Logo dark


القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج ومستقبل النظام الأمني بعد الحرب

( باحث , )

المقدمة

أدخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ 28 فبراير 2026م النظام الأمني في الخليج مرحلة اختبار كشفت تناقضاته الداخلية وحدود فعاليته، إذ أصبح الوجود العسكري الأمريكي جزء مسرح العمليات الدفاعية والهجومية واللوجستية، ما جعل هذه القواعد والبنى المرتبطة بها جزءاً من بنك أهداف القوات المسلحة الإيرانية.

ارتبط هذا التحول بتغير أوسع في طبيعة الصراع مع دخول الحرب  نمط الجيل الخامس، فلم تعد الحرب قائمة على المواجهة العسكرية المباشرة بين الجيوش، بل اتجه نحو التأثير في البنية الاقتصادية الحيوية، بما يشمل منشآت الطاقة والممرات البحرية والضغط على سلاسل الإمداد، أدى ذلك إلى توسيع نطاق الحرب في الجغرافيا والمجالات، وربط دول الخليج والأردن بنتائج الاشتباك بشكل مباشر، سواء عبر استهداف القواعد والبنية اللوجستية التي استخدمها الأمريكي في العدوان، أو عبر التأثيرات الاقتصادية المرتبطة بالحرب.

تنطلق هذه الورقة من تحليل بنية النظام الأمني في الخليج بوصفه جزءاً من منظومة أوسع لإدارة تدفقات الطاقة واستقرار السوق العالمي، وتبحث في الأدوار التي أدتها القواعد العسكرية داخل هذا النظام، ثم تتابع كيفية تحوّل هذه الأدوار تحت ضغط الحرب الحالية، وصولاً إلى قراءة اتجاهات إعادة التشكيل الجارية، ويرتكز التحليل على الربط بين الأمن والاقتصاد، وعلى تتبع موقع القواعد داخل هذه العلاقة، وعلى دراسة تفاعل الفاعلين الإقليميين والدوليين مع هذه التحولات.

تشكّل النظام الأمني ووظيفته

تشكل النظام الأمني في الخليج ضمن سياق إعادة تنظيم الاقتصاد العالمي بعد سبعينيات القرن العشرين، حين جرى ربط أمن المنطقة مباشرة بأمن تدفقات الطاقة، وإدراجه ضمن إطار دولي يقوم على تثبيت الدولار كعملة مركزية لتسعير النفط، وضمان استمرارية تدفقه نحو الأسواق الصناعية؛ أدى هذا الربط إلى جعل أمن الطاقة جزءاً من المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وأمنها القومي، وليس مجرد مسألة إقليمية.

أخذت هذه البنية طابعاً عملياً، حيث جرى بناء المنظومة الأمنية بما يخدم استقرار السوق العالمي، ويحدّ من قدرة أي قوة إقليمية على التأثير في تدفقات الطاقة أو تعطيلها، ما جعل الأمن في الخليج جزءاً من آلية تنظيم الاقتصاد العالمي، وليس إطاراً دفاعياً محلياً مستقلاً، كما اندمجت دول الخليج في هذا السياق ضمن المنظومة الغربية خلال الحرب الباردة.

اعتمدت هذه المنظومة على تمركز عسكري مباشر تمثل في شبكة قواعد جوية وبحرية وبرية موزعة على دول الخليج، شملت قاعدة العديد الجوية في قطر(العديد تُعد أهم موقع تستضيف فيه الولايات المتحدة مركز إدارة عملياتها في المنطقة –القيادة المركزية)، وقاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، وقاعدة الجفير البحرية (الأسطول الخامس) في البحرين، وقاعدتي علي السالم وأحمد الجابر في الكويت، إلى جانب منشآت دعم وانتشار في عُمان مثل مصيرة والدقم، وحضور متقدم في الأردن تمثل في قاعدة موفق السلطي الجوية. عملت هذه القواعد ضمن منظومة متكاملة تسمح بالتدخل السريع، وضبط الممرات البحرية الحيوية، وربط المنطقة بشبكات الإمداد العالمية، كما وفّرت منصة لإدارة التوازنات الجيوسياسية داخل الإقليم بما يخدم المصالح الأمريكية.

تطور الوجود العسكري الأمريكي عبر مراحل تاريخية ارتبطت بأزمات كبرى، بدأ بحضور بحري محدود بعد الحرب العالمية الثانية، ثم شهد تحولاً مهماً بعد حرب أكتوبر  1973م ، التي أبرزت أهمية النفط كعامل حاسم في الصراع الدولي، ودَفعت الولايات المتحدة إلى ربط أمن الخليج بأمن تدفقات الطاقة العالمية، تعزز هذا التوجه لاحقاً بعد الثورة الإيرانية (1979م) قبل أن يبلغ ذروته عقب حرب الخليج 1991م، حين جرى تثبيت قواعد دائمة وترتيبات دفاعية مع معظم دول المنطقة، ما أدى إلى تشكّل نمط انتشار عسكري واسع حافظ على درجة من الاستقرار النسبي.

ضمن هذا الإطار، أدت القواعد العسكرية دوراً تنفيذياً داخل النظام الأمني، حيث وفرت قدرة ردع قائمة على التفوق العسكري، وأسهمت في الحد من التهديدات التي تستهدف دول الخليج ومنشآت الطاقة والممرات الحيوية، كما دعمت استمرارية تدفق الطاقة، واتصل هذا الدور ببعد جيوسياسي تمثل في استخدام القواعد كأدوات ضغط وتدخل ضمن صراعات الإقليم، ما جعلها جزءاً من منظومة هيمنة متكاملة.

وظيفة القواعد

أسهمت القواعد العسكرية الأمريكية في توفير مستوى من الحماية لدول الخليج، خصوصاً في مواجهة التهديدات التقليدية مثل احتمالات الغزو العسكري المباشر كما حدث في غزو الكويت عام 1990م، حيث دعمت هذه القواعد قدرات الردع وساعدت على استقرار البيئة الإقليمية ضمن حدود يمكن التحكم بها.

ارتبط ذلك ببناء قدرات عسكرية خليجية ضمن منظومة تعتمد على التسليح والتدريب الأمريكي، ما أوجد نمطاً من التكامل العسكري بين الجيوش المحلية والبنية العسكرية الأمريكية، لكنه جاء في إطار غير متكافئ من حيث القدرة على القرار.

أدى هذا النمط إلى نشوء تبعية أمنية، حيث ارتبطت فعالية الدفاع بوجود القواعد وبالقدرة على استدعاء الدعم الأمريكي، ما وجّه بناء الجيوش الخليجية نحو الاندماج في المنظومات الغربية بدلاً من تطوير نظام أمني إقليمي مستقل.

كما ارتبطت هذه البنية بكلفة مالية مرتفعة تمثلت في صفقات التسليح وتمويل البنية التحتية العسكرية وتكاليف التشغيل والصيانة، إلى جانب أبعاد سيادية تمثلت في تداخل القرار الأمني مع الحسابات الأمريكية، وتحول الجغرافيا المحلية إلى جزء من منظومة أمنية أوسع.

عملت هذه الترتيبات ضمن اتفاقيات وتفاهمات تخضع لتقدير الإدارة الأمريكية، وليست التزامات قانونية ثابتة، ما جعل مستوى الحماية مرتبطاً بالحسابات السياسية لواشنطن وقابلاً للتعديل، وأوجد فجوة بين توقعات الحماية وإمكان تحققها.

بناءً على ذلك، فقد وفرت استقراراً نسبياً في الأمد القصير، لكنها في الوقت نفسه أسست لبنية أمنية معتمدة على الخارج، ما جعل ذلك الاستقرار هشاً ومشروطاً باستمرار الدعم الخارجي، ما جعل هذا الاستقرار هشاً ومرتبطاً بمتغيرات خارجية، وهو ما يفسر جزءاً من المأزق الأمني الراهن.

الحرب على إيران وحقيقة النظام الأمني

دفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران النظام الأمني في الخليج إلى الانخراط المباشر في العمليات، حيث استُخدمت القواعد ضمن منظومة إسناد تشمل الاستطلاع والإنذار المبكر والتنسيق اللوجستي والتزود بالوقود ومنصات لانطلاق الطائرات والصواريخ، وربطها بانتشار أوسع يمتد إلى البحر والقواعد البعيدة، ما أدخلها في بنية المعركة وربط أداءها بسير العمليات.

في المقابل، أُدرجت هذه القواعد ضمن بنك الرد الإيراني، وامتد الاستهداف ليشمل البنية المحيطة بها من منشآت الطاقة والمطارات وشبكات النقل، ما نقل الضغط من المواقع العسكرية إلى البنية الاقتصادية الداعمة لها، وأدى ذلك إلى تداخل مساحات الدعم مع مجالات الاشتباك، حيث اندمجت الجغرافيا المستضيفة للقواعد مع مسرح العمليات، وأصبحت جزءاً من بيئة التأثير المتبادل، ما رفع مستوى التعقيد داخل المعادلة الأمنية.

كما أظهرت الحرب حدود نمط الردع القائم على التمركز العسكري، حيث نجحت أدوات هجومية مرنة مثل الطائرات المسيّرة في تجاوز بعض منظومات الدفاع وإحداث تأثير في نقاط حساسة داخل البنية العسكرية والاقتصادية، وهو ما يعكس تحولاً في طبيعة الصراع نحو نمط متعدد المجالات يدمج بين العسكري والاقتصادي.

التناقض داخل النظام الأمني

كشف مسار الحرب عن تناقض داخل النظام الأمني في الخليج، حيث أسهم التمركز العسكري في تعزيز حماية دول الخليج، وفي الوقت ذاته رفع من قيمة القواعد ضمن حسابات الاستهداف، ما وضعها في موقع يجمع بين الحماية وارتفاع المخاطر.

يرتبط هذا الوضع باستخدام القواعد كنقاط دعم وانطلاق للعمليات، حيث يؤدي تشغيلها ضمن الحرب إلى إدراجها ضمن أهداف الخصم، ويحوّلها من أدوات لتحقيق الاستقرار إلى عناصر ترفع من مستوى التهديد داخل البيئة التي تعمل فيها، ولا يقتصر هذا التأثير على المواقع العسكرية، بل يمتد إلى البنية الاقتصادية المرتبطة بها، خصوصاً منشآت الطاقة والممرات الحيوية، ما يوسّع نطاق التأثير ويمنح الاستهداف بعداً اقتصادياً مباشراً.

يترسخ هذا الوضع مع استمرار التمركز العسكري، حيث يرتبط تخفيف المخاطر بإعادة تشكيل نمط الانتشار نفسه، لا بمجرد تطوير وسائل الدفاع، يفتح ذلك المجال نظرياً أمام تقليل كثافة القواعد أو تعديل طبيعة دورها، بما يحدّ من قابلية الاستهداف، إلا أن هذا الاتجاه يصطدم بالمصالح القائمة؛ إذ يتعارض تقليص القواعد أو تغيير وظائفها مع الاستراتيجية الأمريكية القائمة على الحفاظ على النفوذ والقدرة على التدخل، كما يتعارض مع حسابات دول الخليج التي ما تزال تعتمد على هذا الوجود بوصفه أساساً للأمن.

ينتج عن ذلك مأزق واضح، حيث يتطلب خفض المخاطر إجراءات تقلل من الاعتماد على القواعد، بينما يدفع منطق المصالح إلى استمرار هذا الاعتماد، ما يُبقي التناقض قائماً داخل النظام.

السياسات تجاه القواعد العسكرية

أولاً: السياسة الإيرانية

يتجه التصور الإيراني لمستقبل القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج إلى التعامل معها بوصفها مساراً ممتداً، لا معركة حاسمة في المدى القريب، في المستوى الاستراتيجي، يرتبط الهدف بتقليص الوجود العسكري الأمريكي تدريجياً، عبر إضعاف قدرته على الاستمرار داخل الإقليم، دون الدخول في صدام شامل يتطلب تفوقاً عسكرياً مباشراً.

لا تقوم هذه المقاربة على تقديم بديل أمني متكامل لإدارة الخليج، بل على إضعاف الأساس الذي يقوم عليه الوجود الأمريكي، من خلال ربطه بحالة عدم الاستقرار ورفع كلفته، في المدى القريب، تُترجم هذه السياسة عبر استهداف القواعد وربطها بالبنية الاقتصادية للدول المستضيفة، بما يزيد من كلفة تشغيلها ويعقّد استخدامها.

يسهم استهداف القواعد ومنشآت الطاقة والممرات الحيوية في نقل الضغط من المجال العسكري المباشر إلى المجال الاقتصادي، ما يضاعف أثر العمليات دون الحاجة إلى تفوق عسكري شامل، ويسمح هذا النمط لإيران بالتحكم في مستوى التصعيد، وإحداث تأثير مستمر داخل بيئة الصراع.

يتكامل هذا المسار مع أدوات سياسية، حيث يجري ربط ملف القواعد بملفات أوسع مثل الملاحة والطاقة والعقوبات، ما يجعل الضغط العسكري جزءاً من عملية تفاوض ممتدة، كما يظهر توجه نحو التركيز على الممرات البحرية وتدفقات الطاقة بوصفها نقاط الضغط الأكثر حساسية داخل النظام الأمني.

ثانياً: السياسة الأمريكية

ترى الولايات المتحدة أن استهداف قواعدها في الخليج ليس حدثاً طارئاً، بل هو عامل يُسرِّع مساراً كانت قد رسمته مسبقاً في استراتيجيتي الأمن القومي (ديسمبر 2025) والدفاع (يناير 2026)، ففي المستوى الاستراتيجي، تسعى واشنطن إلى الحفاظ على نفوذها في المنطقة، ولكن ضمن أولويات أوسع تتعلق بإعادة توزيع مواردها عالمياً، ورغم أن الخليج لا يزال مهماً لأمن الطاقة والممرات الحيوية، إلا أنه لم يعد يحظى بنفس التركيز الذي كان عليه قبل عقدين.

لا يظهر وجود توجه نحو الانسحاب، بل نحو الإبقاء على الوجود بصيغة أقل كلفة وأكثر مرونة، تتناسب مع طبيعة التهديدات الحالية، في المدى القريب، يتجسد ذلك في التحول من التمركز الكثيف داخل قواعد كبيرة إلى نمط انتشار يقوم على توزيع القوات عبر مواقع أصغر وأكثر تباعداً، وربطها بقدرات بحرية وجوية متحركة.

يهدف هذا التحول إلى تقليل قابلية الاستهداف، والحفاظ على القدرة العملياتية، كما يجري دمج هذه المواقع ضمن شبكة أوسع تشمل القيادة والسيطرة والاستخبارات، بما يسمح بإدارة العمليات دون الاعتماد على مركز ثابت يمكن تعطيله بضربة مباشرة.

يرتبط هذا التوجه أيضاً بتقليل الأعباء العسكرية المباشرة، وزيادة اعتماد الولايات المتحدة على الحلفاء في تحمل كلفة الأمن، ويسهم ذلك في تخفيف الخسائر البشرية والمادية، ويمنح صانع القرار قدرة أكبر على إدارة الصراع دون التوسع في التزامات طويلة الأمد، بما يخدم التركيز على بحر الصين الجنوبي ومنطقة الكوريتين وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.

في الوقت ذاته، يتجه التفكير إلى استخدام أدوات ضغط خارج نطاق القواعد التقليدية، مثل التحكم في الممرات البحرية والقيود الاقتصادية، ما يعكس توجهاً لنقل جزء من الصراع إلى المجال الاقتصادي العالمي.

ثالثاً: سياسة دول الخليج

تتموضع دول الخليج والأردن ضمن معادلة معقدة، حيث يؤدي استخدام القواعد في العمليات إلى ربط أمنها المباشر بمسار الصراع، ما ينقلها من موقع الاستضافة إلى موقع تتحمل فيه جزءاً من كلفة الاستخدام العسكري.

في المستوى الاستراتيجي، لا تتجه هذه الدول إلى فك الارتباط مع الولايات المتحدة، في ظل غياب بدائل أمنية قادرة على تعويض هذا الدور، لكنها تدرك في الوقت ذاته حدود هذا النموذج، خاصة مع تحول القواعد إلى أهداف محتملة.

في المدى القريب، يظهر هذا الواقع في تحمل تداعيات العمليات، سواء عبر الاستهداف المباشر أو عبر ارتفاع كلفة حماية المنشآت الحيوية واستنزاف بعض القدرات الدفاعية، كما يؤدي استهداف البنية المرتبطة بالقواعد إلى توسيع نطاق التأثير داخل الجغرافيا المحلية.

استجابة لذلك، تتحرك هذه الدول عبر مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في الحفاظ على الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، من خلال استمرار الاعتماد على القواعد والدعم العسكري المرتبط بها، والثاني في تقليل الاعتماد الأحادي عبر تنويع الشراكات مع  باكستان والهند والانفتاح على روسيا والصين وتعزيز القدرات الذاتية.

يشمل ذلك تطوير منظومات الدفاع الجوي، وتعزيز التنسيق الإقليمي في مجالات الإنذار المبكر، وتوسيع الشراكات مع قوى دولية وإقليمية، إلى جانب الاستثمار في القدرات التقنية والسيبرانية لحماية منشآت الطاقة والبنية التحتية، ومع ذلك، يبقى هذا التوجه محكوماً بإدارة الاعتماد، حيث لا يصل إلى مستوى الاستقلال، بل يهدف إلى تخفيف درجة الارتهان دون الخروج من الإطار القائم.

الاطروحات الدولية

تعود فكرة "الأمن الجماعي" في الخليج إلى الواجهة مع تصاعد التوتر وارتفاع كلفة الوجود العسكري الأمريكي، حيث تطرح روسيا وبعض الأطراف الدولية تصورات تقوم على إشراك دول الإقليم في ترتيبات أمنية مشتركة تقلل من الاعتماد على القوى الخارجية.

في المستوى الاستراتيجي، تستند هذه الطروحات إلى بناء إطار أمني يضم إيران ودول الخليج، مع حضور دولي يضمن التوازن، بما يسمح بإدارة العلاقات داخل الإقليم دون هيمنة طرف واحد، إلا أن هذه الطروحات تظل محدودة التأثير في المدى القريب، لغياب الأدوات القادرة على تحويلها إلى واقع عملي.

لا تمتلك روسيا حضوراً عسكرياً داخل الخليج يسمح بفرض هذا التصور، كما لا تبدي الصين استعداداً لتحمل دور أمني مباشر، مفضلة التركيز على الاستقرار الاقتصادي والتجاري، أما الدول الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا، فتتحرك في إطار حماية الملاحة وخفض التصعيد، دون الدخول في ترتيبات أمنية تتطلب التزامات عسكرية كبيرة، ويعكس ذلك فجوة واضحة بين الطرح السياسي والإمكان التنفيذي، حيث تبقى هذه المبادرات إطاراً نظرياً قابلاً للنقاش، لكنها لا تمثل بديلاً فعلياً للنظام القائم في المدى المنظور.

مستقبل القواعد والنظام الأمني

يتجه مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية بوصفها جزءاً من النظام الأمني نحو مسارين متداخلين؛ مسار قريب يتعلق بإدارة الواقع الميداني، ومسار أبعد يرتبط بتغير طبيعة الاستراتيجية الأمريكية.

في المدى القريب، يجري التعامل مع استهداف القواعد عبر إعادة تنظيم الانتشار العسكري، من خلال توزيع القوات على مواقع أصغر وأكثر تباعداً، وربطها بشبكات عمليات تشمل البحر والجو ومنظومات القيادة والسيطرة، ويهدف هذا النمط إلى تقليل حجم الخسائر في حال الاستهداف، والحفاظ على القدرة العملياتية دون الاعتماد على قواعد كبيرة يسهل ضربها.

في المدى البعيد، لا يرتبط هذا التحول بنتائج الحرب فقط، بل يتصل بتوجه أوسع في الاستراتيجية الأمريكية يقوم على تقليل الأعباء العسكرية المباشرة، وإعادة توزيع انفاقها عالمياً، وفي هذا السياق، لا تتجه الولايات المتحدة إلى الانسحاب الكلي من الخليج، لكنها تعمل على الحفاظ على وجودها بصيغة أقل كلفة، تقوم على إعادة بناء بعض القواعد بشكل محدود، أو استبدالها بمنشآت أصغر وانتشار موزع، مع زيادة الاعتماد على القوات البحرية والجوية.

يرتبط هذا التوجه أيضاً بتغيير في طريقة إدارة الأمن، حيث لم تعد الولايات المتحدة مستعدة لتحمل الكلفة كاملة، بل تتجه إلى نقل جزء كبير منها إلى دول الخليج، سواء عبر تمويل إعادة البناء أو عبر تحمل كلفة الدفاع عن المنشآت الحيوية.

في هذا الإطار، لم تعد القواعد تمثل مركز النظام الأمني كما كانت خلال الحرب الباردة، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع لإدارة الصراع، حيث لم يعد الهدف منع التهديدات بشكل كامل، بل تقليل أثرها والتعامل معها عند وقوعها.

وبذلك، تتحول القواعد من مواقع سيطرة ثابتة إلى عناصر ضمن شبكة عمليات موزعة، تعمل في بيئة تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع كلفة المواجهة، مع استمرار الوجود الأمريكي بصيغة معدلة تتناسب مع طبيعة المرحلة.

تقدير الموقف الاستراتيجي

يتجه النظام الأمني في الخليج إلى مرحلة انتقالية تتغير فيها طبيعة عمله دون أن يفقد بنيته الأساسية، حيث يستمر الوجود العسكري الأمريكي، لكن بقدرة أقل على فرض الاستقرار بالشكل الذي كان قائماً في العقود السابقة.

لا يؤدي استهداف القواعد إلى إنهاء دورها، بل إلى إدخالها في معادلة جديدة تقوم على ارتفاع الكلفة مقابل استمرار الحاجة إليها، وفي المقابل، لا تمتلك إيران مشروعاً بديلاً لإدارة الأمن في الخليج، لكنها تنجح في رفع كلفة النظام القائم وإضعاف استقراره.

تتحرك الولايات المتحدة نحو الحفاظ على نفوذها مع تقليل الكلفة، فيما تتحرك دول الخليج بين الحاجة إلى هذا الوجود والرغبة في تخفيف الاعتماد عليه، دون القدرة على الاستغناء عنه.

ينتج عن ذلك توازن جديد يقوم على إدارة الصراع، حيث تبقى القواعد جزءاً من المعادلة الأمنية لا أساساً للنظام الأمني كما كان عليه الأمر تاريخياً، وذلك في مرحلة باتت فيها البيئة الأمنية أكثر تعقيداً تتداخل فيها الحماية مع المخاطر، ويصبح الأمن فيها عملية مستمرة لضبط الكلفة، لا حالة يمكن تثبيتها بشكل دائم.

 

 

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز

مواضيع متعلقة