" اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك "

" قطع الرب مع إبرام ميثاقاً قائلاً: لنسلِكَ أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات"

بمثل هذه النصوص التوراتية يبني اليهود فكرة قيام دولتهم التي يسمونها "إسرائيل الكبرى" والتي لا يجوز لأحد أن يفرط في شبر منها ولو كان رئيس وزرائهم إسحاق رابين الذي اغتاله متطرف يهودي بدعوى تفريطه في أرض الميعاد.

في حوار على موقع .darkmoon بين فرانكلين رايكارت، المعروف بمعاداته للسامية، وأورمانسي الواقف على النقيض من زميله رايكارت، إضافة إلى الكاتب الكندي المتخصص في الاقتصاد، ميشيل تشوسودوفسكي حول "إسرائيل الكبرى وهل ستتحقق أم لا"!

جادل فرانكلين رايكارت، أن ما يسمى بإسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات هي فكرة غير عقلانية وتنفيذها سيكون حماقة تعكس مرض جنون العظمة لدى من خطط لها وسعى لتنفيذها، يفترض رايكارت أنه ينبغي على إسرائيل أن تقوم بعملية تطهير عرقي في المنطقة الشاسعة والتي تضم أكثر من 100 مليون عربي، كما يجب عليها أن تأتي باليهود ليسكنوها ومعلوم أن عدد اليهود في العالم لا يتجاوز 14 مليون يهودي! ثم عليها أن تستعد لمرحلة الدفاع عن هذه الأرض التي احتلتها وطردت أهلها منها عندما يقررون العودة إليها.

أورمانسي من جهته يرى أن فكرة رايكارت هي نفسها غير المنطقية ولا المعقولة!  ويبرر ذلك بأن اليهود الذين لا يتجاوز عددهم 2% من سكان أمريكا، يسيطرون فعليًا وواقعيًا على الولايات المتحدة، أكثر من سيطرة الحكومات المنتخبة على ولاياتها!

بالتالي سيطرتها ستكون أسهل على دول في طريقها لإضاعة سيادتها (ويقصد بها هنا بلاد "أرض الميعاد": سوريا ولبنان وفلسطين ومصر والعراق)!

ثم يكشف أمرأ خطيراً، وهو أن تل أبيب تسيطر الآن على كردستان العراق، وأضاف: "هذا ليس تصورًا بل حقيقة"! والأخطر أنه قال: "إن إسرائيل تسيطر على قوات الدولة الإسلامي (داعش) في سوريا والعراق! مؤكداً أن: "الفلوس تتكلم"، وأن خطة عوديد إينون في طريقها للاكتمال! وفي حال تعثرت هذه الخطة التي شرحها أورمانسي، ربما يتم العمل على تنفيذ الخطة "ب" التي تحدث عنها الباحث تشوسودوفسكي، وتقضي هذه الخطة بإنشاء "دويلات وكيلة" بإدارة "إسرائيلية مركزية" عن بعد! وفي كلتا الحالتين تكون «إسرائيل الكبرى» قد تحققت!.

فكرة توظيف واستخدام ما يسمى بـ "الدول الوكيلة" قديمة قدم تأسيس دول المنطقة العربية على خلفية اتفاقية سايكس بيكو. فقد شهدت المنطقة العربية نشوء عدد من هذه الدول الوكيلة التي قامت بوظيفتها، ويبدو للأسف أنها في طريقها للزوال بعد استنفاذ الفائدة منها حسب رالف بيترز صاحب مقال "حدود الدم"، وحسب خطة أوديد إينون فإنه لا بد من إقامة دول جديدة على أنقاض الدول القائمة حالياً. في الحقيقة أن ما يسمى بدولة "إسرائيل الكبرى" غير قابلة للتطبيق واقعياً كما أشار رايكارت، ولكن ذلك لا يعني أن رؤية أورمانسي خاطئة، ففي حال فشل سيطرة إسرائيل على الدول الواقعة تحت هذه الدولة عسكرياً وإدارياً؛ فإنها ستلجأ للخطة "ب" وهي قيام "الدول الوكيلة" وهنا ستنشأ ما يمسى بـ "إسرائيل العظمى".

بعد حرب أكتوبر تعلمت إسرائيل درسًا مهمًا وهو أن المواجهة العسكرية لن تجدي مع العرب، خاصة مع وجود جيوش عربية قوية مثل الجيش المصري والسوري والعراقي، ولذلك سعت إلى تفكيك هذه الجيوش فبدأت بتحييد الجيشين المصري والسوري باتفاقيات سلام بضغط من واشنطن، لتتوجه إلى القضاء على الجيش العراقي وحالياً الجيش السوري، كل ذلك عبر الغزو الأمريكي والحركات الوكيلة (القاعدة وداعش) والتي لن نتفاجأ إذا ما لاحظنا أن تواجدها - الفوضوي المدمر - فقط على الأراضي التي شملتها الخطط الصهيونية لما يسمى إسرائيل الكبرى!

إسرائيل الكبرى هذه اعتبرها السيد حسن نصر ساقطة بحكم الواقع بعد اندحار جيش العدو الصهيوني من جنوب لبنان عام2000 وخروجه من غزة وبنائه الجدار حول كيانه، فهو يعتبر إسرائيل في حالة انكماش، وليس توسعاً كما تنص عليه وثيقة أوديد ينون، لكن العدو الصهيوني قام بتغيير المصطلح إلى "إسرائيل العظمى" والتي تعني دولة مهيمنة قوية مسيطرة في أوساط دويلات ممزقة ضعيفة وهشة ومتقاتلة كل منها يسعى إلى اثبات شرعيته لدى الكيان الصهيوني.وكمقدمة لذلك لابد أولاً من التطبيع الذي تتمكن عبره إسرائيل من التغلغل وتمرير مشروعها التدميري في المنطقة، وعليه لن يكون غريباً أن نتابع تصريحات العدو الصهيوني هذه الأيام والتي تتحدث عن اقتراب إسرائيل أكثر من أي وقت مضى من تطبيع شامل مع "الدول السنية" (مع تحفظنا على مثل هذه المصطلحات الطائفية)،  من جهة أخرى لوحظ مزايدة كل من وسائل الإعلام - التابعة لطرفي النزاع في الأزمة القطرية الحالية - في اتهام الطرف الآخر بالاندفاع نحو العدو الصهيوني، والحقيقة أن الكل مندفع وكما قال الشاعر أحمد مطر في نبوءته: "ولكن الجماعة سيصلون جماعة". تلك الصلاة الجماعية (التطبيع الجماعي مع إسرائيل) ستكون نتيجة طبيعية لسياسة الابتزاز للدول الضعيفة المتنازعة؛ حيث ستبدأ كل دولة في البحث عن الحليف في المنطقة، بالطبع لن يكون الإيراني واردأً فقد تم شيطنته على مدى عقود من الزمن، ومع تولي واشنطن عن المنطقة لن يكون أمام الدول المتنازعة سوى اللجوء إلى العدو الصهيوني، كما أن هذه الدول الضعيفة لن تكون أقوى موقفاً من تركيا التي دفعتها عزلتها بعد إسقاط الطائرة الروسية نحو المسارعة إلى التطبيع الكامل مع إسرائيل والتنازل عن ضحايا مرمرة وحصار غزة والهتافات الأردوغانية الصاخبة تجاه إسرائيل.

قد يعتقد أن البعض أن الحديث عن مثل هذه المخططات والشواهد الميدانية على تنفيذها سيزيد من إحباط العرب وتلاشي أي أمل لهم في مقاومة هذه المشاريع الصهيونية، ولكن ذلك ليس صحيحاً تماماً، نعم قد يقول البعض أن تعمد تسريب مثل هذه المخططات تجعل العربي يشعر بالتقزم أمام هذه المخططات التي يجري تطبيقها أمام عينيه ولا يستطيع أن يحرك ساكناً، لكن الحقيقة التي تجاهلتها الكثير من الدوائر الإعلامية والسياسية هي بخلاف ذلك؛ فإسرائيل ضعيفة مهما تظاهرت بالعكس.

يشعر العدو الصهيوني بالقلق الشديد من أي إجراء شعبي أو رسمي، إقليمي أو دولي يتعلق بعزلها ومقاطعتها فيما أسماه البعض بالسلاح الصامت. ذلك السلاح هو المقاطعة، في مطلع الخمسينات اتخذ العرب قراراً بمقاطعة إسرائيل على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية وغيرها، لتشعر إسرائيل بالعزلة في محيطها الإقليمي، وهو ما سبب لها الكثير من المتاعب والقلق الذي سعت للخلاص منه، بعد انطلاق ما يسمى بـ "عملية السلام" تحركت الدبلوماسية الإسرائيلية بقوة لدى المجتمع الدولي للتخفيف من المقاطعة التي تبنتها الكثير من الدول الغربية واللاتينية ناهيك عن الدول الأسيوية والأفريقية؛ ولكن وبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية ومواجهتها بوحشية وإرهاب صهيوني؛ عادت المقاطعة إلى الواجهة - الأوربية بالذات -، فمن النرويج شمالاً إلى أستراليا جنوباً مروراً بألمانيا وهولندا وإيرلندا وبريطانيا مقاطعة في مجالات اقتصادية وفنية ورياضية وأكاديمية مختلفة، وهذا ما جعل العدو الصهيوني يشعر بالقلق من تنامي مشاعر العداء تجاهه، وهو الذي لم يتمكن بعد من تغيير اسم البلدة الفرنسية والتي سميت بـ "الموت لليهود" رغم قوة نفوذ الجالية الفرنسية الأكبر في أوروبا.

خلال حفل توديع أحد سفراء الكيان الصهيوني في بريطانيا شبه هذا السفير العلاقة بين البلدين بعائلتين تقيمان في أعلى برجين وهما على علاقة طيبة، ولكن ما تحتهما في خصام واختلاف تام.       أظهر استطلاع للرأي أجري في أوروبا مؤخراً أن عامة الأوربيين يشعرون بأن أكثر دولتين خطراً على الأمن العالمي هما أمريكا وإسرائيل! وفي المنطقة العربية نشر المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات ومقره الدوحة نتائج استطلاع حديث (مايو 2017) أجراه في عدد من البلدان العربية أظهر هذا الاستطلاع أن 67% من العرب أفادوا أنّ إسرائيل والولايات المتّحدة هما الأكثر تهديدًا للأمن القومي العربيّ. في مقابل 10% يرون أنّ إيران هي الدولة الأكثر تهديدًا لأمن الوطن العربيّ!

ورغم الدور التطبيعي الدؤوب الذي تقوم إسرائيل والأنظمة العربية المهرولة إليها؛ إلا أن الشعب العربي لا يزال يكن العداء الشديد لهذه الدولة اللقيطة والتي يعتبرها كائناً غريباً على أرضه يجب إزالته مهما تمسك بحبال يرى أنها تشرعن بقاءه في المنطقة،