Logo dark


إيران والحرب العالمية الجديدة

( كاتب وباحث سياسي سوري , )

لعل التباين الحاصل في المواقف تجاه إيران وحزم العقوبات الأمريكية المتلاحقة والمتصاعدة ضدها لم يثمر ضغطاً أوروبياً حقيقياً لوقف السياسات الأمريكية تجاه إيران، بل ربما كبلها أكثر لناحية الحفاظ على موقف أوروبي إيجابي ومتباين مع الموقف الأمريكي لكن دون القدرة الفعلية على اتخاذ أي خطوة مواجهة حقيقية من قبل إيران فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، فالرفض الأوروبي لمثل هذه الخطوات والتخلي عن التزامات إيران المقرة في اتفاق لوزان مع الجانب الغربي جعل المعادلة صعبة في مواجهة إيران للعقوبات الأمريكية، فهي من جهة تواجه تداعيات هذه العقوبات وفي نفس الوقت لا تستطيع أن تتخذ خطوات مواجهة بموجب ضغط اوروبي للبقاء على ما هي عليه، وبالتالي أصبحت إيران أمام معادلة صعبة تقوم على أساس الحفاظ على اتفاق لوزان شكلاً مقابل العجز عن مواجهة ضغوط الولايات المتحدة مضموناً، أو مواجهة الولايات المتحدة مقابل خسارتها لاتفاق لوزان والموقف الأوروبي الداعم سياسياً لها.

ومن الواضح اليوم أن ترامب يريد الاستمرار في سياسة التصعيد حول العالم لتحقيق هدفين استراتيجيين بالنسبة له:

الأول: الاستمرار في إدارة العالم بالأزمة وتوسيع رقعة بؤر التوتر والاشتباك في العالم لكبح جماح التمدد الروسي حول العالم وتقويض مناطق نفوذه الاستراتيجية.

الثاني: إشعال جبهة جديدة في الشرق الأوسط مع إيران وتوسيع نطاق اشتباكها لتحقيق هدفين على التوازي؛ إرضاء إسرائيل من خلال زيادة الضغوط على إيران ومحور المقاومة بما يعزز صفقة ترامب مع نتنياهو في المنطقة، وفي نفس الوقت فتح باب جديد لابتزاز منظومة الخليج تحت عنوان مواجهة إيران وبالتالي زيادة تدفقات الأموال إلى الخزينة الأمريكية.

فالعالم اليوم يتجه نحو إعلان حرب عالمية بكل ما تعنيه الكلمة بين القطب الأمريكي القديم والأقطاب الصاعدة الجديدة في العالم، فمواجهة روسيا استراتيجياً على مستوى مناطق النفوذ في العالم، ومواجهة الصين اقتصادياً من خلال تقويض مشروع الحزام والطريق الصيني، وتصفية القضية الفلسطينية لحساب إسرائيل وكسب رضى لوبيات الضغط الصهيوني في الداخل الأمريكي لمواجهة الملفات الضاغطة على إدارة ترامب في الداخل.

وما قامت به الولايات المتحدة في فنزويلا لم يكن حدثاً عارضاً خارجاً عن السياق العام للمواجهة العالمية بل كان دليلاً دامغاً على تبلور الحرب العالمية الجديدة وبروز العنوان الجديد للمرحلة التاريخية الراهنة وهو إدارة العالم بالأزمات أمريكياً.

وفي هذا السياق الدولي تتحرك إيران وفي جعبتها جملة من الخيارات غير السهلة بطبيعة الحال لأن كل منها له تكاليفه الخاصة ولا شيء يحقق بالمجان، فالعلاقات الاقتصادية مع الاتحاد الاوروبي وعلى الرغم من ثقلها الوازن لن تكفي لشق الصف الغربي بين الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة أن هناك ما يواجه الاتحاد الاوروبي داخلياً من تحديات مستقبلية تهدد كيانه إضافة إلى الارتباط العضوي الراهن مع سياسة الولايات المتحدة التي لا تزال تقود القاطرة الغربية عموماً، والذي لن يسمح له بالتباين المطلق مع سياسته تجاه إيران، أما عن تكاليف المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وتحمل تبعات خسارة الموقف الأوروبي وبالتالي العلاقات الاقتصادية معه ستضاعف كلفة هذا الخيار أمام إيران، إلا أن إيران اليوم مطلوب منها ربما الكشف عما لديها من أوراق ضاغطة في الإقليم يمكن استخدامها لتطويع الغرب في منطقة مصالحه الاستراتيجية، فإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية والتحكم بها سيصيب الخليج بالجنون، فضلاً عن رفع سقف المواجهة في الساحة اليمينة بما يؤثر على عمق الساحة الخليجية ولا سيما السعودية منها، وغيرها من الخيارات التي ترتبط بأصدقاء إيران في العالم كروسيا والصين الذين يخوضان حرباً لا تنفصل عن حرب إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي ترتبط بسياسات المواجهة الاقتصادية للعقوبات الأمريكية والتقليل من آثارها.

لا شك إن الخيارات مفتوحة على مصراعيها لكن تبقى اللحظات الأخيرة هي الحاسمة على مستوى المواقف عندما تبرز خيارات الاحتياطي الاستراتيجي لكل الأطراف وعلى ما يبدو أن واقع المد والجزر طويل نسبياً فلا حسم من قبل الأمريكي على الأقل قبل موعد الانتخابات القادمة مهما بلغ حد التصعيد، لا بل ربما لا يكون الحسم مطلوباً لدى الولايات المتحدة فبقاء واقع الاشتباك حول العالم يكرس سياسة الولايات المتحدة القائمة على إدارة العالم بالأزمات، فالحسم ينهي ساحات اشتباك معينة وأياً كان شكل الحسم ونتيجته فإنه يبلور نتائج محددة بين أطراف الاشتباك الدولي، وهذا ما لا تسعى إليه الولايات المتحدة فواقع الاستنزاف يخدم المصلحة الأمريكية لأن ما تخوضه من اشتباك هو خارج أراضيها وفي عمق خصومها، وما تحركه من أدوات هو دول تقع في المحيط الحيوي لساحة الاشتباك وليس أدوات الداخل الأمريكي أو احيتاطيه، لذلك فالغالب أن يبقى واقع الاستنزاف على ما هو عليه مع شيء من التصعيد قبيل الانتخابات الأمريكية لخدمة الغرض الانتخابي داخلياً واستهلاك قوى الأقطاب الجدد في العالم وحصرهم في دوائر اشتباك ضيقة وموضعية لا تسمح لهم بالتمدد في مجالات حيوية جيو سياسية جديدة.

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز

مواضيع متعلقة