكرية برية وبحرية، فرقاً من الجنود من أمريكا ومن ألمانيا ومن فرنسا وأسبانيا وكندا ومختلف بلدان العالم الغربي هم من ينطلقون فاتحين ،هم من يتحركون ويحملون أسلحتهم في مختلف بقاع الدنيا) [8].

نتيجة لذلك وبوضوح لا لبس فيه، يطلب الحوثي من أتباعه وبشكل عملي: "ترديد الشعار بعد صلاة الجمعة، حتى نرضي الله سبحانه وتعالى عنا، و يعرف الأمريكيون أن هناك من يكرههم و يسخط عليهم" [9].

وبإعلان الشعار والصرخة تميزت الحركة الحوثية عن بقية المجاميع والتنظيمات الزيدية واليمنية بشكل عام، وغدا السيد حسن مرجعية فكرية وقائداً حركياً لجماعة تحاول تنظيم نفسها بمعزل عن ما هو سائد ومألوف محلياً. وتالياً سيغدو للحركة الحوثية مناشط جماهيرية تعبر عن القوة الشعبية الصاعدة، التي تؤمن وتستجيب لوحدة القيادة، حتى وإن لم يكن هناك ناظم فكري وسياسي متفق عليه، على النحو المعروف في الحركات أو الأحزاب السياسية.

  • الموقف من القضية الفلسطينية والعلاقة بإيران وحزب الله:

لا ينفصل موقف السيد الحوثي من أمريكا عن موقفه من إسرائيل، ورؤيته للقضية الفلسطينية، وهي الرؤية التي جعلته متفقاً ومنسجماً إلى حد كبير مع الإمام الخميني في إيران، ومع حزب الله في لبنان، الأمر الذي دفع خصوم الحركة الحوثية إلى اتهام اتباعها بالولاء لإيران.

وإذ يتغافل البعض عن الفروق المذهبية بين الزيدية والاثني عشرية ( أو الجعفرية- المذهب الرسمي في إيران)، فإن العمى الطائفي يقفز على جوهر القضية الفلسطينية، ويقدم محور المقاومة والممانعة في المنطقة العربية، كحالة مذهبية شيعية لا أكثر.

بيد أن السيد الحوثي لم يأبه لمثل هذه التحيزات، فقد انبرى مدافعا عن عدالة القضية الفلسطينية، ومصطفا مع القائلين بأن فلسطين هي قضية المسلمين جميعهم، وعلى رأسهم قائد ومرشد الثورة الإسلامية في إيران روح الله الخميني، الذي لا يخفي السيد الحوثي إعجابه بمواقفه المناهضة للاستكبار الأمريكي والإسرائيلي.

" الخميني رجل عظيم، مخلص، رجل هز الغرب فعلاً، أرعب أمريكا وأرعب اسرائيل ودول الاستكبار كلها، وبحكمته وشجاعته وبرؤيته الصحيحة جعل الأمة في مستوى المواجهة الحضارية لأعدائها، جعل الأمة قادرة على أن تقف على أقدامها مستقلة لا يهيمن عليها أحد من أعدائها".[10]

 كذلك لا يخفي الحوثي إعجابه بحزب الله وأمينه العام السيد حسن نصر الله، ودورهما في مقاومة إسرائيل وتحرير جنوب لبنان، وقد خاطب أنصاره الزيود أنهم لا يقلون عن إيران وحزب الله إن وعوا ونهضوا في مواجهة أمريكا وإسرائيل.

وإذ أشاد الحوثي بفكرة يوم القدس العالمي، ودعا إلى إحيائها في آخر جمعة من شهر رمضان الفضيل، استجابة لدعوة الإمام الخميني، فإن استجابة انصار الله لدعوة السيد الحوثي قد جعلت من اليمن على رأس الدول العربية والإسلامية الملتزمة بإحياء المناسبة، وخاصة في السنوات الأخيرة التي شهدت توسعا شعبيا لأنصار الله في معظم مناطق اليمن.

وهذا ما يجعلنا نؤكد مرة أخرى أن الزيدية الحوثية غدت حالة شعبية يختلط فيها النظر بالعمل، ويصعب معرفتها وتعريفها دون الأخذ في الاعتبار هذه المناشط التي عني بها السيد حسين ومن بعده السيد القائد عبد الملك الحوثي، ومنها إضافة إلى مناسبة يوم القدس: الغدير، عاشوراء، والمولد النبوي.

يبقى السؤال، ما هو موقف السيد الحوثي من القضية الفلسطينية، ولماذا يندرج هذا الموقف ضمن العوامل الرئيسة التي أدت إلى تخلق ونهضة الزيدية الحوثية؟

وللإجابة على سؤال كهذا يتعين الإشارة إلى محورية الدور الأمريكي في دعم الكيان الصهيوني، فمنذ الإعلان عن دولة اسرائيل 1948 م، وأمريكا تبارك هذا الكيان الغاصب، وتدعم عدوانها على الفلسطينيين وعلى الشعوب العربية على طول الخط في عدوان 1956 على مصر، وفي عدوان 1967، وحرب 1973، وفي غزو لبنان 1982، ..إلخ[11].

ونتيجة لهذا التحالف الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل على ضد من القضية الفلسطينية وحقوق الشعوب العربية، تنامت حالة السخط الشعبي عربياً ضد السياسة الأمريكية، في ظل تراجع مواقف الحكومات والهيئات الرسمية، التي انساقت وراء أوهام السلام وقدمت تنازلات متوالية في كامب ديفيد، وأوسلو، وصولاً إلى عرض مبادرة السلام العربية التي تبنتها قمة بيروت 27 مارس 2002 [12] ، فجاء الرد الصهيوني معرضاً ومطالباً بمزيد من التنازلات، بل ويجاهر حالياً برفض ( حل الدولتين )، الذي تعتبره السلطة الفلسطينية وقوى الاستسلام العربية، غاية ما يمكن التوصل إليه مع الكيان الصهيوني، وإن كان ينطوي على تنازلات مجحفة ويتعارض مع الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية.

أما السيد الحوثي، فإنه لا يرى حلاً إلا "بتحرير كل الأراضي الفلسطينية"، وهو بذلك يرفض أي حل يتضمن اعترافاً ضمنياً بإسرائيل، في تطابق مع مواقف الحركات المقاومة لإسرائيل بالمنطقة.

والملفت أن الحوثي حذر من الخداع الإسرائيلي بخصوص فكرة (حل الدولتين)، مستندا إلى القرآن الكريم، وتفسير قوله تعالى عن اليهود : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (النساء:53). والنقير: نقطة صغيرة على ظهر نواة التمر.

ومعنى الآية وفقا للسيد الحوثي: عندما يكون لليهود سلطة لا يمكن أن يعطوا الآخرين منها ما يعادل نقيرا، فكيف يطمح الفلسطينيون أن بإمكانهم أن تتهيأ لهم إقامة دولة داخل اسرائيل؟![13]

هل سنقاتل إسرائيل؟

سؤال تهكمي طالما واجه الحوثيين وشعارهم منذ (الصرخة الأولى)، ولا يخفي الباحث أنه كان يتساءل مع نفسه ومع الآخرين، أين وكيف سنقاتل إسرائيل على طريقة حزب الله مثلاً، حيث توجد حدود تسمح بالاحتكاك المباشر وبشرف المنازلة مع العدو الصهيوني وجها لوجه.

وكمحاولة للإجابة، أقول إن السيد الحوثي كان يطمح إلى تموضع الزيدية كحركة يمنية ومقاومة للكيان الصهيوني، انطلاقاً من مسئوليتها الدينية في مجابهة قوى الاستكبار، وإذ كان يشحذ همم أتباعه استعداداً لأية مواجهة مع أمريكا - على النحو الذي سنفصله تالياً - فإنه لم يكن يظن أن حالة التردي العربية ستصل إلى درجة تشكيل تحالف سعودي للعدوان على اليمن، خدمة لأمريكا واسرائيل وبزعم محاربة النفوذ الإيراني.

لم تأت اسرائيل على نحو مباشر، وبدلاً عنها جاءت السعودية بدعم أمريكي لتحاصر وتقتل الشعب اليمني، في حرب غادرة كشفت عن القناع الحقيقي لأسرة طالما تدثرت برداء الإسلام والعروبة، وهما منها براء. وفي ظل هذا العدوان بات سيان أن يصرخ الشعب اليمني، بالموت لأمريكا و إسرائيل، أو لآل سعود.

  • الخطر الأمريكي قبل وبعد العدوان على اليمن:

في أول زيارة له إلى الرياض في ظل عهد الإدارة الأمريكية الجديدة ( 19 ابريل 2017)، بدا وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيوس، متحمساً لاستمرار العدوان على اليمن بزعم أن واشنطن لن تقبل أن تشكل إيران حزب الله آخر في اليمن[14] ،وبعيداً عن ذريعة الحرب بدعوى "استعادة الشرعية"، تفصح التصريحات الأمريكية عن ضلوع واشنطن في العدوان على اليمن، تخطيطاً، وتوجيهاً، ودعماً، ما جعل غالبية الشعب اليمني على قناعة تامة أن أمريكا تخوض حربها في اليمن باسم السعودية وما يعرف بـ "التحالف العربي".

بل إن التصعيد العسكري والتلويح باحتلال الحديدة، ترافقه تسريبات صحفية لها وزنها تفيد أن إدارة ترامب، تدرس بجدية إمكانية التدخل الأمريكي المباشر في معركة الساحل الغربي، بذريعة حماية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والحؤول دون تدفق المزيد من السلاح الإيراني إلى اليمن، بزعمهم.

الأمريكان الذين منحوا الضوء الأخضر للسعودية، ودعموها لوجستياً وسياسياً في العدوان على اليمن، استغلوا حالة الفراغ الأمني، ودعموا في أبريل من العام الماضي تحالف العدوان فيما عرف بتحرير المكلا من قبضة تنظيم القاعدة الإرهابي، الذي كان قد سيطر في إبريل 2015، على عاصمة حضرموت بغطاء من تحالف العدوان.

وبالتزامن فقد استعادت أمريكا التموضع في قاعدة العند الجوية، واستأنفت من خلالها الضربات الجوية عبر طائرات بدون طيار، ومع الأيام الأولى لوصول الرئيس الأمريكي الجديد للسلطة، باشرت القوات الأمريكية عملية إنزال بمنطقة يكلا-محافظة البيضاء (29 يناير 2017) هي الأولى من نوعها في اليمن[15]. وهذا يعني أن الصرخة التي أطلقها السيد حسين الحوثي، والتحذير من خطر دخول أمريكا اليمن، غدت ً ماثلاً.. ولا تزال السيناريوهات المستقبلية حبلى بالمفاجآت.

في فبراير 2002، قرع السيد الحوثي جرس الإنذار، محذراً من الخطر الأمريكي الداهم في ظل احتلال أفغانستان، بذريعة محاربة الإرهاب، ونبه حينها إلى مخطط أمريكي يستهدف احتلال اليمن "بحجة، هذا إرهابي، وهذه المدرسة إرهابية ، وهذا المسجد إرهابي ، إلخ [16]". ويلفت السيد الشهيد إلى أن تهمة الإرهاب، غدت كـ (قميص عثمان) ، منبهاً إلى خطورة الخداع الأمريكي الذي يصور بأن تنظيم أسامة بن لادن ( القاعدة)، منتشر في اليمن وإيران والصومال والسعودية، وما يرافق ذلك من انخداع إعلامي يجاري الترويج الأمريكي من خلال تسابق محطات التلفزة إلى نشر الأخبار ذات الصلة [17].

أما لماذا تريد أمريكا دخول واحتلال اليمن؟ فذلك لأهمية موقع اليمن الجغرافي، ولأن ثرواته لا تزال مخزونة في باطن الأرض، وهذا يعني أن الأمريكان سينهبون ثروات البلد، وتصبح الدولة تحت رحمتهم[18]. و كما يحذر الحوثي من السيناريو الأمريكي في أفغانستان، و تكراره في اليمن، وانخداع اليمنيين بالمبررات الواهية الرائجة في أوساطهم، فإنه يرفض جملة وتفصيلاً أي تبرير يتفهم التدخل الأمريكي فيقول: الدولة نفسها ليس لها مبرر أن تسمح، ولا الدستور نفسه يسمح لمسؤول أن يسمح بدخول الأمريكيين إلى اليمن حتى لو افترضنا أن هناك - كما يقولون - إرهابيين في اليمن[19].

أضف إلى ذلك أن السيد الحوثي، دعا اليمنيين إلى مواجهة الإرهاب والإرهابيين بأنفسهم، وقال على نحو صريح، أن أمريكا هي من سمحت بتمدد الوهابية والإرهاب في اليمن، حتى تصبح أعمالهم مبررا لدخول واحتلال البلاد[20].

إن عمق الاستشراف الذي تحلى به السيد وقوة الطرح والموقف، منحت أتباعه الطاقة الكافية لرفع الشعار والصرخة الشهيرة، التي باتت اليوم عنواناً لصمود الشعب اليمني وتضحياته الجمة في مواجهة العدوان السعودي الأمريكي على اليمن.

والمفارقة أن الأحزاب والجماعات الكبيرة والأكثر تنظيماً، سارعت منذ ما بعد أحداث سبتمبر 2001، إلى تحسس رأسها، وهرعت إلى البيت الأبيض بحثاً عن مخرج يقيها شر غضب الأمريكان، وقد نجحت بالفعل؛ لكن إلى حين.

أما جماعة السيد الحوثي، فها هي اليوم في طليعة الشعب اليمني دفاعاً وتضحية عن الوطن، وصداً للخطر الأمريكي، الذي لا يستثني إلا الدول والشعوب التي استعدت بشكل مبكر، ولنا أن نتساءل بصدق، وقد رأينا ما حاق بدول وبمجتمعات قبلنا، هل كان بالإمكان مواجهة الهجمة الأمريكية على اليمن، بمعزل عن الصرخة، والثقافة الجهادية، وتنظيم أنصار الله؟!

  • مقاطعة البضائع والمنتجات الأمريكية والإسرائيلية:

بالإضافة إلى شعار وهتاف الصرخة، عممت حركة أنصار الله شعار "قاطعوا البضائع الأمريكية والإسرائيلية"، وذلك في إطار الموقف العملي من الاستكبار الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة.

لم تكن الحركة سباقة إلى هذه الدعوة، فقد ظهرت خلال العقود الماضية هيئات شعبية عربية غير رسمية، دعت وعملت على مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية، في إطار التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني.

وإذ تلازمت شعارات الصرخة والمقاطعة في معظم مناشط الحركة الحوثية، فمن اللافت أن مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية في اليمن لم تصل الحد الذي يوازي مستوى الهجمة الكبيرة وخاصة في ظل الحصار والعدوان.

 لقد كشفت يوميات الحصار والعدوان على اليمن مدى تكالب العالم على موقع اليمن الاستراتيجي، وعلى موارده وثرواته. وتبين لليمنيين كيف أن السعودية تعمل على إغراق السوق اليمنية بصادراتها في استهداف للاقتصاد الوطني اليمني، وسجلت الأرقام مثلاً أن الميزان التجاري بين اليمن والسعودية في 2013 ، كان مختلاً على نحو كبير لصالح السعودية، إذ بلغ حجم المبادلات 400 مليار ريال، منها ما قيمته 352 مليار قيمة الصادرات السعودية للسوق اليمنية[21].

ولاشك أن الجانب الاقتصادي يعد من العوامل والأسباب غير المعلنة للعدوان السعودي الأمريكي على اليمن، حيث وجدت السعودية نفسها بموقفها المعادي لثورة 21 سبتمبر في اليمن، أنها خسرت سوقاً استهلاكية يصعب تعويضها.

ومن يراقب مستوى تدفق البضائع في السوق اليمنية خلال عامين من الحصار، يدرك أن السعودية التي تشرف على تنظيم دخول الشاحنات التجارية إلى اليمن، فتمنع وتسمح لمن تشاء، قد مارست سياسة الأمر الواقع، وأجبرت اليمنيين على التعاطي مع السلع والبضائع السعودية، رغم الجرائم والانتهاكات اليومية والمتوالية بحق اليمنيين.

ويدعو الباحث المعنيين بالشأن الاقتصادي إلى دراسة البدائل، وإعادة النظر في التعامل مع الواردات السعودية كدولة معتدية على الشعب اليمني، وتوسيع دائرة مقاطعة البضائع والمنتوجات الأمريكية والإسرائيلية والسعودية والإماراتية.

كما لا يفوت الباحث التنبيه إلى أهمية دعم سياسة الاكتفاء الذاتي، بغض النظر عن الصعوبات والتحديات التي تعيشها البلد، فقد أثبتت وقائع التاريخ أن الدول والشعوب المعتمدة على ذاتها هي الأقدر على تحقيق متطلبات الحرية والاستقلال.

ومرة أخرى نقول إن لحركة أنصار الله مناشط جماهيرية تميزها عن بقية القوى والحركات السياسية الاجتماعية اليمنية، ما يفرض عليها إعادة الاعتبار لمفهوم وشعار مقاطعة بضائع العدو ومنتجاته، وتوعية المجتمع بأهميته وضرورته على المدى المنظور والمستقبلي، ما دام في اليمن أمة ترفض الوصاية والتبعية لقوى الهيمنة والاستكبار.

 

*ورقة عمل مقدمة للندوة التي أقامها المجلس السياسي لأنصار الله بمناسبة الذكرى السنوية للشهيد القائد للعام 1438هـ بعنوان: "الشهيد القائد مسيرة إصلاح وتجديد

المراجع

- [1] السيد حسين بدر الدين الحوثي: محاضرة الدرس الثاني من سورة آل عمران ..واعتصموا بحبل الله.

[2] - السيد حسين بدر الدين الحوثي: محاضرة يوم القدس العالمي، بتاريخ 28-9-1422هـ

[3] - المصدر نفسه.

-[4] محمـد عايش: لحظة التطور الفاصلة من "الهادوية" إلى "الحوثية"..حرب صعدة وأثرها في تحولات الزيدية الدينية، http://ayeshpress.blogspot.com/2010/11/blog-post.html

[5] - خالد غزال: السياسة الإمبريالية الأمريكية العدوانية الكاملة على شعوب العالم، مجلة شؤون الأوسط، بيروت، العدد 120،خريف 2005، ص 148.

[6] - عبدالملك العجري: جماعة أنصار الله..الخطاب والحركة، مجلة مقاربات سياسية، العدد(2)، صنعاء، مارس 2017، ص 11.

[7] - السيد حسين بدر الدين الحوثي، محاضرة الصرخة في وجه المستكبرين، تاريخ 17-1-2002.

[8] - المصدر نفسه.

[9] - المصدر نفسه.

[10] - محاضرة يوم القدس العالمي، مصدر سابق.

[11] - خالد غزال، مصدر سابق، ص 146.

[12] - مبادرة السلام العربية هي مبادرة أطلقها الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز للسلام بين إسرائيل والعرب هدفها إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دوليًا على حدود 1967 وعودة اللاجئين وانسحاب اسرائيل من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع اسرائيل https://ar.wikipedia.org/wiki

[13] - محاضرة يوم القدس العالمي، مصدر سابق.

[14] - انظر نص التصريح على الرابط

 https://arabic.cnn.com/middle-east/2017/04/19/james-mattis-iran-yemen

[15]- الإنزال الأميركي في اليمن: ترامب يدشن حروبه العسكرية، صحيفة وموقع العربي الجديد

https://www.alaraby.co.uk/politics/2017/1/29

[16] - محاضرة الصرخة في وجه المستكبرين، مصدر سابق

[17] - المصدر نفسه

[18] - المصدر نفسه

[19] - المصدر نفسه

[20] - المصدر نفسه

[21] -

http://acemdia.com/yemeni-economy/t7628.html