أينما تحضر أمريكا تحضر داعش وأخواتها، وأينما تتحرك أمريكا تتحرك أمامها المبررات والذرائع التي تسوغ لها تواجدها وبقاءها في أي بقعة في العالم، ولا ترى واشنطن نفسها متحرجة من تواجدها غير المشرعن في مناطق احتلالها وحضورها العسكري، ومتى ما رأت نفسها أنها وضعت في زوايا تضيق خياراتها فيها، تلجأ إلى استراتيجياتها القذرة والتي تتيح لها صناعة مبرراتها في تواجدها واستمرار هذا التواجد العسكري الاحتلالي بل وإطالة أمدها في البقاء.

هذا تماماً ما تقوم به واشنطن في حضورها غير المشروع وغير القانوني في سوريا، والذي جاء تحت عناوين براقة ومضللة تخفي وراءها جملة من سياساتها الاستعمارية واللصوصية تجاه سوريا، وبما يتيح لها عمليات سرقة ونهب كبرى لثروات سوريا النفطية وغير النفطية، ومن أقذر تلك الاستراتيجيات والتي  تعمل عليها واشنطن في الوقت الحالي هي استراتيجية الانعاش والتنشيط وإعادة الأنفاس لداعش من جديد، لكن أين؟ ولماذا هذه الاستراتيجية الان؟ تحرص أمريكا على إبقاء داعش في أماكن تواجدها وضمن جغرافيا سياسات النهب والسرقة الأمريكية والتي تنحصر في مناطق منشآت ومنابع النفط السوري، وهذا ما يعطي لها ضمان البقاء ضمن جغرافيا النفط والتي حولتها بنفس الوقت إلى جغرافيا الإرهاب وتواجد داعش، وهذا يمنحها البقاء بذريعة محاربة داعش والإرهاب ضمن هذا المحيط، وهو محيط يجمع في الأخير بين الأدوات ومشغلها الأساسي، وفي التوقيت إشارة إلى القلق الأمريكي من تلاشي الأدوات وفقدان واشنطن امتيازات السرقة هذا بجانب ما لهذا التواجد الأمريكي من أهمية على صعيد أمن الكيان الصهيوني والصراع مع روسيا.

هنا تعاود واشنطن اللجوء إلى هذه الاستراتيجية القديمة الجديدة، عبر إنعاش داعش وتحريكها من خلال نشاطات إرهابية مكثفة وهذا ما لوحظ في مناطق بدير الزور وإدلب، لنسمع عن نشاطات لداعش تعيد للذاكرة أيامها الأولى في سوريا، من قتل ونهب وسرقة وإعدامات واختطافات، ولا تتورع واشنطن ومن خلال هذه الاستراتيجية للجوء إلى مسرحيات استهداف داعش للقوات الأمريكية نفسها، لتعطي لنفسها مبرر الاستمرار في بقاءها وإطالة أمد تواجدها، وليس غريباً أن تركز داعش من نشاطها الإرهابي المكثف في مناطق النفط كونها التعليمات التي تردها من مشغليها، وإلا فلماذا لا نرى هذا النشاط الإرهابي في غير هذه المناطق؟

فرملة الحسم السوري في إدلب وبقية المناطق السورية يعتبر هدفاً أساسياً لدى الأمريكيين في هذه المرحلة، وهذا يعطينا فهماً لجملة المستجدات التي طرأت على المشهد السوري بدءاً من تحريك ملف الكيماوي من جديد ضد سوريا وفي هذا التوقيت، والذي من أهدافه بجانب كونه محاولة لفرملة الحسم السوري، هو يقدم مجدداً ذرائع لعدوان عسكري تركي جديد تتبدى إرهاصات التحضير له بشكل واضح، وهو أنه أيضاً محاولة أمريكية تركية لرسم خطوط حمراء أمام الجيش العربي السوري، وواشنطن وأنقرة وإن كان المشهد في ظاهره ينبئ عن خلفات بينية لكن ثمة العديد من المشتركات ونقاط التقاطع المتعلقة بمشاريع التآمر والعدوان على سوريا .

وكما تهيئ واشنطن المبررات والذرائع للكيان الصهيوني -صاحب أول بازار اتهام الدولة السورية باستخدام الأسلحة الكيماوية- في ضربه لمواقع سورية عبر حديث وسائل إعلام أمريكية كبرى بأن هذه المواقع هي مواقع للأسلحة الكيماوية بحسب زعمهم، هي أيضاً تهيئ للتركي أردوغان الذرائع من جديد لإعادة عدوانه على سوريا من جديد، وكل هذا تحركه الضغوط الكبيرة التي تشكلها الانجازات والانتصارات الميدانية التي يحققها الجيش العربي السوري وحلفائه على أكثر من جبهة، وأحد أهم أدوات تلك التهيئة هي داعش، والتي ما تزال واشنطن تراهن عليها كورقة تستعيض من خلالها كل ما خسرته وخسره حلفاءها في سوريا.

تصارع الجماعات الإرهابية فيما بينها قد يقرأه البعض من زاوية تباين الأيديولوجيات واختلاف الأفكار والتوجهات داخل كل فصيل وجماعة إرهابية، وهذا فيه جانب من الصواب، لكنه من جانب آخر هو انعكاس لسياسة أمريكية تعمل عليها واشنطن بدافع الخشية من دخول هذه الجماعات من داعش وغيرها في حالة خمول وسبات يفقدها ذريعة محاربتها لها بانتفاء خطرها وانتهاء وجودها، وهو رغبة أمريكية في ارباك المشهد الميداني وافقاد المجتمع لاستقراره وسلمه الاجتماعي والذي يفسح المجال للابقاء على الإرهاب بشكله الفعلي والعملي.

هذه المتلازمة الحاصلة بين أمريكا وداعش لا تقف عند حدود الإرهاب المشترك بعلاقته الواضحة (محرك وأداة)، بل يتجاوزه إلى السرقة والنهب المنظم والمنسق للنفط السوري، ولذا فإن حرص واشنطن في الابقاء على الإرهاب ضمن محيط وجغرافيا النفط هي استراتيجية ثابتة لديها، وتعمل عليها ليس في سوريا فقط وإنما في كل بلد تدخله أمريكا محتلة لتنهب نفطه وتسرق ثروات شعوب هذه الدول، وهنا ندرك جيداً أن جهود الدولة السورية في القضاء على داعش وعلى الإرهاب في سوريا هو ليس إنهاء للإرهاب فقط بل هو إنهاء لكل منظومة الإرهاب والسرقة والنهب بما فيها التواجد الأمريكي ولكل عملياته في سرقة النفط السوري والمستمرة حتى كتابة هذا المقال .

جملة عوامل تحتم القول باحتمالية استئناف المعارك مجدداً واستكمال الجيش العربي السوري معارك التحرير للمناطق المحتلة في إدلب والخاضعة لسيطرة الجيش التركي والتنظيمات الإرهابية، وفي صدارة تلك العوامل هي فقدان اردوغان السيطرة والتحكم على أدواته وفشله بالتزاماته تجاه الروسي بجانب مضاعفته للمزيد من الحماقات في انتهاجه للمزيد من التصعيد والحضور العسكري داخل سوريا، أيضاً تآكل جماعات الإرهاب وتساقطها السريع أمام الجيش السوري، والأهم هو ضياع البوصلة الأمريكية تجاه سياساتها الخارجية خاصة تجاه سوريا وحالة الفوضى التي تعيشها الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب وانعدام وضوح الرؤية لديها تجاه ما يتعلق بتواجدها العسكري في سوريا خصوصا والروسي بدأ يضاعف حضوره العسكري بالتوازي مع الحضور العسكري الأمريكي .

نعم هناك تخبط بالسياسة الخارجية سببه صمود سورية وحلفاؤها الذي سبب انقساماً بين المؤسسات الأمريكية فمنهم من يرى النصر السوري هو  نصر أسطوري وضرورة عودة الولايات المتحدة عن سياساتها التي فشلت والبحث عن قنوات حوار مع الدولة السورية والبعض الآخر الذي يرتبط ارتباط وثيق مع اللوب الصهيوني يرى بضرورة استكمال هذه الحرب التي أثبتت السنوات التسع الماضية فشلها ضرورة كبرى لأمن الكيان الصهيوني وتضغط باتجاه استمرار العدوان على سورية مستخدمة كل الأدوات التي تخدم هذا العدوان وما رأيناه من إعادة تعبئة للمقاتلين الكرد المنخرطين في المشروع الأمريكي منذ  بدء العدوان على سورية خير دليل على إصرار هذا اللوبي  الحاكم في مفاصل كبرى من مؤسسات  الولايات المتحدة الأمريكية لتكريس مشروعين أساسيين هما المضي قدماً في مشروع التقسيم والاستمرار بسرقة النفط السوري بما يضمن تحقيق مصالح قوى العدوان على هذا البلد بالعودة لإعادة تدوير أدوات تارة تعلن عن الاستغناء عنها وأخرى عن محاربتها إصرار الدولة السورية على مسألة الحسم العسكري والسير قدماً في إنهاء الإرهاب من كل سوريا، تقف وراءه قراءة ثاقبة للمشهد العام والذي كما يبدو أن كل عناصره الفاعلة في الإرهاب والسرقة تعيش وضعاً يفقدها القدرة على الاستمرار في مشاريعها ضد سوريا، وهو إدراك مبكر من القيادة السورية على أن خيار الحسم العسكري ضد الإرهاب والاحتلال هو الخيار الذي ستؤول إليه كل ظروف المرحلة الراهنة والمقبلة على افتراض طالت مدة الحسم كنتاج لعوامل تصنعها المتغيرات والتحولات المتوقعة لما بعد أزمة كورونا، لكن ما لا شك فيه هو أن كل المتغيرات ستشكل أعمدة لهذا الحسم السوري ووقوداً لإنهائه، وستسجل سوريا نصرها على الاحتلال والإرهاب في آن واحد .