Logo dark


بين الانفتاح المشروط وتوازنات القوى: قراءة تحليلية في خطاب صنعاء تجاه تحريك ملف السلام في اليمن

( استاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة صنعاء , )

شهد الخطاب السياسي الصادر عن صنعاء مؤخرًا تحوّلًا لافتًا في بنيته الدلالية ومحدداته الخطابية تجاه مساعي إحياء مسار السلام في اليمن، وذلك عقب ترحيب وزارة الخارجية في صنعاء بالتحركات الأممية الأخيرة، ويكتسب هذا الترحيب أهميته من كونه يصدر في لحظة سياسية تتسم بحساسية عالية على المستويين الإقليمي والدولي، فضلًا عن أنه يحمل منحًى مغايرًا نسبيًا للغة الخطاب التقليدي التي اتسمت خلال الأعوام الماضية بالتشكيك في جدية المنظمة الأممية وفاعلية دورها، غير أن هذا الانفتاح، رغم دلالته الرمزية، لم يخرج عن إطار الاشتراطات الصارمة المرتبطة بمفاهيم السيادة ورفض التدخل الخارجي، وهو ما يعكس استمرار ثبات المرجعية "العقدية" والسياسية التي تُحدد مقاربة صنعاء للحل السياسي.

يتأسس الخطاب الجديد على معادلة دقيقة تجمع بين إبداء الاستعداد للتفاعل مع جهود السلام من جهة، وإعادة التشديد على الثوابت الوطنية من جهة أخرى، ففي الوقت الذي أبدى فيه البيان ترحيبًا بخطوات الأمم المتحدة، ربط ذلك باحترام سيادة اليمن واستقلال قراره، باعتبارهما مدخلًا لا يمكن تجاوزه نحو أي عملية سياسية ذات مصداقية، وقد حمل هذا الطرح رسالة مزدوجة:

- الأولى موجهة للمجتمع الدولي بهدف تثبيت صورة صنعاء كفاعل سياسي منفتح وغير رافض لمبدأ التسوية،

- الثانية للأطراف الإقليمية، وعلى رأسها السعودية، لتأكيد أن أي مقاربة للحل لا يمكن أن تتأسس على معادلات القوة أو الضغوط الإنسانية والاقتصادية.

تكشف القراءة التحليلية لخطاب البيان عن استمرار حالة عدم الثقة البنيوية بين صنعاء والرياض، إذ تَضمّن اتهامات واضحة للسعودية بتوظيف الملفات الإنسانية كورقة ابتزاز سياسي، وهو توصيف يستبطن رفضًا للعودة إلى نماذج التسوية الجزئية أو الترقيعية القائمة على مقايضات إنسانية قصيرة المدى، وفي ضوء ذلك، يمكن النظر إلى هذا الموقف بوصفه محاولة لإعادة تعريف قواعد الحوار المتوقع، بما يجعل من “رفع مسببات الصراع” شرطًا لإنجاح أي مسار تفاوضي، وليس مجرد نتيجة لاحقة له.

تأتي هذه التحولات في سياق إقليمي متغير، تفرضه ديناميات تتجاوز حدود الأزمة اليمنية، ومنها تزايد الحاجة والرغبة الدولية إلى خفض التوترات في المنطقة، وتنامي القلق من انعكاسات الصراع الممتد على الأمن الإقليمي، ولا سيما في ظل التطورات في البحر الأحمر وتداعيات الصراع في غزة، ويبدو أن صنعاء تدرك أن اللحظة الإقليمية الراهنة قد تشكل نافذة استراتيجية لإعادة تموضعها السياسي، من خلال خطاب يوازن بين المرونة التكتيكية والحزم الاستراتيجي، الأمر الذي يتيح لها الظهور كفاعل صلب لا يعارض التسوية، لكنه يرفض تسوية لا تعالج جذور الاختلالات.

أما على مستوى الوساطة، فإن عودة النشاط الدبلوماسي العُماني تمثل عنصرًا مهمًا في قراءة هذا التحول، إذ لطالما شكلت مسقط قناة وسيطة تعتمد نهجًا قائمًا على بناء الثقة وتدوير الزوايا. ويفترض أن الزيارات الأخيرة للمبعوث الأممي إلى العاصمة العُمانية وإعادة تفعيل قنوات التواصل مع صنعاء تحمل مؤشرات على وجود مقترحات أو مشاريع تفاهم يجري اختبار قابليتها السياسية لدى الأطراف، وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار خطاب صنعاء بمثابة “تهيئة خطابية” لتسهيل استئناف مفاوضات غير مباشرة، مع المحافظة على سقف شروط مرتفع يقيّد مسار التنازلات المحتملة.

في المحصلة، يمكن القول إن خطاب صنعاء الأخير لم يأت في سياق تحول جوهري في الرؤية السياسية للصراع، لكنه يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الاستثمار في المناخ الإقليمي والدولي الراهن، بما يسمح بإعادة صياغة موقعها التفاوضي، إن الانفتاح المشروط الذي عبّر عنه البيان يعكس انتقالًا من مرحلة “الرفض الناقد” إلى مرحلة “القبول الحذر”، في محاولة لإدارة التوازن بين ترسيخ الثوابت الوطنية وفتح نافذة سياسية قد تعيد تشكيل مسار الأزمة، غير أن ترجمة هذا التحول إلى مسار سلام فعلي ستظل مرهونة بقدرة الأطراف على تجاوز معضلة انعدام الثقة، وإنتاج إطار تفاوضي يعالج جذور الصراع، لا مظاهره الإنسانية فحسب.

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز

مواضيع متعلقة