Logo dark


القوة بلا حسم... وهيبةٌ تتآكل: مأزق المشروع الأمريكي الإسرائيلي

( دكتوراه إدارة أعمال , جامعة صنعاء )

ملخص تنفيذي

يتناول هذا التقرير الإقالات والاستقالات المتكررة في إدارة دونالد ترامب خلال عامي 2025 و2026 بوصفها مؤشراً محتملاً على أزمة أعمق من مجرد تبديلات إدارية عابرة، وينطلق من فرضية أساسية مؤداها أن هذه التغييرات لا تعكس فقط خلافات شخصية أو تنافساً داخلياً على النفوذ، بل تكشف أيضاً عن تعثر المقاربة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة في مواجهة إيران ومحور المقاومة.

فهذا المشروع قام، في أحد أهم وجوهه، على افتراض أن التفوق العسكري والاقتصادي، إذا اقترن بالضغط الشامل والعزل الإقليمي، كفيل بفرض تراجع استراتيجي سريع على إيران، أو بإحداث تصدعات داخلية تفضي في النهاية إلى إخضاعها، غير أن مجريات المواجهة كشفت حدود هذا الرهان؛ إذ لم تنكسر إيران، ولم يتفكك المحور، بل جرى امتصاص الضغوط وإعادة إنتاج معادلات الردع على نحو أربك الحسابات الأمريكية والإسرائيلية معاً.

ويحاول التقرير أن يبيّن كيف انتقلت إيران من موقع التلقي إلى موقع الفعل الردعي، وكيف أثبت محور المقاومة قدرة على امتصاص الصدمات وإعادة توزيعها عبر تعدد الساحات وترابطها، كما يلفت إلى أن تآكل "الهيبة" الرمزية للقوة الأمريكية الإسرائيلية لا يقل خطورة عن الإخفاقات الميدانية نفسها، لأن الردع لا يقوم على امتلاك أدوات القوة فقط، بل على الإقناع بفاعليتها وقدرتها على الحسم، ومن هنا يبرز سؤالٌ مركزيٌّ: إلى أي حد يمكن للقوة أن تظل مؤثرة حين تُستخدم بلا حسم؟ ومتى تتحول الضغوط نفسها إلى علامة على العجز بدلاً من أن تكون أداة للهيمنة؟

 الإقالات بوصفها مؤشراً على أزمة أعمق

لا يمكن النظر إلى الإقالات والاستقالات التي شهدتها إدارة دونالد ترامب، ولا سيما في لحظات التصعيد الحاد مع إيران خلال عامي 2025 و2026، بوصفها مجرد تغييرات إدارية عادية في مؤسسة الحكم الأمريكية؛ فمن المعروف أن إدارات البيت الأبيض تشهد، بحكم طبيعتها، صراعات نفوذ وتباينات بين المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية، غير أن تكرار هذه التغييرات في مواقع حساسة، وتزامنها مع لحظات صراع إقليمي، يفتح الباب أمام قراءة أعمق تتجاوز العامل الشخصي أو التنظيمي المباشر.

وينطلق هذا التقرير من قراءة تحليلية مفادها أن هذه الإقالات قد تكون، في جانب جوهري منها، مؤشراً على تعثر المقاربة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة في التعامل مع إيران وقوى المحور، لا مجرد انعكاس لخلافات إدارية روتينية في مؤسسات الحكم. فالمسألة، في هذا التصور، تتصل بأزمة في التقدير الاستراتيجي نفسه: كيف فُهمت قدرات إيران الردعية؟ وكيف صيغت أهداف الضغط الأقصى عليها؟ وما حدود القدرة الأمريكية على تحويل تفوقها العسكري والاقتصادي إلى نتائج سياسية في مواجهة صمود إقليمي لم يكن محسوباً على هذا النحو؟

ومن هذه الزاوية، تبدو الإقالات مؤشراً على ارتباك أعمق في إدارة الصراع، لا مجرد تبديل روتيني في شاغلي المناصب.

(ما يبدو تبديلاً في الأشخاص يخفي في العمق اهتزازاً في منطق إدارة المواجهة نفسه)

 من الاضطراب الإداري إلى أزمة التقدير

حين تتكرر الإقالات أو الاستقالات في سياق صراع محتدم، فإن ذلك لا يبدو مجرد تفصيل إداري عابر، بل قد يعكس اهتزازاً حقيقياً في أسس التقدير الاستراتيجي، أو يكشف عن خلاف متصاعد بشأن جدوى المسار المعتمد، وفي حالة إدارة ترامب الثانية، يمكن فهم هذه التغييرات في ضوء التوتر بين اتجاهين في دوائر صنع القرار الأمريكي: اتجاه يدفع نحو التصعيد الشامل، ويستند إلى رؤية مدعومة من التيارات الأكثر التصاقاً بالمصالح الإسرائيلية، واتجاه آخر أكثر حذراً، يخشى الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع خصم يمتلك أدوات ردع متقدمة في الصواريخ والمسيّرات، وقادر على توسيع ساحة الاشتباك إلى أكثر من جبهة.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الإقالات مجرد آلية تصحيح داخلي لمسار ناجح، بل أثراً مباشراً من آثار تعثر الرهان الأولي نفسه؛ إذ إن الضغوط المتراكمة، من دون تحقيق الانهيار الإيراني المتوقع، دفعت إلى مراجعة الافتراضات الأساسية، وأطلقت توتراً متزايداً بين صانعي السياسة الأصليين وبين من بدأوا يشككون في جدواها العملية، خاصة بعد فشل الرهان على ضربات سريعة تُنتج نتائج حاسمة.

وهكذا تحولت الإقالات من مجرد مظهر للانضباط الإداري إلى دليل على تصدع أعمق في مساحة التقاء المصالح، وعلى ازدواجية في الأهداف بين ما يُفترض أنه مصلحة أمريكية خالصة، وبين ما يقترب أكثر من أجندة إسرائيلية مدعومة بلوبيات نافذة في واشنطن.

(تكرار الاضطراب يكشف أن الخلاف لم يعد حول الوسائل فقط، بل حول فهم طبيعة الحرب وحدودها)

 حدود الرهان الأمريكي الإسرائيلي على الضغط الشامل

قامت المقاربة الأمريكية الإسرائيلية تجاه إيران، خصوصاً في مراحل الضغط المكثف بعد عودة ترامب، على فرضية أساسية مؤداها أن مزيج العقوبات الاقتصادية القاسية، والعزل السياسي، والتهديدات العسكرية والعمليات المباشرة، واستهداف القادة، والضغط النفسي المستمر، يمكن أن يدفع الجمهورية الإسلامية إلى تراجع استراتيجي جذري، أو إلى تصدعات داخلية تُضعف مركز قرارها، ولم تكن هذه الفرضية، من منظور صانعيها، بلا أساس؛ فقد استندت إلى تصور يرى أن تراكم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية سيؤدي في النهاية إلى إنهاك يقيّد قدرة طهران على المواجهة الإقليمية، ويفتح الباب أمام إعادة ضبط سلوكها أو تقليص نفوذها الإقليمي، غير أن التطورات اللاحقة، وخصوصاً خلال 2026، أظهرت أن هذه المقاربة لم تحقق الغاية المرجوة بالقدر الذي توقعه واضعوها.

فإيران لم تتحول تحت وطأة العقوبات والضربات والتهديدات إلى دولة مفككة أو عاجزة، بل أعادت إنتاج خطاب داخلي قائم على السيادة والصمود، وهو ما منح قيادتها شرعية إضافية، ودفعها إلى توسيع شبكة تحالفاتها الإقليمية بدلاً من التخلي عنها، وبدلاً من أن تؤدي الضغوط إلى تفريق إيران عن حلفائها، ساهمت، في أكثر من مستوى، في تعميق التماسك بين أطراف المحور، عبر تجربة مواجهة مشتركة مع المشروع الأمريكي الإسرائيلي.

(سقط رهان الإخضاع حين تحولت أدوات الضغط من وسائل كسرٍ للخصم إلى عوامل إضافية في تماسكه)

 الفشل في التصور قبل التنفيذ

تكمن أهمية هذا التعثر في أنه لا يرتبط فقط بحدود التنفيذ العسكري أو الإداري، بل بحدود التصور الاستراتيجي نفسه الذي انطلقت منه المقاربة الأمريكية الإسرائيلية، فقد بُني جانب كبير من هذا التصور على افتراض مبسط نسبياً: أن التفوق العسكري الساحق والاقتصادي، إذا اقترن بحصار ممتد وضغط متواصل، سيكون كفيلاً في النهاية بإنتاج خضوع سياسي حاسم.

غير أن هذا الافتراض تجاهل، أو قلّل من شأن، عناصر جوهرية في حالة إيران وفي البيئة الإقليمية المحيطة بها: الصمود الداخلي، وبنية الدولة، وشبكة التحالفات، ومرونة محور المقاومة، والقدرة على امتصاص الضربات وإعادة توزيعها، كما تجاهل حقيقة ثابتة في تجارب الصراع المعاصر: أن امتلاك أدوات الضغط لا يعني تلقائياً القدرة على فرض نتائج مستقرة.

فالقوة، في معناها الحقيقي، لا تُقاس بوفرة الوسائل فحسب، بل بمدى القدرة على تحويل هذه الوسائل إلى واقع سياسي دائم، وعندما يتعذر ذلك، تظهر الفجوة بين فائض الأدوات ومحدودية العائد السياسي، ومن هنا يمكن فهم الاضطراب داخل واشنطن بوصفه نتيجة لتصاعد الشك في صلاحية المقاربة نفسها، لا مجرد خلاف حول تفاصيل إدارتها.

(بدأ الإخفاق يوم افترضت القوة أن امتلاك وسائل البطش يساوي القدرة على صناعة النتائج السياسية)

 من وهم الحرب الخاطفة إلى مأزق الاستنزاف

أحد أبرز عناصر المأزق الأمريكي الإسرائيلي يتمثل في أن المواجهة مع إيران لم تكن قابلة للاختزال في ضربة عسكرية خاطفة أو عملية احتواء محدودة الكلفة، فما تبيّن تدريجياً في بعض دوائر القرار الأمريكي هو أن أي صدام واسع قد يفتح الباب أمام مسار استنزافي طويل، تتداخل فيه الجبهات الإقليمية مع حسابات الطاقة، وأمن الحلفاء، ومسارات التجارة، وكلفة الانخراط العسكري الممتد.

وفي هذا السياق، برز الخلاف بين تيارين: تيار مندفع يرى في التصعيد وسيلة لفرض التراجع على طهران، وتيار أكثر حذراً ينظر إلى الحرب بوصفها فخاً استراتيجياً قد يتجاوز قدرة واشنطن على التحكم في إيقاعه ومساراته، خاصة مع تنامي قدرة الخصم على إيقاع كلفة ميدانية ورمزية، ولو بصورة جزئية ومتدرجة.

وقد تُرجم هذا الصراع في الإدارة في شكل إقالات وتنحي مسؤولين، لا لأنهم أخفقوا بالضرورة في تنفيذ التعليمات، بل لأنهم مثّلوا رؤى متعارضة حول طبيعة المواجهة: هل يُدفع بها نحو التصعيد الكامل؟ أم يجري تطويقها ومنعها من التحول إلى حرب مفتوحة لا يمكن ضبط مآلاتها؟ وهنا بدأ يتكشف أن المشروع الأمريكي الإسرائيلي، بدل أن يفرض منطق الحسم السريع، أخذ ينزلق إلى مأزق استنزاف مفتوح.

(انكشف أن ما رُوِّجَ له كحسم سريع قابل للتحول إلى استنزاف مفتوح تتعاظم كلفته كلما طال أمده)

 تفسير بديل: الإقالات بين النمط الترامبي والتعثر الاستراتيجي

مع ذلك، لا ينبغي التعامل مع ربط الإقالات بالتعثر الاستراتيجي بوصفه التفسير الوحيد أو القطعي، فإدارة ترامب معروفة أصلاً بارتفاع معدل الإقالات فيها، لأسباب شخصية وانتخابية ومؤسساتية، من بينها اختبار الولاء السياسي، والصراع مع ما يُعرف بـ"الدولة العميقة"، وإعادة تشكيل الفريق المحيط بالرئيس بما ينسجم مع مزاجه السياسي وخطابه العام.

كما أن العوامل الانتخابية تلعب دوراً مهماً في مثل هذه التغييرات؛ فالإدارة التي تمر بلحظات انتخابية حساسة قد تستخدم إعادة تشكيل فريقها الأمني أو السياسي لإظهار صورة السيطرة والتجديد والحزم، لا بوصفها مجرد استجابة لإخفاقات ميدانية محددة، ومن هنا يمكن فهم جزء من الاضطراب في الإدارة باعتباره نتاجاً لصراعات داخلية تتقاطع مع سياق التصعيد الخارجي، لا مجرد انعكاس مباشر له، لكن هذه التفسيرات البديلة لا تُلغي الوجاهة الاستراتيجية للقراءة المطروحة، بل تدفع نحو فهم أكثر توازناً. فحين يتزامن الإرباك الداخلي مع الإخفاق الخارجي في تحقيق الانهيار الموعود أو الحسم المعلن، يصبح الربط بين التبدلات داخل الإدارة وتعثر المشروع ربطاً معقولاً ومقنعاً، وإن لم يكن تفسيراً وحيداً مغلقاً، كما أن تجارب الضغط الشامل في حالات سابقة، سواء ضد إيران أو غيرها، تُظهر أن فائض العقوبات والضغوط لا يفضي بالضرورة إلى إخضاع الخصم، بل قد ينتج ردود فعل معاكسة، خصوصاً عندما يكون الطرف المقابل متماسكاً ويمتلك شرعية داخلية أو شبكة دعم إقليمية.

(صحيح أن الإقالات جزء من أسلوب ترامب، لكن اقترانها بالتعثر الخارجي يمنع اختزالها في المزاج الشخصي وحده)

 اللوبي الصهيوني وأولويات التصعيد

لا يمكن عزل هذا المسار عن دور اللوبي الصهيوني في صياغة أولويات التصعيد في الولايات المتحدة، فالأمر لم يقتصر على تطابق عام في المصالح بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، بل تجاوزه في لحظات كثيرة إلى ضغوط منظمة تسهم في تعريف ما يُعدّ "تهديداً إيرانياً"، وتحدد طبيعة الاستجابة التي ينبغي اعتمادها حياله.

وهنا برز سؤال جوهري في عدد من دوائر القرار الأمريكي: هل كانت أهداف التصعيد تعبيراً عن مصلحة أمريكية خالصة ضمن منطق "أمريكا أولاً"، أم أنها مثّلت، بدرجات متفاوتة، انخراطاً متزايداً في أولويات إسرائيلية تتقدم أحياناً على الحسابات الأمريكية الأوسع المتعلقة بكلفة الحرب ومآلاتها السياسية والانتخابية؟

هذا السؤال لا يفسر وحده كل الإقالات، لكنه يساعد على فهم تراجع الإجماع داخل مؤسسات الحكم، وظهور تباينات بين دوائر سياسية أكثر التصاقاً بالمطالب الإسرائيلية، وبين مؤسسات أمنية وعسكرية أكثر تحفّظاً تجاه كلفة المواجهة واحتمالات اتساعها، وفي هذا المعنى، لم يعد اللوبي الصهيوني مجرد ممثل مصالح، بل صار شريكاً مؤثراً في تشكيل الاجتهاد الاستراتيجي الأمريكي نفسه، بما يثير أسئلة جدية حول استقلال القرار الوطني وحدود ارتهانه لأولويات الحليف، وبهذا أضافت الضغوط المؤيدة لـ "إسرائيل" بُعداً داخلياً آخر إلى أزمة القرار الأمريكي، عبر تعميق التوتر بين كلفة الحرب ومبررات التصعيد.

(تفضح أولوية التصعيد مدى تغلغل اللوبي الصهيوني في تعريف التهديد ورسم حدود القرار الأمريكي)

 من الصمود إلى الردع: التحول الإيراني

في المقابل، لم يكن الأداء الإيراني مجرد فعل دفاعي يهدف إلى امتصاص الضربات، بل اتجه إلى بناء معادلة ردع تجعل أي اعتداء عليها، أو على حلفائها، محفوفاً بكلفة باهظة، وهنا تكمن النقلة الأساسية: الانتقال من مجرد الصمود، بمعنى الاحتمال، إلى الردع، بمعنى دفع الخصم إلى إعادة التفكير قبل الفعل.

وقد ارتكز هذا التحول على تطوير القدرات الصاروخية والمسيّرة، وتوسيع هامش الرد ليشمل مصالح أمريكية وإسرائيلية في المنطقة، مع الحفاظ على تماسك محور المقاومة ورفع كلفة الحرب الشاملة إلى مستويات لا يمكن تجاهلها، وبهذا المعنى، لم تعد إيران هدفاً للضغط فقط، بل طرفاً قادراً على إعادة توزيع الضغوط وفرض حسابات جديدة على خصومه.

وهذا ما حوّل أوهام الضربة السريعة إلى ارتباك في إدارة ترامب، وأعاد ترتيب أولويات المخاطر في الذهن الأمريكي، فالصواريخ والمسيّرات بعيدة المدى لم تعد مجرد أدوات رد تكتيكية، بل أصبحت عنصراً مركزياً في مفهوم الردع الإيراني والإقليمي، على نحو أربك الحسابات التي قللت سابقاً من أثر هذا البعد الدفاعي، وبذلك انتقلت إيران من موقع الاحتمال الدفاعي إلى موقع إنتاج الكلفة والردع، بما أعاد تشكيل حسابات الخصم.

(التحول الأهم أن إيران لم تعد مجرد هدفٍ للضغط، بل صارت فاعلاً يفرض على خصومه حسابات الكلفة)

وحدة الساحات وإعادة توزيع الضغط

يصعب فهم حدود المشروع الأمريكي الإسرائيلي من دون التوقف عند محور المقاومة، فالمواجهة لم تكن مع دولة منفردة معزولة، بل مع بنية إقليمية موزعة على ساحات متعددة، تتفاعل في ما بينها من خلال شبكات تنسيق وتبادل خبرات وآليات دعم متبادلة، لا بوصفها قيادة مركزية جامدة، بل بوصفها تشكيلاً مرناً متعدد المستويات.

وقد راهنت التقديرات الأمريكية والإسرائيلية على أن ضرب "مركز الثقل" الإيراني سيؤدي إلى إرباك هذه البنية أو تفكيكها، غير أن التطورات الميدانية أظهرت أن المحور يمتلك قدرة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج فاعليته، من خلال تحويل الضغط في ساحةٍ إلى استجابة في ساحةٍ أخرى، وإعادة توزيع الأدوار بما يمنع الوصول إلى خاتمة سريعة وحاسمة.

هذا الصمود لم يكن عرضياً، بل كشف عن محدودية الرهان على الإخضاع السريع، فالمحور تجنّب التمركز في معركة واحدة فاصلة، واعتمد بدلاً من ذلك منطق "الساحات المترابطة"، حيث يتحول كل ضغط مركز إلى عبء موزع على أكثر من جبهة، وهكذا أصبح أي "نجاح" موضعي في ساحة ما مهدداً بالتحول إلى كلفة مضاعفة في ساحات أخرى، بما يؤكد أن تجزئة المواجهة إلى ملفات منفصلة كانت قراءة قاصرة لطبيعة الصراع الفعلية.

(أثبت محور المقاومة أن ترابط الساحات يحوّل الضغط المركز إلى عبءٍ موزع، ويُفشل منطق الحسم عبر الضربات الموضعية)

 تآكل الهيبة وحدود القوة

لم يقتصر أثر التعثر على الميدان، بل امتد إلى المجال الرمزي أيضاً، فالهيبة الدولية جزء أساسي من بنية الردع، لأنها تقوم على إقناع الخصوم بأن الدولة الكبرى لا تملك أدوات القوة فحسب، بل تملك أيضاً القدرة والإرادة لتحويلها إلى حسم سياسي واضح، وعندما تهتز هذه الصورة، لا تتراجع الهيبة بوصفها مظهراً معنوياً فقط، بل يتأثر الردع ذاته.

ومن هذا المنظور، فإن المشكلة لا تكمن في تراجع مادي مباشر في الأساطيل أو القواعد أو المنظومات العسكرية، بل في تراجع الثقة بقدرة هذه القوة على إنتاج نتائج نهائية، وعندما تستنتج الجبهات المقاومة أن التهديدات القصوى تنتهي، في الغالب، إلى مواجهات محدودة أو إلى مفاوضات متأخرة، فإن كلفة التحدي تبدو أقل من كلفة الخضوع، ويصبح الصمود خياراً أكثر قابلية للاستمرار، وهنا يظهر جوهر المأزق: القوة التي لا تحسم، مع تكرار استخدامها، قد تبدأ بفقدان جزء من أثرها الرمزي، وعندها لا يعود السؤال كم سلاحاً تملك، بل: هل ما تزال قادرة على فرض ما تعد به؟ فالقوة التي تُستخدم مراراً من دون حسم لا تتبدد مادياً فقط، بل تتآكل رمزياً أيضاً، ومعها يتراجع أثر الردع نفسه.

(تفقد القوة هيبتها حين تعجز عن الوفاء بوعدها السياسي، مهما ظلت متفوقة في العدد والعدة)

 الخلاصة

في المحصلة، تبدو الإقالات في الإدارة الأمريكية أبعد من أن تكون مجرد تغييرات إدارية عابرة؛ فهي، في أحد أوجهها، علامة على تصدع أعمق في المشروع الأمريكي الإسرائيلي الذي راهن على إخضاع إيران عبر الضغط الشامل، ثم اصطدم بحدود صلبة في التأثير الداخلي والإقليمي، وعجز عن ترجمة تفوقه المادي إلى حسم سياسي واضح.

لقد كشفت هذه الجولة من الصراع أن امتلاك أدوات البطش والهيمنة لا يكفي وحده لصناعة النصر، وأن خصماً قادراً على الصمود، وإعادة التموضع، وفرض الكلفة، يستطيع أن يبدد كثيراً من رهانات التفوق النظري، وأن يربك الحسابات المبنية على تصور مبسط لعلاقة القوة بالسياسة، كما أظهرت أن الاضطراب داخل واشنطن لا ينفصل عن تزايد الشك في جدوى المسار نفسه، ولا عن التناقض بين كلفة الحرب ومقتضيات التصعيد، ولا عن تأثير الضغوط الدافعة نحو أولويات تتجاوز معيار المصلحة الأمريكية المباشرة.

ومن هنا، يغدو السؤال أكبر من مجرد تبديل الأشخاص والمواقع: ما حدود القوة ذاتها حين تُستخدم ضد خصم لا ينكسر وفق الصيغة التي افترضتها مراكز القرار؟ وماذا يبقى من الهيبة إذا تكرر التهديد من دون أن يفضي إلى نتيجة فاصلة؟

إن المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة يضعنا أمام درس مزدوج: الأول أن القوة، مهما عظمت، ليست مطلقة الفاعلية حين تواجه خصماً يملك إرادة الصمود وأدوات الرد؛ والثاني أن التفوق العسكري والاقتصادي لا يتحول آلياً إلى انتصار سياسي مستقر، وعندما تغيب هذه الحقيقة عن حسابات القوة، يتحول "الضغط الشامل" من أداة للهيمنة إلى تعبير متكرر عن العجز.

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز

مواضيع متعلقة