Logo dark


تقدير موقف: انعدام هامش الخيارات السعودية في مواجهة صنعاء: العمى الاستراتيجي للرياض

( أستاذ العلوم السياسية المساعد، مدير مركز حقوق الإنسان وقياس الرأي العام-جامعة صنعاء. , samivip5566@gmail.com )

يقدم "تقدير الموقف" هذا قراءة موضوعية لاحتمالات تدحرج معركة "الحصار بالحصار"، اذ سيعرض بطبيعته بإيجاز لمكونات المشهد بين صنعاء والرياض؛ حيث يعرض أولا لخلفية انفجار الأوضاع العسكرية فيما بينهما في يوليو الماضي؛ ومن ثم يبين الأسلوب غير المنطقي تماما لتعامل الرياض مع أسباب ذلك الانفجار وتداعياته الجارية.

أولا: خلفيات الانفجار والتآكل الفعلي لخارطة الطريق 2023

    شكلت حادثة قصف مطار صنعاء ومنع الطائرة الإيرانية التي كانت تقل الوفد اليمني المشارك في مراسم تشييع المرشد خامنئي من الهبوط، الشرارة التي أنهت "الصبر الاستراتيجي" لصنعاء، ونقلت المواجهة إلى مستوى علني ومباشر، ولم يكن اندلاع معركة الحصار بالحصار وليد الصدفة أيضاً، بل جاءت تتويجاً لتآكل التفاهمات السياسية بين صنعاء والرياض التي تم الاتفاق عليها عام 2023؛ وعليه سنحاول هنا بيان أسباب ذلك التآكل التي شكلت دوافع للتملص السعودي من التزامات التهدئة.

     لقد تعامت الرياض عن التزاماتها المقطوعة في خارطة الطريق 2023، وذلك على أمل وأد مستقبل تلك التفاهمات؛ كما تمالأت مع الضغط المباشر من قبل الفيتو الأمريكي والغربي عامة ضد صنعاء، وأيضا تواءمت الرياض كذلك مع اجراءات اتخذتها واشنطن ضد صنعاء عبر أدوات القانون المالي "قوائم الإرهاب وعقوبات السويفت)؛ وذلك بعد أن ظنت أن مسألة أخذ صنعاء في لحظة غرة أصبحت مواتية تماما للتحرك، وهو ما تم فعلا قبل أيام قليلة من إعلان صنعاء لمعركة الحصار بالحصار (يوليو 2026) وذلك من خلال جاهزية قوات العملاء المحليين.

    والواقع، أن صنعاء كان قد اختلف موقعها في مشهد المواجهة مع الرياض منذ العام 2019 وحتى العام 2023، فقد بدأت بوصلة الرياض نهاية العام 2019 تشير إلى الاتجاه الصائب في سبيل وضع حد للحرب في اليمن؛ بعد أن بدأت الرياض بالمقارنة ما بين مكاسبها المنعدمة فيها تماماً حتى ذلك الحين، وذلك في أعقاب تجلي حقيقة ما سيؤدي إليه استمرار الحرب مع صنعاء من عرقلة لمساعي الرياض لرعاية مشروع 2030، خاصة في ظل تواضع المكاسب التي حققها بن سلمان من الاندفاعة الأولى للارتماء في أحضان إدارة ترامب (الفترة الأولى لترامب: يناير 2017 - يناير 2021)، فلم يحقق بن سلمان في زيارته الأولى نجاحات تذكر في ملفات حرب اليمن عموما، واكتفت واشنطن بتوفير الدعم الدفاعي "المدفوع"، مع خطوة اللحظات الأخيرة بإدراج أنصار الله على قوائم الإرهاب في يناير 2021.

     ومن زاوية أخرى، لا ريب أن مسألة اختلاف توجيه الرياض لبوصلتها تلك قد جاء أيضاً في أعقاب ضرب صنعاء للمنشآت النفطية في بقيق وخريص في عمق الأراضي السعودية في 14 سبتمبر 2019، وما نتج عنها من مفاجأة عميقة لدى الرياض من ظروف الضربة ودقتها وحجمها التدميري وتعليقها - في النهاية - لنصف إنتاج النفط السعودي (5.7 مليون برميل). وفي ظل نأي واشنطن بنفسها عن مجرد الاهتمام بتلك الضربة، وتأكيد ترامب - في مفاجأة وصدمة سياسية للكثير من المراقبين - على إن: "الهجوم كان على السعودية وليس علينا"..!! مبدياً عدم رغبته في جر بلاده إلى حرب جديدة في" الشرق الأوسط". وبالمناسبة لم يستفد بن سلمان من علاقته المتميزة "ظاهريا" مع الرئيس ترامب.

     لقد مثلت ضربة بقيق وخريص بالفعل نقطة التحول الاستراتيجي التي غيرت العقيدة السياسية والعسكرية للرياض تجاه حرب اليمن، فأدركت السعودية حينها أن العمق الاقتصادي للمملكة بات مكشوفاً، وأن الحلفاء الدوليين (خاصة واشنطن) لن يخوضوا حرباً نيابة عنها؛ وبناءً عليه فقد تولدت مبادرة السعودية لإنهاء الأزمة اليمنية، حيث أعلنت الرياض رسمياً عنها في مارس 2021 كوسيلة لتأطير مسار سياسي ينهي الحرب برعاية أممية.

وعموماً، فإن خطوات إعادة توجيه البوصلة قد استمرت منذ الضربة في 2019، حيث أعلنت السعودية في مطلع أبريل 2020 عن وقف إطلاق النار من جانب واحد لمدة ستة أسابيع، كما استمرت في السعي للبحث عن مخارج آمنة من الحرب اليمنية، ففي مارس 2021 أعلن وزير الخارجية السعودي عن مبادرة للحل الشامل تتضمن وقفًا لإطلاق النار وفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، بالإضافة إلى بدء مشاورات سياسية لإيجاد حل للأزمة.

    وفي مارس 2022 أعلنت السعودية عن مبادرة لوقف العمليات العسكرية في اليمن من جانب واحد، أعقبها إعلان المبعوث الأممي للخاص هانس غروندبرغ استجابة أطراف النزاع في اليمن لهدنة لمدة شهرين قابلة للتجديد، وهي الهدنة الهشة التي استمرت حتى استهداف مطار صنعاء مؤخراً، ومن ثم اندلاع معركة الحصار بالحصار.

    وهنا لا يمكن إغفال السلوك الأمريكي "الديمقراطي" الذي كان له التأثير في التأكيد السعودي لتدوير لتوجيه البوصلة؛ حيث أن إدارة بايدن التي خلفت الرئيس ترامب (بايدن: يناير 2021 - يناير 2025) كانت أقل من إدارة ترامب حماسا لاستكمال مشهد الحرب في اليمن على نفس التصور السعودي، بالإضافة لموقفها من بن سلمان على خلفية جريمة قتل خاشقجي.

   وكان الموقف الأمريكي المتخاذل بعد الهجمات التي تعرضت لها منشآت أرامكو في المنطقة الشرقية، فضلًا عن قرار بايدن برفع "الحوثيين" من قائمة الإرهاب في فبراير 2021 "لأسباب إنسانية"، وذلك إلغاءً للقرار الذي أصدره ترامب قبيل مغادرته البيت الأبيض (11 يناير 2021)؛ وإن كانت إدارة بايدن قد أعادت تصنيفها لصنعاء في قائمة الإرهاب في 16 فبراير 2024 على خلفية معركة إسناد غزة.

    وقد بقيت العلاقات في عهد بايدن (2021 – 2025) "علاقات عمل باردة" دون الوصول إلى مستوى التحالف الاستراتيجي الشخصي أو تصفية الخلافات الحقوقية تماماً، كما جرى تجميد صفقات السلاح الهجومية لعدة سنوات. ولكن تلك العلاقات نشطت في السنة الأخيرة مع معاناة واشنطن من انخراط صنعاء في معركة إسناد غزة، وإعادة تصنيفهم ضمن قوائم الإرهاب.

    عموماً؛ تلك الإشارات السلبية لإدارة بايدن تجاه بن سلمان قد دفعت الرياض للاستعانة بالصين التي أسهم جهدها في خفض التوتر بين صنعاء والرياض بوساطة إيرانية، كما نجح أيضا في الدفع باتجاه مصالحة تاريخية بين السعودية وإيران في مارس 2023، وتأكدت قناعات الرياض أكثر بفشل مظلة الحماية الأمريكية.

    هذا وقد جاءت خارطة الطريق التي أعلن غروندبرغ في 23 ديسمبر 2023 عن جاهزيتها للتوقيع عليها بين صنعاء والرياض وذلك بوساطة سلطنة عمان، لتعبر عن قناعة "خفية" لدى الرياض بحدوث تحول نسبي في ميزان القوى فيما بين صنعاء والرياض، وقد كان الاحتمال المسيطر على الأجواء بين الرياض وصنعاء يوحي بأن الوثيقة المذكورة كفيلة -كمعبر مناسب - بحل أزمة الملف اليمني بكافة أبعاده، وقد استمر التفاوض على الخارطة من سبتمبر إلى ديسمبر 2023.

    ومع اندلاع معركة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023ضد الكيان الصهيوني، ومعركة صنعاء لإسناد غزة في 23 أكتوبر 2023 (وكانت قد سبقتها بالفعل عمليات إطلاق صواريخ ومسيرات في ١٩ أكتوبر)؛ كانت المفاوضات بين صنعاء والرياض حول خارطة الطريق في منتصفها تقريباً. وفي ظل حجم المسؤولية الملقاة على عاتق صنعاء منفردة في مواجهتها العسكرية للكيان الصهيوني وأمريكا وبريطانيا، استمرت صنعاء في مطالبة الرياض بتنفيذ التزاماتها بموجب الخارطة، خاصة ما يتعلق منها بمسألة الرواتب والجوانب الإنسانية، وكان موقف الرياض مراوغاً ومتستراً بالفيتو الأمريكي؛ وبأن الظروف لا تسمح بالتوقيع على الخارطة؛ وأنه بعد انتهاء الحرب في غزة لا ريب أن الخارطة ستمثل فصلاً جديداً في العلاقات السعودية اليمنية عامة..!!

   والعجيب أن تلك حرب غزة قد توقفت تماماً، وكان بالإمكان التوصل إلى حلول لعقبة الفيتو الأمريكي ضد صنعاء؛ لكن الرياض أصرت على موقفها الذي وصل حد التجاهل لأي صوت يصل من صنعاء للمطالبة بتنفيذ الالتزامات؛ فقد أكد على ذلك مراراً السيد عبدالملك الحوثي، ووزير الخارجية ونائباه وكلاً من محمد عبدالسلام وعبدالملك العجري (عضوا الوفد المفاوض)، ولكن دون أدنى استجابة من الرياض.

لقد كان تفكير الرياض حينها أن دخول صنعاء مجدداً وبقوة على خط المواجهة مع "إسرائيل" وأمريكا سيؤدي إلى إضعاف صنعاء، وبالتالي اختارت لنفسها بديلاً آخر تحت مسمى "المحاولة من جديد" و"الانقلاب غير المعلن" على تفاهماتها مع صنعاء، (وذلك على اعتبار أن صنعاء لا بد ستخرج من هذه المعركة منهكة القوى، لذا بدأت الرياض في تحويل إستراتيجيتها التي كانت تهدف إلى جمع الفصائل اليمنية تحت قيادتها كورقة تستخدمها بصورة غير مباشرة في التفاوض على الوضع اليمني النهائي؛ وذلك إلى استراتيجية الاستعداد الكلي لمواجهة طرف صنعاء وهزيمته لإرغامه على الأقل على قبول التسوية السياسية التي تحتفظ للرياض بموقعها المتحكم في الشأن اليمني (على افتراض حسن الظن سابقاً بالسعودية).

    وكانت إدارة ترامب الثانية (منذ يناير2025) قد وفرت غطاء أكثر تشجيع للرياض للانقلاب على صنعاء، وإن كانت واشنطن في الحقيقة لم ترق إلى حد الانخراط العلني في توجهات الرياض، وظل تدخلها العسكري المباشر ضد صنعاء متأثراً بالتحالف مع "إسرائيل"، وقد مثل تورط واشنطن أثناء ذلك في مهاجمة صنعاء أمراً بالغ الصعوبة على واشنطن؛ وهو الأمر الذي سارعت معه إدارة ترامب إلى إحداث تفاهم" اضطراري" مع صنعاء تم بموجبه كف كل طرف عن إيذاء الطرف الآخر، وفي ذلك إضافة قوية لحضور صنعاء القوي في المشهد الإقليمي؛ وهو ما لم تدركه الرياض للأسف.

    وقد كان تمسك الرياض بخيارها "الأعمى"، والذي ظلت تؤكد عليه نصائح متكررة من قبل المسؤولين والمختصين الإستراتيجيين الإسرائيليين، وذلك هو ما تم بالفعل ولكن بنتائج معكوسة تماماً؛ فانشغلت الرياض بتجهيز الميدان وإعادة ترتيب الأوراق في اليمن وبحجم إعدادات كانت كبيرة جداً (40 ألف جندي يمني جديد) وحضور قوي لقيادات وجنود سعوديين، وتسليح متطور، وكانت صنعاء - في المقابل - تتجهز وتستعد استعداداً كاملاً لمواجهة موجة جديدة من العدوان، فكان أن جاء مؤخراً حادث مطار صنعاء، ومعركة الحصار بالحصار.

    والملاحظ هنا بالنسبة للكاتب أنه في متابعته للتسلسل الزمني لسلوك الرياض (بن سلمان) منذ توليه منصب ولي العهد في العام 2019 وحتى الآن (اكتوبر 2026)، وجد أن الكثير من حسابات الرياض المتعلقة باليمن قد فشلت إجمالاً في خدمة المصالح السعودية، وأنه في توقيت معين من تلك الحسابات لا ريب في أن الشيطان اللعين قد تحرك للعب في" تفاصيل" خارطة الطريق، وزين بكل أريحية للرياض التحول إلى مسار آخر تماماً عما كانت قد اتفقت عليه مع صنعاء، وذلك فيما يمكن تسميته" انقلاباً صامتاً على صنعاء".

    والجميع، وعلى رأسهم مصر وباكستان وتركيا يؤكدون على الحسابات الإستراتيجية الخاطئة للرياض وذلك بالرغم من تحالفهم معها، وهذا يؤكد أن ما على الرياض سوى مراجعة موقفها الأعمى، والوصول مع صنعاء إلى اتفاق جديد، مع تحديثات لنصوص الاتفاق السابق (خارطة الطريق) يتفق ودخول صنعاء على تفاصيل الاتفاق بقياساتها الجديدة اليوم على امتداد جيوبوليتيك قدرتها على الفعل.

 ثانياً: المناورة العسكرية المرتدة (خيار سعودي خاطئ)

    حاولت الرياض إدارة الأزمة معركة (الحصار بالحصار) عبر خيارات بديلة ثبت عدم واقعيتها على الأرض؛ وذلك من خلال:

فخ التهدئة المؤقتة:

    أرسلت الرياض وساطة عاجلة في الأيام الأولى للمعركة تطلب تهدئة مؤقتة لمدة 5 أيام..!! وكأن الأمر يستهدف في الحقيقة امتصاص الصدمة فقط، في ظل إصرارها على التملص من أي التزامات ملموسة في الملف الإنساني بحسب اشتراط صنعاء، وهو ما رفضت صنعاء القبول بتجاهله؛ علماً بأن الرياض قد أخرت الرد على شرط صنعاء مدة ٢١ يوماً!!! وهذا يثبت عدم الجدية.

استراتيجية التحشيد البديل:

   بالتوازي مع تلك المناورة السياسية الفاشلة، رعت الرياض تحشيداً وتجهيزاً عسكرياً مكثفاً لقوات العملاء المحلية الحليفة لها في جبهات مأرب والساحل الغربي، وذلك كأوراق ضغط في محاولة منها لخلق توازن ميداني يعوض تراجعها الدبلوماسي، إلا أن ذلك التحشيد ظل عاجزاً عن تغيير قواعد الاشتباك، واستمر المسلسل خاطف الأبصار لتهاوي تلك القوات وفقدانها لمساحات شاسعة وإستراتيجية من الأرض.

     وعوضاً عن ذلك، لم تنشغل صنعاء عن معركتها الأصيلة، فاستمرت في توجيه ضربات صاروخية محددة باتجاه المنشآت الحيوية والعسكرية السعودية، ناهيك عن تفعيل حالة الحصار الفعلي في ظل توقف أهم المطارات السعودية عن تقديم خدماتها.

ثالثا: معركة الحصار بالحصار (قتامة واضحة للمشهد لا تخطئها العيون)

    مع انطلاق معركة الحصار بالحصار، كان من الجلي أن صنعاء قد فرضت قواعد اشتباك غير متناظرة، مما أصبح معه التحول في ميزان القوى ظاهراً بالكامل؛ وذلك من خلال:

تسجيل النقاط المستمر والمتصاعد لصنعاء:

    نجحت صنعاء في ربط خنقها المالي والاقتصادي للرياض بتهديد وجودي ومباشر للمطارات والمنشآت النفطية وأساسيات الملاحة الجوية المرتبطة بالجغرافيا السعودية.

بدايات نزيف مؤشر بيئة الاستثمار:

    هذا الوضع فرض مشهداً سوداوياً على المملكة؛ إذ أن استمرار الإنذارات العسكرية أثناء القصف الصاروخي يقوض بيئة الاستثمار الآمنة اللازمة لإنجاح (رؤية 2030) ومشاريعها العملاقة مثل: مشروع نيوم والوجهات السياحية الأخرى؛ ما دفع الحكومة السعودية لإلغاء الفعاليات الاقتصادية الكبيرة وهي في طريقها للمزيد، خاصة وقد اعتذر عن حضور هذه الفعاليات العديد من الأجانب؛ إلى جانب العديد من مظاهر التراجع في بيئة الاستثمار، ولعل كلفة الحرب غير المباشرة، وتآكل الثقة الاقتصادية الدولية أصبحت تفوق بكثير الكلفة المالية لتلبية شروط السلام الإيجابي مع صنعاء، وهو ما نتمنى حدوثه؛ ومقالي القادم سيعرض رؤية مقترحة للتسوية بين صنعاء والرياض.

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز

مواضيع متعلقة