Logo dark


القبيلة كفاعل مؤثر في الاحداث المعاصرة

( مركز بحثي , info@u-feed.com )

اتسمت العلاقة بين القبيلة والدولة في منطقة غرب آسيا (العالم العربي) بتعقيدٍ متزايد، خاصة بعد عودة القبيلة كفاعل مؤثر في الساحات السياسية والاجتماعية في أعقاب موجة الحراك الشعبي عام 2010.

وقد لعبت القبائل العربية أدوارًا محورية في التحولات السياسية والأمنية في عدد من الدول. ففي اليمن، أدّت القبائل دور الشريك الثوري إلى جانب حركة "أنصار الله"، وكانت رديفًا للدولة في مواجهة العدوان. أما في مصر وليبيا، فقد انقسمت الولاءات القبلية بين طرفي الحراك، بحسب السياقات المحلية. وفي الأردن، ظلّت القبائل عمومًا في صف الدولة، مع بروز تمايزات واضحة خلال الحرب التي أعقبت "عملية طوفان الأقصى"، وأبرزها موقف عشيرة الحويطات، التي ينتمي إليها الاستشهادي ماهر الجازي.

أما في فلسطين، فتتعرّض القبائل لضغوط شديدة بهدف دفعها إلى الانحياز ضد مصالح المقاومة، لكنها ما تزال ترفض ذلك، باستثناء بعض العائلات القبلية التي اختارت، منذ بدايات احتلال فلسطين، الاندماج مع الكيان المؤقت والتعاون معه.

في المقابل، أدّت القبائل في لبنان وسوريا والعراق أدوارًا وظيفية متباينة، فتارة تحالفت مع خط المقاومة، وتارة أخرى اندمجت في المحور المقابل. ويُظهر رصيد السنوات الخمس عشرة الماضية أن نصف قبائل هذه البلدان ناصبت العداء للمقاومة ومحورها، في حين بقي النصف الآخر على موقفه الثابت المعادي للكيان الصهيوني.

فيما يلي ملخّص لصعود القبيلة مجددًا في عدد من الدول العربية، من حيث: السياق – الدور – الوظيفة – الأسباب.

أولاً: السياق التاريخي والتحولات الجيوسياسية:

بعد عام 2010، شهدت المنطقة موجةً من الحراك الشعبي المدني، أعقبتها صراعات عسكرية، وتمردات، وتدخلات أجنبية. ومع انحسار هذا الحراك، برزت جماعات مسلّحة ذات طابع قبلي أو عرقي أو علماني أو مصلحي، إلى جانب جماعات سلفية جهادية، شكّلت بيئةً خصبةً لقوى كبرى تسعى لإعادة تشكيل المنطقة. من المهم الإشارة إلى مشروعٍ وُضع عام 1907 (مشروع جورج كامبل)، ثم جُمّد بعد اتفاقية سايكس-بيكو، لتعود القوى الاستعمارية القديمة (بريطانيا وفرنسا) والجديدة (الولايات المتحدة وروسيا) إلى محاولة إعادة تشكيل المنطقة، مستخدمةً الأدوات ذاتها تقريبًا: الجماعات المتغربة، والقبائل، والفكر الوهابي/السلفي. وبعد "الحرب الخشنة" (2017)، تحوّل الصراع إلى "حرب ناعمة" تستهدف ما يُعرف بـ "المناطق الرمادية"، والتي تشمل، إلى جانب الفضاءات الافتراضية والعمليات السيبرانية، ساحة القبائل، بوصفها تقاطعًا بين الجغرافيا، والديموغرافيا، والأيديولوجيا، والثقافة.

ثانيًا: استراتيجيات القوى الكبرى تجاه القبائل:

  1. الولايات المتحدة: بدأت الولايات المتحدة في التعامل مع القبائل متأخرة نسبيًا (أربعينيات القرن الماضي ) مقارنة بالبريطانيين الذين درسوا المنطقة بعمق منذ العام  1885 (غيرترود بيل، لورنس العرب).  بسبب هذا التأخر في التعامل مع الملف وبسبب طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية " البرغماتية " التي تعتمد بشكل كبير على الصفقات في سياساتها المؤقتة فإنها  تتعامل مع القبائل في حالتين: عند مواجهة مقاومة قوية في بلد محتل، أو عندما تضعف الدولة وتتقلص قبضتها الأمنية. فقد استخدمت الولايات المتحدة القبائل الأفغانية (البشتون، البلوش، الطاجيك، الأوزبك) في حربها ضد الاتحاد السوفيتي (1979)، ثم استخدمت خبراء وزعامات القبائل (مثل زلماي خليل زاد) بعد 2001 لبناء تفاهمات مصلحية مع زعماء القبائل. وبعد حل الجيش العراقي (2003)، لجأت الولايات المتحدة إلى استمالة زعماء العشائر السنية لتشكيل "مجالس الصحوات" لمواجهة تنظيم القاعدة، رغم ما شاب هذه الخطوة من جدل حول الاختيار، الاختراق، الفساد، وتأجيج الصراعات الطائفية.
  2. الكيان المؤقت: يعتمد الكيان المؤقت منهجاً مختلفاً مع الملف القبلي حيث اعتمدت على التطويع وتغيير الهوية (البدو في النقب والغور) من خلال حملات ممنهجة، بالإضافة إلى الاستيطان والطرد. وتسعى منذ بداية حرب طوفان الاقصى إلى تطويع وتجنيد قبائل الترابين والجهالين أو افراد منهما لمساعدتها في حكم غزة أو ضبطها أمنياً وما مجموعة أبو الشباب إلا إرهاصات على الطريق .

ثالثاً : القبيلة والدولة: مفاهيم وتصحيحات:

  • القبيلة كفكرة :يجب النظر حالياً إلى القبيلة كفكرة وأيديولوجيا متغيرة الأبعاد، وليست مجرد وحدة اجتماعية ثابتة.
  • مشاريع سيادة: كل من القبيلة والدولة يمثلان "مشروع سيادة"، مما يفسر الحذر المتبادل والشكوك.
  • ديناميكية وتطور: القبائل ليست متجمدة تاريخيًا؛ فهي تتكيف وتستخدم أدوات حديثة (وسائل التواصل الاجتماعي، العلامات التجارية).
  • القوة مقابل الدولة: القبيلة تتمتع بسلطة محدودة في الدول المستقرة، لكن علاقتها بالدولة ليست ثابتة.
  • التبسيط الخاطئ: لا يجب مساواة القبائل بالبدو الرحل؛ فالقبائل متنوعة في تنظيمها وحجمها ومواردها.
  • جوهر القبيلة: قد يكون النسب المشترك، لكن غالبًا ما تكون على أسس سياسية أو اجتماعية أو قيادية.
  • ولاءات متعددة: القبيلة ليست المبدأ التنظيمي الوحيد؛ فهناك الولاءات العرقية، الطبقية، والدينية.
  • المرونة والتكيف: القبائل تظهر مرونة كبيرة في مواجهة الأزمات والتغيرات.

رابعاً : القبيلة والدولة في بناء الدول الحديثة:

  • المكون التاريخي: لعبت القبيلة دورًا أساسيًا في تشكيل الدول العربية الحديثة، وكانت وحدة تنظيمية هامة في غياب الدول المركزية المستقرة (القرن 17-19).
  • تأثير التحديث: مع صعود الدولة الحديثة واحتكارها للوظائف (الاقتصاد، الأمن، السيادة)، ضعفت القبائل وفقدت استقلالها الاقتصادي والسياسي.
  • دول الخليج: شهدت السبعينيات والثمانينيات تقوية للدولة المركزية مقابل إضعاف ممنهج للقبيلة. لكن التسعينيات شهدت "إحياءً" للقبلية، غالبًا على أسس جديدة أو متخيلة، كرد فعل على الركود السياسي أو كبديل للقومية التي بدأت تضعف بفعل العولمة.
  • القبيلة كصديق وعدو للدولة: فهي توفر الشرعية للدول الحديثة (خاصة دول الخليج) لكنها قد تشكل تهديدًا أو مصدر صراع عندما تضعف الدولة كما يحدث الآن في سوريا والعراق..
  • التلاعب بالقبلية: تحاول الدول استخدام القبائل لتعزيز سيطرتها، لكن هذا تسبب دائماً بعدم الاستقرار (كما في سوريا والعراق والكويت).
  • التبعية للدولة: في كثير من الدول مثل الاردن، فقدت النخب القبلية استقلالها وأصبحت تعتمد على الدولة (رواتب، امتيازات).
  • إدارة الهوية القبلية: تسعى الدول (مثل السعودية) لإدارة وتطويع الهوية القبلية، وتقييد استخدام الألقاب، والتحكم في علم الأنساب، بهدف منع التعبئة الجماعية ضد الحكم السعودي.

 

 

خامساً : القبائل ودورها المتغير:

  • فقدان الوكالة الجماعية: رغم فقدان الاستقلال الذاتي، تظل القبائل محتفظة بأهميتها كعلامات للهوية الاجتماعية، تؤثر في الزواج، وحل النزاعات، والتفاعل اليومي مع الدولة.
  • غموض موقف الدول: تتعامل الدول العربية (خاصة الخليجية والاردن والعراق) مع القبائل بمعادلة مزدوجة: تقدير ثقافتها كجزء من الهوية الوطنية من جهة، واعتبارها من جهة أخرى تهديدًا كامنًا للانقسامات وتقويض الهوية الوطنية المتماسكة.
  • الشباب والتحولات: يعاني شباب القبائل من فقدان الفرص الاقتصادية والسياسية التي كانت توفرها القبائل، مما يؤدي إلى فتور الولاءات القبلية وتزايد الشكوى من "زيف" القبائل وعدم قدرتها على تحقيق تطلعاتهم.
  • التحالفات القبلية والسياسة الإقليمية: القبائل التي تعبر الحدود الوطنية (مثل شمر والبكارة والجبور والعقيدات) يمكن أن تكون أدوات للسياسة الإقليمية (السعودية، الإمارات، قطر، الاردن، العراق، سوريا)، مما يساهم في تأجيج الانقسامات الداخلية في دول مثل العراق وسوريا. ودخول القبائل في نزاعات أهلية ومعقدة.
  • القبيلة مقابل الدولة: بينما تضعف الدولة، قد تعود القبائل للظهور كفواعل سياسية، لكن ليس بالضرورة بقيادة النخب القديمة. الأزمات تحفز تعبئة قبلية (مثل تغطية قبائل العراق ولبنان للجماعات السلفية الجهادية والتورط في النزاعات السورية ودعم الأمير محمد بن سلمان للقبائل في المنطقة الشرقية أو أزمة قطر).
  • القوة السياسية للقبائل: رغم التحديات، تظل القبائل قادرة على التأثير في السياسات والتحولات ذات الطابع المسلح، وحشد الناخبين، وتأمين الموارد، والتأثير على سياسات الدولة.
  • الولاء الهرمي: بنية الولاء (الفرد، الأسرة، العشيرة، القبيلة، الدولة) تتراجع مركزيتها مع تطور الدولة والتحديث، لكنها لا تزال تشكل إطارًا لفهم العلاقات.

خلاصة:

لم تعد القبائل في غرب آسيا مجرد وحدات اجتماعية تقليدية، بل تحولت إلى فواعل سياسية واجتماعية معقدة، تتشابك أدوارها مع هياكل الدولة والقوى الإقليمية والدولية. ورغم تراجع استقلالها الاقتصادي والسياسي في النصف الثاني من القرن الماضي بفعل التحديث والدولة المركزية، إلا أنها بقيت قوى مؤثرة، تتكيف مع الظروف الجديدة، وتلعب دورًا في تشكيل الهوية الوطنية، وصناعة السياسات، وحتى في إشعال أو احتواء الصراعات.

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز

مواضيع متعلقة