Logo dark


أمريكا أولاً في عالم متغير .. قراءة أولويات الولايات المتحدة في استراتيجية الأمن القومي الجديدة 2025م

( باحث , )

مدخل:

تعود فكرة "استراتيجية الأمن القومي" إلى الترتيبات المؤسسية التي أُقرت في الولايات المتحدة عقب الحرب الباردة، ولا سيما بعد صدور قانون إعادة تنظيم وزارة الدفاع والأمن القومي عام 1986م (قانون غولدووتر–نيكولز)، الذي ألزم السلطة التنفيذية، ممثلة بالرئيس، تقديم وثيقة دورية تحدد الرؤية الشاملة للمصالح القومية وأدوات القوة ومجالات التهديد، ومنذ نسخة 1987م الأولى، تحولت هذه الوثيقة إلى الإطار النظري الذي ينسّق بين الأجهزة السياسية والعسكرية والاستخباراتية، ويحدد الاتجاهات الكبرى للسياسة الخارجية الأميركية، ورغم أن كل إدارة تضفي طابعها الفكري والأيديولوجي على الاستراتيجية، فإن موقعها في البنية الحكومية يجعلها أداةً رسمية تُقدَّم إلى الكونغرس وتُستَخدم لتوجيه موازنات الدفاع، وتحديد طبيعة التحالفات، وصياغة أولويات الانتشار العسكري، وربط الأمن القومي بالاقتصاد والتكنولوجيا والمنافسة الجيوسياسية.

أولاً: مقدّمة منهجية

 موقع استراتيجية الأمن القومي في بنية القرار الأمريكي

تأتي وثيقة استراتيجية الأمن القومي في صدارة الوثائق التي تُعرِّف الكيفية التي ترى بها الولايات المتحدة العالم، وتُحدِّد من خلالها مصادر التهديد، وفرص القوة، وأولويات الحركة على المديين المتوسط والبعيد، وعلى خلاف الخطابات أو البرامج الانتخابية، فإن الاستراتيجية تُصاغ لتكون مرجعاً لـمؤسسات الدولة مجتمعة، المدنية والعسكرية والأمنية، وتُستخدم إطاراً عاماً لتوجيه السياسات التفصيلية في الدفاع، والخارجية، والتجارة، والطاقة، وغيرها.

 خصوصية نسخة 2025م:

تكتسب نسخة 2025م من الاستراتيجية أهمية خاصة لأنها تُجسِّد انعطافة واضحة عن النموذج الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة وحتى العقدين الأولين من الألفية الجديدة؛ فالوثائق الأقدم انطلقت من فرضية قيادة أمريكية لنظام دولي ليبرالي، يقوم على توسيع التحالفات والمؤسسات متعددة الأطراف، والترويج لاقتصاد عالمي منفتح، واستخدام خطاب "نشر الديمقراطية" في تبرير التدخلات الخارجية، أما الاستراتيجية الحالية فتنطلق من مسلَّمات مختلفة: العالم مكوَّن من دول قومية قوية تتنافس على الموارد والتكنولوجيا والأسواق، والتحالفات ليست قيمة في ذاتها بل تُقاس بمدى توافقها مع المصلحة الأميركية المباشرة، والعولمة الاقتصادية بصيغتها السابقة لم تعد مكسباً صافياً للولايات المتحدة، بل تحوَّلت إلى قناة نقلٍ للقوة إلى منافسين جدد، هذه النقلة من "هندسة نظام عالمي" إلى "إدارة تنافس بين كتل كبرى" هي ما يمنح الوثيقة طابعها الفاصل.

الفروق الجوهرية عن استراتيجيتَي 2017م و2022م

تكشف المقارنة مع استراتيجية 2017م ومع نسخة 2022م عدداً من الفروق التي تبرز موقع وثيقة 2025م في مسار تطور التفكير الأمريكي، فقد حملت استراتيجية 2017م ملامح مبكرة لشعار "أميركا أولاً"، لكنها بقيت جزئياً حبيسة تناقض بين الخطاب الشعبوي والهيكل التقليدي لمؤسسة الأمن القومي، فبدت أقرب إلى وثيقة انتقالية؛ تعترف بعودة منافسة القوى الكبرى (خصوصاً الصين وروسيا)، لكنها لم تحسم القطيعة مع إرث "الحرب على الإرهاب" ولا مع بعض عناصر العولمة الاقتصادية، أما استراتيجية 2022م فقد عادت لتؤكد مركزية المنافسة مع الصين ضمن إطار ليبرالي–ديمقراطي، وقدمت الصراع بوصفه مواجهة بين "ديمقراطيات واستبداديات"، وأبقت على لغة واسعة حول التحالفات المتعددة الأطراف، وأعطت أهمية كبيرة لاستعادة صورة الولايات المتحدة كقائد أخلاقي للنظام الدولي، بالمقابل، تتخلى وثيقة 2025م عن هذا البعد الأخلاقي–الخطابي تقريباً، لصالح لغة صريحة تُعيد تعريف المصالح بمعايير القوة، والسيادة، والقدرة التنافسية، وتضع الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا في قلب مفهوم الأمن القومي، مع تقليص واضح لمساحة الحديث عن "نشر القيم" أو "إصلاح الأنظمة السياسية" في الخارج.

موقع اليمن والشرق الأوسط في خلفية هذه القراءة

يكتسب هذا التحليل بعداً إضافياً حين يُقارب من بيئة تقع في قلب الممرات البحرية العالمية، مثل اليمن والبحر الأحمر وباب المندب؛ فالاستراتيجية، وإن لم تُفرد لليمن مساحة نصية واسعة، إلا أنها تتعامل مع أمن الممرات التجارية، واستقرار سلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، بوصفها عناصر مركزية في تحديد أين ومتى وكيف تتدخل الولايات المتحدة. وبما أنّ اليمن، والقرن الأفريقي، و"الشرق الأوسط" عموماً، يشكلون عقدة أساسية في شبكة التجارة بين آسيا وأوروبا وأمريكا، فإن أي إعادة ترتيب للأولويات الأميركية ستنعكس مباشرة على شكل الحضور العسكري والسياسي في هذه المناطق، وعلى طبيعة العلاقة مع القوى الإقليمية الصاعدة فيها.

 

 

ثانياً: الأسس الأيديولوجية – "أمريكا أولاً" كعقيدة كونية

 السيادة القومية الصلبة

يظهر مفهوم السيادة في استراتيجية 2025م بوصفه الإطار المركزي الذي يُعاد من خلاله تعريف دور الدولة الأمريكية في العالم، يبرز المفهوم كأداة لاستعادة القدرة على التحكم في القرار السياسي والاقتصادي بعيداً عن القيود التي فرضتها المؤسسات الدولية وسلاسل التوريد العالمية والتحالفات الواسعة، وتدور الفكرة الأساسية حول استرجاع سلطة الدولة على حدودها وأسواقها ومواردها، في مواجهة ما تعتبره واشنطن "تنازلات" قدمتها خلال مرحلة العولمة لصالح القوى الصاعدة. ومن هنا، تتخذ السيادة طابعاً صلباً، قائماً على رفض أي التزامات لا تحقق مكاسب مباشرة، وإعادة هندسة العلاقة بين الداخل والخارج بحيث تكون الأولوية المطلقة لتأمين المجال الوطني وحمايته من النفوذ الاقتصادي والسياسي الخارجي.

القومية الاقتصادية

تعيد الاستراتيجية الاعتبار للقومية الاقتصادية باعتبارها حجر الزاوية للأمن القومي؛ فالمنافسة اليوم، كما تقدمها الوثيقة، لا تُحسم فقط بالقوة العسكرية، بل بقدرة الدولة على التحكم في الإنتاج والتكنولوجيا والأسواق، وتؤكد الوثيقة أن الولايات المتحدة لن تستطيع الحفاظ على وضعها العالمي ما لم تستعد تفوقها الصناعي، وتستعيد الصناعات التي جرى نقلها إلى آسيا، وتبني سلاسل توريد داخلية أو ضمن دول حليفة موثوقة، وتكشف هذه المقاربة عن تحول جوهري في التفكير الأميركي: الاقتصاد لم يعد مجالاً منفصلاً عن الأمن، بل عنصراً مكمّلاً لمنظومة الردع، ومع هذا التحول، تتقدم سياسات الحمائية، وفرض الرسوم، وتقييد الاستثمارات الأجنبية، ودعم الصناعات المحلية، كأدوات استراتيجية تهدف إلى إعادة توجيه الاقتصاد ليخدم القوة القومية الأمريكية أولاً.

تراجع العولمة

تضع الوثيقة حداً للمرحلة التي اعتبرت فيها الولايات المتحدة العولمة مشروعاً استراتيجياً يعزز قيادتها للنظام الدولي. فما تعرضه الاستراتيجية هو قراءة نقدية مفادها أن العولمة الصناعية والتجارية، بصيغتها السابقة، أضعفت القاعدة الإنتاجية الأميركية وسمحت بتشكل مراكز قوة منافسة اعتمدت على السوق الأميركي لتقوية قدراتها. وتُعامِل الاستراتيجية تفكك العولمة بوصفه أمراً واقعاً لا خياراً، وتدعو إلى إعادة بناء اقتصاد عالمي أكثر "مركزية" حول الولايات المتحدة وشركائها. ويظهر هذا المنطق في الدعوة إلى إعادة تشكيل النظام التجاري، وتحديث قواعد الاستثمار، وبناء بدائل للبنية التحتية العالمية التي باتت الصين أحد أهم مهندسيها. وبذلك، تتحول نهاية العولمة الليبرالية إلى نقطة انطلاق لمشروع أميركي جديد يقوم على التنافس لا على الدمج الاقتصادي الشامل.

الهجرة بوصفها تهديداً استراتيجياً

تتعامل الاستراتيجية مع الهجرة، خصوصاً عبر الحدود الجنوبية، بوصفها تهديداً يمس الأمن القومي مباشرة، فالهجرة في الوثيقة ليست مسألة إنسانية أو اجتماعية، بل قضية ترتبط بالأمن الداخلي، واستقرار المدن الحدودية، وتوازن سوق العمل، والهوية الوطنية، وحتى قدرة الدولة على إدارة مواردها، وتعتبر الوثيقة أن الهجرة غير المنظمة تُستخدم أحياناً من قبل خصوم الولايات المتحدة كأداة ضغط سياسي، أو كوسيلة لإضعاف التماسك الداخلي، لذلك، تدعو الاستراتيجية إلى تشديد الرقابة على الحدود، وبناء منظومات تقنية متقدمة للمراقبة، وعقد ترتيبات أمنية صارمة مع دول العبور، والتعامل مع شبكات الاتجار بالبشر والمهربين كخصوم استراتيجيين لا كمجرمين. وهذا التوسع في تعريف التهديد ينسجم مع تحوّل الأمن القومي الأميركي نحو رؤية أكثر راديكالية للداخل الأميركي بوصفه جبهة من جبهات الصراع العالمي.

 

 

ثالثاً: إعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة في العالم

 1أمريكا اللاتينية – المركز الأول

عودة مبدأ مونرو بصورة هجومية

تُعيد استراتيجية 2025م تثبيت نصف الكرة الغربي بوصفه المجال الحيوي الأول للولايات المتحدة. وتعتمد الوثيقة صياغة هجومية لمبدأ مونرو([1])، تؤكد أن أي حضور صيني أو روسي في القارة يُعد تهديداً مباشراً للأمن القومي الأميركي، ويتحول الجوار الجغرافي إلى خط دفاع أول، ما يدفع واشنطن إلى تعزيز السيطرة البحرية والاستخباراتية، ومنع قيام أي ترتيبات إقليمية قد تُقيد قدرتها على الحركة داخل فضائها الجغرافي الأقرب.

تضع الوثيقة التوسع الصيني والروسي في أمريكا اللاتينية في مرتبة تهديد بنيوي، فالصين أصبحت المستثمر الأكبر في البنية التحتية والمعادن والطاقة، بينما تحاول روسيا بناء شبكات نفوذ عسكري–سياسي في دول عديدة، وترى واشنطن في هذه التحركات محاولة لفتح جبهة ضغط استراتيجية في محيطها المباشر، ما يستوجب تحركاً مضاداً يضمن إبقاء القارة ضمن المدار الأميركي.

تعطي الاستراتيجية للهجرة غير النظامية صبغة أمنية كاملة، إذ تربطها بالجريمة المنظمة، وانهيار الدول، وتدخل القوى المنافسة، وتدعو إلى بناء منظومة ردع حدودية تتضمن تدخل الجيوش، وتوسيع الشراكات الأمنية مع دول العبور، وتطوير أدوات مراقبة متقدمة، وهكذا تتحول الهجرة من ملف اجتماعي إلى أداة في الصراع الجيوسياسي.

ينعكس هذا التحول على البحر الكاريبي، الذي تعتبره الولايات المتحدة عقدة استراتيجية لطرق التجارة والطاقة، فوجود استثمارات صينية أو ترتيبات بحرية روسية في هذه المنطقة يُعدّ تهديداً مباشراً لحرية الملاحة الأميركية، ولهذا تتجه واشنطن إلى تعزيز حضور الأسطول الجنوبي، وتطوير بنية مراقبة بحرية تغطي كامل الحزام الكاريبي.

الصين – المنافس الأكبر

تقدم الوثيقة الصين بوصفها التحدي الأكبر لتفوق الولايات المتحدة، ليس عسكرياً فقط، بل صناعياً وتكنولوجياً، وتبرز أهمية الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، وسلاسل القيمة العالمية، وقدرة الصين على قيادة ثورة صناعية جديدة، ومن هنا، تدعو الاستراتيجية إلى إعادة بناء القاعدة الإنتاجية الأميركية، وتقييد التعاون التكنولوجي مع بكين، وفرض ضوابط على الاستثمارات.

ترى الاستراتيجية أن هيمنة الصين على سلاسل التوريد—خصوصاً المعادن النادرة والإلكترونيات—تشكل خطراً استراتيجياً على قدرة الولايات المتحدة على خوض تنافس طويل المدى. لذلك، تتبنى الوثيقة مقاربة تهدف إلى إعادة توطين الصناعات الحيوية داخل الولايات المتحدة، أو نقلها إلى دول تعتبرها واشنطن "موثوقة".

تُعرّف الاستراتيجية تايوان بوصفها نقطة الاشتباك الأكثر حساسية في العلاقات الأميركية–الصينية. وسيطرة الصين على الجزيرة ستمنحها موقعاً عسكرياً–بحرياً متقدماً، إضافة إلى سيطرة شبه كاملة على صناعة أشباه الموصلات. لذلك، تدعم واشنطن تعزيز قدرات الردع التايوانية والتحالفات البحرية في المحيط الهادئ.

على الرغم من الحديث عن الردع، تؤكد الوثيقة أن واشنطن لا تسعى إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الصين. فالحرب قد تؤدي إلى انهيار النظام الاقتصادي العالمي الذي تستفيد منه الولايات المتحدة، كما قد تُسرّع انتقال القوة إلى مراكز جديدة. ولذلك تفضّل واشنطن "إدارة التنافس" بدلاً من حسمه بالقوة.

 3 أوروبا – الشريك المتراجع

تشير الوثيقة إلى أن أوروبا تعاني أزمة ديموغرافية عميقة تقلل قدرتها على التجدد الاقتصادي والعسكري، وتحد من فعاليتها في النظام الدولي. ويُعدّ هذا من أهم أسباب تراجع موقع أوروبا في الأولويات الأميركية.، وتواجه أوروبا- من منظور الاستراتيجية- أزمة هوية تتعلق بالهجرة، والاندماج، وتعدد القوميات، وتراجع الثقة بالمشروع الأوروبي. وتُراهِن الاستراتيجية على أن هذه الأزمة ستحد من قدرة الاتحاد الأوروبي على العمل ككتلة موحدة قادرة على مجاراة التحولات العالمية.

تتجه الاستراتيجية إلى تقليص الدور الأميركي في حماية أوروبا، وتطالب الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع. وهو تحول يعكس إعادة توزيع الموارد الأميركية نحو آسيا وأمريكا اللاتينية.

تخشى أوروبا من فك ارتباط واشنطن التدريجي بالناتو، ومن احتمال أن تجد نفسها في مواجهة روسيا بدون دعم أميركي كامل، فضلاً عن الخشية من تراجع نفوذها العالمي في ظل انتقال مركز الثقل نحو آسيا.

 روسيا – من "تهديد" إلى "مفاوض"

ترى موسكو أن الولايات المتحدة بصدد تقليص التزاماتها الأوروبية، ما يوفر فرصة لإعادة تموضع روسيا بوصفها قوة يجب التفاوض معها، لا مواجهتها فقط. وهذا يعيد لروسيا هامشاً استراتيجياً فقدته منذ التسعينيات.

تقرأ الاستراتيجية النزاع الأوكراني بوصفه عبئاً لا يمكن تحمله على المدى الطويل، ما يجعل التسوية السياسية خياراً مطروحاً. وتفهم موسكو هذا الميل باعتباره فرصة للتفاوض على ترتيبات أمنية أوروبية جديدة.

تلمّح الوثيقة إلى أن توسع الناتو لم يعد أولوية أميركية، وأن التحالف يجب أن يتحول من "التوسع" إلى "إدارة القدرات"، وهذا يصب مباشرة في مصلحة روسيا التي ترى في التوسع تهديداً وجودياً.

تفتح هذه التغيرات الباب أمام صياغة هندسة أمنية جديدة في أوروبا، تكون فيها روسيا طرفاً مشاركاً، لا مجرد خصم، وهو تحول كبير يعيد إلى الأذهان طبيعة التوازنات الأوروبية قبل نهاية الحرب الباردة.

 

 

رابعاً: المنطقة العربية "الشرق الأوسط" – الإقليم المتراجع الأهمية

 1 نهاية مركزية "الشرق الأوسط" في الإستراتيجية الأمريكية

تعيد الاستراتيجية الجديدة تعريف موقع الشرق الأوسط داخل سلّم الأولويات الأمريكية، معتبرة أن أهمية الإقليم قد تراجعت مقارنة بعقود الحرب الباردة ومرحلة ما بعد 11 سبتمبر، ويعود هذا التراجع إلى سببين رئيسيين: أولاً، تحوّل الولايات المتحدة إلى منتجٍ ومصدّر للطاقة بفضل الثورة الصخرية، ما قلل اعتمادها على نفط الخليج، وثانياً، تركيز واشنطن على صعود الصين والمنافسة في نصف الكرة الغربي، وهو ما يتطلب إعادة توزيع الموارد العسكرية والدبلوماسية، وبهذا يتوقف الشرق الأوسط عن كونه محوراً يومياً للسياسة الخارجية الأمريكية، ويصبح فضاءً يتم التعامل معه وفق منطق "إدارة المخاطر".

 2 أمن الممرات البحرية والمضائق الحيوية

تؤكد الوثيقة على أهمية حماية سلاسل التوريد العالمية، وضمان حرية الملاحة، ومواجهة أي تهديد يمكن أن يعطّل تدفّق الطاقة أو التجارة الدولية. ومن خلال هذا الإطار، يُفهم أن مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس تُدرج ضمن النقاط الحساسة التي ترى واشنطن أنّ استقرارها ضروري للحفاظ على الدور الأمريكي في الاقتصاد العالمي وفي أمن الممرات البحرية، ولهذا تتجه الولايات المتحدة إلى تبنّي وجود بحري مرن قابل للتعزيز عند الحاجة، بدلاً من نمط الانتشار العسكري الواسع الذي ميّز المراحل السابقة، فتراجعها من المنطقة لا يعني التخلي عن هذه الممرات الحيوية.

احتواء إيران بدل مواجهتها المباشرة

تتبنى الاستراتيجية مقاربة مختلفة تجاه إيران، تعتمد على "الاحتواء الذكي" لا المواجهة الشاملة. ويعود ذلك إلى إدراك واشنطن أن إسقاط النظام الإيراني أو الدخول في حرب مفتوحة سيؤديان إلى كلفة اقتصادية وسياسية عالية، إضافة إلى فوضى إقليمية يصعب السيطرة عليها، وبدلاً من ذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص نفوذ إيران في الإقليم عبر أدوات غير مباشرة—دبلوماسية، اقتصادية، وتحالفية—مع الإبقاء على خطوط منع التصعيد مفتوحة، ويعكس هذا التحول رؤية أكثر براغماتية تقوم على إدارة النفوذ بدل محاولة القضاء عليه.

أمن "إسرائيل" في إطار مختلف

تظل حماية التفوق العسكري لإسرائيل مبدأ ثابتاً، إلا أن الاستراتيجية تشير إلى تحول في طبيعة هذا الالتزام، فواشنطن لم تعد راغبة في الانجرار إلى حروب مفتوحة بالنيابة عن "إسرائيل"، أو تحمل كلفة تدخلات واسعة، خاصة بعد التحولات المعقدة في غزة والمنطقة، وبدلاً من الانخراط المباشر، تركز الولايات المتحدة على تطوير قدرات "إسرائيل" الذاتية، وتعزيز التعاون التكنولوجي والاستخباراتي، وضبط سلوك الإقليم بما يمنع نشوب حروب طويلة الأمد، وهذا التوازن الجديد يعكس رغبة أمريكية في تجنب التورط المفرط، مع الإبقاء على حماية التحالف التقليدي.

 

 

 تراجع سياسة تغيير الأنظمة وصعود منطق الاستثمار

تُعلن الاستراتيجية بوضوح انتهاء مرحلة التدخلات الكبرى التي اتسمت بها سنوات ما بعد 2001م، سواء عبر الغزو المباشر، أو إعادة تشكيل الأنظمة السياسية بالقوة، بدلاً من ذلك، تتبنى واشنطن منطقاً يقوم على الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية، والدخول في مشاريع استثمارية في الطاقة المتجددة، الموانئ، أمن الحدود، والتكنولوجيا الدفاعية، ويعكس هذا التحول رؤية أكثر تراكمية تقوم على بناء نفوذ عبر الاقتصاد والاستثمار، لا عبر التدخل العسكري، كما ينسجم هذا النهج مع صعود منافسين مثل الصين، الذين يستخدمون البنية التحتية والاستثمار بوصفهما أدوات استراتيجية.

 تحولات أولويات الولايات المتحدة تجاه دول الإقليم

تتبدل درجة الاهتمام الأمريكي بين دول الشرق الأوسط وفق موقع كل دولة في شبكة المصالح الجديدة. فدول الخليج—خصوصاً السعودية والإمارات—تحافظ على موقع متقدم بفضل ثرواتها، وأسواقها، وتحولاتها الاقتصادية المرتبطة بالطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي. بينما تظل مصر والأردن في موقع الشريك الضروري لضبط توازنات غزة وسيناء والحدود، أما سوريا ولبنان واليمن فتقع على هامش الأولويات، إلا فيما يتعلق بأمن الممرات البحرية أو النفوذ الإيراني أو الاستقرار الإنساني. هذا التفاوت يعكس مقاربة تقوم على "انتقائية النفوذ" بدل الشمول.

منطق إدارة الأزمات بدل حلها

لا تتوقع الاستراتيجية حلّاً جذرياً لصراعات المنطقة، سواء في فلسطين أو سوريا أو اليمن، بل تعتمد على إدارة طويلة الأمد للأزمات بما يمنع انفجارها ويُبقيها ضمن الحدود القابلة للضبط، ويمثل هذا التحول قطيعة مع أيديولوجيا "صنع السلام" التي روّجت لها الإدارات السابقة، فالمهم بالنسبة للولايات المتحدة هو عدم السماح بتحول أي أزمة إلى تهديد مباشر لمصالحها البحرية أو الطاقية أو التحالفية.

 

 

 

خامساً: موقع اليمن في الاستراتيجية  

باب المندب كعنصر حيوي في معادلة الممرات العالمية

تتعامل الاستراتيجية مع البحر الأحمر وباب المندب بوصفهما جزءاً من شبكة الممرات الحيوية التي تربط آسيا بأوروبا والولايات المتحدة، أكثر من تعاملها مع اليمن كدولة ذات مشروع سياسي مستقل. فباب المندب يُقدَّم في النصوص الأميركية كـ"نقطة اختناق" تؤثّر في حركة التجارة العالمية، وفي أمن الطاقة القادم من الخليج باتجاه أوروبا والولايات المتحدة، وفي سلامة خطوط الملاحة التي تعتمد عليها سلاسل التوريد الدولية، ومن هذا المنظور، يصبح اليمن مجالاً جغرافياً يجب ضبطه والتحكّم في مخاطره، لا فاعلاً سياسياً يمتلك حقوقاً سيادية كاملة على ممرٍ دولي يمرّ عبر مياهه الإقليمية، هذه المقاربة تجعل من أمن المضيق أولوية أمريكية ثابتة، حتى في سياق تراجع الأهمية النسبية للشرق الأوسط في سلّم الأولويات.

 التنافس الأمريكي–الصيني في الممرات البحرية

 تضع الاستراتيجية التنافس مع الصين في قلب رؤيتها لإدارة البحار والممرات العالمية، الأمر الذي يمنح البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن أهمية خاصة في الحسابات الأمريكية. فالتوسع الصيني في البنى التحتية للموانئ، وشراكاتها الاقتصادية والأمنية في القرن الأفريقي، يُنظر إليه بوصفه جزءاً من شبكة نفوذ بحرية تربط المحيطين الهندي والهادئ بالبحر المتوسط عبر مسار "الحزام والطريق". وبناء على هذه المبادئ، يظهر اليمن—بموقعه على واحد من أهم الممرات الدولية—كنقطة يمكن أن تتحول إلى ركيزة في هذا المسار إذا خرجت من الفضاء الاستراتيجي الأميركي–الخليجي. ولهذا تميل واشنطن إلى تثبيت حضور بحري وتحالفات أمنية مرنة في الممرات المقابلة للسواحل اليمنية، بما يحدّ من قدرة الصين على تحويل هذه المنطقة إلى فضاء تنافسي مفتوح أو توظيفه في تعزيز نفوذها البحري.

اليمن كحالة نموذجية في أمن الطاقة والتجارة العالمية

يظهر اليمن، في ضوء المبادئ العامة للاستراتيجية، كحالة تجمع بين هشاشة داخلية وموقع جيو–اقتصادي بالغ الحساسية. فالبيئة اليمنية تُفهم ضمن إطار التهديدات غير النظامية التي يمكن أن تتوسع في غياب دولة قوية: جماعات مسلّحة، اقتصاد حرب، أنشطة تهريب، وأنماط من الارتباط الإقليمي. وفي الوقت نفسه، يقع اليمن على مفصل بحري ينعكس اضطرابه مباشرة على حركة التجارة العالمية، وكلفة التأمين والشحن، وسلاسل التوريد التي تعتمد على البحر الأحمر وباب المندب كقناة أساسية للربط بين آسيا وأوروبا، ومن هذا المنظور، تتحدد أهمية اليمن في الحسابات الأميركية ليس من خلال قدرته الاقتصادية أو العسكرية، بل من خلال موقعه على أحد الممرات التي يقوم عليها النظام التجاري العالمي.

 آثار الاستراتيجية على الصراع اليمني الداخلي

لا تُظهر الاستراتيجية اتجاهاً لاعتبار اليمن ملفاً مركزياً يستحق استثماراً سياسياً كثيفاً من واشنطن، بل تميل إلى التعامل معه ضمن منطق "إدارة المخاطر" المرتبطة بأمن الملاحة ومكافحة ما يُصنَّف تهديداً إرهابياً أو صاروخياً–بحرياً، هذا يعني عملياً أن الصراع اليمني يُترَك في المرتبة الثانية أو الثالثة في أجندة السياسة الخارجية، ويُدار عبر الوسطاء الإقليميين (السعودية، الإمارات، الأمم المتحدة) بدل أن تتبنّى واشنطن مبادرة حلٍّ سياسيٍّ شامل. وبهذا، يُخشى أن تتحول الحرب في اليمن إلى نزاع طويل منخفض الوتيرة، يُضبط فقط عندما يقترب من المساس المباشر بالمصالح البحرية والتجارية.

الأمن البحري بوصفه نقطة التدخّل المفضّلة

تُظهر نصوص الاستراتيجية وتغطياتها أن اللحظات التي يتحرك فيها الموقف الأميركي أكثر تكون مرتبطة غالباً بهجمات على السفن أو تهديدات صاروخية وبحرية في البحر الأحمر وخليج عدن. أي أن "الأمن البحري" هو المدخل الإسرائيلي–الأمريكي الأساسي للتعامل مع صنعاء والسواحل اليمنية، أكثر من كونه مدخلاً لتسوية سياسية بين الأطراف اليمنية، وهذا يخلق مفارقة: فكلما زادت قدرة صنعاء على التأثير في خطوط الملاحة، ارتفعت أهميتها الأمنية في الحسابات الأميركية، لكن من زاوية الضغط والردع، لا من زاوية الاعتراف السياسي بدورها في معادلة النظام الإقليمي.

علاقات واشنطن بالرياض وأبو ظبي في ضوء الاستراتيجية

تُبقي الاستراتيجية على السعودية والإمارات بوصفهما الأداتين الرئيسيتين لإدارة الملف اليمني، لكن ضمن سقوف جديدة. فواشنطن لا تسعى إلى العودة إلى نمط الحرب الشاملة المفتوحة كما كان في بدايات العدوان، بل تدفع باتجاه ترتيبات "إعادة تموضع" تُقلِّل الانخراط المباشر، وتترك مهام الضبط الميداني لقوى محلية مدعومة من الرياض وأبوظبي، مع استعداد أميركي للتدخل حين تمسّ التطورات أمن الممرات أو خطوط الطاقة، وفي هذا الإطار، يميل الموقف الأميركي إلى تشجيع حلول تُخفِّف الكلفة على الحليفين الخليجيين، حتى لو كانت نتيجتها تفكيكاً جزئياً للوحدة الجغرافية أو إنتاج ترتيبات حكم متعدّدة المراكز داخل اليمن، طالما أن هذه الترتيبات تُبقي البحر الأحمر وباب المندب ضمن فضاء نفوذ صديق.

ملامح السياسة الأمريكية القادمة تجاه اليمن

يمكن تلخيص الاتجاهات العامة للسياسة الأمريكية المحتملة تجاه اليمن في ضوء هذه الاستراتيجية في عدة خطوط رئيسية:

  • استمرار تهميش البعد السياسي الشامل لحلّ الأزمة، مقابل التركيز على ملفات محددة: أمن الملاحة، الصواريخ، النفوذ الإيراني المفترض، والهجرة غير النظامية.
  • الاعتماد المتزايد على ترتيبات أمنية بحرية متعددة الأطراف (تحالفات بحرية، أطر "حماية الملاحة"، تعاون استخباراتي)، بدلاً من التورط في بنية الصراع الداخلي.
  • تفويض أوسع لحلفاء إقليميين لإدارة تفاصيل المشهد اليمني البري، مقابل احتفاظ واشنطن بحقّ التدخل عند أي تهديد للممرات أو للقواعد الأميركية في المنطقة.
  • التعويل على حلول "جزئية" أو "مؤقتة" تُبقي اليمن في حالة لا حرب شاملة ولا سلام مستقر، بما يضمن درجة من السيطرة على المخاطر، من دون دفع ثمن بناء تسوية تاريخية مكلفة سياسيّاً.

بهذه الصورة، يظهر اليمن في الاستراتيجية الأميركية كـ فضاء وظيفي أكثر منه كقضية سياسية–تاريخية تستحق معالجة جذرية؛ فضاء تُقاس أهميته بقدرته على تعطيل أو تأمين مفصل استراتيجي في النظام التجاري العالمي، لا بحجم المأساة الإنسانية أو حق المجتمع اليمني في دولة سيدة مستقلّة.

سادساً:  الاستنتاج العام

 ما الذي تعنيه الاستراتيجية لمستقبل النظام الدولي؟

تُظهر الاستراتيجية أن الولايات المتحدة باتت ترى العالم في مرحلة تحوّل عميق، لا يسمح بالاستمرار في النموذج الليبرالي المعولم الذي هيمنت عليه منذ نهاية الحرب الباردة. إنها استراتيجية تستبدل "القيادة الكونية" بمنطق "إدارة التوازنات"، وتمنح الأولوية لإعادة تشكيل بيئة تنافسية تُحاصر صعود القوى الأخرى—خصوصاً الصين—من خلال الممرات البحرية، التكنولوجيا، التحالفات المرنة، وسلاسل التوريد. وبذلك، تحمل الوثيقة ملامح انتقال من عالم أحادي القطبية إلى عالم شديد التعقيد، لكن دون الاعتراف رسمياً بأن الأحادية قد انتهت؛ فهي تحاول تمديد عمر النظام الأميركي عبر تحديث أدواته، لا عبر تغيير طبيعته. وبالتالي، فهي وثيقة تُعبّر عن مرحلة دفاعية أكثر منها هجومية: مرحلة تُدرك الولايات المتحدة فيها أن قدرتها على فرض قواعد اللعبة تتراجع، لكنها تحاول إعادة إنتاج الهيمنة بأدوات أكثر مرونة وخفة وأقل تكلفة.

هل هي وثيقة انتقالية نحو نظام متعدد الأقطاب؟

يمكن اعتبار الوثيقة انتقالية على مستويين متوازيين:

  1. انتقالية من جهة واشنطن نفسها:  فهي تتخلى عن نموذج التوسع الدولي الكثيف، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتقلّص الأعباء العسكرية، وتستبدل التدخلات المباشرة بتحالفات مقننة وبأطر اقتصادية–تكنولوجية.
  2. انتقالية في النظام الدولي : فهي تعترف—ولو ضمنياً—بأن الصين قوة صاعدة لا يمكن احتواءها بالكامل، وأن روسيا فاعل لا يمكن شطبه رغم إرادة إضعافه، وأن أوروبا لم تعد قاعدة ثابتة للنفوذ الأميركي كما كانت، كما أنها تفتح الباب أمام دور متعاظم لدول الجنوب العالمي في الممرات والأسواق والمجالات الحيوية، وإن كانت لا تمنحها مشاركة سياسية حقيقية في صنع القرار العالمي.

بهذا المعنى، تمثل الاستراتيجية محاولة لإدارة الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب دون السماح بتبلور أقطاب مستقلة قادره على منافسة النظام العالمي بقيادة واشنطن. أي أنها تُقرّ بالتعددية بوصفها واقعاً، وتقاومها بوصفها تهديداً في آن واحد.

إلى أين تتجه الولايات المتحدة؟

تشير الوثيقة إلى اتجاهات أربعة ستحدد المسار الأميركي في العقد القادم:

  • تعزيز القلعة الداخلية: حماية الحدود، إعادة بناء الصناعة، تخفيف الاعتماد على الخارج، استعادة سلاسل التوريد، والتحول نحو اقتصاد أكثر قومية.
  • تقليل الانخراط العسكري المباشر: استبدال الحروب البرية بالضغط البحري، والاستخباراتي، والتكنولوجي، والعقوبات المالية.
  • تحالفات مرنة بدل التحالفات العقائدية: حيث لا تُشترط الأيديولوجيا المشتركة بقدر ما يُشترط التموضع الجيوسياسي في مواجهة الصين.
  • إعادة ضبط العلاقة مع أوروبا: بحيث تصبح أوروبا أقل اعتماداً على المظلة الأمنية الأميركية، وأكثر قدرة على تمويل أمنها، دون أن تتحول إلى كتلة استراتيجية مستقلة عن واشنطن.

الولايات المتحدة لا تنسحب من العالم، لكنها تُحوِّل شكل حضورها من السيطرة المباشرة إلى "هندسة النظام" وتوجيهه من الخلف عبر الممرات الحيوية والتكنولوجيا والتمويل.

خلاصة مركّزة

الاستراتيجية ليست إعلاناً بولادة عالم جديد، بل محاولة لإدارة عالم يتغيّر رغماً عن واشنطن.
إنها وثيقة دفاعية هجومية:

  • تدافع عن موقع الولايات المتحدة في مواجهة القوى الصاعدة،
  • وتهاجم من خلال إعادة صياغة قواعد المنافسة بما يحافظ على تفوقها طويل المدى.

وبذلك، فإن مستقبل النظام الدولي لن يُحسم بانتصار طرف واحد، بل بصراع طويل بين مشاريع متوازية: مشروع أميركي يجدد الهيمنة، مشروع صيني يوسع شبكاته، ومشروع عالمي يتشكل ببطء في الجنوب—حيث الممرات والموارد والأزمات هي ساحات الصراع الحقيقية في العقد القادم.

 

 

ختاماً:

تكشف استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025م عن محاولة لإعادة هندسة الدور العالمي للولايات المتحدة في لحظة تتقاطع فيها تحولات القوة مع أزمات الداخل الأميركي. فالوثيقة لا تُعيد إنتاج منطق الهيمنة التقليدية فحسب، بل تسعى إلى تشكيل نمط جديد من القيادة يقوم على إدارة المنافسة لا حسمها، وعلى إعادة ترتيب الجغرافيا السياسية وفق أولويات تتقدم فيها أميركا اللاتينية وسلاسل التوريد والممرات البحرية على حساب الأقاليم التي كانت تشكل مركز الصراع في العقود الماضية.

ومع ذلك، تكشف الاستراتيجية عن عمق المأزق البنيوي الذي تواجهه واشنطن: فهي تريد الحفاظ على موقعها في نظام دولي يتجه موضوعياً نحو التعددية، وتريد في الوقت نفسه تفادي كلفة المواجهات الكبرى التي قد تعجّل بزوال تفوقها النسبي.

 وفي هذا السياق، يشكل الشرق الأوسط واليمن نموذجين واضحين لكيفية توظيف القوة الأميركية بأسلوب مرن ومحدود، يوازن بين ردع الخصوم ومنع الفراغ، من دون الانخراط في مشاريع تغيير الأنظمة أو الحروب المفتوحة.

وعلى المدى الطويل، تشير هذه التحولات إلى أن الولايات المتحدة تتجه نحو إدارة عالم متعدد المراكز، لا نحو منع ظهوره، في مسعى لإطالة زمن التفوق الأميركي عبر إعادة توزيع الأعباء، وتطوير شبكات التحالفات، والتموضع في نقاط الضغط الحساسة للاقتصاد العالمي.

 ومن ثمّ، تمثل الاستراتيجية وثيقة انتقالية بامتياز؛ فهي لا ترسم نهاية الهيمنة الأميركية، لكنها تعترف بأن استمرارها لم يعد ممكناً بالشروط القديمة، وأن عقداً قادماً من التنافس المنضبط سيحدد شكل النظام الدولي المقبل.

 


[1]:مبدأ مونرو: سياسة أعلنها الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823، تقوم على رفض أي تدخل أوروبي في شؤون الأمريكيتين، واعتبار نصف الكرة الغربي مجال نفوذ خاص بالولايات المتحدة، تحوّل لاحقاً إلى أساس لتبرير تدخل واشنطن في دول أمريكا اللاتينية ومنع القوى الخارجية من منافستها هناك.

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز

مواضيع متعلقة