أكتوبر 2026
أتقدم بالشكر إلى "مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية اليمني"، وعلى رأسه مديره التنفيذي الأستاذ عبد العزيز أبوطالب على إتاحة الفرصة لإعداد هذه الدراسة.
كما أتوجه بالشكر إلى الرفيق الأستاذ أنس القاضي على مساعدته في توفير عدد من المراجع والمصادر التي استفدت منها في إعدادها.
وأشكر كذلك الأخ محمد سلطاني، على دوره في تيسير التواصل بيني وبين الأستاذ أبوطالب. أتقدم أيضا بالشكر والتقدير إلى صديقي ريان ع على جهوده في المراجعة اللغوية للنص.
التلخيص التنفيذي:
تبحث هذه الدراسة في العلاقات السعودية اليمنية خلال الفترة 1990-2015، مركزةً على تطور أدوات النفوذ السعودي وانتقالها من الهيمنة غير المباشرة إلى التدخل المباشر، وتوظف الدراسة المنهج التاريخي، ضمن إطار نظري يجمع بين مقاربة الهيمنة الغرامشية عند روبرت كوكس ونظرية الزبونية السياسية، لفهم تفاعل البنى المادية والمؤسساتية وشبكات الولاء في إنتاج علاقات التبعية بين البلدين. وتخلص الدراسة إلى أن النفوذ السعودي لم يعتمد على القوة والإكراه وحدهما، بل استند كذلك إلى توظيف الموارد الاقتصادية، والمساعدات، وفرص العمل، والدعم السياسي، والتعاون الأمني، إلى جانب شبكات الرعاية والولاء، وتبين الدراسة أن هذه الآليات أسهمت في إعادة إنتاج النفوذ السعودي داخل اليمن، غير أن تصاعد التحولات الداخلية والأمنية أدى تدريجياً إلى تراجع فعالية أدوات النفوذ غير المباشر، وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر في إطار "عاصفة الحزم" عام 2015.
Abstract:
This study examines Saudi-Yemeni relations between 1990 and 2015،focusing on the evolution of Saudi influence from indirect forms of hegemony to direct intervention. It adopts a historical approach within a theoretical framework combining Robert W. Cox’s Gramscian theory of hegemony with political clientelism، in order to examine how material structures, institutions,and networks of loyalty reproduced relations of dependency between the two states. The study argues that Saudi influence relied not only on coercion and military power, but also on economic resources، financial assistance, employment opportunities، political support، security cooperation، and patronage networks. The study concludes that these mechanisms enabled Saudi Arabia to reproduce its influence within Yemen, while growing internal and security transformations gradually weakened the effectiveness of indirect forms of influence, ultimately contributing to the transition toward direct military intervention through Operation “Decisive Storm” in 2015.
المقدمة
المبحث الأول: الإطار النظري والإرث التاريخي
المطلب الأول: الهيمنة والزبونية والاعتماد والإكراه
المطلب الثاني: نموذج تحليل أدوات النفوذ السعودي
المطلب الثالث: الإرث التاريخي السابق للوحدة
المبحث الثاني: إعادة تشكيل العلاقات والنفوذ السعودي في اليمن بعد الوحدة 1990-2000
المطلب الأول: الوحدة اليمنية وأزمة الخليج الثانية وتداعياتها على العلاقة مع الرياض
المطلب الثاني: حرب صيف 1994
المطلب الثالث: المصالحة وإعادة ترتيب العلاقة ومذكرة التفاهم
المطلب الرابع: معاهدة جدة وتسوية الخلاف الحدودي
المبحث الثالث: تعدد أدوات النفوذ السعودي وتحولاتها في اليمن 2000–2011
المطلب الأول: العمالة والتحويلات والمساعدات وأشكال الاعتماد الاقتصادي
المطلب الثاني: المؤسسات السياسية والدبلوماسية وشبكات الوساطة
المطلب الثالث: التعاون الأمني والتدخل المحدود
المطلب الرابع: الشبكات القبلية والدينية والاجتماعية
المبحث الرابع: تحولات النفوذ السعودي وتطور التدخل في اليمن 2015–2011
المطلب الأول: الانتفاضة اليمنية والمبادرة الخليجية وإعادة ترتيب النخب
المطلب الثاني: إدارة المرحلة الانتقالية وحدود النفوذ السعودي
المطلب الثالث: صعود أنصار الله وتفكك بعض الوسطاء وشبكات النفوذ
المطلب الرابع: التدخل العسكري في 2015 بوصفه تصعيداً نوعياً في الإكراه
خاتمة
بيان بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي
المصادر والمراجع
المقدمة
تعد العلاقات بين الدول ذات الأوزان الجيوسياسية المتفاوتة داخل المنظومة الإقليمية الواحدة من أكثر القضايا إثارة لنقاش نظريات العلاقات الدولية لما تكشفه من أنماط الهيمنة والتبعية.
تحظى العلاقة بين اليمن والمملكة العربية السعودية، بوصفهما دولتين عربيتين متجاورتين في منطقة غرب آسيا، باهتمام واسع في الدراسات السياسية والتاريخية، نظراً لطبيعة التفاعل المعقد الذي طبع تاريخهما المشترك فمنذ استقلال اليمن الشمالي عام 1918، غدا اليمن هدفاً لمساعي التوسع السعودي في شبه الجزيرة العربية، وهي المساعي التي لم تكتمل نهائياً إلا سنة 1932 مع إعلان الملك عبد العزيز آل سعود توحيد "المملكة" ومنذ ذلك التاريخ، ظل اليمن يُستهدف ويُعامَل "كالفناء الخلفي" للمملكة، سواء بأدوات القوة أو اللين، وشهدت العلاقة بين البلدين صراعات متكررة استمرت حتى الوقت الراهن واللافت أن الطموح السعودي في بسط الهيمنة على اليمن ظل ثابتاً في جوهره، رغم اختلاف الظروف الدولية والإقليمية، وتعاقب أنظمة سياسية مختلفة على الحكم في اليمن شمالاً وجنوباً.
تكتسب دراسة العلاقات السعودية اليمنية أهميتها من كونها نموذجاً دالاً على طبيعة العلاقة بين قوة إقليمية مهيمنة (المملكة العربية السعودية) ودولة محيطية تتسم ببنية ريعية شبه-معدومة وتشظٍ سياسي بنيوي (الجمهورية اليمنية).
امتدت هذه العلاقة عبر محطات تأسيسية كبرى وسيتم التركيز هنا على الفترة التي تلت الوحدة اليمنية في مايو 1990 مروراً بحرب الخليج الثانية، حرب 1994، حروب صعدة، الربيع العربي، وصولاً إلى ما سمي بعاصفة الحزم سنة 2015.
المراجعة الأدبية:
تناولت الكتابات والدراسات المتعلقة باليمن والعلاقات اليمنية-السعودية جوانب متعددة من تاريخ العلاقة وتحولاتها السياسية والاقتصادية والأمنية، ويأتي في مقدمتها كتاب أنس القاضي "الجمهورية اليمنية من الوحدة إلى الثورة" الذي يدرس التحولات اليمنية بين عامي 1990 و2015 من منظور اجتماعي واقتصادي وسياسي، رابطاً بين بنية الدولة والمجتمع والنخب الحاكمة والتدخلات الخارجية، ومحللاً محطات الوحدة وحرب 1994 وثورة 2011 والمرحلة الانتقالية وصعود أنصار الله والتدخل العسكري عام 2015؛ وتستفيد هذه الدراسة من هذا الكتاب في فهم السياق الداخلي والتحولات التاريخية التي أثرت في علاقة اليمن بمحيطه، لكنها تختلف عنه في تركيزها المباشر على آليات النفوذ السعودي لا على المسار العام للتحول اليمني كما يمثل كتاب ماجد الوشلي "العلاقات اليمنية السعودية بين السيادة والوصاية" دراسة أكثر التصاقاً بموضوع العلاقة الثنائية، إذ يركز على مساراتها التاريخية والسياسية والاقتصادية والجغرافية، وعلى أثر تفاوت القوة في السيادة اليمنية، وأهمية الحدود والموقع الجيوسياسي والبحر الأحمر في تشكيل السياسة السعودية؛ وتستفيد الدراسة الحالية من هذا الكتاب في بناء خلفيتها التاريخية والجيوسياسية، غير أنها تتجاوز ثنائية السيادة والوصاية إلى تفكيك الأدوات التي تُنتج النفوذ، مثل الاعتماد الاقتصادي، والمساعدات، والعمالة والتحويلات، وشبكات الرعاية والوساطة السياسية والقبلية والدينية، والتعاون الأمني والإكراه العسكري أما الدراسات الأخرى فقد انصرفت إلى موضوعات جزئية، فركزت الدراسات الجيوبوليتيكية على أهمية اليمن الاستراتيجية وأمن الحدود والبحر الأحمر وباب المندب، وتناولت الدراسات الاقتصادية أثر العمالة اليمنية والتحويلات والمساعدات وسياسات الترحيل في الاقتصاد اليمني، بينما بحثت الدراسات الأمنية والحدودية في النزاعات الحدودية واللجان المشتركة والتعاون الأمني والتدخلات العسكرية السابقة لعام 2015؛ وعلى الرغم من أهمية هذه الأدبيات، فإنها غالباً ما تعالج كل بُعد بصورة منفصلة، ولا تقدم تفسيراً متكاملاً لكيفية تحول الموارد الاقتصادية والعلاقات السياسية وشبكات الوسطاء إلى نفوذ وهيمنة، أو لكيفية تراجع فاعلية الأدوات غير المباشرة والانتقال إلى الإكراه العسكري ومن هنا تتمثل إضافة هذه الدراسة في الجمع بين المقاربة الغرامشية-الكوكسيّة ونظرية الزبونية السياسية لتحليل النفوذ السعودي بوصفه عملية تُعاد من خلالها صياغة علاقات القوة والقبول والاعتماد، مع مراعاة دور الفاعلين اليمنيين في قبول النفوذ أو التفاوض معه أو مقاومته، ودراسة تطور هذه الآليات زمنياً بين 1990 و2015، بما يتيح تفسير التدخل السعودي عام 2015 باعتباره تصعيداً نوعياً في استخدام الإكراه ارتبط بتفاعل أزمة أدوات النفوذ غير المباشر مع التحولات الداخلية والأمنية والإقليمية، لا باعتباره بداية منفصلة عن التاريخ السابق للعلاقات بين البلدين.
تطرح طبيعة العلاقات السعودية اليمنية عدة أسئلة تهدف معظمها إلى الإجابة عن طبيعة وماهية الهيمنة السعودية في اليمن ويمكن طرح سؤال رئيسي وأسئلة فرعية:
كيف أُعيد إنتاج النفوذ السعودي في اليمن بين 1990 و2015م، وما الشروط التي أدت إلى تراجع فاعلية أدواته غير المباشرة وزيادة وزن الإكراه العسكري؟
الزبونية السياسية هي نمط من التبادل السياسي القائم على تقديم الأحزاب أو الحكومات أو الدول منافع أو تحويلات انتقائية لفئات محددة، ولا سيما الفئات الفقيرة أو المحرومة، مقابل تأمين دعمها والمساعدة في تثبيت نفوذها، وتمتاز هذه المنافع بكونها تقديرية وغير مبرمجة، إذ تُوجَّه إلى مجموعات ضيقة أو أفراد محددين بدل توزيعها وفق قواعد عامة وشاملة.([1])
الهيمنة، في معناها الغرامشي، لا تعني السيطرة بالقوة المباشرة وحدها، بل تشير إلى قدرة قوة اجتماعية أو سياسية على تنظيم علاقات القوة وإنتاج قدر من القبول أو الموافقة على ترتيب معين للمصالح وهي تقوم على تداخل الإكراه مع الرضا، بحيث لا تحتاج القوة المهيمنة إلى استخدام القسر بصورة مستمرة ما دام النظام الذي تدافع عنه يجد له حوامل اجتماعية وسياسية ومؤسسية.([2])
ينطلق المنظور الغرامشي من رفض اختزال السلطة في الإكراه المادي فاستقرار أي ترتيب سياسي لا يعتمد فقط على قدرة القوة المهيمنة على فرض إرادتها، وإنما كذلك على قدرتها على بناء توافقات وتحالفات تجعل مصالحها متداخلة مع مصالح قوى أخرى ولهذا يرتبط مفهوم الهيمنة بمفاهيم المجتمع المدني، والموافقة، والقيادة الفكرية والأخلاقية، والكتلة التاريخية.
الكتلة التاريخية هي مفهوم يشير إلى ترابط البنية الاقتصادية والمصالح الاجتماعية مع المؤسسات السياسية والأفكار التي تمنح ترتيباً اجتماعياً معيناً قدراً من الاستقرار والشرعية ولا تعني الكتلة التاريخية مجرد تحالف سياسي مؤقت، بل تشير إلى وحدة نسبية بين قوى اجتماعية ومادية وفكرية ومؤسسية تجعل هيمنة معينة قابلة للاستمرار.([3])
يقصد غرامشي بالمثقف العضوي (عكس المثقف التقليدي) الفاعل الفكري أو الثقافي الذي يرتبط ببنية اجتماعية أو طبقة أو قوة اجتماعية معينة، ويسهم في صياغة رؤيتها للعالم وتنظيم مصالحها وبلورة خطابها.
من المصطلحات الواردة في البحث، ويُقصد بها السياسة الأرضية والمقصود بالمعنى المركّب أنّ (Geo) تعني الأرض، و (Politics) تعني السياسة، فالمفهوم مركّب من مقطعين وهي بذلك سياسة الأرض، أي الواقع الأرضي أو المكاني بكل عناصره (الموقع، المساحة، الحجم، السكان.. إلخ) من متغيرات قد تؤدي إلى انكماش سياسة الدولة أو إلى توسيعها وتطويرها فهي تبحث في قوة الدولة من خلال الأرضية المتواجدة عليها، أو تنظر إلى التطورات السياسية التي تمر بها الدولة، وترى أنّ الأرض على صلة وثيقة بسياسة الدولة وعلاقتها بالأرض.
يُقصد بها مجموعة القواعد والمبادئ التي ترتبط بمجال معيّن، وتساعد الأفراد المرتبطين بها على اتخاذ القرارات المناسبة، بناءً على مجموعة من الخطط الدقيقة التي تعتمد على وضع الاستراتيجيات الصحيحة للوصول إلى تحقيق نتائج ناجحة حيث تهتم الاستراتيجية بحل المشاكل المتعلقة بإعداد الدولة وقوتها، ومتطلبات القوة، وتسخير كافة المقومات لتحقيق مصالح الدولة في حالتَي السلم والحرب، والحماية وقد تعددت استعمالات مصطلح الاستراتيجية حتى شملت مختلف المجالات، فقد ارتبط المصطلح بـ"المشروع الاستراتيجي".
يقصد بها التدفقات النقدية أو العينية التي يرسلها المهاجرون والعمال في الخارج إلى بلدانهم الأصلية، وتمثل مصدراً مهماً للدخل في الدول النامية، كما يمكن أن تكتسب أهمية سياسية في حالات الاعتماد الاقتصادي.
تشير، وفق مفهوم المساعدة الإنمائية الرسمية (ODA) لدى منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)، إلى التدفقات التي تقدمها الحكومات والمؤسسات الرسمية لدعم التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي في الدول النامية، ويمكن أن تتحول في سياق العلاقات الدولية إلى أداة للنفوذ السياسي وتعزيز الاعتماد.
الحدود الزمنية: تتركز الدراسة أساساً على الفترة الممتدة من عام 1990 إلى عام 2015، باعتبارها الإطار الزمني للتحليل الأساسي، لما شهدته هذه المرحلة من تحولات جوهرية في طبيعة العلاقات السعودية–اليمنية وتطور آليات النفوذ السعودي داخل اليمن ولا يعني ذلك استبعاد الإشارات إلى الفترات السابقة أو اللاحقة، إذ يُستعان بها عند الضرورة لتفسير جذور بعض الظواهر محل الدراسة أو بيان مالاتها، دون أن تتحول تلك الفترات إلى نطاق مستقل للتحليل.
الحد المكاني: الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية باعتبارهما محل موضوع الدراسة.
الحد الموضوعي: العلاقة الثنائية بين الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية، مع وضعها في سياقها الإقليمي الخليجي والدولي حيث يقتضي التفسير ذلك.
لا تعني الهيمنة، في معناها الغرامشي، السيطرة المباشرة أو الإخضاع بالقوة وحدها، وإنما تشير إلى قدرة قوة اجتماعية أو سياسية على تنظيم علاقات قوة وإنتاج قدر من القبول بترتيب معين للمصالح، فالترتيب المهيمن لا يستمر بالقسر المتواصل فقط، بل يستند كذلك إلى بناء توافقات وتحالفات تجعل مصالح الفئات أو القوى التابعة متداخلة جزئياً مع مصالح القوة المهيمنة وبذلك تقوم الهيمنة على تداخل الإكراه والرضا، وعلى تحويل مصالح قوة معينة إلى مصالح تبدو، في بعض السياقات، عامة أو مشتركة.([4])
وقد نقل روبرت كوكس المفاهيم الغرامشية من مجال التحليل الاجتماعي والسياسي الداخلي إلى مجال العلاقات الدولية، مركزاً على تفاعل القوى الاجتماعية، وأشكال الدولة، وبنى النظام العالمي في إنتاج التغيير والاستقرار وتفيد هذه المقاربة في دراسة العلاقة السعودية–اليمنية لأنها لا تختزل النفوذ في التفوق العسكري أو في القرارات الرسمية، بل تبحث في كيفية تفاعل البنى المادية والمؤسسات والأفكار وشبكات الفاعلين المحليين والإقليميين في إعادة إنتاج ترتيب إقليمي معين.
وعلى هذا الأساس، لا يُفهم النفوذ السعودي بوصفه نتيجة للقدرات المادية السعودية فحسب، بل بوصفه عملية تُترجم تلك القدرات إلى علاقات مؤسسية وشخصية وفكرية وسياسية داخل اليمن فالمساعدات، وفرص العمل، والدعم السياسي، والعلاقات مع النخب، والتعاون الأمني، والمؤسسات الدينية والخيرية، لا تصبح أدوات هيمنة إلا عندما تساهم في تثبيت موازين قوى أو ترتيبات مؤسسية أو شبكات مصالح تتيح للرياض التأثير في اتجاهات القرار اليمني أو في حدود البدائل المتاحة أمام الفاعلين اليمنيين.
وبعبارة إجرائية، سيُعدّ الفعل السعودي ذا دلالة هيمنة عندما تتوافر فيه ثلاثة شروط مترابطة: أن يستند إلى مورد أو قدرة غير متكافئة؛ وأن يشارك فاعلون يمنيون في استقباله أو الوساطة فيه أو إعادة إنتاجه؛ وأن يؤدي إلى تثبيت ترتيب سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي يوسّع قدرة السعودية على التأثير أو يحدّ من استقلال القرار اليمني أما إذا غاب الدليل على هذه العناصر، فالأدق وصف الواقعة بأنها تعاون أو مساعدة أو تفاعل سياسي، دون القفز مباشرة إلى استنتاج الهيمنة.
تشير الزبونية السياسية إلى نمط من العلاقات يقوم على تبادل غير متكافئ للمنافع والموارد بين طرف يمتلك قدرة أكبر على توزيع الموارد والحماية، وطرف يعتمد على تلك الموارد مقابل تقديم الولاء أو الدعم أو التعاون السياسي ولا تقتصر الزبونية على شراء الولاءات بصورة مباشرة، فقد تعمل من خلال شبكات شخصية ومؤسسية تشمل المناصب، والمساعدات، والامتيازات الاقتصادية، والحماية السياسية، والوصول إلى الموارد العامة.
وتكتسب الزبونية أهمية خاصة في دراسة النفوذ السعودي داخل اليمن لأنها تسمح بالانتقال من مستوى العلاقة بين الدولتين إلى مستوى الفاعلين والوسطاء المحليين فالدولة السعودية لا تتعامل مع المجتمع اليمني باعتباره كتلة واحدة، كما أن النفوذ لا ينتقل بالضرورة مباشرة من الحكومة السعودية إلى الدولة اليمنية؛ بل قد يمر عبر شخصيات سياسية وقبلية ودينية وعسكرية، أو عبر مؤسسات ومجالس ولجان ومشروعات، بما يحول المورد الخارجي إلى علاقة ولاء أو اعتماد أو وساطة.
ومن ثم، تُفهم الزبونية في هذه الدراسة بوصفها آلية تشغيلية يمكن أن تتجسد من خلالها الهيمنة، لكنها لا تعادل الهيمنة تلقائياً فوجود منحة أو مساعدة أو علاقة شخصية لا يكفي لإثبات الزبونية ولكي توصف حالة معينة بأنها علاقة زبونية، ينبغي تحديد الراعي، والمستفيد، والمنفعة المقدمة، والمقابل السياسي أو الأمني أو الاجتماعي، واستمرارية العلاقة، وما يحدث عند عدم الالتزام أو تغير المصالح وهذا يمنع التوسع في استخدام المفهوم ليشمل كل علاقة مصلحية بين السعودية وفاعلين يمنيين.
وبحسب هذا النموذج، يمكن دراسة اللجنة الخاصة، ومجلس التنسيق، والعلاقات مع بعض النخب والقيادات القبلية والسياسية، لا باعتبارها أدلة مكتفية بذاتها على الهيمنة، بل باعتبارها قنوات محتملة للرعاية والوساطة تحتاج إلى ربطها بالوقائع والنتائج المحددة.
يُقصد بالاعتماد هنا وضع تصبح فيه قدرة طرف على اتخاذ قرارات مستقلة محدودة بسبب حاجته المستمرة إلى موارد أو أسواق أو حماية أو دعم يوفرها طرف آخر ولا يعني الاعتماد انعدام قدرة الطرف الأضعف على الفعل، بل يعني أن كلفة الاستقلال أو مخالفة الطرف الأقوى تصبح مرتفعة بصورة تؤثر في خياراته.([5])
وفي الحالة اليمنية، تظهر أهمية الاعتماد في مجالات متعددة، من بينها العمالة والتحويلات والمساعدات والقروض والتجارة والتعاون الأمني غير أن هذه المجالات لا ينبغي دمجها كلها تحت مفهوم واحد هو «التبعية الريعية» فالتحويلات أموال خاصة يرسلها العاملون إلى أسرهم، والمساعدات تدفقات رسمية، والقروض الدولية ليست بالضرورة أداة سعودية مباشرة لذلك يجب تحليل كل مورد وفق مصدره، وطريقة توزيعه، والجهة المستفيدة منه، وإمكانية توظيفه سياسياً.
وبناءً عليه، يركز التحليل الاقتصادي على السؤال الآتي: كيف أثرت قدرة السعودية على تنظيم سوق العمل والإقامة والترحيل و"السعودة"* في العمالة اليمنية، وما انعكاس ذلك على التحويلات والاقتصاد اليمني وعلى قدرة الرياض على التأثير؟ كما يدرس أثر المساعدات والقروض والمشروعات في العلاقة الثنائية، دون افتراض مسبق أن كل تدفق مالي يمثل أداة هيمنة.
ويختلف الاعتماد عن الزبونية في أن الأول قد يكون بنيوياً وجماعياً، بينما تقوم الثانية غالباً على علاقة أكثر تحديداً بين راعٍ ومستفيد أو شبكة مستفيدين وقد يتقاطع المفهومان عندما يتحول الاعتماد الاقتصادي العام إلى موارد توزع عبر نخب أو وسطاء يملكون قدرة على تحويله إلى ولاء سياسي كما أن الاعتماد لا يثبت وحده وجود الهيمنة؛ إذ يجب بيان كيف تُترجم الحاجة الاقتصادية إلى تأثير في القرار أو في توزيع السلطة.
يشير الإكراه إلى استخدام القوة أو التهديد بها لحمل طرف على قبول سلوك أو ترتيب لا يختاره بصورة حرة تماماً وقد يكون الإكراه عسكرياً مباشراً، كما في العمليات العسكرية، أو أمنياً وسياسياً، كما في التهديد أو الحصار أو الضغط على الحركة أو الموارد ويختلف الإكراه عن الهيمنة من حيث إن الإكراه يعتمد بصورة أوضح على القسر، بينما تسعى الهيمنة إلى تقليل الحاجة إلى القسر عبر إنتاج القبول أو بناء شبكات المصالح.([6])
شهد النفوذ السعودي في اليمن أشكالاً متداخلة من التدخل المباشر وغير المباشر، شملت الموقف من حرب 1994م والتدخل العسكري في حرب صعدة خلال 2009–2010م، وجاء عام 2015م بتصعيد نوعي في نطاق الإكراه العسكري وحجمه، مع اتساع العمليات العسكرية وتشكيل تحالف بقيادة السعودية، ضمن مسار له سوابق في استخدام القوة ودعم أطراف الصراع اليمني.
وعليه، ستبحث الدراسة في التدرج الآتي: أدوات الرعاية والوساطة والاعتماد؛ ثم التعاون السياسي والأمني؛ ثم التدخل المحدود أو دعم أطراف محلية؛ ثم الانتقال إلى التدخل العسكري الواسع ولا تُفهم هذه المراحل باعتبارها خطاً حتمياً، بل باعتبارها فرضية تحليلية يجب اختبارها في ضوء تغير البيئة اليمنية والإقليمية وتراجع أو استمرار فاعلية الأدوات غير المباشرة.
تقوم العلاقة التحليلية بين المفاهيم الأربعة على تراتبية وظيفية فالهيمنة هي الإطار الأوسع الذي يفسر تنظيم علاقات القوة وإنتاج القبول، والزبونية إحدى الآليات التي يمكن أن تنتج هذا القبول عبر شبكات الرعاية والموارد والوسطاء، والاعتماد يصف البنية التي تجعل بعض الفاعلين أو المؤسسات أكثر حاجة إلى موارد الطرف الأقوى أما الإكراه فيمثل نمطاً من التأثير يعتمد على القوة أو التهديد بها، وقد يزداد وزنه عندما تتراجع قدرة أدوات الرعاية والوساطة على تحقيق النتائج المطلوبة.
ولا تفترض هذه العلاقة أن الإكراه يأتي دائماً بعد الهيمنة أو أن الهيمنة تختفي بمجرد استخدام القوة فقد تتعايش الأدوات الأربع في المرحلة نفسها، لكن بأوزان مختلفة لذلك سيكون السؤال في الفصول التطبيقية هو: أي أداة كانت أكثر وزناً في كل مرحلة، وكيف تفاعلت الأدوات، وما الذي أدى إلى انتقال الوزن من أداة إلى أخرى؟
ولا يُستخدم مفهوم الكتلة التاريخية إلا عند إثبات وجود ترابط مستمر بين مصالح مادية ومؤسسات سياسية وأفكار وفاعلين اجتماعيين.
تتحدد السياسة السعودية تجاه اليمن باعتبارها العمق الاستراتيجي للمملكة، وجزء من الأمن القومي السعودي بحكم الجغرافيا، والمجال الحيوي لها بحسب الرؤية السعودية المُهيمنة أي مجال النفوذ الاستراتيجي، مرت العلاقة بين البلدين بعدة مراحل تارة في استقرار تارة في اضطراب، فقد كان لأهمية موقع اليمن وزنه في حسابات المملكة.
مرت العلاقة بين اليمن والسعودية بعدة مراحل، منذ الحرب الباردة عبر دعم قوى داخلية وإدارة حروب أهلية حتى وصلت إلى مرحلة الحرب الفعلية 2015م، وتتمتع الجمهورية اليمنية بموقع جغرافي ذي خصائص جيوسياسية متنوعة، فقد كان لأهمية الموقع الجغرافي لليمن دور في إبرازه كدولة ذات أهمية استراتيجية إقليمياً، رغم انتمائها إلى مصاف الدول النامية التي لم تجد لها مكاناً بين الاقتصادات العالمية إلا بالاعتماد على موقعها الجيوسياسي المميز، وقد سعت اليمن إلى توظيف هذا الموقع للاندماج في الاقتصاد العالمي، وتحقيق دخل قومي من خلال الاستفادة من حركة الملاحة البحرية التي تفد إليها من مختلف أنحاء العالم.
إلا أن هذه الميزة الجيوسياسية أصبحت محل خلاف وصراع، خاصة في ظل أهمية اليمن بالنسبة لتجارة النفط الخليجية، الأمر الذي دفع دول الخليج عامة، والسعودية والإمارات خصوصاً، إلى التنافس عليها في ظل دعم أمريكي كبير، ومع امتلاك السعودية أطول امتداد ساحلي بين دول شبه الجزيرة العربية، إضافة إلى أهمية ميناء جدة، جعل من سواحل البحر الأحمر بوابة أمنية واقتصادية وتاريخية وجغرافية بالغة الأهمية كما أن أهمية البحر الأحمر تكمن في كونه بوابة لاستقبال الحجاج، الأمر الذي جعل أمنه جزءاً من الأمن القومي السعودي، ودفع المملكة إلى رعاية مصالحها فيه ومنع وجود أي كيان ممكن يهدد مصالحها الممتدة.
ويُعد مضيق باب المندب من أهم الإشكاليات بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، إذ أن أي دولة تتمكن من التحكم في هذا المضيق تستطيع التأثير في مسارات الملاحة البحرية الدولية وتدفقات النفط إلى الأسواق العالمية، وتعتمد دول الخليج في تصدير النفط على عدة مسارات، أهمها المسارات البحرية.
وفي هذا السياق، برز الصراع حول موانئ البحر الأحمر ومسارات الملاحة البحرية باعتباره أحد أبعاد التنافس الإقليمي فالدور الذي قامت به المملكة في البحر الأحمر، والذي كان له هدف معلن يتمثل في مكافحة القرصنة الصومالية، ارتبط، في جانب منه، حسب ادعائها في الحد من "التمدد الإيراني" على سواحل البحر الأحمر وقد تزامن ذلك مع الحملة العسكرية التي قادتها المملكة العربية السعودية ضد اليمن تحت ادعاء "استعادة الحكومة الشرعية".
ومن جانب آخر، ارتبطت الاستراتيجية السعودية تجاه اليمن بهدف الحفاظ على أمن الحدود وسلامة الدولة من أي تعدٍّ أو تهديد، وهو ما جعل اليمن تمثل، بالنسبة إلى المملكة، مجالاً أمنياً وجيوسياسياً حيوياً، وليس مجرد دولة مجاورة ومن ثمّ، تداخلت اعتبارات أمن الحدود مع اعتبارات الأمن البحري والطاقة والتجارة الدولية والتنافس الإقليمي، لتشكل مجتمعةً محددات رئيسية للاستراتيجية السعودية تجاه اليمن
يمكن تلخيص المبادئ الجيوسياسية السعودية في النقاط التالية:
نشأت الدولتان (الإمامة المتوكلية في شمال اليمن والدولة السعودية الثالثة) في وقت متقارب خلال مطلع القرن العشرين، ودخلا سريعاً في نزاع بسبب طموحات السعودية في السيطرة على مناطق الحدود الجنوبية الغربية لشبه الجزيرة (عسير، نجران، جيزان) اليمنية، تخللته حادثة أخذت حجماً كبيراً تمثل في مجزرة تنومة سنة 1923 (مقتل نحو 3000 حاج يمني على يد قوات ابن سعود)، وفي العام 1932 تطور هذا التنافس إلى حرب محدودة عام 1934 انتهت سريعاً بعد معركة "باقم" التي أجبرت القوات السعودية على التراجع أمام مقاومة يمنية شرسة في الجبال، وتُوّجت باتفاقية الطائف([7]) التي نصت على اعتراف متبادل بالاستقلال وتخلي الإمام عن عسير ونجران وجيزان لمدة عشرين سنة قابلة للتجديد، وهو بند تعمّد الإمام يحيى إدراجه لإبقاء ملف الحدود مفتوحاً لا محسوماً، بينما فضّل عبد العزيز من جهته تجنب الاستنزاف في الجبال اليمنية بدل ملاحقة نصر عسكري كامل غير مضمون، وهو النمط نفسه الذي تكرر لاحقاً في حرب 2015 (تجنب التوغل البري، الاعتماد على الغارات الجوية والوكلاء).
كانت مسألة ترسيم الحدود أحد أكثر القضايا الخلافية على امتداد العلاقات التاريخية بين اليمن والسعودية فقد ظلت النزاعات الحدودية محور العديد من التوترات الناشئة بين البلدين خلال القرن الماضي، نجم عنها اندلاع حرب بين البلدين بسبب الحدود عام 1934، انتهت بتوقيع معاهدة الطائف، وهي اتفاقية غير دائمة أبرمت وفق شروط السعودية ظلت فيها الحدود محل نزاعات أبرزها في تسعينات القرن الماضي التي شهدت عدداً من المناوشات العسكرية.
باختصار اندلعت الحرب السعودية اليمنية عام 1934 نتيجة نزاع حدودي وسياسي بين المملكة العربية السعودية بقيادة الملك عبد العزيز آل سعود والمملكة المتوكلية اليمنية بقيادة الإمام يحيى حميد الدين، تمحور أساساً حول السيطرة على مناطق عسير ونجران وجازان التي بقيت متنازعاً عليها منذ تراجع النفوذ العثماني في الجزيرة العربية، حسمت القوات السعودية المعارك لصالحها بسرعة لافتة، ووصلت في تقدمها إلى مشارف الحديدة على البحر الأحمر، لو لا نجاح سيف الإسلام أحمد حميد الدين في تعديل موازين الحرب، ليصل الطرفان إلى التوافق على الحل السلمي، وقبول اليمن ببنود المعاهدة، غير أن الملك عبد العزيز اختار عدم استثمار هذا التفوق العسكري إلى أقصاه، لاعتبارات تتصل بالتوازنات الدولية (الضغط البريطاني والحضور الإيطالي في البحر الأحمر) وبمحدودية القدرة اللوجستية على إدامة التوغل أفضى ذلك إلى توقيع معاهدة الطائف في 20 مايو 1934، التي كرّست ضم عسير ونجران وجيزان إلى السعودية، وتضمنت اعترافاً متبادلاً بالسيادة وميثاق عدم اعتداء منذ ذلك الحين الى وحدة الشطرين اليمنيين بقيت مسالة الحدود محل نزاع وتارة يفتح الملف وتارة يغلق وفق المصلحة والتوافقات بين الأنظمة اليمنية ما قبل الوحدة.
أعقبت ذلك "المرحلة الذهبية" (1934-1962) من الهدوء والتعاون: ترسيم حدود [8]1936، معاهدة إخاء ثلاثية [9]1936، معاهدة عسكرية 1937([10])، ودعم سعودي مباشر عسكرياً ومالياً لأسرة حميد الدين لإفشال انقلابي 1948 و1955، بدافع خشية ابن سعود من "عدوى" الإطاحة بالملكيات المجاورة وقلقه من تأثير أي حراك دستوري أو جمهوري في اليمن على شرعية نظامه، غير أن المرحلة الممتدة من ثورة 1962 وحتى الوحدة 1990 شهدت تحولاً جوهرياً من الرعاية المباشرة إلى صراع نفوذ بالوكالة: حرب أهلية يمنية (1962-1970) شكلت مواجهة سعودية-مصرية غير مباشرة عبر دعم الملكيين من الرياض والجمهوريين من القاهرة، انتهت باتفاق الخرطوم 1967، ثم أضاف استقلال الجنوب الاشتراكي عام 1967 عدواً أيديولوجياً مباشراً للسعودية.
اما بالنسبة للموقف السعودي من الوحدة اليمنية فلم يكن إيجابياً، بل كانت تخوفات المملكة من إعادة تحقيق الوحدة اليمنية منذ وقت مبكر، وكانت من أشد المعارضين للوحدة اليمنية، وبذلت كل ما بوسعها لإعاقة تحقيقها، وهناك من يتهمها بالتخطيط والمشاركة في اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي بعد أن اتفق مع قادة الشطر الجنوبي على إعلان الوحدة اليمنية في 14 أكتوبر 1977، ليكون هذا الحدث التاريخي متزامنا مع ذكرى ثورة 14 أكتوبر 1963 ضد الاحتلال البريطاني.([11])
وكانت المخاوف السعودية من الوحدة حينها تكمن في التقارب بين الرئيس إبراهيم الحمدي مع زعماء الشطر الجنوبي كان الاعتراض السعودي على إعادة تحقيق الوحدة اليمنية بشكل صريح قد بدأ منذ اتفاقية القاهرة الوحدوية في 28 أكتوبر 1972، واستمر حتى حرب صيف 1994، كما أن السعودية كانت تغذي الصراعات والحروب بين شطري اليمن قبل الوحدة لوأد أي تقارب بين الطرفين يؤدي إلى التسريع بتحقيق الوحدة بينهما، واحتضنت قوى المعارضة اليمنية من شماليين وجنوبيين بهدف تحريض طرف ضد الطرف الآخر.
وكان لافتاً أنه قبل الإعلان عن تحقيق الوحدة بمدة زمنية قصيرة، أرسلت السعودية وفدا إلى عدن[12]، ولم تسفر الزيارة عن أي نتيجة ملموسة ولم تعرف نتائجها والغرض منها، يمكن تفسيرها بأنها ربما كانت تحمل عرضاً للجنوبيين مقابل إثنائهم عن الوحدة مع الشمال، وزاد من التكهنات حول طبيعة الزيارة الاتصالات التي أجرتها الحكومة اليمنية بعد الوحدة مع السعودية بهدف طمأنتها بأن الوحدة اليمنية لن تشكل خطرا عليها.
من بين أهم أسباب توتر العلاقات السعودية اليمنية أيضاً أزمة الخليج بين عامي 1990 و1991 باحتلال الكويت من قبل العراق، إذ تم تصنيف اليمن كبلد منحاز إلى العراق أو على الأقل لم يكن متوافقاً مع العلاقات الحميمية التي تربط اليمن بدول الخليج، وخاصة السعودية والكويت حيث أبدى الرئيس آنذاك (علي عبدالله صالح) تعاطفه مع النظام العراقي، أعطى هذا الموقف مبرراً للرياض للعودة الى الساحة اليمنية في محاولة تحقيق مالم تحققه من قبل، وهو إيقاف مشروع الوحدة، وحيث توترت العلاقات بصورة متسارعة بسبب استياء دول الخليج من المواقف السياسية الرسمية الداعمة للعراق، وعلى إثر ذلك قامت المملكة العربية السعودية بطرد مئات الآلاف من العمال اليمنيين، مما أدى الى توقف تحويلاتهم المالية.
تم طرد أكثر من 80% من أصل 1،3 مليون مهاجر عامل من دول الخليج وبعد هذا الترحيل الجماعي للمغتربين انخفضت نسبة تحويلات من الناتج المحلي الإجمالي من 30 % الى 5 % فقط وقد تسببت هذه العودة الجماعية للعمال أيضاً بتدهور الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في اليمن.([13])
بعد ذلك، وخلال النصف الأول من التسعينات، واجه اليمن تحديات شديدة على مستوى اقتصاده الكلي؛ فقد ارتفع العجز في ميزان المدفوعات من 12% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1990 إلى 16% في العام 1994؛ وارتفع معدل التضخم من 33% في عام 1991 ليصل إلى 120% في العام 1994، وانخفضت قيمة الريال اليمني من 12 ريالاً مقابل الدولار عام 1991 إلى 160 ريالاً مقابل الدولار في العام 1995؛ أي انخفاض قيمة العملة المحلية بحوالي 1،200% ويعتقد كثيرون أن زعزعة الاستقرار كانت من أهم العوامل التي ساهمت في اشتعال الحرب بين شريكي الوحدة في اليمن عام 1994.([14])
لم تصمد التجربة الوحدوية سوى أربع سنوات قبل أن تنزلق البلاد إلى حرب أهلية شاملة عُرفت بحرب صيف 1994 أو حرب الانفصال اليمنية، فقد تصاعدت حدة الخلاف بين الشريكين الشمالي والجنوبي، تزامناً مع اختلال حاد في المالية العامة خلال الفترة 1990–1994؛ إذ بلغ عجز الموازنة في عام 1993 نحو 15.1% من الناتج المحلي الإجمالي على أساس الالتزام، و14.3% على أساس نقدي.[15] واندلعت الشرارة الأولى للمواجهات في فبراير 1994 بمحافظة أبين جنوباً، قبل أن يتطور الأمر إلى حرب مفتوحة مطلع مايو من العام نفسه بين قوات الرئيس علي عبدالله صالح وقوات نائبه علي سالم البيض وفي 21 مايو 1994، أعلن البيض من عدن "جمهورية اليمن الديمقراطية" منفصلة عن الشمال، غير أن هذا الكيان لم يحظَ بأي اعتراف دولي، وانتهت الحرب بسقوط عدن بيد القوات الشمالية في 7 يوليو 1994.[16]
لم يقف المجتمع الدولي موقف المتفرج، وإن ظل تأثيره محدوداً في مجرى الأحداث ميدانياً فقد تبنّى مجلس الأمن الدولي، في الأول من يونيو 1994، القرار رقم 924 الداعي إلى وقف فوري لإطلاق النار، وأوفد الأمين العام بطرس غالي الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي إلى صنعاء في التاسع من يونيو سنة 1993 لتقصي الحقائق، إلا أن مهمته انتهت بتقرير رفعه إلى مجلس الأمن في 28 يونيو خلص فيه إلى استحالة التوصل إلى اتفاق لوقف القتال بسبب إصرار الحكومة اليمنية على الحسم العسكري[17]، وقد فشلت وساطات جامعة الدول العربية بدورها، خصوصاً بعد إصدار الحكومة اليمنية أوامر بالقبض على قادة الانفصال أما الولايات المتحدة، فقد دعمت من حيث المبدأ بقاء اليمن موحداً، مكتفية بالدعوة المتكررة إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى التفاوض من دون ممارسة ضغط حاسم في المقابل.
مالت دول مجلس التعاون الخليجي - وفي مقدمتها السعودية - بوضوح نحو الجانب الجنوبي، وأصدرت بياناً مشتركاً جاء فيه أن "الوحدة لا يمكن فرضها بالقوة العسكرية"، في صياغة انطوت على تسليم ضمني بمشروعية خيار الانفصال.([18])
لطالما مثّلت السياسة السعودية تجاه اليمن محور الصراعات والتدخلات الإقليمية والدولية في هذا البلد، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد شكّلت حرب 1994 أحد أبرز تجليات هذا المحور فالرياض لم تكتفِ بدعمها للقوات الجنوبية، بل انخرطت مباشرة في دعمها مادياً وعسكرياً، إذ بادرت - إلى جانب الإمارات والكويت - إلى تزويد قوات علي سالم البيض بمساعدات مالية ضخمة وتجهيزات عسكرية متطورة شملت طائرات مقاتلة من طراز ميغ-29 ابتيعت من دول أوروبا الشرقية.
لا يمكن فهم هذا الدعم السعودي للانفصال بمعزل عن حسابات استراتيجية أعمق فالمملكة، منذ قيام الدولة السعودية الحديثة عام 1932، دأبت على معارضة أي مشروع لتوحيد اليمن، مفضّلة إبقاءه كياناً متعدداً ومنقسماً على قيام دولة موحدة وقوية قادرة على اتخاذ قرار سيادي مستقل، في حالة الوحدة ستجد الرياض إزاء معضلة استراتيجية بنيوية: فهي تريد يمناً لا يمثل تهديداً لأمنها القومي، لكنها في الوقت ذاته تخشى قيام يمن قوي وموحّد يملك قراره خارج نطاق تأثيرها ومن هذا المنظور، فإن يمناً مجزأً - أو على الأقل هشّ البنية ومتعدد مراكز القوى - يشكل بيئة أكثر ملاءمة لآليات الرعاية والزبائنية السعودية القائمة على توزيع المخصصات المالية والولاءات القبلية، مقارنة بدولة مركزية موحدة تمتلك مقومات سيادة كاملة ومصادر ثروة وموقع استراتيجي مستقلة، لا سيما مع إشراف اليمن على مضيق باب المندب.
يتجلى التناقض بأوضح صوره في واقعة رواها الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر - شيخ مشايخ قبائل حاشد، ورئيس مجلس النواب اليمني، ورئيس حزب التجمع اليمني للإصلاح - في مذكراته الشخصية فبينما كانت الرياض تقدّم دعمها العلني والمستتر لعلي سالم البيض وقواته، كان الملك الراحل فهد بن عبد العزيز يوجّه في الوقت نفسه، عبر الشيخ الأحمر حليف المملكة التقليدي في الشمال، رسالة مغايرة تماماً ففي لحظة وُصفت بأنها كانت حاسمة، يروي الأحمر أن الملك فهد قال له أثناء توديعه:
"إذا أنتم قادرون على دخول عدن وحسم الموقف فبادروا، لتخرجونا من الحرج وتضعوا الجميع أمام أمر واقع".([19])
وتؤكد مصادر أخرى جوهر هذه الواقعة، إذ تفيد مذكراته الشخصية بأن الملك فهد أسرّ إليه أنهم إذا استطاعوا دخول عدن سينهون المشكلة ويرفعون حرجاً عن المملكة وتحمل هذه الواقعة دلالة تحليلية بالغة الأهمية, فهي تكشف أن الدعم السعودي المعلن للانفصال لم يكن التزاماً مبدئياً بحق الجنوب في تقرير مصيره، بقدر ما كان أداة براغماتية لإبقاء الملف اليمني رخواً ومفتوحاً على الاحتمالات، تُوظَّف أو تُسحب بحسب ما تفتضيه المصلحة السعودية اللحظية، فحين بدا أن كفة الحسم العسكري تميل بوضوح لصالح صنعاء، تحوّلت أولوية الرياض من دعم الانفصال إلى تسريع حسمه وفرض "أمر واقع" ينهي الأزمة ويُخرج المملكة من الحرج الناتج عن ظهورها راعيةً لمشروع انفصالي مهزوم ميدانياً، وبذلك يتضح أن الرهان السعودي الحقيقي لم يكن وحدة اليمن أو انفصاله بحد ذاته، بل على استمرار علاقة تبعية وتحكّم غير مباشر تحول دون بلوغ اليمن سيادة كاملة مستقلة عن الوصاية السعودية.
بعد حرب 1994 والحسم العسكري الذي حققته قوات الرئيس آنذاك علي عبدالله صالح بدأ تتأقلم المملكة السعودية مع الامر الواقع الجديد و في هذا الإطار يذكر أنه بعد ثمانية أشهر من الحرب ، تحديداً في 26 فبراير 1995 وقعت بين الجانبين مذكرة تفاهم لحل الخلافات وتأكيد المذكرة لاتفاقية الطائف سنة 1934 وترسيم الحدود المتفق عليها في تلك السنة، وقد أكدت المذكرة التزام الجانبين بحل الخلافات الحدودية بالوسائل السلمية، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، كما نصت على تشكيل لجنة مشتركة لاستكمال أعمال ترسيم الحدود وتجديد العلامات الحدودية، بما يمهد للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع الحدودي ولم تقتصر المذكرة على الجانب الأمني والحدودي، بل أرست أيضاً إطاراً لتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي بين المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية، وهو ما تُوِّج لاحقاً بتوقيع معاهدة جدة عام 2000.([20])
في الفترة التي تلت الوحدة خاصة بعد حرب 1994 التي كما فسرنا حسمت فيها قوات نظام الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح عادت الإشكالية والحديث المتكرر عن ضرورة تجديد اتفاقية الطائف من دون التسبب في توترات كبيرة مع السعودية في وقت كان النظام قد فتح تدريجياً التواصل الدبلوماسي مع الرياض، فمنذ 1995 استمـرت المباحثات والحوارات والزيارات بين اليمن والسعودية خمسة أعوام 95-2000م ، ولم يكن الأمر كله سهلاً بل كانت في بعض الحالات تحدث اشتباكات مسلحة، لكن الأساس الذي وضعته "مذكرة التفاهم" مكّن البلدين من تجاوز الصعوبات والمشاكل حتى تجاوز الطرفان عقدة تحديد موقع (جبل ثأر) و( رأس المعوج)[21] ورسم خط الحدود إلى عمان وحتى وصل الجميع إلى لحظة التوقيع على اتفاقية الحدود النهائية في جدة في 12/6/2000م تم في نهاية المطاف التوقيع على اتفاقية دولية أنهت الخلافات في عام 2000، وأُنشئت بموجبه عدد من اللجان السعودية- اليمنية المشتركة لبحث القضايا الأمنية والتنموية المرتبطة بالحدود مثل إقامة أبراج المراقبة والدوريات المشتركة والقواعد التي تنظم أعمال البناء في المنطقة الحدودية.([22])
لم تكن معاهدة جدة الموقعة في 12 يونيو/حزيران 2000 مجرد اتفاق قانوني لترسيم الحدود بين المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية، بل مثلت لحظة مفصلية أعادت صياغة ميزان القوة بين البلدين على أسس تعكس التفوق السياسي والاقتصادي السعودي مقابل هشاشة الدولة اليمنية فمن الناحية الشكلية أنهت المعاهدة نزاعاً حدودياً امتد لعقود، ووُصفت بأنها أسست لعلاقات حسن جوار واستقرار دائم إلا أن من زاوية أخرى تكشف أن الاتفاق جاء في سياق اختلال عميق في موازين القوة، حيث لم يكن الطرفان يمتلكان القدرة التفاوضية نفسها، الأمر الذي يجعل المعاهدة أقرب إلى تسوية فرضتها ظروف الإكراه السياسي والاقتصادي أكثر من كونها تسوية تفاوضية متكافئة.
ويثور في هذا السياق جدل مهم حول ما إذا كانت معاهدة جدة شكلت اتفاقاً جديداً بالفعل أم أنها لم تكن سوى إعادة إنتاج لاتفاقية الطائف لعام 1934 فمن الناحية القانونية لم تُلغِ معاهدة جدة الأساس الذي أرسته اتفاقية الطائف، بل اعتمدت عليها باعتبارها المرجعية التاريخية لترسيم الحدود، مع استكمال عملية التحديد الفني للخط الحدودي وفق الإحداثيات الحديثة وبذلك يمكن القول إن اتفاقية جدة لم تؤسس واقعاً قانونياً جديداً بقدر ما منحت الشرعية النهائية للترتيبات التي فرضتها اتفاقية الطائف بعد الحرب السعودية–اليمنية عام 1934، والتي ظلت محل اعتراض يمني طوال العقود اللاحقة وإذا كانت الطائف قد كرست ميزان القوة العسكري الذي أنتجته حرب الثلاثينيات، فإن اتفاقية جدة كرست ميزان القوة السياسي والاقتصادي الذي نشأ بعد حرب الخليج الثانية، أي أن الاتفاقيتين تعبران عن مرحلتين مختلفتين لإعادة إنتاج الهيمنة السعودية باستخدام أدوات مختلفة.
أما فيما يتعلق بما خسره اليمن، فإن الخسارة الأولى تمثلت في إسقاط المطالبة السياسية والقانونية بالمناطق التي ظلت قطاعات واسعة من النخب اليمنية تعتبرها أراضٍ يمنية تاريخياً، وفي مقدمتها عسير ونجران وجيزان، إذ أصبحت هذه القضية مغلقة نهائياً بموجب المعاهدة، وفقدت الدولة اليمنية أي أساس قانوني مستقبلي لإعادة فتح الملف كما قبل اليمن بترسيم نهائي للحدود البرية والبحرية وفق التصور السعودي، بما في ذلك تنظيم السيادة على بعض المناطق الحدودية وآليات استغلال الموارد المحتملة، وهو ما أنهى عملياً هامش المناورة الذي احتفظت به الحكومات اليمنية لعقود.
غير أن الخسارة الأهم لم تكن جغرافية فقط، بل كانت سياسية واستراتيجية فقد فقدت صنعاء ورقة تفاوضية ظلت تستخدمها في إدارة العلاقة مع الرياض، وأصبحت العلاقات الثنائية تنتقل من مرحلة النزاع الحدودي إلى مرحلة الاعتماد الاقتصادي والأمني المتزايد على السعودية وهذا التحول جعل من ملف الحدود، الذي كان مصدراً للصراع، أداةً لإعادة بناء منظومة النفوذ السعودي داخل اليمن من خلال التعاون الأمني وضبط الحدود والمساعدات الاقتصادية، بما يعزز قدرة المملكة على التأثير في القرار السياسي اليمني.
أصبحت السعودية توظف بشكل أكثر "قانونية" المساعدات المالية، وفرص العمل، والدعم السياسي، والتعاون الأمني، باعتبارها موارد زبونية تمنح للنخب اليمنية مقابل الحفاظ على نمط معين من السلوك السياسي الذي يراعي المصالح السعودية، وبذلك تحولت العلاقة من نزاع حدودي إلى علاقة تعتمد فيها النخب اليمنية بدرجات متفاوتة على الموارد التي تتحكم فيها المملكة.
وبذلك يمكن النظر إلى معاهدة جدة باعتبارها إحدى أهم حلقات إعادة إنتاج الهيمنة السعودية في اليمن فهي لم تكن مجرد نهاية لخلاف حدودي، بل كانت بداية لمرحلة جديدة انتقل فيها النفوذ السعودي من المجال الإقليمي العسكري إلى المجال السياسي والاقتصادي والمؤسسي، وإذا كانت اتفاقية الطائف قد كرست الهيمنة الناتجة عن التفوق العسكري، فإن معاهدة جدة كرست الهيمنة نفسها عبر آليات الاعتماد الاقتصادي والزبونية السياسية، ومن ثم فإن المعاهدة لا تمثل قطيعة مع اتفاقية الطائف بقدر ما تمثل امتداداً تاريخياً لها، إذ أعادت تثبيت النتائج الجوهرية للاتفاقية الأولى ضمن سياق إقليمي ودولي مختلف، مع استبدال أدوات الإكراه العسكري بأدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي، الأمر الذي يجعلها نموذجاً واضحاً لكيفية توظيف التسويات الحدودية في إعادة إنتاج علاقات التبعية داخل النظام الإقليمي.
تعود جذور العلاقات الاقتصادية بين السعودية واليمن إلى ما قبل قيام الوحدة اليمنية عام 1990، فقد قدّمت المملكة العربية السعودية خلال سبعينيات القرن الماضي دعماً للجمهورية العربية اليمنية عبر آليات مؤسسية، كان أبرزها مجلس التنسيق السعودي–اليمني، وشمل هذا الدعم قطاعات متعددة؛ إذ امتلكت السعودية 49% من رأس مال شركة الخطوط الجوية اليمنية،([23]) ومَوّلت مشروع الأعمال التكميلية في ميناء الحديدة بتكلفة بلغت 22 مليون ريال سعودي كما أنجز مجلس التنسيق 16 مشروعاً في عدد من المدن اليمنية بتكلفة إجمالية قدرها 109 ملايين ريال، وامتد التعاون إلى قطاعي الطرق والمواصلات من خلال تمويل طريق جيزان–الحديدة بتكلفة بلغت 446 مليون ريال يمني، وإلى القطاع الصحي عبر إنشاء مستوصفات ومستشفيات والمساهمة بأكثر من 22 مليون ريال يمني في برنامج منظمة الصحة العالمية المخصص لليمن.
تعمقت البنية الريعية للاقتصاد اليمني بعد حرب 1994، مع تزايد اعتماد المالية العامة على عائدات النفط. فقد ارتفعت عائدات صادرات النفط من نحو مليار دولار عام 1995 إلى قرابة 3.7 مليارات دولار عام 2003، وكانت العائدات النفطية تمثل نحو 70% من إيرادات الحكومة.[24] وخلال الفترة 2000–2004، شكّل النفط والغاز ما بين 66% و68% من الموارد الذاتية للموازنة العامة، قبل أن تبلغ مساهمة النفط نحو 62% عام 2006، في حين تراوحت مساهمة الضرائب بين 22% و23%.[25] كما أسهم قطاع النفط بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين ظل استيعابه للعمالة محدودًا للغاية، وهو ما يعكس اختلالًا بين أهمية القطاع في توليد الإيرادات وفرص العمل التي يوفرها.[26] ومن منظور اقتصاديات الدولة الريعية، يمكن لهذا النمط من الاعتماد على الإيرادات الاستخراجية أن يقلل من أهمية الضرائب المباشرة في تمويل الدولة، وبالتالي من الحاجة إلى علاقة تفاوضية ومالية مباشرة بين الدولة والمجتمع.
وامتد الاعتماد على النفط إلى التجارة الخارجية؛ إذ ظلت الصادرات اليمنية شديدة التركّز في النفط الخام. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن النفط الخام شكّل ما بين 80% و90% من إجمالي الصادرات خلال الفترة 1994–1999، بينما أظهرت بيانات الفترة 2000–2006 استمرار الهيمنة النفطية، إذ تراوحت حصة الوقود المعدني وزيوت التشحيم بين 88% و96.5% من إجمالي الصادرات وإعادة التصدير، فيما تراوحت حصة النفط الخام وحده بين 82.2% و90.1%.[27] وفي المقابل، أدت إصلاحات التجارة التي بدأت في منتصف التسعينيات إلى تحرير تدريجي لنظام الاستيراد؛ ففي الفترة 1996–1999 أُلغيت معظم القيود الكمية على الواردات وخُفّضت التعريفات الجمركية، في إطار توجه نحو دمج الاقتصاد اليمني في الأسواق العالمية.[28] ولم تؤد هذه الإصلاحات، مع ذلك، إلى تغيير جوهري في بنية الصادرات، التي بقيت شديدة الاعتماد على النفط، بينما ظلت البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء؛ فقد كان نحو 55% من الغذاء المستهلك في اليمن مستوردًا خلال الفترة 2000–2006، كما بلغت نسبة القمح المستورد نحو 90% من الاستهلاك. [29]وبذلك ظل الاقتصاد اليمني عرضة لتقلبات أسعار النفط ولظروف التجارة الخارجية، مع استمرار ضعف تنويع قاعدة الصادرات.
وفي موازاة ذلك، شهدت العلاقات الاقتصادية اليمنية–السعودية تحسنًا تدريجيًا بعد التوصل إلى اتفاقية جدة الحدودية عام 2000. وقد استؤنف نشاط مجلس التنسيق السعودي–اليمني بصورة رسمية في ديسمبر/كانون الأول 2000، وليس من الدقة القول إنه عقد دورات منتظمة في سبتمبر وديسمبر من العام نفسه؛ إذ تشير المصادر إلى أن الدورة الأولى بعد إعادة تنشيط المجلس عقدت في ديسمبر 2000.[30]وفي أعقاب ذلك، توسعت أطر التعاون الاقتصادي بين البلدين، وشملت إعادة جدولة الديون اليمنية المستحقة للسعودية، وتقديم قروض سعودية جديدة لتمويل مشاريع تنموية. ففي عام 2001 وافقت السعودية على تقديم قرض بقيمة 300 مليون دولار لتمويل مشاريع في الكهرباء والطرق والتدريب المهني، كما جرت إعادة جدولة ديون يمنية مستحقة للسعودية، بلغت نحو 249 مليون دولار، على مدى أربعين عامًا.[31] وتطور التعاون لاحقًا ليشمل مجالات التجارة والاستثمار والنقل والجمارك وغيرها من القطاعات، بما عكس انتقال العلاقات الاقتصادية من المساعدات والتمويل التنموي إلى إطار أوسع للتعاون المؤسسي والتجاري.[32]
ولم تقتصر العلاقات الاقتصادية بين البلدين على التعاون الحكومي، بل احتلت سوق العمل السعودية والتحويلات المالية للعمال اليمنيين موقعًا مهمًا فيها. غير أن طبيعة هذا الارتباط تأثرت بقيود نظام الكفالة وتكاليف الدخول والإقامة في سوق العمل السعودي. ولا ينبغي، في هذا السياق، وصف مبلغ 15 ألف ريال سعودي بأنه "رسوم تأشيرة عمل" من دون تحديد الفترة ونوع التأشيرة؛ فالمصدر المتاح يوثق أن تكلفة ما عُرف بـ"التأشيرة الحرة»" وتصريح الإقامة كانت تبلغ نحو 15 ألف ريال سعودي سنويًا للعامل، وفق إفادة ناشط حقوقي يمني، وأن هذا النظام كان يتيح للعامل العمل لدى صاحب عمل غير الكفيل، وهو ما كانت السلطات السعودية تعتبره مخالفة لأنظمة العمل.[33] وعليه، يمكن القول إن ارتفاع تكاليف الدخول والإقامة القانونية، إلى جانب نظام الكفالة، أسهما في دفع جزء من العمال اليمنيين نحو ترتيبات عمل غير نظامية، وهو ما جعل الهجرة غير النظامية عنصرًا مستمرًا في العلاقة الاقتصادية بين البلدين، بدل أن تكون مجرد ظاهرة استثنائية.
وخلال الفترة الممتدة بين معاهدة جدة والتدخل العسكري عام 2015، أصبح سوق العمل السعودي إحدى أكثر الأدوات فاعلية في إدارة العلاقة مع اليمن، فهو أكثر تكتماً من التدخل العسكري، وأكثر مرونة من تعليق المساعدات الرسمية الذي يحتاج عادةً إلى تبرير دبلوماسي علني، كما يمكن تفعيله أو تجميده بقرار إداري لا يتطلب غطاءً سياسياً واضحاً، وفي منتصف العقد الأول من الألفية، بدأ تشييد الجدار الحدودي، فتحولت الحدود التي كانت شبه مفتوحة لعقود إلى خط فصل مراقَب، ورسخت الخرسانة والأسلاك ما كانت التأشيرات والرسوم تفرضه إدارياً.[34]
استمرت السعودية في تقديم المساعدات لليمن حتى عام 2011، عندما منحتها معونة نفطية بلغت ثلاثة ملايين برميل، قُدّرت قيمتها بنحو 300 مليون دولار،[35]وعلى الرغم من الطابع التنموي المعلن لهذه المساعدات، فقد ارتبطت، وفق قراءات نقدية، بأهداف سياسية تتصل بتعزيز النفوذ السعودي والحد من اعتراض اليمن على التعديات الحدودية والسياسات السعودية.
تكشف دراسة تشاتام هاوس أن الدعم السعودي لليمن اتخذ أشكالاً متعددة، تراوحت بين المساعدات والقروض المقدمة إلى البنك المركزي، وتمويل مشروعات البنية التحتية، والمدفوعات المباشرة لمكتب الرئيس، فضلاً عن شبكات المحسوبية والمرتبات التي ارتبطت تاريخياً بشيوخ القبائل والنخب اليمنية؛ ففي مؤتمر لندن عام 2006 تعهد المانحون بتقديم نحو 4.7 مليارات دولار، كان للسعودية ودول الخليج النصيب الأكبر منها، إلا أن الحكومة اليمنية أفادت بأنه لم يُصرف حتى نهاية عام 2010 سوى أقل من 10% من هذه الأموال، بسبب ضعف القدرة الحكومية والإرادة السياسية والشروط المرتبطة بالتمويل.([36])
وفي مرحلة الانتقال السياسي، ارتفع إجمالي تعهدات مجموعة أصدقاء اليمن إلى 7.9 مليارات دولار عام 2012 ثم إلى 8.1 مليارات دولار عام 2013، تعهدت السعودية منها بنحو 3.25 مليارات دولار، شملت مليار دولار في صورة قرض ميسّر للبنك المركزي اليمني للمساعدة في استقرار الريال اليمني، بينما خُصص الجزء المتبقي للبنية التحتية، غير أن المصروف الفعلي من إجمالي التعهدات لم يتجاوز نحو 1.8 مليار دولار عند إعداد التقرير وكان جزء كبير منه مرتبطاً بالقرض السعودي وتعهدات سابقة، وتخلص الدراسة إلى أن المساعدات السعودية والخليجية ساعدت على منع الانهيار المالي وتخفيف آثاره على الفقراء، لكنها أسهمت في الوقت نفسه في إضعاف الحوافز على الإصلاح، إذ عزز توقع النخب اليمنية استمرار الدعم الخليجي اعتماد الحكومة على الإنقاذ الخارجي بدلاً من معالجة الاختلالات المالية والاقتصادية.
لم يكن الاقتصاد اليمني يستمد وجوده من توسع السوق الداخلية ونشاطه الإنتاجي الوطني كما يفترض، بل من مورد طاقي خام مرتبط عضوياً بالسوق الرأسمالية العالمية وتقلبات أسعار الطاقة، ومرهون بالصراعات الداخلية، وفي الوقت نفسه كانت -ولازالت- البلاد تعتمد على الاستيراد لتلبية 90% من احتياجات الشعب من الغذاء والسلع المصنعة ومستلزمات الإنتاج، وهكذا أدى النفط وظيفة تمويل الاستهلاك لا التراكم والنمو والتطور، ما جعله يعمق التبعية الاقتصادية لمتطلبات السوق العالمية ويؤبد التخلف الانتاجي، بدلاً من أن يكون قاعدة لاستيعاب البطالة والكفاءات، ومكافحة الفقر والتطرف والإرهاب والجريمة.
وهكذا، تتجلى مظاهر التبعية الريعية للاقتصاد اليمني من خلال اعتماده على تدفقات مالية خارجية متعددة، يأتي في مقدمتها تحويلات المغتربين اليمنيين من جهة، والدعم المالي السعودي للموازنة اليمنية من جهة أخرى، في ظل معاناة الدولة اليمنية من عجز مالي مزمن، وقد أسهم هذا النمط من الاعتماد في إضعاف الحوافز نحو إحداث تحول هيكلي وإنتاجي في الاقتصاد، إذ لم تتجه الموارد المتاحة بصورة كافية نحو بناء قاعدة إنتاجية مستقلة قادرة على توليد الدخل وفرص العمل، وإنما ظل الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الخارجية وتحويلات المغتربين لتمويل احتياجاته الأساسية وسد جانب من اختلالاته المالية، وبذلك، لم تؤدِ التدفقات الريعية الخارجية إلى تأسيس مسار تنموي منتج ومستقل، بقدر ما أسهمت في إعادة إنتاج حالة الاعتماد الاقتصادي على الخارج.
فيما يلي جدول بين 2014 و2015 يرصد حجم التحويلات ويليه جدول معدل نمو مساهمة القطاع غير النفطي في الدخل الإجمالي المحلي وفق البنك الدولي (في الفترة 2001-2006) .
|
السنة |
القيمة بالدولار الجاري |
القيمة بمليون دولار |
|
2001 |
1,294,612,549 |
1,294.613 |
|
2002 |
1,294,000,000 |
1,294.000 |
|
2003 |
1,269,900,024 |
1,269.900 |
|
2004 |
1,282,598,999 |
1,282.599 |
|
2005 |
1,282,599,000 |
1,282.599 |
|
2006 |
1,282,600,000 |
1,282.600 |
|
2007 |
1,321,520,000 |
1,321.520 |
|
2008 |
1,410,520,000 |
1,410.520 |
|
2009 |
1,160,000,000 |
1,160.000 |
|
2010 |
1,526,000,000 |
1,526.000 |
|
2011 |
1,403,920,000 |
1,403.920 |
|
2012 |
3,351,000,000 |
3,351.000 |
|
2013 |
3,342,500,000 |
3,342.500 |
|
2014 |
3,350,500,000 |
3,350.500 |
مصدر الجدول[37]
(المصدر تقارير البنك الدولي حول الاقتصاد اليمني خلال الفترة 2001م – 2006م)([38])
يمكن تلخيص الأوضاع السياسية اليمنية بين 2000 و2010 في كونها مرحلة اتسمت باستمرار هيمنة نظام علي عبد الله صالح، مع بقاء التعددية الحزبية والانتخابات قائمة شكلياً، مقابل تزايد المعارضة والأزمات الداخلية
بعد حرب 1994، تمكن المؤتمر الشعبي العام بقيادة صالح من ترسيخ موقعه باعتباره القوة السياسية المهيمنة، مستفيداً من سيطرته على مؤسسات الدولة ومن قدرته على توظيف الموارد والهياكل الحكومية لتأمين الدعم السياسي والقبلي وقد أكد فوز المؤتمر في انتخابات 2003 استمرار هذا التفوق، إذ حصل على أغلبية واسعة من الأصوات.[39]
وفي المقابل، شهدت الفترة بروز معارضة أكثر تنظيماً، خاصة مع تأسيس تكتل أحزاب اللقاء المشترك سنة 2003، الذي جمع قوى سياسية ذات خلفيات أيديولوجية مختلفة، أبرزها تجمع اليمني للإصلاح والاشتراكي، حول هدف مواجهة احتكار المؤتمر للسلطة وانتقلت المعارضة تدريجياً من التنافس الأيديولوجي إلى البراغماتية والتحالف السياسي، وبرز ذلك خصوصاً في انتخابات 2006 الرئاسية والحوار السياسي حول إصلاح النظام، كما اتسمت السنوات الأخيرة من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بتفاقم أزمات الدولة والمجال السياسي في اليمن، ولا سيما مع تصاعد قضية صعدة وعودة القضية الجنوبية إلى الواجهة، بالتزامن مع تعثر مسار الإصلاح السياسي والانتخابي. فعلى الرغم من توصل المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك إلى عدد من الاتفاقات بشأن الإصلاحات السياسية والانتخابية، فإن تنفيذها ظل محدودًا. ففي 23 فبراير/شباط 2009، اتفق الطرفان على تأجيل الانتخابات البرلمانية وإتاحة فترة زمنية لإجراء إصلاحات في النظام الانتخابي، غير أن الاتفاق لم يُترجم إلى إجراءات ملموسة. وفي 17 يوليو/تموز 2010، وقّع الطرفان وثيقة لتنفيذ اتفاق فبراير وتشكيل لجنة للتحضير لحوار وطني شامل، إلا أن المسار تعثر مجددًا؛ وفي ديسمبر/كانون الأول 2010، استغل المؤتمر الشعبي العام سيطرته على البرلمان للموافقة بصورة أحادية على تعديلات في قانون الانتخابات، الأمر الذي دفع أحزاب اللقاء المشترك إلى الدعوة إلى احتجاجات شعبية، وأسهم في تهيئة المناخ السياسي الذي سبق انتفاضة 2011.[40] ويمثل هذا السياق السياسي الداخلي خلفية ضرورية لفهم العلاقات السعودية–اليمنية، إذ لم تكن التحولات السياسية والأمنية داخل اليمن منفصلة عن حسابات الرياض تجاه جارتها الجنوبية. أما على مستوى العلاقات الثنائية مباشرة، فقد مثّل توقيع معاهدة جدة في 12 يونيو/حزيران 2000 نقطة تحول أساسية في تاريخ العلاقة، إذ أرست المعاهدة الحدود البرية والبحرية بين البلدين وأنهت رسميًا نزاعًا حدوديًا امتد لعقود. ولم يؤدِّ ذلك، مع ذلك، إلى اختفاء جميع القضايا المرتبطة بإدارة الحدود؛ إذ بقيت مجموعة من المسائل الأمنية والتنظيمية محل تفاوض بين الطرفين، وأُنشئت لجان سعودية–يمنية مشتركة لبحث قضايا من بينها المراقبة الحدودية والدوريات المشتركة وتنظيم أعمال البناء في المنطقة الحدودية.[41]
وفي هذا الإطار، برز خلال عامي 2003 و2004 خلاف حول الإجراءات السعودية المتعلقة بإقامة حاجز على أجزاء من الحدود، وأعادت القضية إلى الواجهة بعض التباينات بشأن تطبيق الترتيبات الحدودية التي أقرّتها معاهدة جدة، قبل أن يتجه الطرفان إلى احتواء الخلاف من خلال القنوات الرسمية والتفاوض،[42]وبذلك، لا تمثل هذه الأزمة عودة إلى النزاع الحدودي السابق بمعناه التقليدي، بقدر ما تكشف عن استمرار الحاجة إلى إدارة بعض المسائل العملية والأمنية الناشئة عن الحدود الجديدة، كما أسهمت التطورات اللاحقة في إعادة تعريف الحدود من مجال للنزاع السيادي إلى مجال للتنسيق الأمني، ولا سيما في مواجهة التهريب والهجرة غير النظامية والمخاطر المرتبطة بتنظيم القاعدة.[43]
وفي الوقت نفسه، أسهم تقاطع المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية في الحفاظ على قدر من الاستمرارية في العلاقات الحكومية بين البلدين، رغم استمرار مصادر التوتر. فقد أصبحت السعودية، بعد تسوية النزاع الحدودي، أكثر ميلًا إلى دعم استقرار نظام الرئيس علي عبد الله صالح ومؤسسات الدولة القائمة، في حين تزايد اهتمامها خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بالتهديدات الأمنية الناجمة عن نشاط الجماعات المتطرفة في اليمن، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة.[44] وفي هذا السياق، اكتسب التعاون الأمني بين البلدين أهمية متزايدة، خصوصًا مع تصاعد نشاط تنظيم القاعدة في السعودية منذ عام 2003، ثم تأسيس تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في يناير/كانون الثاني 2009 عقب اندماج فرعي التنظيم السعودي واليمني.[45]
وبالتوازي مع ذلك، عادت القضية الجنوبية إلى الواجهة مع بروز الحراك الجنوبي منذ عام 2007، في حين استمرت حروب صعدة التي اندلعت منذ عام 2004 بين السلطة اليمنية وحركة أنصار الله. وقد اكتسبت هذه الأخيرة أهمية مباشرة بالنسبة إلى السعودية مع اقتراب المواجهات من حدودها الجنوبية. ومع الحرب السادسة في 2009–2010، انتقل الصراع إلى المجال الحدودي وشاركت القوات السعودية بصورة مباشرة في المواجهات، وهو ما مثّل تحولًا في طبيعة التعامل السعودي مع أنصار الله من الاهتمام بتهديد داخلي يمني إلى التعامل معه باعتباره مصدرًا مباشرًا للتهديد على الحدود السعودية.
ومن ثم، بدأ صعود أنصار الله يحتل موقعًا متزايدًا في الحسابات الأمنية والسياسية السعودية، في الوقت الذي كانت فيه أدوات إدارة العلاقة التقليدية، القائمة على التعاون السياسي والاقتصادي والأمني وشبكات الوساطة، تواجه بيئة يمنية أكثر اضطرابًا وتعددًا في الفاعلين. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة إلى دراسة تطور النفوذ السعودي في اليمن، لأنه يوضح انتقال العلاقة تدريجيًا من إدارة المخاطر عبر الأدوات غير المباشرة إلى أشكال أكثر مباشرة من الانخراط الأمني، وهي عملية بلغت مرحلة أكثر وضوحًا خلال المرحلة اللاحقة الممتدة بين 2011 و2015.
دخل اليمن في الفترة من عام 2000 حتى عام 2010 مرحلة سياسية وأمنية وعسكرية جديدة تميزت على مستوى العلاقات الدولية بالالتحاق بالحملة العالمية لـ «مكافحة الإرهاب» التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية، وكان اليمن من حيث الأهمية للاستراتيجية الأمريكية كالقطب الأقوى آنذاك ضمن المركز وثانوياً للمملكة العربية السعودية كطرف لكن يؤدي في دور المركز إقليمياً وخاصة بعد أحداث هجمات برجي التجارة العالمي سنة 2001.
وقد أعاد هذا السياق تعريف الحدود السعودية–اليمنية من مجرد ملف يتعلق بتسوية نزاع إقليمي إلى مجال للتنسيق الأمني والعسكري ومواجهة المخاطر العابرة للحدود، وفي مقدمتها تهريب الأشخاص والأسلحة والسلع غير المشروعة، إلى جانب نشاط التنظيمات المرتبطة بالقاعدة وفي هذا السياق، انخرطت صنعاء بصورة متزايدة في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، بينما اكتسب أمن الحدود بالنسبة إلى الرياض أهمية أكبر بفعل تصاعد نشاط تنظيم القاعدة داخل المملكة منذ عام 2003 واحتمال انتقال عناصره إلى الأراضي اليمنية وتشير تقارير وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن اليمن والسعودية اتفقتا في فبراير/شباط 2004 على تعزيز التعاون لمواجهة تهريب الأسلحة والأشخاص عبر الحدود، كما بحث الطرفان إنشاء دوريات مشتركة وزيادة الرقابة على المعابر الحدودية.[46]
وقد أخذ هذا التعاون طابعاً مؤسسياً من خلال استمرار عمل اللجنة العسكرية السعودية–اليمنية المشتركة التي كانت قد تشكلت في ديسمبر/كانون الأول 1995، والتي اضطلعت بمتابعة إزالة المنشآت والاستحداثات العسكرية على جانبي الحدود وبعد إبرام معاهدة جدة، واصلت اللجنة عملها عبر هيكل مؤلف من ثلاثة مستويات؛ إذ ضم المستوى الأول رؤساء أركان القوات المسلحة في البلدين، وعقد هذا المستوى 19 اجتماعاً بين عامي 2000 و2008، بينما ضم المستوى الثاني قيادات المناطق العسكرية المتجاورة، وتولى استقبال تقارير المستوى الميداني ورفع القضايا التي تتطلب معالجة إلى المستوى الأعلى.[47]
أما المستوى الثالث، المتمثل في لجان التفتيش التي أُنشئت في يوليو/تموز 2000، فقد تولى متابعة تنفيذ الترتيبات على الأرض، والإشراف على إزالة المواقع العسكرية الواقعة ضمن نطاق خمسة كيلومترات من الحدود على جانبيها، ومتابعة أي مخالفات أو منشآت جديدة، مع إخطار اللجنة المقابلة عند رصد أي مخالفة وقد أسهم هذا النظام في إنشاء آلية اتصال ومراقبة مشتركة على الحدود، الأمر الذي ساعد على بناء قدر من الثقة المتبادلة وتحويل إدارة الحدود تدريجياً من آلية تقوم على الردع والمواجهة إلى آلية تقوم على التنسيق والمراقبة المشتركة.[48]
ولم يقتصر التعاون على الجانب العسكري، بل امتد إلى المجال الأمني بصورة مباشرة فقد نصت الترتيبات التي أعقبت اتفاقية الحدود على تطوير آليات تنظيم سلطات الحدود، وتبادل المعلومات المتعلقة بالأشخاص الذين يعبرون الحدود، والتعاون في توقيف وتسليم المطلوبين كما تشير محاضر الاجتماعات الثنائية إلى إنشاء آليات لمعالجة الحوادث والمخالفات الحدودية وإحالتها إلى المستويات المختصة بدل تحولها إلى أزمات سياسية بين الدولتين وفي عام 2003، على سبيل المثال، جرى تعاون سعودي–يمني في تسليم عدد من المشتبه في ارتباطهم بالإرهاب وتبادل بعض المحتجزين، بينما اتجه البلدان في 2004 إلى تعزيز التعاون لمواجهة تهريب الأسلحة والأشخاص وتطوير الدوريات والرقابة الحدودية.[49]
بدأ التحول في طبيعة الصراع اليمني ابتداءً من عام 2004، مع انتقال حركة أنصار الله([50]) من النشاط الديني والثقافي والتعبئة الاجتماعية إلى المواجهة المسلحة المفروضة مع السلطة المركزية في صنعاء في إطار المسيرة القرآنية، وهو ما أدى إلى اندلاع حروب صعدة الست بين عامي 2004 و2010 وقد اكتسب هذا الصراع أهمية مباشرة في العلاقات الأمنية السعودية–اليمنية مع اقترابه من الحدود السعودية وتنامي القدرات العسكرية للحركة، خاصة خلال الحرب السادسة ( وبذلك لم يعد أنصار الله يمثلون تحدياً داخلياً للسلطة اليمنية فحسب، بل بدأ يُنظر إليهم من الجانب السعودي باعتبارهم مصدراً متزايداً للتهديد الأمني على الحدود الجنوبية وبلغ هذا التحول ذروته سنتي 2009-2010 مع انتقال المواجهات إلى المجال الحدودي وتدخل القوات السعودية عسكرياً، بما مثّل نقطة تحول من إدارة التهديد بصورة غير مباشرة إلى الانخراط السعودي المباشر في الصراع.[51]
وعلى هذا الأساس، شكّل صعود الحركة تحدياً متزايداً للسلطة المركزية في صنعاء، خصوصاً مع تحول المواجهة إلى صراع مسلح ابتداءً من يونيو 2004، بعد محاولة الحكومة اعتقال حسين بدر الدين الحوثي مؤسس الحركة وقد انتهت الجولة الأولى بمقتله في سبتمبر 2004، إلا أن ذلك لم يؤد إلى إنهاء الحركة، بل فتح سلسلة من جولات القتال المتعاقبة بين القوات الحكومية وأنصار الله واستمرت هذه المواجهات، بدرجات متفاوتة من الحدة، حتى التوصل إلى وقف لإطلاق النار في عام 2010 وتكشف هذه الحروب، في سياق العلاقات السعودية اليمنية، عن انتقال الملف الأمني من مجرد التعاون الحدودي ومكافحة التهريب و"الإرهاب" إلى صراع ذي أبعاد إقليمية، بعدما أصبحت صعدة، بحكم موقعها الجغرافي المحاذي للسعودية، جزءاً من الحسابات الأمنية للمملكة.[52]
غير أن نقطة التحول الحاسمة في العلاقة الأمنية جاءت خلال الحرب السادسة عام (2009-2010)، عندما امتدت المواجهات إلى الأراضي السعودية عقب سماح السلطة السعودية لقوات الحكومة اليمنية بالالتفاف على مواقع أنصار الله من داخل المملكة، فتقدم مقاتلو الحوثي (أنصار الله) إلى الداخل السعودي، وهو ما دفع المملكة إلى الانتقال من التعاون الأمني غير المباشر إلى التدخل العسكري المباشر، وبذلك لم يعد أنصار الله يمثلون بالنسبة إلى الرياض مجرد اضطراب داخلي في اليمن، بل أصبحوا يُنظر إليهم باعتبارهم مصدر تهديد مباشر للأمن الحدودي السعودي، وقد شاركت القوات السعودية بصورة مباشرة في القتال ضد أنصار الله خلال أواخر عام 2009 وبدايات عام 2010، قبل أن يتوقف القتال مع انتهاء الجولة السادسة.[53]
تمثل هذه المرحلة لحظة مهمة في تطور الهيمنة الأمنية السعودية في اليمن؛ إذ انتقلت العلاقة من إدارة الحدود ومكافحة التهريب والإرهاب إلى بناء تصور أمني أوسع يربط استقرار شمال اليمن بالأمن القومي السعودي وبذلك أصبحت الحدود وتهديدات القاعدة والتهريب ثم ما عرف بالمسيرة القرآنية حلقات مترابطة في منظومة أمنية واحدة، سمحت للمملكة بتوسيع دورها الأمني والعسكري داخل المجال اليمني، وإن ظل ذلك الحضور في تلك المرحلة محكوماً بالتطور التدريجي للأزمة وبطبيعة العلاقة مع نظام علي عبد الله صالح.
وبذلك، يمكن القول إن مرحلة 2000–2010 شهدت انتقال التعاون السعودي–اليمني من معالجة النزاع الحدودي إلى إدارة الحدود بوصفها مجالاً أمنياً مشتركاً؛ فقد أتاح حسم خط الحدود بموجب معاهدة جدة إنشاء مؤسسات وآليات للتنسيق العسكري والأمني، في حين وفرت التحولات التي أعقبت 11 سبتمبر إطاراً أوسع لإعادة تعريف المخاطر المشتركة، بحيث أصبحت "مكافحة الإرهاب" وتهريب الأشخاص والأسلحة وحماية الحدود من أهم مجالات التعاون بين الطرفين غير أن هذا التعاون ظل محدوداً بفعل ضعف القدرات المؤسسية اليمنية، والطبيعة الجغرافية الصعبة للحدود، واعتماد جزء من إدارة الحدود اليمنية على شبكات قبلية محلية.
مع بروز السيد حسين بدر الدين الحوثي كمثقف عضوي ([54]) وتزايد نشاط الحركة على المستوى السياسي والاجتماعي أصبحت السلطة المركزية في صنعاء والمملكة العربية السعودية أمام تحدٍ جديد.
تُمثّل العلاقات اليمنية السعودية إحدى أكثر صيغ التفاعل الإقليمي تعقيداً في تاريخ ما سمي بالشرق الأوسط المعاصر، حيث يتداخل الجوار الجغرافي المباشر مع البنى الاجتماعية والمذهبية العابرة للحدود الوطنية ارتكزت السياسة الخارجية السعودية تجاه اليمن استراتيجياً على مبدأ الحفاظ على يمن مرن وقابل للتفاهم، يمنع قيام سلطة مركزية، وفي الوقت ذاته يحول دون انهيار الدولة الشامل الذي قد يفرز مخاطر أمنية وعابرة للحدود ولتحقيق هذه المعادلة، طور النظام السياسي السعودي منظومة مزدوجة القنوات تجمع بين العلاقات المؤسسية التنموية الرسمية، وشبكات الرعاية الشخصية والقبلية والعسكرية غير الرسمية .
تأسس الجزء غير الرسمي من هذه المنظومة عبر "اللجنة الخاصة بشؤون اليمن" التي أُنشئت في ستينيات القرن العشرين إبان حرب الشمال اليمني بين الملكيين والجمهوريين، وضُمت لاحقاً لإشراف الأمير سلطان بن عبد العزيز عملت اللجنة بوصفها الجهاز التنفيذي الفعلي لإدارة الملف اليمني، حيث تولت توزيع مخصصات مالية شهرية ودورية لشيوخ القبائل، والضباط، والسياسيين، والإعلاميين وفي المقابل، أُسس "مجلس التنسيق السعودي اليمني" عام 1975م ليكون الواجهة الرسمية للتعاون التنموي والمؤسسي، مقتطعاً جُزءاً من المساعدات لبناء المدارس، والمستشفيات، ومشاريع الطاقة والطرق أتاح هذا الازدواج التنظيمي للرياض ممارسة دور مركزي يجمع بين "الراعي التنموي" للدولة، و"الضابط للتوازنات" الداخليين عبر دعم مراكز القوى المنافسة للسلطة المركزية في صنعاء.
شكل أيضاً التوظيف السعودي للمؤسسات الدينية والشبكات الدعوية إحدى أبرز قنوات القوة الناعمة التي سعت الرياض من خلالها إلى ترسيخ حضورها الأيديولوجي وتشكيل الرأي العام اليمني لم تكن هذه العملية مجرد نشاط دعوي تلقائي، بل كانت عملية هندسة ثقافية واجتماعية هدفت إلى إيجاد "حس مشترك" (Common Sense) جديد -وفق المفهوم الغرامشي للهيمنة الثقافية- يحل محل الهويات المذهبية والمحلية التقليدية سعى هذا الفكر المستورد إلى ربط التدين بالسنّية العقائدية، والطاعة السياسية لولي الأمر، ومناهضة التوجهات اليسارية والقومية، وتهميش الفكر الزيدي والتصوف الشافعي.
تعد "المعاهد العلمية" الأداة التعليمية والأيديولوجية الأكثر تأثيراً في تغيير البنية الفكرية للمجتمع اليمني أُسست هذه الشبكة بناءً على الاتفاقية الثقافية الموقعة عام 1971م ودُعمت بمليارات الريالات لتمويل رواتب آلاف المعلمين المبتعثين، منتجة عشرات الآلاف من الخريجين ممن تشبعوا بالفكر الوهابي المناهض للزيدية والصوفية ([55]).
كما مثّل تأسيس مركز "دار الحديث" في دمّاج بمحافظة صعدة عام 1980م على يد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي اختراقاً إستراتيجياً مباشراً لصلب المذهب الزيدي التاريخي، وقد تبنت السلفية العلمية عقيدة الاعتزال السياسي وترويج الطاعة للحاكم، لكن هذا الاختراق ولد رد فعل دفاعياً راديكالياً لدى الشباب الزيديين، أدى لاحقاً لتأسيس تنظيم "الشباب المؤمن" ولاحقاً ميلاد حركة أنصار الله، والتي تسمى أيضاً بالمسيرة القرآنية .
لم تكن الهندسة الاستراتيجية للنفوذ السعودي متجانسة عبر الجغرافيا اليمنية، بل تباينت أدواتها وكثافتها باختلاف الطبيعة الاجتماعية والمذهبية والجيوسياسية لكل محافظة.
تجلت اللحظة الحاسمة لانكشاف المنظومة مع ثورة 2011م؛ حيث تفتت الكتلة التاريخية الموالية للرياض وانقسمت النخب بين "صالح" والإصلاح وعلي محسن الأحمر، مما أتاح الفراغ الميداني لحركة أنصار الله للسيطرة على صنعاء عام 2014م، ليُعلن السقوط النهائي لمنظومة النفوذ غير المباشر.
شهد اليمن كغيره من بلدان ما عرف بالربيع العربي مع مطلع 2011 انتفاضة شعبية عرفت لاحقاً بالثورة اليمنية عمت معظم المحافظات اليمنية)[56]) وتركزت بدرجة رئيسية في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية الكبيرة مثل تعز وصنعاء، وأمام تمدد الاحتجاجات الشعبية العارمة في عدة مناطق من بينهم أمانة العاصمة صنعاء والمطالبة بإسقاط النظام وغيرها من الشعارات ذات الطابع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أصبحت المسألة موضع اهتمام المملكة السعودية التي تعتبر اليمن "فناءها الخلفي"، ومع اشتداد الأزمة السياسية في اليمن خصوصاً بعد مجزرة جمعة الكرامة في 18 مارس 2011 كثفت السعودية انخراطها في إدارة الأزمة السياسية اليمنية .
تجسد هذا الانخراط بقوة في مبادرة خليجية، وهي مشروع اتفاقية سياسية أعلنتها الدول الأعضاء بمجلس التعاون العربي الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية في 3 أبريل 2011 لتهدئة ثورة الشباب اليمنية، عن طريق ترتيب نظام نقل السلطة.([57])
حاول الخليجيون عامة والسعوديون خاصة من خلال المبادرة احتواء الانتفاضة وكانت نتيجتها تنصيص الاتفاقية التنفيذية للمبادرة الخليجية على عملية انتقالية تتكوّن من مرحلتين: تمثّلت المرحلة الأولى في تفويض صلاحيات الرئيس صالح لنائبه عبد ربه منصور هادي، وتشكيل حكومة محاصصة تقودها المعارضة، تُقسَّم حقائبها الوزارية بالتساوي بين الحزب الحاكم السابق (المؤتمر الشعبي العام) وكتلة المعارضة المكوّنة من أحزاب اللقاء المشترك، وشكل الرئيس الجديد لجنة عسكرية كُلِّفت بتخفيف حدة التوترات والانقسامات داخل القوات المسلحة، التي كانت قد انقسمت إلى فصائل مؤيدة وأخرى مناوئة للرئيس صالح إبّان الانتفاضة، وانتهت المرحلة الأولى بالانتخابات الرئاسية المبكرة في شباط/فبراير من العام 2012، التي ظهر فيها هادي مرشحَ الإجماع الوحيد من دون منافس[58].
أما في المرحلة الثانية، فقد مُنح هادي والحكومة عامين لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، ومعالجة قضايا العدالة الانتقالية، وإطلاق حوار وطني شامل يهدف إلى مراجعة الدستور قبل إجراء الانتخابات الجديدة في فبراير 2014 وقد أكدت المبادرة في بندها الأول على أهمية أن يؤدي أي حل إلى الحفاظ على وحدة اليمن، كما أكدت على ضمان سلامة الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وعدم إجراء أي ملاحقة له ولجميع أقاربه وأركان نظامه.[59]
لكن المبادرة الخليجية كانت تحمل خللاً، فقد كانت اتفاقاً بين فصائل النخبة المتنافسة داخل النظام القائم آنذاك، تلك الفصائل التي انقسمت إلى جبهات متحاربة إبّان "الربيع العربي" وكانت الاحتجاجات الشعبية في اليمن بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
وعلى هذا الأساس، كان "الربيع العربي" اليمني أقرب إلى صراع داخلي بين نخب النظام منه إلى ثورة شعبية أطاحت بحاكم مستبد.
وكانت محاولة صالح تأمين توريث الرئاسة لابنه خلال العقد الأول من الألفية قد نفّرت حتى أقرب حلفائه، وبعد مجزرة جمعة الكرامة، أعلن كل من علي محسن الأحمر وصادق الأحمر، وهما من أقرب المقربين إلى صالح، معارضتهما له وانقسمت صنعاء إلى مناطق عسكرية متناحرة وفي أواخر أيار/مايو 2011، اندلعت معركة ضارية بين القوات الموالية لصالح وأنصار صادق الأحمر في حي الحصبة بصنعاء، معقل آل الأحمر. [60]
وفي نهاية المطاف، كانت النخبة اليمنية المنقسمة وداعموها الخارجيون، وبخاصة الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، هم من تفاوضوا على المبادرة الخليجية، لا قادة الاحتجاجات الشعبية ونتيجة لذلك، كان الدافع وراء المبادرة ضمان مصالح النخبة اليمنية والولايات المتحدة والسعودية، لا تنفيذ التغييرات التي طالب بها المحتجون وبدلاً من السماح لخلافاتها بأن تهدم البيت الذي تحكمه، اتفقت النخب، بدعم من رعاتها الخارجيين، على احتواء صراعاتها والحفاظ على هيمنتها على الدولة اليمنية ويمكن فهم أن الثورة اليمنية رغم أهميتها لم تتمدد وتم احتواءها من قبل النخب اليمنية التي أعادت إنتاج نفسها والمملكة العربية السعودية لمنع أي تغيير حقيقي قد يهدد مصالحهما، كما أن كل من حركة أنصار الله والحراك الجنوبي كانا غائبين عن المبادرة، وأصبحت المبادرة تمثل الآلية لإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمعارضة داخل شبكة من النخب السياسية، والسعودية تعاملت مع قوى تمتلك أصلاً مواقع ونفوذاً داخل الدولة، وبالتالي كان الانتقال قائماً على التفاوض مع النخب وتوزيع المواقع والموارد السياسية أكثر من إعادة بناء النظام من خارج شبكاته القديمة .
مع انتقال اليمن إلى المرحلة الانتقالية التي أُقرت بموجب المبادرة الخليجية، برز عبد ربه منصور هادي باعتباره محور السلطة الانتقالية الجديدة، في ظل استمرار الانقسام داخل مؤسسات الدولة وتعدد مراكز النفوذ السياسي والعسكري وقد دعمت المملكة العربية السعودية هذا المسار السياسي باعتباره إطاراً ملائماً لضمان استمرار نفوذها في عملية صنع القرار، فعملت على مساندة السلطة الانتقالية سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً، مع تشجيع تنفيذ الترتيبات التي نصت عليها المبادرة الخليجية وفي هذا السياق، لم يقتصر الدعم السعودي على شخص هادي، وإنما ارتبط بإدارة شبكة أوسع من النخب والقوى السياسية التي شاركت في المرحلة الانتقالية، بما حافظ على قدر من التوازن بين مراكز القوى التقليدية والجديدة يمكن النظر إلى هذه المرحلة باعتبارها استمراراً لإدارة النفوذ من خلال العلاقات مع النخب ومراكز القرار، حيث شكل الدعم السياسي والاقتصادي الخارجي أحد الموارد التي ساعدت السلطة الانتقالية على تثبيت موقعها، في مقابل بقاء قدرة القوى التقليدية على التأثير داخل مؤسسات الدولة غير أن هذه الترتيبات ظلت محدودة القدرة على إعادة بناء سلطة مركزية متماسكة، إذ استمرت الانقسامات السياسية والعسكرية وتعدد مراكز القوة، الأمر الذي مهّد للانتقال إلى مرحلة الحوار الوطني بوصفه محاولة لتوسيع قاعدة التسوية السياسية وإعادة تنظيم العلاقة بين مختلف القوى اليمنية .
شكل مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي انعقد في صنعاء خلال الفترة الممتدة من مارس 2013 إلى يناير 2014، إحدى أهم آليات إعادة تنظيم العملية السياسية اليمنية في مرحلة ما بعد المبادرة الخليجية، إذ أُريد له أن يوفر إطاراً مؤسسياً لمعالجة الأزمات البنيوية التي كشفت عنها أحداث 2011، ووضع أسس تسوية سياسية ودستورية جديدة، وتمحور عمل المؤتمر حول إعادة صياغة قواعد إدارة الدولة، ومناقشة طبيعة النظام السياسي، وإعادة توزيع السلطة والثروة، ومعالجة القضية الجنوبية، وقضية صعدة، وإصلاح مؤسسات الدولة، وإعادة بناء المنظومة العسكرية والأمنية، فضلاً عن وضع مبادئ دستورية تمهّد للانتقال إلى نظام سياسي أكثر استقراراً([61])، ومن هذه الزاوية لم يكن المؤتمر مجرد منتدى للتفاوض السياسي، وإنما مثّل محاولة لنقل الأزمة اليمنية من منطق الصراع على السلطة إلى منطق إعادة بناء قواعد النظام السياسي نفسه، غير أن قدرة المؤتمر على إنتاج تحول مؤسسي فعلي ظلت مرتبطة بمدى قدرة السلطة الانتقالية على تنفيذ مخرجاته، وبمدى تماسك مؤسسات الدولة وقدرتها على فرض قراراتها في بيئة اتسمت باستمرار مراكز النفوذ التقليدية وتعدد مراكز القوة السياسية والعسكرية والاجتماعية
يمكن النظر إلى مؤتمر الحوار الوطني باعتباره جزءاً من إدارة المرحلة الانتقالية أكثر من كونه نقطة تحول مستقلة في طبيعة العلاقة السعودية-اليمنية فقد وفر المؤتمر إطاراً سياسياً لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية وإعادة إنتاج التوافق بين القوى المختلفة، واستمر الانتقال السياسي في الاعتماد على التوافقات النخبوية وآليات توزيع المنافع والموارد والامتيازات، بدل الانتقال السريع نحو مؤسسات دولة قادرة على احتكار القرار السياسي والأمني.
وقد انعكست هذه الإشكالية بصورة واضحة في مرحلة ما بعد انتهاء المؤتمر في يناير 2014، حيث لم تتحول مخرجات الحوار -بالسرعة المطلوبة- إلى ترتيبات دستورية ومؤسسية قابلة للتنفيذ، وأدى استمرار الخلاف حول شكل الدولة، وتقسيم الأقاليم، وإعادة توزيع السلطة والثروة، إلى إطالة أمد المرحلة الانتقالية وإضعاف قدرتها على إنتاج شرعية سياسية جديدة كما أن تأخر استكمال المسار الدستوري والانتخابي أوجد فراغاً سياسياً ومؤسسياً متزايداً، في الوقت الذي استمرت فيه الأزمات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية في الضغط على الدولة ومن ثم، أصبح الحوار الوطني تدريجياً إطاراً لتأجيل حسم التناقضات أكثر من كونه آلية قادرة بمفردها على حلها، وهو ما جعل المرحلة الانتقالية أكثر عرضة لاختلال موازين القوة خارج المؤسسات الرسمية .
في اطار إقليمي تميز مطلع العام 2011 بالانتفاضات في عديد من الساحات العربية، وقد اندلعت الاحتجاجات الشعبية في اليمن لعدة أسباب أهمها الفساد والقمع والبطالة والفقر واستحكام الأزمات في جنوب البلاد وشماله وعجز النظام آنذاك عن توفير حلول متينة لتخفيف المشكلات القائمة أو على الأقل توفير بديل وأزمة توريث الحكم، عبرت الثورة اليمنية عن وحدة مطالب الفئات الشعبية في البلد وتجاوزت الأطر الضيقة، تركز الخطاب الجماهيري للثورة على اسقاط قوى الطبقة الحاكمة، ووجدت أصوات رسمية مؤيد بشدة لدحر من يعتبرون مهيمنين خارجياً على الساحة اليمنية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الأجنحة الشبابية للحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الشعبي الناصري وحركة أنصار الله، وبسبب الظروف المحلية والإقليمية المتغيرة، قرر مجلس التعاون الخليجي وخاصة الرياض التدخل في الشأن الداخلي اليمني بشكل يبدو مرناً في الوهلة الأولى و تقديم مبادرة هدفها دفع الرئيس آنذاك علي عبد الله الصالح إلى الاستقالة.
أفضت ثورة 11 فبراير 2011م إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية في اليمن، ولا سيما بعد المبادرة الخليجية التي نقلت إدارة الأزمة من ساحات الاحتجاج إلى المجال السياسي عبر تسوية بين أطراف النخبة الحاكمة والمعارضة، وقد أسهمت هذه التسوية في احتواء جزء مهم من الزخم الشعبي للثورة، من دون أن تعالج بصورة مباشرة التناقضات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كانت وراء اندلاعها، إذ انصبّ الاهتمام أساساً على إعادة ترتيب موازين السلطة داخل النخبة السياسية، مع منح الرئيس علي عبد الله صالح وكبار أركان نظامه حصانة من الملاحقة القضائية، وبذلك حافظت التسوية على جانب مهم من البنية السياسية القائمة، في الوقت الذي أدت فيه إلى انقسام داخل القوى الثورية وتراجع التعبئة الجماهيرية في الساحات اكتسبت هذه التطورات أهمية خاصة، إذ لم تكن المبادرة الخليجية مجرد تسوية داخلية للأزمة اليمنية، بل مثلت إطاراً إقليمياً لإدارة مرحلة انتقالية أصبحت فيها المملكة العربية السعودية طرفاً مركزياً في إعادة تنظيم المشهد السياسي والأمني اليمني ومع انتقال اليمن إلى مرحلة انتقالية اتسمت بتراجع سلطة الدولة وتنامي التنافس بين مراكز القوى.
بدأت الاعتبارات الأمنية تتقدم بصورة أكبر في إدارة العلاقة بين البلدين، خاصة مع اتساع حالة عدم الاستقرار الداخلي وصعود الفاعلين المسلحين وتراجع قدرة المؤسسات العسكرية والأمنية على احتكار القوة ومن هنا انتقلت العلاقة السعودية-اليمنية تدريجياً من نمط التعاون الأمني المرتبط بإدارة التهديدات المشتركة إلى نمط أكثر مباشرة في التأثير في مسار الانتقال السياسي والأمني داخل اليمن.
غير أن الهدوء النسبي الذي رافق بداية المرحلة الانتقالية لم يلبث أن انعكس على المؤسسة العسكرية، التي أصبحت إحدى أبرز ساحات إعادة توزيع السلطة والنفوذ فقد شرع الرئيس عبد ربه منصور هادي، بدعم أمريكي خليجي واضح، في إعادة هيكلة القوات المسلحة وإعادة توزيع مراكز القيادة داخلها، في محاولة لإنهاء نفوذ القيادات العسكرية المرتبطة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح وعائلته وحلفائه وقد تُوّج هذا المسار بالقرارات الصادرة في ديسمبر 2012، والتي أعادت تنظيم بنية القوات المسلحة وأعادت توزيع مواقع القيادة العسكرية ويمكن قراءة عملية الهيكلة من زاويتين متداخلتين: فمن جهة، مثّلت استجابة لمطلب داخلي يتعلق بإعادة بناء مؤسسة عسكرية أكثر مهنية ووطنية وإنهاء ارتباطها بمراكز القوى التقليدية؛ ومن جهة أخرى، ارتبطت العملية بانخراط أمريكي مباشر في ترتيبات المرحلة الانتقالية، ولا سيما في مجال مكافحة الإرهاب وإعادة تنظيم المؤسسات العسكرية والأمنية .([62])
وفي هذا السياق، اكتسب التعاون العسكري الخارجي أهمية متزايدة، إذ سبقت قرارات الهيكلة اتفاقات وبرامج للتعاون والتدريب العسكري، من بينها اتفاق التعاون العسكري اليمني-الأردني الذي شمل مجالات إعادة هيكلة القوات المسلحة وتدريبها وتطويرها ويكشف ذلك عن اتساع نطاق التدخل الخارجي في إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية اليمنية خلال المرحلة الانتقالية، بما جعل إصلاح الجيش يتجاوز كونه شأنا سياديا ليصبح جزءاً من ترتيبات أمنية إقليمية ودولية أوسع، كما تزامن ذلك مع استمرار الدور الأمريكي في الملف اليمني، خصوصاً في مجال مكافحة الإرهاب، الأمر الذي جعل إعادة بناء المؤسسة العسكرية مرتبطة أيضاً بالأولويات الأمنية الأمريكية في اليمن مثّلت هذه التحولات نقطة مهمة في تطور الدور السعودي فالمبادرة الخليجية وضعت المملكة في موقع مركزي داخل إدارة المرحلة الانتقالية، بينما أدى ضعف التوافق الداخلي حول إعادة بناء مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسة العسكرية والأمنية، إلى زيادة أهمية العامل الخارجي في ضبط التوازنات اليمنية ومن ثمّ، لم تعد العلاقة الأمنية بين البلدين مقتصرة على التعاون الحدودي و"مكافحة الإرهاب" والتهريب كما كان عليه الحال خلال العقد السابق، بل أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بمستقبل بنية الدولة اليمنية نفسها وبموازين القوى داخل مؤسساتها العسكرية والأمنية، وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تدفع باتجاه إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية بما يتوافق مع أولوياتها في مكافحة الإرهاب، كانت السعودية تتابع عملية الانتقال السياسي والأمني باعتبار أن "قوة السعودية من ضعف اليمن"، وأن لا مصلحة في أي كيان يهدد نفوذها، وقد مهّد هذا التداخل بين الانتقال السياسي وإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية وتنامي التهديدات الداخلية للانتقال لاحقاً إلى مرحلة أكثر تعقيداً، مع صعود أنصار الله وتراجع قدرة السلطة الانتقالية على احتواء الصراع .
مثّلت الفترة الممتدة من عام 2013 إلى مطلع عام 2014 مرحلة انتقالية حاسمة في العلاقات الأمنية والعسكرية السعودية-اليمنية، إذ بدأت خلالها طبيعة التهديدات التي تواجه الدولة اليمنية تتغير بالتزامن مع تعثر عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد انتقال السلطة فقد انطلق مؤتمر الحوار الوطني في 18 مارس 2013 بوصفه الآلية المركزية التي يفترض أن تنقل اليمن من مرحلة التسوية الانتقالية إلى بناء عقد سياسي جديد، وشارك فيه 565 ممثلاً عن مختلف القوى السياسية والاجتماعية، بما فيها المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح، والحراك الجنوبي، وأنصار الله، والحزب الاشتراكي، والشباب والنساء ومنظمات المجتمع المدني[63]،وقد كان إدماج أنصار الله والحراك الجنوبي في الحوار ذا أهمية خاصة، باعتبارهما من أبرز القوى التي تحدت احتكار الدولة المركزية للقوة والنفوذ في مرحلة ما بعد 2011 وانتهى الحوار في 25 يناير 2014 بوثيقة مخرجات تضمنت تصوراً لإعادة بناء الدولة على أساس ديمقراطي وفيدرالي، إلا أن المسار المؤسسي للحوار لم يكن متناسباً مع التحولات الفعلية في موازين القوة داخل المجتمع اليمني .
وفي هذا السياق أيضاً، حافظت المملكة العربية السعودية على مقاربة تقوم على دعم الانتقال السياسي بما يوافق مصالحها ولم يكن هذا الدور منفصلاً عن طبيعة العلاقة التي تطورت تاريخياً بين السعودية وجزء من النخب السياسية والقبلية والعسكرية اليمنية؛ إذ اعتمد النفوذ السعودي، بدرجات متفاوتة، على شبكة من العلاقات الشخصية والمالية والسياسية مع مراكز القوة اليمنية، وهو ما يسمح بفهم جانب من العلاقة من خلال مفهوم الزبونية السياسية غير أن انتقال السلطة لم يؤدِّ إلى تفكيك هذه الشبكات بصورة كاملة، بل أعاد توزيع مواقعها داخل النظام الانتقالي، بحيث ظل المؤتمر الشعبي العام وشبكات الرئيس السابق علي عبد الله صالح يحتفظان بوزن سياسي كبير، في حين أصبح الرئيس عبد ربه منصور هادي مركزاً للترتيب الانتقالي الجديد، واستمر التجمع اليمني للإصلاح بوصفه قوة سياسية واجتماعية رئيسية.
وعليه، كان صعود أنصار الله خلال 2013 مؤشراً على تحول بنيوي في طبيعة التهديد الذي تواجهه الدولة اليمنية والمصالح الأمنية السعودية فيها فبعد أن تمحور التعاون بين صنعاء والرياض خلال المرحلة السابقة حول "مكافحة الإرهاب" والتهريب وضبط الحدود، بدأت الرياض تواجه احتمالاً جديداً يتمثل في صعود قوة يمنية منظمة تمتلك قاعدة اجتماعية وقدرة مستقلة على التأثير في مسار الدولة، ومع وصول مؤتمر الحوار إلى نهايته في يناير 2014، أصبحت أزمة اليمن أقل ارتباطاً بمجرد ضعف الدولة في مواجهة تهديدات أمنية متفرقة، وأكثر ارتباطاً بالصراع حول من يمتلك القدرة على إعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها وموقعها الإقليمي، ومن هنا يمكن اعتبار مطلع 2014 نقطة انتقال من مرحلة «إدارة تعدد التهديدات» إلى مرحلة "الصراع على إعادة تشكيل بنية السلطة".
وإذا كانت هذه المرحلة السابقة تتيح فهم بعض جذور الظاهرة، فإن استكمال التحليل يقتضي العودة إلى سياقها التاريخي المباشر، فحركة أنصار الله نشأت سنة 2001 من خلال محاضرات السيد حسين بالحوثي وفي 2004 شنت الحرب الأولى عليه واستشهد في نفس العام، ينظر إلى "المسيرة القرآنية" باعتبارها الإطار الفكري والعقدي الذي مثّل بداية الانتقال إلى العمل المسلح لحركة أنصار الله دفاعاً عن النفس وحرية النشاط، أو ما يُعرف في الإعلام بـ"الحوثيين" وكانت بذور الحركة قد نشأت سنة 1994 بوصفها حركة سياسية-دينية (الشباب المؤمن)، ارتبط تأسيسها بحسين بدر الدين الحوثي ورفاقه، وامتدت جذورها إلى محافظة صعدة، كما مثّلت في جانب منها امتداداً للإرث السياسي والديني لحزب الحق[64] وعلى الرغم من انطلاق الحركة من بيئة قبلية ومذهبية محددة، تمثلت أساساً في الفئة الزيدية التي شهدت تراجعاً وتهميشاً نسبياً في شمال اليمن خلال العقود السابقة، إلا أن مشروعها السياسي والفكري لم ينحصر في الدفاع عن المصالح المذهبية للزيدية، بل اتخذ تدريجياً أبعاداً وطنية ووحدوية وذات بعد إسلامي أوسع تخطى الحيز المذهبي، انطلاقاً من تصور أوسع للوحدة الإسلامية في هذا السياق من خلال محاضراته.([65])
يمكن النظر إلى "الشباب المؤمن" بوصفهم إحدى التعبيرات الناشئة عن خطاب وحركة مناهضة للهيمنة، ولا سيما الهيمنة الأمريكية، مع توجيه نقد متزايد للدور السعودي في اليمن على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وقد جاء ذلك في سياق داخلي اتسم بتفاقم الفجوة بين الريف والمدينة، وتزايد مظاهر الفقر والتهميش، وتفشي الفساد، فضلاً عن حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي وتنامي نفوذ التيارات الإسلامية، ولا سيما التيارات الإخوانية والسلفية، وما رافق ذلك من انتشار مؤسساتها وخطاباتها في مناطق مختلفة من شمال البلاد وفي ظل هذه التحولات، طرح السيد حسين بدر الدين الحوثي مشروعاً إحيائياً عُرف بـ"المسيرة القرآنية"، حمل في مضمونه أبعاداً اجتماعية واقتصادية على المستوى الداخلي، وأبعاداً وطنية مرتبطة بمسألة السيادة اليمنية على المستوى الخارجي، إلى جانب بعد إسلامي ذي نزعة أممية في مواجهة مشاريع الهيمنة والتدخل الخارجي .
وقد عبّر هذا الخطاب عن نفسه بصورة واضحة من خلال الشعار الذي تبنته الحركة (الله أكبر الموت لأمريكا الموت لإسرائيل اللعنة على اليهود النصر للإسلام)، والذي تضمن مواقف مناهضة للسياسة الأمريكية و"الإسرائيلية"، بما جعله يتجاوز المجال العقدي الضيق نحو خطاب سياسي ذي مضامين معادية للهيمنة والصهيونية ومن ثمّ، مثّل هذا الخطاب، بما حمله من مضامين دينية وسياسية واجتماعية، تحدياً متزايداً لسلطة النظام القائم في صنعاء، ولا سيما مع انتقال الحركة من النشاط الديني والثقافي إلى التعبئة السياسية والاجتماعية ثم إلى المواجهة المسلحة المفروضة عليها.
وبالعودة إلى التحولات السياسية المشار إليها سابقاً، تفاقمت هذه المعضلة مع اقتراب انتهاء الولاية الانتقالية للرئيس عبد ربه منصور هادي سنة 2014 دون اكتمال عملية الانتقال إلى نظام سياسي جديد قائم على دستور وانتخابات ومؤسسات مستقرة، فالمماطلة في تنفيذ الاستحقاقات الانتقالية، إلى جانب ضعف قدرة الدولة على إدارة الصراعات المتراكمة، أدت إلى تآكل الشرعية الانتقالية وإضعاف مركز السلطة التنفيذية وفي هذا السياق، برزت هنا بشكل أكبر حركة أنصار الله نتيجة الضعف المؤسسي والتناقضات داخل النظام الانتقالي، وتمكنت خلال سنة 2014 من توسيع نطاق نفوذها وصولاً إلى السيطرة على صنعاء في إطار ثورة 21 سبتمبر من العام نفسه، وبذلك لم يكن صعود أنصار الله مجرد نتيجة مباشرة لفشل الحوار الوطني، وإنما جاء في سياق أوسع اتسم بتعثر إعادة بناء الدولة، واستمرار شبكات النفوذ الزبونية، وتآكل القدرة على إدارة المرحلة الانتقالية، تكشف هذه التطورات أن استمرار آليات إدارة النفوذ القائمة على التوافقات النخبوية وإعادة توزيع المصالح، بدل بناء مؤسسات سياسية وأمنية مستقرة، ساهم في إضعاف الدولة اليمنية وفتح المجال أمام انتقال مركز الثقل السياسي والعسكري تدريجياً من المؤسسات الانتقالية إلى قوى اجتماعية وعسكرية خارجها .
بدأت حركة أنصار الله تمسك بزمام الأمور تدريجياً في الساحة الداخلية نظراً لتوسع قاعدتها الشعبية وإرثها الثقافي والسياسي المستمر منذ 1994 وشبه العسكري منذ 2004، بدأت الحركة في التوسع وإنشاء تحالفات مع المكونات المحسوبة على الجيش اليمني، والدخول في مناوشات مع فصائل حكومية أو شبه حكومية محسوبة على رأس النظام آنذاك وعلي محسن الأحمر والتيارات الاخوانية والسلفية الوهابية المقاتلة، وسيطرت بقاعدتها الشعبية على العديد من المناطق شمالاً بدءاً بـ "عمران"، وطبعاً السيطرة لا تستثني السيطرة على القواعد العسكرية الداخلية والمنشآت الأمنية.
ومع تزاد الاحتقان الشعبي من الوضع الذي تقاطعت فيه مصالح نخب قبلية وعسكرية وأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية وغيرهما، وعدم ايفاء الحكومة الانتقالية بوعودها، ازداد الالتفاف الشعبي حول حركة أنصار الله وأصبحت مفتوحة على أبناء اليمن من مختلف المناطق والمذاهب والقبائل، وأدى هذا إلى ثورة شعبية يوم 21 سبتمبر نتيجتها السيطرة على العاصمة صنعاء تلك التطورات شكلت تحدياً مباشراً لترتيبات النفوذ الإقليمي القائمة، ودفع المملكة العربية السعودية وحلفاءها إلى الانتقال من سياسة الاحتواء وإدارة التوازنات الداخلية إلى التدخل العسكري المباشر بذريعة "استعادة الحكومة الشرعية"، وتُوّج هذا التحول بإطلاق عملية "عاصفة الحزم" في مارس/آذار 2015، وبذلك لم تعد الاستراتيجية الأمنية السعودية تجاه اليمن قائمة أساساً على التعاون والاحتواء والوساطة، وإنما انتقلت إلى التدخل العسكري المباشر يمكن النظر إلى ذلك بوصفه تراجعاً في وزن آليات التراضي داخل ممارسة الهيمنة، وتزايداً في الاعتماد على الإكراه المباشر بوصفه أداة لإعادة تشكيل موازين القوة والحفاظ على الترتيب السياسي والأمني المرغوب إقليميا .
يكمن الفرق الجوهري بين تدخل 2009 والتدخل السعودي واسع النطاق منذ آذار/مارس 2015 في انتقال السعودية من تدخل قصير ومحدود أقرب إلى احتواء تهديد حدودي مباشر خلال إحدى جولات حروب صعدة، إلى حملة جوية ممتدة ذات شدة وطموح سياسي وإقليمي أكبر؛ ففي عام 2009 لم يكن الهدف، إعادة تشكيل النظام السياسي اليمني أو إعادة فرض سلطة مركزية في صنعاء، كما أن الانسحاب ظل ممكناً رغم عدم تحقيق نصر حاسم.
أما في عام 2015 فقد بدأ التدخل بعد سيطرة أنصار الله على صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014 ومغادرة الرئيس عبد ربه منصور هادي العاصمة، واتخذ هدفاً معلناً هو عكس التغييرات الجديدة، كما ارتبط التدخل الجديد بصورة مباشرة بالتنافس السعودي-الإيراني، إذ قدّمت السعودية حركة أنصار الله بوصفهم "جماعة مدعومة من إيران" وتهديداً لأمنها وللاستقرار في شبه الجزيرة العربية، الأمر الذي جعل قبول الانسحاب أو التسوية التي تمنح حكومة صنعاء نفوذاً سياسياً وعسكرياً كبيراً أكثر صعوبة كذلك تميز تدخل 2015 بشبكة دعم أمريكية شملت التدريب واللوجستيات وتبادل المعلومات واستخدام أسلحة أمريكية الصنع، وبآثار إنسانية وسياسية أوسع بكثير؛ فبدلاً من عملية محدودة قابلة للإنهاء، تحولت الحملة إلى حرب طويلة لم تحقق انتصاراً سريعاً أو حاسماً وأسهمت في دفع اليمن نحو أزمة إنسانية كارثية.
إذن إذا أردنا الخلاصة فالفارق الجوهري بين الحالتين هو أن تدخل 2009 كان أقرب إلى تدخل احتواء حدودي قصير، بينما تحوّل تدخل 2015 إلى مشروع لإعادة فرض ترتيب سياسي وإقليمي في اليمن ففي الحالة الأولى، كان الانسحاب ممكناً من دون أن يصبح اختباراً مركزياً لشرعية القيادة السعودية أو لمكانتها الإقليمية أما في الحالة الثانية، فقد تداخلت ثلاثة مستويات: صراع داخلي يمني على السلطة، وتنافس سعودي-إيراني، وحاجة القيادة السعودية الجديدة إلى إظهار الحزم والقدرة على صناعة النتائج لذلك لم تعد الحرب مجرد عملية عسكرية ضد خصم مسلح، بل صارت جزءاً من هوية السياسة الخارجية السعودية ومن شرعية القيادة داخلياً.([66])
يمكن فهم هذا التحول أيضا بوصفه أزمة هيمنة لأن السعودية سعت إلى تحويل التفوق العسكري والتحالفات الخارجية إلى قدرة مستقرة على تحديد من يحكم اليمن وكيف يُحكم، لكنها لم تتمكن من تحويل القوة إلى قبول سياسي أو ترتيب قابل للاستدامة فقد قاومت أنصار الله هذا المشروع، وتعددت مراكز القوة المحلية، بينما جعل ربط الحرب بمواجهة إيران أي تسوية تعترف بنفوذ الحركة مهماً تبدو، من منظور القيادة السعودية، تراجعاً استراتيجياً ورمزياً وهكذا أنتج التدخل الواسع مفارقة الهيمنة: اتساع القدرة على الإكراه لم يؤدِّ إلى سيطرة سياسية مستقرة، بل إلى حرب أطول، وكلفة إنسانية أكبر، وتآكل في القدرة على الانسحاب من دون إعلان نصر؛ أي أن أزمة الهيمنة نشأت من الفجوة بين الطموح السعودي لفرض النظام والقدرة الفعلية على إنتاج شرعية وترتيب سياسي يمني مستقر.
خلصت هذه الدراسة، من خلال تتبع آليات ومظاهر النفوذ السعودي في اليمن خلال الفترة الممتدة بين عامي 1990 و2015، إلى أن إعادة إنتاج هذا النفوذ لم تعتمد على أداة واحدة أو نمط ثابت من التدخل، وإنما قامت على مزيج متداخل من أدوات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية، أعيد توظيفها وتكييفها بحسب تحولات البيئة اليمنية والإقليمية، فقد أسهم الاعتماد الواسع على سوق العمل السعودي والتحويلات المالية المرتبطة به في منح الرياض أدوات تأثير مهمة في السلوك الاقتصادي والسياسي اليمني، وخلق أشكالاً من الاعتماد والارتباط مكّنتها من ممارسة نفوذ مستمر، من دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى التحكم الكامل في القرار اليمني، بالنظر إلى قدرة الفاعلين المحليين على المناورة، وتعدد مراكز القوى، ووجود مصادر أخرى للموارد والدعم داخل اليمن وخارجه، وفي هذا السياق، لم يكن النفوذ الاقتصادي منفصلاً عن بقية أدوات التأثير، بل ارتبط بشبكات من العلاقات السياسية والاجتماعية التي سمحت بتحويل الاعتماد الاقتصادي إلى قدرة على التأثير في موازين القوى وفي سلوك عدد من الفاعلين المحليين.
كما أظهرت الدراسة أن شبكات الرعاية السعودية شكّلت إحدى أهم الآليات التي ساعدت على إعادة إنتاج النفوذ، إذ نشأت، في عدد من الحالات، علاقات زبونية قائمة على تبادل المنافع والموارد والحماية، وربطت بين السلطة السعودية وفاعلين يمنيين يمتلكون القدرة على التأثير في المجالين السياسي والاجتماعي، غير أن هذه العلاقات لم تكن متجانسة أو ثابتة على الدوام؛ فقد اتخذ بعضها طابعاً مرحلياً ومصلحياً، ارتبط بظروف محددة وبحسابات النخب السعودية واليمنية، كما اختلفت درجة اعتمادها على السياق السياسي وموازين القوى المحلية، وفي هذا الإطار، لعب الوسطاء المحليون دوراً حاسماً في نقل المصالح والتوجيهات وربط القوة الخارجية بالبنية الداخلية، وهو ما أتاح للنفوذ السعودي أن يتجاوز التدخل المباشر وأن يعيد إنتاج نفسه عبر علاقات محلية تبدو، في كثير من الأحيان، مستقلة في شكلها، لكنها كانت متأثرة بدرجات متفاوتة بشبكات الرعاية والاعتماد.
وبناءً على ذلك، تؤكد نتائج الدراسة الفرضية القائلة إن النفوذ السعودي خلال هذه المرحلة كان يعتمد بدرجة كبيرة على إنتاج علاقات الاعتماد والارتباط أكثر من اعتماده على السيطرة المباشرة، كما تؤيد الفرضية المتعلقة بأهمية شبكات الرعاية والوسطاء المحليين في إعادة إنتاج النفوذ واستمراره، غير أن النتائج تدفع في الوقت نفسه إلى تقييد هاتين الفرضيتين؛ فالنفوذ لم يكن مطلقاً، والعلاقات الزبونية لم تكن دائماً مستقرة أو متماسكة، وإنما ظلت رهينة بالتوازنات الداخلية وقدرة الفاعلين اليمنيين على التفاوض والمناورة وإعادة توجيه علاقاتهم، أما الفرضية المتعلقة بتراجع فاعلية أدوات النفوذ غير المباشر بعد عام 2011، فتجد الدراسة ما يدعمها إلى حد كبير؛ إذ أسهمت التحولات السياسية التي أعقبت الثورة اليمنية، إلى جانب صعود أنصار الله، في إضعاف عدد من شبكات النفوذ التقليدية التي ارتبطت بالنخب والوسطاء الذين شكلوا جزءاً من البنية السياسية السابقة، غير أن هذا التراجع لا يعني انهيار تام للنفوذ السعودي بصورة كاملة، بل يعكس تغيراً في شروط ممارسته وفي قدرة الأدوات التقليدية على تحقيق النتائج نفسها التي كانت تحققها في مراحل سابقة بدرجات أقل.
ومن هنا، لا يمكن تفسير أيضاً الانتقال نحو الإكراه العسكري عام 2015 بوصفه نتيجة مباشرة ووحيدة لانهيار أدوات النفوذ غير المباشر، كما لا يمكن عزله عن سياقه السياسي والأمني والإقليمي، فقد جاء هذا التحول نتيجة تفاعل مركب بين تآكل بعض آليات النفوذ التقليدية، وتغير موازين القوى داخل اليمن، وتصاعد المخاوف الأمنية السعودية، واتساع الصراع الإقليمي، فضلاً عن الاعتبارات المرتبطة بالبيئة الداخلية السعودية، وبذلك، تكشف الحالة اليمنية أن أدوات النفوذ لم تنتقل ببساطة من مرحلة إلى أخرى، وإنما أعيد ترتيبها وفقاً لتغير شروط ممارسة القوة؛ فعندما كانت شبكات الاعتماد والرعاية والوساطة قادرة على إنتاج النتائج المطلوبة، أمكن للنفوذ أن يعمل بصورة غير مباشرة، وعندما تراجعت قدرتها على ذلك، ازداد وزن الأدوات الأمنية والعسكرية المباشرة.
تتمثل النتيجة المركبة للدراسة في أن السياسة السعودية تجاه اليمن خلال الفترة 1990–2015 قامت على اجتماع ثلاثة عناصر مترابطة هي الهيمنة والاعتماد والإكراه؛ فالهيمنة لم تُنتج فقط من خلال التفوق المادي أو التدخل السياسي المباشر، وإنما من خلال بناء علاقات اعتماد اقتصادي وشبكات رعاية ووساطة محلية سمحت بإعادة إنتاج النفوذ داخل البنية اليمنية، وفي المقابل، لم يكن الاعتماد اليمني مجرد نتيجة تلقائية للفوارق في القوة، بل كان جزءاً من بنية أوسع أعادت تشكيل العلاقات بين الدولة والفاعلين المحليين والخارجيين، أما الإكراه، فلم يظهر باعتباره أداة منفصلة تماماً عن هذه البنية، بل برز بصورة أكثر وضوحاً عندما تراجعت فاعلية بعض الأدوات غير المباشرة وأصبحت محدودة القدرة على حماية المصالح السعودية أو إعادة إنتاج موازين القوى السابقة، ومن ثم، فإن فهم النفوذ السعودي في اليمن لا يستقيم من خلال اختزاله في مفهوم الهيمنة وحده، ولا في الاعتماد الاقتصادي وحده، ولا في التدخل العسكري وحده، وإنما يتطلب النظر إلى العلاقة بين هذه الأبعاد الثلاثة باعتبارها عناصر متفاعلة داخل بنية تاريخية وسياسية متغيرة.
ومع ذلك، واجهت هذا العمل عدداً من الحدود التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند قراءة نتائجها، فقد شكّل نقص البيانات وصعوبة التحقق من بعض المخصصات والموارد غير الرسمية تحدياً أمام قياس الحجم الفعلي لبعض شبكات الرعاية والتمويل، كما أن تفاوت المصادر وتباين طبيعتها، ولا سيما فيما يتعلق ببعض المؤشرات الاقتصادية السابقة لعام 2015، اضطر الدراسة في بعض المواضع إلى الاستفادة من مصادر صدرت بعد هذه الفترة لإضاءة وقائع أو اتجاهات سابقة، مع مراعاة عدم إسقاط المعطيات اللاحقة بصورة مباشرة على الفترة محل الدراسة، كذلك، ظل توفر المعطيات المتعلقة ببعض مناطق الجنوب اليمني محدوداً مقارنة بغيرها، وهو ما انعكس على قدرة الدراسة على تقديم صورة متساوية العمق عن مختلف الأقاليم اليمنية، ويضاف إلى ذلك عدم توفر بعض المصادر التي كان من شأنها أن تعزز عملية التحقق والمقارنة، سواء بسبب صعوبة الوصول إليها أو بسبب كونها غير متاحة بصورة مجانية، ولا تنتقص هذه الحدود من النتائج التي خلصت إليها الدراسة، لكنها تفرض التعامل معها باعتبارها استنتاجات مقيدة بما أتاحته المادة المصدرية المتوفرة، وتفتح المجال أمام دراسات لاحقة يمكن أن تستفيد من أرشيفات ووثائق ومصادر أولية أكثر اتساعاً.
لا يزال اليمن يعاني من آثار تلك العلاقة وما أفرزته من اختلالات وتوترات، وصولاً إلى التصعيد الأخير بين صنعاء والرياض، ومنطق التاريخ يقول إن شيئاً لا يأتي من فراغ، وإن فهم ما يجري اليوم يظل ناقصاً ما لم نفهم ما جرى بالأمس، ومن هذا المنطلق، حاول الباحث، قدر الإمكان، أن يقدم للقارئ تصوراً عن المسار الذي أوصل اليمن إلى ما هو عليه اليوم، مع التركيز على مرحلة ما بعد الوحدة اليمنية، وتوظيف أدوات منهجية علمية في محاولة لقراءة القوى والعلاقات الفاعلة على الأرض بصورة أكثر عمقاً، بعيداً عن المقاربات الكلاسيكية، رغم أهميتها، حين تعجز وحدها عن الإحاطة بتعقيدات الحالة اليمنية وغيرها، وبعيداً كذلك عن الاختزالات الثقافية والأخلاقوية التي كثيراً ما تحجب البنية المادية التاريخية للصراع.
إن التعاطف مع الشعب اليمني، وهو يحاول بناء دولته داخل جغرافيا سياسية واجتماعية شديدة التعقيد والتناقضات، أمر إنساني وجميل، ودعم هذا الشعب، وغيره من الشعوب التي تواجه أشكالاً مختلفة من الاضطهاد من الخارج والداخل، وفي مقدمتها الشعبان الفلسطيني والصحراوي، أمر يستحق التقدير، غير أن التعاطف، مهما كانت ضرورته وقيمته الأخلاقية، لا يكفي وحده، ففهم الواقع يقتضي العودة إلى التاريخ، وتتبع تشكل القوى والمصالح والعلاقات التي أسهمت في إنتاجه.
وعلى أمل أن تكون هذه الدراسة قد قدمت، ولو بصورة مختصرة، مدخلاً لفهم بعض ما جرى ويجري في اليمن، فإننا نرحب بكل تعليق أو ملاحظة أو نقد يمكن أن يساهم في تطويرها وتصحيح ما يكون قد طرأ عليها من نواقص.
وإن كان لهذه الورقة البحثية من قيمة، فهي في نهاية المطاف محاولة متواضعة لفهم واقع معقد، وفهم الواقع هو الخطوة الأولى، وتغييره هي الثانية كما يقول الفيلسوف الألماني كارل ماركس.
يذكر أن الباحث قد استعان بأدوات الذكاء الاصطناعي في نطاقين أساسيين، تمثل الاستخدام الأول في المساعدة في البحث والاستدلال على بعض المصادر والمراجع الأكاديمية، ولا سيما في الموضوعات التي يصعب الوصول فيها إلى المراجع المتخصصة بصورة مباشرة، وقد اقتصر دور الذكاء الاصطناعي في هذا الجانب على اقتراح مسارات البحث والمصادر المحتملة، مع قيام الباحث بالتحقق من المصادر والرجوع إليها بصورة مباشرة قبل اعتمادها في الدراسة.
أما الاستخدام الثاني، فقد تمثل في التدقيق اللغوي والإملائي لبعض الفقرات، بما في ذلك إعادة صياغة بعض العبارات بهدف تحسين وضوحها وسلامتها اللغوية، مع بقاء المحتوى والتحليل والاستنتاجات معهودة بمسؤولية الباحث.
https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/policy-research-ar/7473
https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/policy-research-ar/17842
https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/perspectives-and-analyses-ar/5564
https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2011/2011721194957656591.html
https://www.noonpost.com/2487/
https://teachingmethodscenter.uoanbar.edu.iq/News_Details.php?ID=239
https://perimjournal.com/2103/
https://www.alayyam.info/article/AN0CZ39K-D7MURM-88E9
https://www.bbc.com/arabic/articles/c0mwj31mxwpo
https://www.ansarollah.com.ye/archives/855539
https://www.ansarollah.com.ye/archives/855539
https://almawqeapost.net/interviews/47167
https://althawrah.ye/archives/578190
https://alkhanadeq.com/post/5694
https://www.al-akhbar.com/Arab/71133
1 - الجدار السعودي اليمني». ويكيبيديا، الموسوعة الحرة. على الرابط:
https://ar.wikipedia.org/wiki/
2 –"نزاع صعدة". ويكيبيديا، الموسوعة الحرة. على الرابط:
https://ar.wikipedia.org/wiki/
3 - "المبادرة الخليجية". ويكيبيديا، الموسوعة الحرة. على الرابط:
https://ar.wikipedia.org/wiki/
مراجع إضافية:
Ali Khan, Ghazanfar. Kingdom, Yemen Sign Historic Deals. 13 décembre 2004.
Al-Kahtani, Mohamed Ziad. « The Foreign Policy of King Abdulaziz (1927-1953) ». Leeds, 2004.
Al-Kamali, Mahyoob. Saudi Capital Influx for Investment In Yemen [Archives:2001/12/Business & Economy]. 19 mars 2001.
Al-Qaeda in the Arabian Peninsula (AQAP). 2015.
Bin Sallam, Mohammad. Concludes Meetings: Yemen Gets Long-Term Loans of USD 300 Million [Archives:2000/51/Business & Economy]. 18 décembre 2000.
Bordón, Javier, et Eyad Alrefai. « Saudi Arabia’s foreign aid: the singularity of Yemen as a case study ». 2023. https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/01436597.2023.2231899?scroll=top&needAccess=true.
Global Security. YEMEN: Timeline of key events since 18 May. s. d. https://www.globalsecurity.org/military/library/news/2011/06/mil-110624-irin01.htm?utm_.
Human Rights Watch. Detained, Beaten, Deported Saudi Abuses against Migrants during Mass Expulsions. 2013. https://www.hrw.org/report/2015/05/10/detained-beaten-deported/saudi-abuses-against-migrants-during-mass-expulsions?utm.
IMF. Republic of Yemen. 2001.
Qatar Digital Library. Coll 6/65 « Relations between Saudi-Arabia and the Yemen. » [108r] (215/917). s. d.
« Saudi to scrap fence on Yemen border ». Al Jazeera, s. d.
Security Council. REPORT OF THE SECRETARY-GENERAL ON THE SITUATION IN YEMEN. 1994.
Shuja Al-Deen, Maysaa. « The Houthis: From the Sa’ada Wars to the Saudi-led Intervention Maysaa Shuja Al-Deen ». Sana’a Center, 2020.
The World Bank. « Economic Growth in the Republic of Yemen ». octobre 2002. https://documents1.worldbank.org/curated/en/682561468782363835/pdf/multi0page.pdf?utm_.
US Departement of State. Yemen (09/04). s. d.
الفقيه, عبدالله. « الاقتصاد السياسي اليمني ودوره في تشكيل الجماعات الفاعلة ». https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2011/2011721194957656591.html, 2011.
القاضي, أنس. اليمن .. من الوحدة إلى الثورة اليمن .. من الوحدة إلى الثورة. مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية اليمني, 2022.
جنيد, توفيق. « تاريخ الأحزاب السياسية اليمنية: من الكفاح المسلح إلى القمع المسلح ». مركز صنعاء, 2022. https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/policy-research-ar/16499#utm.
جنيد, توفيق, et محسن رمضان. « حلّ مشاكل الحدود اليمنية -السعودية: الوقت حان لإحياء اللجان المشتركة ». مركز صنعاء, 2022. https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/policy-research-ar/17842?utm.
ردفان, حسام. « دور السعودية في جنوب اليمن ». مركز صنعاء, s. d. https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/policy-research-ar/16222#utm_.
طرابلسي, فواز. جنوب اليمن في حكم اليسار. رياض الريس للكتب و النشر, 2019.
[1] وزان سي. ستوكس، وثاد دانينغ، ومارسيلو نازارينو، وفاليريا بروسكو، الوسطاء والناخبون والزبونية: معضلة السياسة التوزيعية، كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، ٢٠١٣م، الفصل الأول: "بين الزبائن والمواطنين: إشكالات ومفاهيم في دراسة السياسة التوزيعية"، متوفرة على الرابط:
https://doi.org/10.1017/CBO9781107324909.002.
[2] أنطونيو غرامشي، مختارات من دفاتر السجن، تحرير وترجمة كوينتن هور وجيفري نويل سميث، نيويورك: إنترناشونال بابليشرز، ١٩٧١م متوفر على الرابط:
https://files.libcom.org/files/Gramsci%20-%20Selections%20from%20the%20Prison%20Notebooks.pdf.
[3] روبرت كوكس، «غرامشي والهيمنة والعلاقات الدولية: مقالة في المنهج»، ترجمة فوزية الفرجاني بن عبد الله، شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية، العدد ١٦٢، صيف ٢٠٢٠م، ص ١٥٠–١٥١.
[4] وبرت كوكس، «غرامشي والهيمنة والعلاقات الدولية: مقالة في المنهج»، ترجمة فوزية الفرجاني بن عبد الله، شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية، العدد ١٦٢، صيف ٢٠٢٠م، ص ١٤٥–١٤٦، متوفر على الرابط:
https://cssrd.org.lb/files/Gramsci%281%29.pdf.
*مصطلح يشير إلى إحلال القوة العاملة السعودية مكان العمالة الوافدة وهو نهج يطبق في كافة الشركات وفق نسب معينة لمواجهة البطالة.
[5] ريتشارد إم. إمرسون، «علاقات القوة والاعتماد»، المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع (American Sociological Review)، المجلد ٢٧، العدد ١، فبراير ١٩٦٢م، ص ٣٢–٣٣، باللغة الإنجليزية، متوفر على الرابط
https://archiv.soms.ethz.ch/sociology_course/Social_Interaction/R_M_Emerson_Power_Dependence_relations.pdf. archiv.soms.ethz.ch
[6] «غرامشي والهيمنة والعلاقات الدولية: مقالة في المنهج»، ترجمة فوزية الفرجاني بن عبد الله، شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية، العدد ١٦٢، صيف ٢٠٢٠م، ص ١٤٦، متوفر على الرابط:
https://cssrd.org.lb/files/Gramsci%281%29.pdf.
[7] المملكة المتوكلية اليمنية والمملكة العربية السعودية، «معاهدة الطائف»، الموقعة في جدة، ٦ صفر ١٣٥٣هـ/١٩ مايو ١٩٣٤م، المواد ٢، ٤، ٢٢، النص المنشور على موقع المركز الوطني للمعلومات، اليمن، متوفر على الرابط:
https://yemennic.com/yemen/history/taif.html.
[8] https://searcharchives.bl.uk/catalog/040-000557165?utm_source=chatgpt.com
[9] Mohamed Ziad Al-Kahtani, « The Foreign Policy of King Abdulaziz (1927-1953) » (Leeds, 2004).
[10] Qatar Digital Library, Coll 6/65 « Relations between Saudi-Arabia and the Yemen. » [108r] (215/917) (s. d.).
[11] عبد الغني الإرياني، «كيف خرجت العلاقات اليمنية–السعودية عن مسار حسن الجوار»، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، ٢٥ ديسمبر ٢٠٢١م، متوفر على الرابط:
https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/perspectives-and-analyses-ar/16131.
[12] فواز طرابلسي, جنوب اليمن في حكم اليسار (رياض الريس للكتب و النشر, 2019).
[13] وضاح أحمد ويوسف محسن، القوى اليمنية العاملة المغتربة تحت التهديد: الدور الحيوي للتحويلات المالية في الحد من الانهيار الاقتصادي، سلسلة «إعادة تصور الاقتصاد اليمني»، الورقة رقم ٥، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ، مايو ٢٠١٩م، ص ٧–٨، متوفر على الرابط:
https://sanaacenter.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No5_Ar.pdf.
[14] أمين اليافعي، «عاصفة الترحيل: العمالة اليمنية في السعودية»، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 8 أبريل 2018. متوفر على الرابط:
https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/perspectives-and-analyses-ar/5564.
[15] IMF, Republic of Yemen (2001).
[16] https://ar.wikipedia.org/wiki/الحرب_الأهلية_اليمنية_(1994)
[17] Security Council, REPORT OF THE SECRETARY-GENERAL ON THE SITUATION IN YEMEN (1994).
[18] مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الأمانة العامة، "البيان الصحفي الصادر عن الدورة الحادية والخمسين للمجلس الوزاري"، أبها، ٥ يونيو ١٩٩٤م، الفقرات الخاصة باليمن، متوفر على الرابط:
https://www.gcc-sg.org/ar/AboutUs/Data/MinisterialCouncil/Pages/Pressreleaseissuedbythefiftyfi35.aspx.
[19] عبد الله بن حسين الأحمر، مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر: قضايا ومواقف، ط٢، صنعاء: الآفاق للطباعة والنشر، ٢٠٠٨م، ص ٢٦٧.
[20] «مذكرة تفاهم بين المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية: مكة المكرمة، ٢٦ فبراير ١٩٩٥م»، شؤون عربية، العدد ٨٢، ١٩٩٥م، ص ٢٩٥–٢٩٦.
[21] نقاط خلاف حدودي،
[22] مصدر سابق.
[23] «نائب مدير الخطوط اليمنية: لا صحة لرغبتنا شراء الحصة السعودية ونسعى لزيادة أكبر في السوق»، الجزيرة، العدد ١٢٥٣٤، ٢٢ يناير ٢٠٠٧م، القسم الاقتصادي، نقلاً عن عبد الله المترب، نائب المدير العام للشؤون التجارية في الخطوط اليمنية، متوفر على الرابط:
https://www.al-jazirah.com/2007/20070122/ec30.htm.
[24] US Departement of State, Yemen (09/04) (s. d.).
[25] عبدالله الفقيه, « الاقتصاد السياسي اليمني ودوره في تشكيل الجماعات الفاعلة », https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2011/2011721194957656591.html, 2011.
[26] The World Bank, « Economic Growth in the Republic of Yemen », octobre 2002, https://documents1.worldbank.org/curated/en/682561468782363835/pdf/multi0page.pdf?utm_.
[27] IMF, Republic of Yemen.
[28] Ibid
[29] Clemens Breisinger et al., « Impacts of the Triple Global Crisis on Growth and Poverty in Yemen », IFPRI Discussion Paper 00955, IFPRI, février 2010.
[30] Mohammad Bin Sallam, Concludes Meetings: Yemen Gets Long-Term Loans of USD 300 Million [Archives:2000/51/Business & Economy], 18 décembre 2000.
[31] Mahyoob Al-Kamali, Saudi Capital Influx for Investment In Yemen [Archives:2001/12/Business & Economy], 19 mars 2001.
[32] Ghazanfar Ali Khan, Kingdom, Yemen Sign Historic Deals, 13 décembre 2004.
[33] Human Rights Watch, Detained, Beaten, Deported Saudi Abuses against Migrants during Mass Expulsions (2013), https://www.hrw.org/report/2015/05/10/detained-beaten-deported/saudi-abuses-against-migrants-during-mass-expulsions?utm.
[34] Javier Bordón et Eyad Alrefai, « Saudi Arabia’s foreign aid: the singularity of Yemen as a case study », 2023, https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/01436597.2023.2231899?scroll=top&needAccess=true.
[35] Ibid
[36] جيني هيل، وبيتر سلزبري، وليوني نورثدج، وجين كننمنت، اليمن: الفساد وهروب رأس المال والأسباب العالمية للصراع، ترجمة عربترانس، لندن: المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس»، سبتمبر ٢٠١٣م، ص ٢٤
[37] https://data.worldbank.org/indicator/BX.TRF.PWKR.CD.DT?locations=YE
[38] عبد الله الفقيه، «الاقتصاد السياسي اليمني ودوره في تشكيل الجماعات الفاعلة»، مركز الجزيرة للدراسات، ٢٨ مارس ٢٠١١م، متوفر على الرابط:
https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2011/2011721194957656591.html.
[39] https://ar.wikipedia.org/wiki/الانتخابات_البرلمانية_اليمنية_2003
[40] توفيق جنيد, « تاريخ الأحزاب السياسية اليمنية: من الكفاح المسلح إلى القمع المسلح », مركز صنعاء, 2022, https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/policy-research-ar/16499#utm.
[41] توفيق جنيد et محسن رمضان, « حلّ مشاكل الحدود اليمنية -السعودية: الوقت حان لإحياء اللجان المشتركة », مركز صنعاء, 2022, https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/policy-research-ar/17842?utm.
[42] ibid
[43] ibid
[44] حسام ردفان, « دور السعودية في جنوب اليمن », مركز صنعاء, s. d., https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/policy-research-ar/16222#utm_.
[45] Al-Qaeda in the Arabian Peninsula (AQAP), 2015.
[46] « Saudi to scrap fence on Yemen border », Al Jazeera, s. d.
[47] جنيد et رمضان, « حلّ مشاكل الحدود اليمنية -السعودية: الوقت حان لإحياء اللجان المشتركة ».
[48] ibid
[49] ibid
[50] لمزيد من التفصيل حول نشأة حركة أنصار الله وتطورها السياسي والفكري والاجتماعي وعلاقتها بالسلطة اليمنية، يُنظر المبحث الثاني من الفصل الرابع، حيث تُبحث الحركة في إطار التحولات السياسية الداخلية في اليمن.
[51] ibid
[52] Maysaa Shuja Al-Deen, « The Houthis: From the Sa’ada Wars to the Saudi-led Intervention Maysaa Shuja Al-Deen », Sana’a Center, 2020.
[53] ibid
[54] يمكن اعتبار حسين بدر الدين الحوثي مثقفاً عضوياً بالمعنى الغرامشي بدرجة كبيرة، بالنظر إلى دوره في صياغة خطاب فكري وسياسي ارتبط بالقوى الاجتماعية التي شكلت قاعدة الحركة الحوثية، إذ لم يقتصر دوره على النشاط الديني، بل عمل على إعادة تفسير بعض عناصر الموروث الزيدي ضمن رؤية سياسية ناقدة للسلطة اليمنية وللهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، وساهم عبر محاضراته وخطاباته في تشكيل وعي جماعي وتعبئة اجتماعية وسياسية.
[55] «المؤسسات الإسلامية في الدول العربية: تحليل منهجيات السيطرة والاستقطاب والنزاع»، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، يونيو ٢٠٢١م، القسم الخاص باليمن، فقرة "المعاهد العلمية"، متوفر على الرابط:
https://carnegieendowment.org/ar/research/2021/06/islamic-institutions-in-arab-states-mapping-the-dynamics-of-control-co-option-and-contention
[56] الأسباب مذكورة في المبحث الثالث من الفصل الثالث
[57] الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، «البيان الصحفي الصادر عن الدورة الاستثنائية الثانية والثلاثين للمجلس الوزاري»، الرياض، 10 أبريل 2011م، متوفر على الرابط:
https://gcc-sg.org/ar/AboutUs/Data/MinisterialCouncil/Pages/PressReleaseIssuedByThirtySecond.aspx
[58] أنس القاضي, اليمن .. من الوحدة إلى الثورة اليمن .. من الوحدة إلى الثورة (مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية اليمني, 2022).
[59] ibid
[60] Global Security, YEMEN: Timeline of key events since 18 May, s. d., https://www.globalsecurity.org/military/library/news/2011/06/mil-110624-irin01.htm?utm_.
[61] مؤتمر الحوار الوطني الشامل، «وثيقة الحوار الوطني الشامل»، صنعاء، يناير 2014م، المقدمة وتقارير فرق عمل القضية الجنوبية، وقضية صعدة، وبناء الدولة، والحكم الرشيد، وأسس بناء الجيش والأمن، نسخة منشورة على موقع مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، متوفر للتحميل على الرابط:
https://osesgy.unmissions.org/sites/default/files/national_dialogue_conference.pdf
[62] عادل الشرجبي، «إعادة هيكلة الجيش اليمني»، سياسات عربية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المجلد الأول، العدد الثالث، يوليو 2013م، ص 50–59،
[63] . مؤتمر الحوار الوطني الشامل، «وثيقة الحوار الوطني الشامل»، صنعاء، يناير 2014م
[64] حزب الحق حزب إسلامي تأسس سنة 1990في سياق الوحدة اليمنية من قبل نخب إسلامية زيدية على غرار المؤيدي والسيد الحوثي
[65] ¹ مجموعة الأزمات الدولية، «اليمن: نزع فتيل قنبلة صعدة الموقوتة»، تقرير الشرق الأوسط، رقم 86، 27 مايو 2009م، ص 3، 7–8، 12–14، 25–26،
[66] Clausen, Maria-Louise. (2019). “Saudi Arabian Military Activism in Yemen: Interactions between the Domestic and the Systemic Level.” In POMEPS Studies 34", pp. 76–81. Project on Middle East Political Science.