Logo dark


هل أمِن المطبّعون؟

( كاتب ومحاضر في العلوم السياسية , )

كنت ولا أزال غير مستسيغ لاستخدام مفهوم "تطبيع" على العلاقات بين المهرولين والصهاينة، قلّبت المفهوم عدة مرات على كل جانب، فما زادني ذلك إلا إصراراً على موقفي، لقد وجدت مراراً أن هذا المفهوم حتى من وجهة النظر السياسية لا يتسق مع واقع حال اليهود إذا ما تجاوزنا مغزاه اللغوي وفتحنا باب (التقيا). هذا المفهوم في السياسة الصرفة يشير إلى توجه الدول التي توترت علاقاتها لسبب من الأسباب نحو تجاوز هذا الأمر وإعادة العلاقة المتضررة إلى سابق عهدها "حينها يقال تم تطبيع العلاقات بينها"، ولكن حال علاقة اليهود والصهيونية بالإنسانية ابتداء هي علاقة شاذة وليست طبيعية، ولهذا فالقول بتطبيع هذه علاقة الدولة أو تلك بإسرائيل يعني أساساً إعادتها إلى وضعها الشاذ العدواني والمدمر.

والعلاقة الصهيونية الشاذة هي أساس نشأتها التي تستمد وجودها من التاريخ اليهودي ذاته، ولكن لفت انتباهي مؤخراً قول ذاك المؤرخ "الإماراتي" بأن "اليهود دائماً كانوا جزءاً هاماً من الشرق الأوسط، وأنا ملتزم بأن أروي قصة الشعب اليهودي وفصل الصهيونية إلى العالم العربي"، الذي يوضح أن غرامه باليهود والصهيونية وهرتزل بالذات قد حرفه عن الحقيقة التاريخية لليهود واليهودية. صحيح أن اليهود كانوا جزءاً من ما يسمى الشرق الأوسط، ولكن من هم اليهود في الحالة الراهنة ومن أين ينحدرون؟ وهل كل يهود العالم هم نفس اليهود الذين يقصدهم المنصوري؟ وما هو موقعهم في الدولة الصهيونية التي "هو ملتزم" برواية قصتها لنا إلى الحد الذي يجعله ينشئ لها متحفاً خاصاً؟

يعلمنا التاريخ نفسه الذي ينسب المنصوري نفسه إليه أن اليهود الحقيقيين هم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ويقدم لنا القرآن الكريم قصتهم كاملة، يبد أن صاحبنا لا يعرف أن يهود اليوم ليسوا فقط أولئك الذين بيّن لنا القرآن وكتب التاريخ ماهيتهم وأذاهم، ولكن بينهم أيضاً "اليهود الخزر" وقصتهم معروفة تاريخياً، وهم لا يمتون بأي صلة لبني يعقوب ولكنهم قوم اعتنقوا اليهودية بكل ما فيها ليتخذوها أيديولوجية لهم في مواجهة الدول القوية في زمانهم "الدولة الرومانية والدولة الإسلامية".

وينتمي الخزريون إلى قوميات مختلفة "كالفرس والأتراك والسلاف والقوقاز" وقد ظهرت دولتهم في المنطقة الممتدة بين البحر الأسود وبحر قزوين، وبين نهري (الدون والفولغا)، لكن هذه الدولة سقطت مع الزمن ووقعت مدينة "ساكل" في أيدي الروس عام 965م، وهي الثانية بعد العاصمة "إتل". وفي القرن الثالث عشر للميلاد تفرق الخزريون على يد المغول بين الدول الأوروبية الشرقية والغربية والولايات المتحدة ونجد تفاصيل كثيرة حول حياتهم عند (ابن فضلان).

 الذي يعنينا هنا أن اليهود بعد تفرقهم في دول أوروبا وأمريكا لم يمارسوا حياة بشرية طبيعية في منافيهم بل فضلوا العيش في معتزلاتهم الخاصة، ويذكر لنا كتاب "جدل حول صهيون" قصصاً مرعبة عن جرائم اليهود بحق أبناء تلك الدول وأطفالهم، الأمر الذي تسبب بطردهم تباعاً من جميع الدول الأوروبية تقريباً، بما فيها بريطانيا التي تأمرت في مطلع القرن العشرين لسرقة فلسطين من أهلها ومنحها لليهود الصهاينة.


ويحكي البروفيسور فاليري لوزجين في كتابه "الصهيونية مصدر الفاشية [1]، حكايات كثيرة عن خيانات اليهود والصهاينة بصورة خاصة للدولة الروسية التي يعيشون في كنفها. الأفعال التي اقترفها اليهود في الإمبراطورية الروسية دفعت الامبراطورة كاترينا الثانية إلى إصدار مرسوم بطردهم جميعاً من روسيا.

وحتى عندما أنشأ الاتحاد السوفييتي منطقة خاصة لليهود على الحدود الصينية "بيروبيجان " عام 1939، ربما لم يكن بغرض قمع اليهود كما يذهب البعض، بل قد يكون ذلك نابعاً من خوف ستالين من خداع اليهود، وخصوصاً فيما يخص العلاقة مع ألمانيا، هناك مصادر تؤكد وجود شراكة من هتلر والوكالة اليهودية فيما يخص موضوع تهجير اليهود، كما كشف الأرشيف السوفييتي مؤخراً عن وجود 150 ألف جندي في الجيش النازي، هذه الأمور ليست من المصادفات بالطبع!!!


يبدو أن المأزق الحقيقي لعشاق الدولة الصهيونية يكمن في عدم قدرتهم على التفريق بين اليهود من ذرية يعقوب وبين "المتهودين" من الأقوام الأخرى أو أنهم لا يريدون ذلك.

إن اهتمام المنصوري- الذي ينفي عن نفسه تهمة الصهيونية، بالرغم أن أحدا لم يتهمه بها حتى الآن- بالدولة الصهيونية ليس مسألة ذات أهمية كبرى بالنسبة لنا، فقد قال آخرون ما هو أكثر من ذلك بينهم علماء دين ومثقفين وحملة مباخر، فملك البحرين ووزير خارجيته مثلاً قد تغزلا بإسرائيل غزلاً ماجناً قبل أن يحققا حلمهما بتبادل السفراء، ضمن ما سمي بصفقة إبراهام.

لا زلنا عند رأينا الذي أوضحناه منذ سنوات "أن عدم وجود تمثيل دبلوماسي بين الدول لا يعني مطلقاً انتفاء العلاقة بينها، ولا يعني بالضرورة أنها في حالة عداء" وقد صرح أكثر من مسؤول خليجي أنهم ليسوا في حالة عداء مع الصهيونية، وهذا ظهر جلياً في الموجة التي تبعت (غزوة) ترامب، إن المشكلة الجديرة بالانتباه هي "صهينة الوعي" في المنطقة، فقبل موجة "التنطيع" رأينا شباباً ينتمون للأعراب وسمعناهم يتغنون من داخل الحرم، ولعلكم تتذكرون "سعود السعودي" وآخرون كثر في مواقع التواصل وهم يتغنون بالصهاينة وكثير منهم بأسماء وهمية على كل حال ...

بالنسبة لنا بقاء فلسطين نابضة بالحياة ليس معقوداً بهؤلاء الحكام أو حتى بأتباعهم وأموالهم، ولكن فلسطين باقية تنبض بالحياة لأن لها شعب يسكنها وهي تسكنه. خلال حروب "إسرائيل" ضد غزة رأينا كيف دفن هؤلاء رؤوسهم، لم نسمع لهم حتى همساً. خلال الاعتداءين الأخيرين جرت مليارات الدولارات الخليجية في شرايين الماكنة الصهيونية، بينما سكبت على كثير من العرب أطنان من القذائف والمتفجرات والصواريخ، فأموال العربان قط لم تنم بلداً عربياً.

كل ذلك لا يهم ... لأن التاريخ يستمر بالتقدم والحياة عامرة بالحركة التي لا تتوقف... لا أريد أن أسأل الأعراب عن حجم المنافع التي جنوها من موجة "التنطيع" أو التطبيع هذه؟ أو هل صاروا أكثر ثراء مثلاً؟ أو هل صاروا أكثر قوة؟ لكن السؤال الأهم بالنسبة لي هو: هل أصبحوا أكثر أمناً من مكر اليهود الذين لم ولن يتخلوا عن مشروع "إسرائيل من البحر إلى البحر"؟

فأوروبا التي كانت منفاهم لم تأمن مكرهم، وحتى اليوم فإن أكبر حلفائهم لا يستطيعون ذلك.

  1. الصهيونية مصدر الفاشية. كتاب للراحل فاليري لوزجين. صدر عام 2004. ويتهم اللوبي الصهيوني في روسيا بأنه المؤول عن قتله. قمنا باعداد مسودة ترجمة للكتاب عن الروسية في 2009. 
الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز

مواضيع متعلقة