ورقة تقدير موقف:
الأفق الاستراتيجي لمسار المواجهة الحالية بين صنعاء والرياض وعملائها*
د. سامي محمد السياغي
وحدة تحليل الصراعات بالمركز
(النمذجة الرياضية للصراع)
ملخص تنفيذي:
بناءً على المعطيات الرياضية "الحسابية" والميدانية الأخيرة للمواجهات فيما بين صنعاء وبين الرياض وعملائها، وتحديداً بعد انتقال قوات صنعاء إلى "مرحلة الاستهداف الصاروخي المستمر لعمق المدن السعودية"، ومحاولة الرياض امتصاص تلك الهجمات والتفعيل غير المجدي لـ"التزامات الدفاع المشترك" مع ما يسمى حلف مكة، وإطلاق الرياض لهجوم عملائها البري على قوات صنعاء بغطاء جوي كثيف؛ يظهر نموذج المحاكاة الذي تم بموجب "تقدير الموقف" هذا لتلك المواجهة بأن "الاستنزاف الشامل لحرب الرياض ووكلائها من العملاء" هو السيناريو المهيمن حالياً وبنسبة تحقق محتمله تبلغ (65%) على خط الصراع بين صنعاء والرياض، فيما توزعت باقي نسبة خط الصراع المحتمل بين صنعاء والرياض على احتمال "الانفجار الإقليمي والصدام الشامل" بنسبة 25%، واحتمال "التهدئة وعقد الصفقة الاضطرارية مع صنعاء" بنسبة 10%.
1- المعادلة الحالية للصراع والأوزان الاحتمالية لأطرافه:
الثابت أن الصراع حالياً يسير وفق دالة طردية متسارعة محكومة بتفاعل ثلاثة أطراف هي: (صنعاء من ناحية والرياض وعملائها من الناحية الأخرى)، وقد تم احتساب أوزانها النسبية رياضياً في متن دراستنا الموسعة المشار إليها سلفاً؛ وسيتم هنا إعطاء صورة مباشرة عن دلالة تلك الأوزان في إطار معادلة طرفي الصراع (صنعاء/الرياض وعملائها) وذلك على النحو الآتي**:
أثبتت الاستراتيجية الحالية لصنعاء أن قصف العمق السعودي (المطارات، الأهداف الحيوية كأرامكو، القواعد العسكرية) نجح في إلغاء ما يمكن تسميته بـ"المنطقة الرمادية"، والتي تحاول الرياض التمترس خلفها كـ "وسيط" في الأزمة اليمنية؛ فقد أصبح قصف قوات صنعاء المتدرج والمنظم وغير العشوائي للرياض بمثابة المتغير المستقل الأقوى الذي يضرب "دالة الاستقرار والرفاه السعودي" في مقتل؛ فالرياض قد باتت تدرك (بالرغم من المغالطة) أن أمنها واستقرارها مرتبط طردياً بإنجازها لملفات صنعاء الإنسانية والاقتصادية والسياسية وفق الترتيبات الجديدة، بما في ذلك الانسحاب كلية من الأراضي اليمنية وعدم التدخل في الشأن اليمني، والحقيقة أن ترجمة ذلك الإدراك السعودي - على ما يبدو - سيأخذ وقتاً ليس بالبعيد.
ومن أمثلة قيام عملاء الرياض المحليين بهذا الدور انضمامهم وتصعيدهم البري في جبهات الساحل وباب المندب، وتفعيل الرياض لهذا التصعيد عبر تكثيف الغطاء الجوي السعودي؛ وذلك في محاولة سعودية واضحة لـ "نقل كلفة الحرب إلى الداخل اليمني"، وتخفيف الضغط الصاروخي عن مدنها دون التورط في مواجهة برية مباشرة مع قوات صنعاء؛ حيث تحرص الرياض على توليد "قوة كبح ميدانية لصنعاء" داخل الجغرافيا اليمنية؛ وهو أمر غير ذي جدوى في ظل عمل قوات العملاء على النقل الأمين لعبء المواجهة مع قوات صنعاء إلى الرياض، مع استمرار صنعاء في تصعيدها باستهداف كل الجغرافيا السعودية بضربات صاروخية مؤثرة.
لجوء الرياض لـ"حلف مكة الدفاعي" واستدعاء قدرات عسكرية إقليمية (باكستان وتركيا) على اعتبار أن تلك القوات ستشكل عاملاً دفاعياً "ممتصاً للصدمات" تحاول الرياض عبره تقليل حساسية عمقها للضربات الصاروخية المباشرة، وهو الأمر الذي لم يتحقق حتى الآن؛ والأغلب الأعم أنه لن يتحقق.
2- تحليل سيناريوهات المواجهة والتنبؤ الاحتمالي:
بناءً على المحاكاة الديناميكية للصراع بين صنعاء من جهة والرياض وعملائها من جهة أخرى، تتوزع المسارات على ثلاثة سيناريوهات (نماذج) على النحو التالي:
(الوزن النسبي للاحتمال 65%) احتمال مهيمن الحدوث الآن:
سلوك الرياض:
في ظل استهداف صنعاء للمنشآت الحيوية والمطارات والقواعد العسكرية؛ كان سلوك الرياض محصوراً على قيامها بتفويض كامل الجهد البري لعملائها المحليين في جبهات: (تعز، الساحل الغربي، محيط باب المندب، مأرب، والجوف)، حيث وفرت لهم مظلة نارية هائلة، جيشت لها 100 طائرة مقاتلة في اليوم الأول من معركة سمتها (فجر اليمن)، وذلك بهدف تدمير القدرات التسليحية لصنعاء، والهدف السعودي هنا هو إشغال صنعاء في "الدفاع عن أطرافها الميدانية" لمنعها من التفرغ لمهاجمة المركز "المدن السعودية".
سلوك صنعاء:
تعتمد صنعاء استراتيجية "تأصيل الكلفة المتبادلة"؛ حيث ترى صنعاء أن الاكتفاء بمواجهة العملاء محلياً هو بمثابة فخ استنزاف بشري وعسكري؛ لذلك، تصر صنعاء على العمليات العسكرية ضد الرياض من أجل الحفاظ على معدل إطلاق ثابت ومتصاعد للصواريخ الباليستية والمجنحة نحو عمق الأراضي السعودية.
والقراءة الرياضية للوزن النسبي لاحتمالات تطور المعركة (65%) تؤكد أن صنعاء قد نجحت في فرض واقع مفاده أن:
"كل تصعيد للرياض ضد صنعاء، وتجاهل للاستجابة لمطالبها المشروعة، وكل إصرار على تحقيق تقدم ميداني لعملائها، ستقابله صنعاء بكلفة اقتصادية وسيادية مباشرة ومرتفعة في داخل المدن السعودية".
وفي هذا المسار يحاول كل طرف كسر إرادة الآخر بالنقاط وليس بالضربة القاضية؛ ولعل حساب التكاليف حتى الآن يوضح أن لصنعاء قدم السبق في ذلك.
(الوزن النسبي للإحتمال 25%) احتمال حرج جداً قابل للحدوث في حال التصعيد الصفري:
احتمال حدوث تطور مفاجئ في مسار الصراع بين صنعاء والرياض "دالة التصاعد" التي تبدأ بنسبة 25% وقد تصل حتى 90%؛ في حال حدوث خرق عسكري على قيم ذلك التوازن الديناميكي من خلال إحداث خسائر اقتصادية وبشرية هائلة في الجانب السعودي؛ ما يعزز من قيم دالة التصاعد بما يصل إلى قيم جديدة أعلى؛ ويدفع الرياض وحلفاءها الدوليين للقيام بقفزة في الهواء في مواجهة صنعاء تتجاوز الخطوط الحمراء التقليدية.
في المقابل؛ لن تتراجع صنعاء عن المواجهة مهما بلغت التكاليف، ويعد هذا التطور بمثابة "انقطاع ديناميكي" لمسار الصراع ما بين صنعاء والرياض، وستجد الرياض نفسها مرغمة سياسياً وأمام حلفائها الدوليين على التخلي عن استراتيجية الحرب بالتخفي وراء العملاء المحليين، ولا ريب أن صنعاء مستعدة تماماً لمواجهة هذا الاحتمال.
والحقيقة أن حدوث هذا الاحتمال يظل بعيد التحقق في ظل مستوى الدقة في ضربات صنعاء الصاروخية، وأنها تقوم في الأساس على مبدأ "التصعيد بالتصعيد"؛ ولكن في حال حدوث هذا الاحتمال بلجوء الرياض إلى حالة "التصعيد الصفري" للصراع، وهو ما سيعد في حينه سلوكاً غير مبرر وتعبيراً عن مراهقة سياسية؛ وخاصة في ظل استمرار تجاهل الرياض لطبيعة التحول القائم في ميزان القوى مع صنعاء.
صورة افتراضية تبين مدى خطورة تحقق هذا الاحتمال :
سيتحول منحنى الصراع فوراً إلى خط عمودي (من: 25% إلى: 95%)، حيث ستندفع القوات السعودية والتحالف الدولي نحو تدخل عسكري مباشر (جوي وبري واسع النطاق) يتجاوز قواعد الاشتباك الحالية، مما يعني اشتعال مواجهة إقليمية شاملة مباشرة تتداخل فيها ملفات الملاحة الدولية في البحر الأحمر بشكل كامل، وهو أمر بالغ الخطورة لطرفي الصراع ولكنه أكثر خطورة إلى أبعد حد بالنسبة للرياض؛ فمن المؤكد أن مصالح العالم كله ستتضرر بشكل كبير جداً، وبخاصة تلك المتعلقة بعصب الطاقة.
(الوزن النسبي للاحتمال 10%) احتمال متوقع الحدوث خلال ٤ شهور من بداية المواجهة الحالية:
وفقاً لهذا الاحتمال يحدث انحدار مفاجئ في حدة الصراع تحت ضغط تضرر البنية التحتية للرياض والمشاريع المرتبطة برؤية 2030، وتضرر حركة الملاحة الدولية، وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً؛ ما يفرض توقيع اتفاق تراجع طارئ (توقيع اتفاق لتنفيذ مطالب صنعاء مقابل وقف التهديد الصاروخي).
وسيكون هذا بمثابة اتفاق "التهدئة والصفقة الاضطرارية السريعة بالنسبة للرياض"، ويمثل هذا المسار "هبوطاً اضطرارياً إجبارياً للمنحنى" نتيجة وصول الطرفين إلى "القبول بنقطة توازن القوى الجديدة".
محددات تحقق السيناريو:
لن يتحرك هذا السيناريو بناءً على رغبة ذاتية في السلام، بل عندما تتقاطع حسابات الخسائر الحرجة؛ إذا أدركت الرياض أن الدعم العسكري الإقليمي والغطاء الجوي الكثيف قد فشلا تماماً في تأمين مدنها من الضربات الصاروخية، وأن الكلفة الاقتصادية لتعطل مشاريع الاستثمار والسياحة في رؤية 2030 باتت غير قابلة للاستمرار.
في المقابل؛ هنا فقط تتدخل القوى الدولية لفرض صفقة طارئة والاستجابة لمطالب صنعاء كاملة؛ مقابل وقف إطلاق الصواريخ نحو العمق السعودي، وهذا بلا شك هو الاحتمال المرغوب تحققه من طرف صنعاء.
3- تقييم الموقف التكتيكي والاستراتيجي لصنعاء:
بناءً على تفكيك عناصر تقدير الموقف هذا، تجد صنعاء نفسها أمام بيئة عملياتية معقدة تتطلب الموازنة الدقيقة بين خطوط النار:
نقاط القوة الحالية في النموذج الأول (استنزاف الرياض):
نقاط الحرج الاستراتيجي المحتملة في النموذج الأول (استنزاف الرياض):
وهنا تتجلى الحكمة في حال عودة السعودية عن مسار تحديها لطبيعة تطور الأحداث في مشهد مواجهتها لصنعاء؛ حيث أضحى العالم يشهد بأسره - كبيره قبل صغيره - بأن موازين القوى تشهد تحولاً واضحاً جلياً لصالح صنعاء؛ وبالتالي: فعليها أن ترضخ لموجبات هذا المشهد في الوقت الراهن على الأقل؛ ولتبحث لنفسها عن بديل لسياساتها في المستقبل؛ أياً تكون طبيعة ذلك البديل؛ تصالحي مع صنعاء أو حتى غير ذلك.. والله من وراء القصد.
* تم إعداد ورقة تقدير الموقف هذه اعتماداً على دراسة تفصيلية قمت بإعدادها في "وحدة تحليل الصراعات" بمركز الدراسات السياسية والاستراتجية اليمني وذلك حول المعركة المندلعة حالياً بين صنعاء والرياض؛ وقد قمت باستخدام (النمذجة الرياضية)، واستعنت كذلك بالذكاء الاصطناعي في بيان الأوزان النسبية لاحتمالات تطور مسارات الصراع (المعركة).
** تم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في حساب الأوزان النسبية لاحتمالات مسارات الصراع فيما بين صنعاء والرياض.