انطلق العدوان على إيران في الإثني عشر يوماً من شهر يونيو الماضي، وذلك بغية تحقيق أهداف معلنة وأخرى خفية رسمها العدو الإسرائيلي لحربه تلك العدوانية العنيفة على إيران، ومن ورائه - بالطبع - الولايات المتحدة الأمريكية.
والسؤال هنا بشكل مباشر: ما هي الأهداف المعلنة وتلك الخفية وراء ذلك العدوان؛ وهل حقق العدو بالفعل تلك الأهداف؟!
وقبل أن يتطرق هذا الملف إلى محاولة الإجابة على التساؤل سالف الذكر، سنحاول الحديث عن مسألة غاية في الأهمية، ألا وهي الحديث عن حجم القوة المستخدمة من طرف "إسرائيل" ثم من أمريكا في العدوان ضد إيران.
- حجم القوة القصوى المستخدمة من طرف "إسرائيل" ثم من أمريكا ضد إيران:
الملاحظة الرئيسية أن "إسرائيل" قد استخدمت في عدوانها على إيران قوتها الجوية القصوى وجميع أنماط التسليح الجوية وأكثرها تقدماً وفتكاً (ويستثنى من ذلك قوتها النووية بالطبع)؛ فقد استخدمت "إسرائيل" (بحسب مصادر رسمية إسرائيلية) في هجومها الأول ٢٠٠ طائرة، وذلك عدد كبير نسبياً يبين حجم المهمة الكبير الذي خططت "إسرائيل" لتحقيقه، وقد استخدمت في حملاتها الجوية تشكيلة من الطائرات الأمريكية الحديثة على اختلاف مهامها القتالية ("اف-15 آي أيه"، "اف- 16"، "إف- 35").
وبالنسبة للأسلحة المستخدمة، يلاحظ أن "إسرائيل" قد استخدمت كل أنواع الذخيرة الأشد فتكاً وتدميراً لديها؛ مثلاً: القنبلة "جي بي يو 28" التي تستطيع اختراق ٣٠ متراً تحت الأرض أو ٦ أمتار من الخرسانة؛ والعديد من القنابل الموجهة الأخرى مثل: "جي إيه دي إم" الذكية، و "بي ال يو 109"، "رامبيج"، وغيرها.
كما قامت "إسرائيل" - عبر عملائها في إيران - بتجهيز طائرات مسيرة من داخل الأراضي الإيرانية موجهة تحمل قنابل مجهزة لاستهداف العلماء النوويين والقيادات العسكرية والأهداف الأخرى كمواقع الدفاع الجوي والرادارات؛ وذلك في سبيل تهيئة الجو أمام دخول آمن للطيران الإسرائيلي إلى الأجواء الإيرانية.
ولكن؛ بالرغم من كل تلك القدرات والتجهيزات الإسرائيلية، إلا أن "إسرائيل" لم تجد مخرجاً دون اللجوء إلى أمريكا، التي تدخلت ضد إيران عبر ضربات جوية قوية باستخدام قاذفاتها الاستراتيجية "يو تو سبيريت" التي تحمل من الأسلحة - كما هو معلوم - ما هو بالغ الدقة في التوجيه والتدمير؛ ولتعلن أمريكا بعد ضرباتها مباشرةً وقف الحرب، وقبول "إسرائيل" وإيران وقف إطلاق النار.
نؤكد القول هنا، أنه بغض النظر عن القوة التدميرية للأسلحة الأمريكية المستخدمة ضد إيران، فإن حلول القوات الأمريكية محل الإسرائيلية في مواجهة إيران له من المعاني الاستراتيجية الكثير والكثير التي تحتسب في صالح إيران؛ وذلك أمر واضح لا جدال فيه لدى العسكريين والمحللين الاستراتيجيين.
من ناحية أخرى، نجد من الملاحظة الدقيقة للسلوك الإيراني خلال المواجهات، أن إيران ظلت تعمل وفق أسلوب استراتيجي - معروف ومشهور لدى الاستراتيجيين - يقوم على تدرجية الرد وتصاعده؛ وذلك وصولاً إلى درجات لم تعد تتحملها "إسرائيل" مما استدعى تدخل أمريكا، والإعلان عن وقف إطلاق النار من جانب الرئيس ترامب؛ فيما كان لا يزال لدى إيران خيارات أخرى لتصعد الرد بنفس الاستراتيجية.
● الأهداف المعلنة للعدوان الإسرائيلي على إيران:
١- ضرب "إسرائيل" للمفاعلات النووية الإيرانية لتخصيب اليورانيوم، لمنع إيران من امتلاك القنبلة النووية التي كانت - على حد زعم "إسرائيل" - على وشك صنعها، وذلك على خلاف ما تؤكده إيران وتسوق عليه الدلائل، وكذلك ما يؤكده خبراء الوكالة الدولية للطاقة النووية الموجودون في كل ثنايا عمل المفاعلات النووية الإيرانية، وذلك كله في ظل الاتفاق الذي وقعته إيران مع الوكالة.
٢- استهداف مصانع الصواريخ الباليستية.
٣- اغتيال القيادات العسكرية.
٤- اغتيال العلماء النوويين.
● الأهداف الخفية للعدوان الإسرائيلي على إيران:
١- إيقاع أكبر حجم ممكن من الخسائر البشرية مع أولى الهجمات، وتحقيق ضربات انتقامية تاريخية من إيران، حيث تعبر "إسرائيل" عن الحس الإسرائيلي التاريخي الكامن في وجدان الشعب الإسرائيلي للانتقام من الفرس على حادثة السبي البابلي.
٢- تدمير أهداف حكومية ذات طبيعة مدنية، كالتلفزيون مثلاً، وحاولت تدمير أكبر قدر ممكن من تلك الأهداف المدنية للانتقام ولتخلق للحكومة أزمة داخلية خانقة.
٣- خلق نوع من الإحساس بالصدمة والرعب في نفسية الشعب الإيراني وكذا القوات الإيرانية.
٤- محاولة جر أمريكا للتدخل في الحرب منذ اللحظات الأولى عبر الهجمات الإسرائيلية واسعة النطاق ضد إيران؛ وقد جاء بالفعل التدخل الأمريكي في أعقاب فشل أهداف الهجمات الإسرائيلية؛ وإيران - في واقع الحال - لم تلغ من حساباتها التدخل الأمريكي منذ البداية، لأن العدوان من الأساس يحقق مصلحة الطرفين ("إسرائيل" وامريكا).
٥- التجريب الفعلي الإسرائيلي لحدود القوة العسكرية الإيرانية في مواجهة الضربات الإسرائيلية؛ حيث بدت "إسرائيل" في كامل جاهزيتها منذ بداية العدوان لكي تستفز إيران للرد بالدرجة القصوى لقواتها؛ ولكن إيران اتبعت أسلوب الرد التصاعدي المؤثر بل والمدمر على الأهداف الإسرائيلية في فلسطين المحتلة، مما أوقع "إسرائيل" في مأزق حقيقي يتمثل في ضرورة الخروج من تلك الحرب بانتصار مزعوم، في ظل ضبابية الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية لحدود القوة العسكرية الإيرانية في مواجهة الضربات الإسرائيلية؛ فقد أخذت "إسرائيل" علماً بقوتها القصوى المستخدمة ضد إيران ولكنها لم تعلم بحدود الرد الإيراني ومنتهاه في مواجهة الضربات الإسرائيلية؛ وهنا بالضبط "العمى الإسرائيلي" بل والأمريكي أيضاً.
فشل الرهانات وخطأ التقديرات في الحرب على إيران
في الحقيقة، يأتي الحديث عن فشل الرهانات وخطأ التقديرات في الحرب على إيران، كنقطة تابعة للنقطة الأولى في بنية هذا التقرير، ألا وهي المتعلقة بعدم تحقيق معظم الأهداف المعلنة وكذا كل الأهداف الخفية لـ "إسرائيل" من وراء حربها على إيران، وذلك كما رأينا ولمسنا.
وبالرغم من انطلاق "إسرائيل" في حربها على إيران مما استطاعت تحقيقه من انجازات استخبارية سواء من خلال الموساد وعملائه في الداخل الإيراني أو مما توفره الأقمار الصناعية أو توفره الاستخبارات الأمريكية والدول الحليفة؛ إلا أن الاستخبارات الإيرانية سرعان ما تجاوزت الجزء الأخطر في ذلك الاختراق؛ ألا وهم العملاء من الإيرانيين في الداخل؛ وقد ظهر ذلك الأمر في لجوء الطيران الإسرائيلي في الأيام الأخيرة من الحرب إلى قصف أهداف قد تم قصفها سابقاً، وكذا تكثيف قصف المدنيين الذين لم يسلموا من ويلات القصف من اليوم الأول للعدوان الإسرائيلي على إيران.
ولعله يمكن بيان فشل الرهانات وخطأ التقديرات في الحرب على إيران من خلال عرض النقاط الآتية:
١- وجود عمى استراتيجي شبه كامل لدى الأمريكيين والـ "إسرائيليين" في معلوماتهم الاستخبارية عن حجم ونوعية التطور في برامج التسلح الصاروخية الإيرانية؛ وقد مثل ذلك ضربة غاية في الإرباك للقوات الـ "إسرائيلية"، وذلك بعد كثير من الترويج للقبة الحديدية وقدراتها في مواجهة أي هجوم صاروخي على "إسرائيل"؛ وخاصة مع تلك الاستراتيجية الإيرانية الدفاعية التي حملت في طياتها الكثير من المفاجآت لـ "إسرائيل" أثناء حربها على إيران.
٢- قدرة إيران الاستثنائية على الحفاظ على أقصى قدر ممكن من الالتفاف "الرسمي" في إطار الدول التي لإيران بها علاقات غير رسمية؛ وبالذات مصر والسعودية ودول الخليج عموماً، فقد استطاعت إيران الحفاظ على تلك المواقف الرافضة لتوريط المنطقة في المغامرات الإسرائيلية؛ واتضح ذلك بعد ضرب إيران لقاعدة العديد الأمريكية في قطر، حيث اعترضت دول الخليج على المساس بسيادة دولة قطر، وكان ذلك بناءً على اعتبارات العتب على إيران، ومن باب الخوف من تأثير ذلك على إجراءات بناء الثقة؛ وهو ما جاءت الدبلوماسية الإيرانية لتلافي كافة ردود الأفعال إزاءه.
٣- فيما يتعلق بمواقف الدول الكبرى كروسيا والصين؛ مما لا شك فيه أن إيران تتمتع بعلاقات قوية مع تلك الدول؛ إلا أن إيران قد اكتفت بالمواقف المعلنة من تلك الدول؛ وقد أكد ذلك الرئيس الروسي بوتين؛ وإيران - بالمناسبة - لا ترتبط باتفاقية دفاعية مع أي دولة، ويمكن القول بصفة عامة أن إيران قد استطاعت الحفاظ على أقصى المواقف المعلنة والداعمة من طرف دول شريكة في قيادة النظام الدولي ودولاً أخرى، وبذلك ظلت الجبهة الدولية المؤيدة لإيران ثابتة على موقف موحد برفض العدوان الإسرائيلي والأمريكي على إيران، وبذلك أفشلت كل الرهانات على إحداث أي شرخ في تلك المواقف.
٤- كان المخطط له إسرائيلياً أن تستمر الحرب أطول فترة ممكنة، وذلك مع حجم القوة الكبير المستخدمة من قبل "إسرائيل"، لإيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية المدنية والمادية الإيرانية، وذلك في مثل واقعي لما يجري في غزة؛ إلا أن قوة الرد الإيراني الصاروخي كان كبيراً ومدمراً بالقدر الذي لم تستحمله "إسرائيل"، ففشلت حسابات "إسرائيل" وأمريكا في ذلك الصدد.
٥- فشل التذكير بأن "إسرائيل" هي القوة العسكرية الأولى في الشرق الأوسط بلا منازع، وذلك كان من أهم الأهداف الخفية للعدوان على إيران؛ فبمجرد تورط "إسرائيل" في العدوان على إيران أدركت أن إيران أصبحت قوة اقليمية وازنة وقادرة على نقل المعركة مباشرة داخل الأراضي "الإسرائيلية"، وفتح دفاتر الحساب الإسرائيلي في عد خسائره المكلفة سواء في الجانب المادي أو في الجانب البشري.
٦- مما لا شك فيه أن الظروف التي بنيت فيها المفاعلات النووية الإيرانية تختلف اختلافاً جذرياً عما كانت عليه الظروف في سنوات الثمانينات من القرن الماضي؛ فقد بنيت منشأة نطنز وفوردو عند سلسلة سفوح جبال كركس؛ وعلى سبيل المثال بنيت نطنز على أعماق تتراوح بين ٧ و٢٣ متر ضمن مصفوفات خرسانية مسلحة بسمك عدة أمتار، وقد أضيفت لها قباب حماية اسمنتية ضد القنابل التقليدية، وكذلك أنظمة حماية دفاع جوي مثل صواريخ "تور-m1" الروسية وأخرى محلية، كما أضيفت إليها طبقات من التمويه والخداع الإلكتروني، وبالتالي لا ينتظر من الضربات الإسرائيلية والأمريكية "إعدام المفاعلات النووية" الإيرانية.
٧- أقصى التقديرات لنتائج الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران هي تلك التي أوردتها صحف "إسرائيلية" وأمريكية عن مصادر رسمية "إسرائيلية" وأمريكية (منها على سبيل المثال وول ستريت جورنال الصادرة في ٢ يوليو) هي تأخير عودة البرنامج النووي الإيراني فترة تتراوح ما بين ستة شهور إلى سنة، وتلك أرقام في منتهى التواضع إذا ما قورنت بالأهداف الإسرائيلية والأمريكية.
٨- خروج إيران من هذه المواجهة الشرسة مع "إسرائيل" وأمريكا فائزة بالنقاط الاستراتيجية، ومنتصرة بالتفاف الشعب الإيراني؛ مثل ذلك الخروج - في حد ذاته - دافعاً لكل قوى محور المقاومة في مواقعها على رقعة الشطرنج الإقليمية والدولية؛ ومثل ذلك لليمن - بصفة خاصة أيضاً - عامل قوة جديد يضاف إلى ما تحققه على ساحة المواجهة مع "إسرائيل" على خلفية ملف غزة.
١٠- بدأت الحرب بدعاية إسرائيلية ضخمة تمجد "إسرائيل" وتشيطن إيران وتتوعدها بالويل والثبور وعظائم الأمور؛ ولكنها انتهت بـ "مأساة" حقيقية بالنسبة لـ "إسرائيل" بالرغم من الدعايات الإسرائيلية والأمريكية حول تحقيق نصر مزعوم كان ينتظر احتفالاً لم يتم ولن يتم.